بدأ من الصين أيضا.. هل يصبح "كورونا" مثل طاعون "الموت الأسود" قاتل الملايين في العصور الوسطى؟!

 

اضغط للاستماع

   

"ما أهلّ ذو القعدة (سنة 749هـ) إلا والقاهرة خالية مقفرة لا يُوجد في شوارعها مارٌّ بحيثُ إنه يمر الإنسان من باب زويلة (جنوب القاهرة) إلى باب النصر (شمال القاهرة) فلا يرى مَن يُزاحمه لكثرة الموتى، والاشتغال بهم، وعلَت الأتربة على الطرقات، وتنكّرت وُجوه الناس، وامتلأت الأماكن بالصياح فلا تجدُ بيتا إلا وفيه صيحة، ولا تمر بشارع إلا وفيه عدّة أموات، وصارت النعوش لكثرتها تصطدم والأموات تختلط".   

(المؤرخ تقي الدين المقريزي في وصفه لطاعون الموت الأسود)

    

في 25 (يناير/كانون الثاني) 2020م، أدركت السلطات الصينية أخيرا خطورة الوضع الصحي المتفشّي الذي اضطرها إلى إعلان الحجر الصحي لمدينتين من كبريات مدنها خوفا من انتشار فيروس كورونا القاتل إلى المدن الصينية الأخرى، ليخرج الرئيس الصيني "شي جين بينغ" معترفا بكارثية ما يجري وسرعته. بالتزامن مع تلك الأحداث كان العديد من بلدان العالم مثل الولايات المتحدة وفرنسا وكندا والسعودية وماليزيا وغيرها تُعلن عن اكتشاف مصابين بهذا الفيروس القاتل الذي تحوّر وأصبح بإمكانه الانتقال من الإنسان إلى الإنسان بعدما كان ينتقل من الحيوان إلى الإنسان فقط.

  

وفي اليوم ذاته أعلنت صحيفة ديلي ستار البريطانية أن الحكومة الصينية تكذب في أعداد المصابين المعلنة، والتي قدّرتها الصحيفة بمئة ألف إصابة والتي تحاول الصين تعتيم الخبر عليها، وذلك قبل أن تحذف الخبر لاحقا، وإن أشارت إليه العديد من الصحف العالمية على رأسها التليجراف البريطانية أيضا[1]، وفي اليوم التالي أعلن خبراء صحة أميركيون أن الفيروس بإمكانه قتل 65 مليون إنسان في غضون الثمانية عشر شهرا القادمة من خلال برنامج محاكاة حاسوبي أُنشئ لهذا الغرض.

      

  

أما فيروس "كورونا" نفسه فهو يهاجم الجهاز التنفسي، ويمكن أن يؤدي إلى أمراض مثل الالتهاب الرئوي أو نزلات البرد، وأحدها كان مسؤولا أيضا عن تفشّي مرض الالتهاب الرئوي الحاد "السارس" في الصين، الذي أصاب 8000 شخص وقتل 774 في 2002 و2003[2].

    

غير أن هذه الظواهر المرضية التي يقف الإنسان عاجزا عن إدراك ماهيتها وطرق علاجها قد أصابت العالم في القديم بالعديد من الجوائح القاتلة، مثل طواعين العصر الوسيط التي خلّفت ما سُمّي بظاهرة "الموت الأسود"، تلك التي قتلت الملايين من البشر في قارات العالم الثلاث القديم، وتناول مشاهدها القاسية المؤرخون الغربيون والمسلمون على السواء. فماذا نعرف عن تاريخ الموت الأسود؟ وكيف أدّت هذه الجائحة إلى قتل الملايين من البشر؟ وماذا كتب عنها المؤرخون المسلمون والمسيحيون في مصادرهم التي لا تزال بين أيدينا إلى يومنا هذا؟!

  

من تاريخ الطاعون

ظلّت بعض الأوبئة مثل "الطاعون" طوال حقب زمنية طويلة لغزا يُحيّر الإنسان، ووقف الطب أمامها عاجزا عن الوصول إلى حلول فاصلة للقضاء عليها حتى أزمنة قريبة، بل بعضها إلى يومنا هذا، لكن الأبحاث الطبية الحديثة وضعت حدّا لحالة الحيرة والعجز هذه، فتوصّلت إلى تحديد دقيق لأسبابها وكيفية انتقالها، فالطاعون مرض مُعدٍ وبائي تتسبّب فيه عصية يرسن "Yersin"، ويتصف بالتهاب العقد اللمفاوية وبأعراض رؤية أحيانا، وينتقل فيروس الطاعون بواسطة القاضمات الوحشية والفئران الأهلية، حيث تقوم البراغيث بدور الناقل للعدوى، فعند إصابة تلك القوارض بالطاعون تتركه براغيثه بسبب الحمى أو بسبب موته إلى غيره من الحيوانات السليمة أو إلى الإنسان، وحينئذ تبدأ ما تُسمى بـ "الجائحة البشرية"[3].

      

  

وقد أدرك المسلمون "الطواعين" منذ مرحلة مبكرة للغاية في التاريخ الإسلامي، مثل طاعون "عمواس" الذي وقع في بلاد الشام بفلسطين سنة 18هـ، ومات بسببه عدد من كبار الصحابة مثل أبي عبيدة عامر بن الجراح ومعاذ بن جبل ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم، وكان عمر بن الخطاب قد قدم الشام آنذاك، فلما عرف بحقيقة هذا الوباء اجتمع مع المهاجرين والأنصار واختلفت الآراء، ثم استشار كبار المهاجرين فأشاروا عليه بالرجوع، حتى إن أبا عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه- اعترض على هذا التراجع قائلا:

     

"أفرارًا من قدر الله؟ فقال عُمر: لو غيرك قالها يا أبا عُبيدة، نعم نفرُّ من قدَر الله إلى قدر الله، أرأيتَ إن كان لك إبلٌ هبطت واديًا له عُدوتان؛ إحداهما خصيبةٌ والأخرى جدِبةٌ، أليس إن رعيتَ الخصيبة رعيتها بقدَر الله، وإن رعيتَ الجدبةَ رعيتها بقدر الله؟ فجاء عبد الرحمن بن عوف -وكان متغيبا في بعض حاجته- فقال: إن عندي في هذا علما، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا سمعتُم به بأرضٍ فلا تقدَموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم به فلا تخرجوا فِرارا منه". قال: فحمد اللهَ عمرُ، ثم انصرف"[4].

    

وهذه الوسيلة العلاجية للحجر الصحي الذي عرفه المسلمون، بل أوصى به النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل ألف وأربعمئة عام، لا تزال تُستخدم حتى يومنا هذا، فضلا عن منع الأصحاء من دخول المناطق الموبوءة، كما فعل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب.

  

وقد أحصى ابن قتيبة (ت 276هـ) في كتابه "المعارف" الطواعين التي وقعت في الإسلام حتى انتهاء زمن الدولة الأموية أو بُعيدها بقليل سنة 135هــ، وأشهر مَن قضوا في تلك الطواعين، قائلا: "أوّل طاعون في الإسلام طاعون «عمواس» بـ«الشام»، فيه مات «معاذ بن جبل» وامرأتاه وابنه، و«أبو عبيدة بن الجرّاح»، وطاعون «شيرويه بن كسرى» بـ«العراق» في زمن واحدٍ، وكانا جميعا في زمن «عمر بن الخطاب». وبين طاعون «شيرويه» وبين طاعون «عمواس» مدة طويلة. ثم طاعون «الجارف» في زمن «ابن الزّبير» سنة تسع وستين، وعلى «البصرة» يومئذ «عبيد الله بن عبد الله بن معمر"، ثم طاعون «الفتيات»؛ لأنه بدأ في العذارى والجواري بـ«البصرة»، وبـ«واسط» وبـ«الشام» وبـ«الكوفة»، و«الحجَّاج» يومئذ بـ«واسط» في ولاية «عبد الملك بن مروان»".

     

 

ويستدرك ابن قتيبة قائلا: "ومات فيه «عبد الملك بن مروان» أو بعده بقليل… وكان يقال له: طاعون الأشراف. ثم طاعون «عديّ بن أرطأة» سنة مئة. ثم طاعون «غراب» سنة سبع وعشرين ومئة. و«غراب» رجل من «الرّباب»، وكان أوّل من مات فيه في ولاية «الوليد بن يزيد بن عبد الملك». ثم طاعون «سلم بن قتيبة» سنة إحدى وثلاثين ومئة، في شعبان، وشهر رمضان، وأقلعَ في شوال، ومات فيه «أيوب السختياني».

 

وفي طاعون الأشراف يقول الشاعر:

وما ترك الطاعونُ مِن ذي قرابةٍ … إليه إذا كان الإيابُ يؤوبُ

  

ولم يقع بـ «المدينة»، ولا بـ «مكة» طاعون قط"[5].

  

الموت الأسود

على أن أعظم طواعين العالم قاطبة الذي لم يترك قطرا إلا دخله وخلّف فيه الخسائر الفادحة، وسُمي بالموت الأسود لفظاعته وبشاعته، ذلك الطاعون أو الجائحة التي بدأت في الصين في ثلاثينيات القرن الرابع عشر الميلادي -مثل هذه الأيام- ومنها إلى القارة الهندية ثم إلى الشرق وامتد إلى الجنوب الغربي حول البحر الأسود، فضرب القسطنطينية "إسطنبول" والأطراف الغربية للبحر المتوسط، فانتقل الوباء مع التجار والقوافل والجيوش والحجّاج والبعثات الدبلوماسية وعلى متن السفن المحمّلة بالبضائع والمسافرين من موانئ المناطق التي ضربها الطاعون في شرق آسيا[6].

      

  

الأمر الذي أدّى إلى تفشّيه في صقلية ومرسيليا وبيزا وجنوا والإسكندرية، وعبَر إلى المناطق الداخلية على متن القوارب والصنادل على طول الممرات المائية، وعلى متن العربات في الطرقات ودروب الجياد وعلى حيوانات الحمل، واجتاز جبال الألب والبرينية والبلقان، والقناة الإنجليزية وبحر الشمال، ووصل في نهاية المطاف إلى السهول الكبرى في أوروبا الشرقية والمدن الروسية في حوض نهر الدون وموسكو نفسها، وقد وصف شهود عيان كُثر تطور المرض بين الناس والمجتمعات، ومعاناة الضحايا والناجين على حدٍّ سواء، والخراب الاقتصادي والاجتماعي الرهيب الذي خلّفه الطاعون بعد انحساره، وقد بلغ عدد ضحايا في العالم الغربي وحده بما يقارب 35 مليون قتيل بنسبة وفيات بلغت 40 إلى 50% من تعداد سكان ذلك العصر[7].

   

ويصف العلامة ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) الأمراض الوبائية السابقة مقارنة بهذا الطاعون فيقول إنها لا تعدو أن تكون "قطرة في بحر أو نقطة في دائرة"، أما ابن الوردي ولهول الكارثة فهو عنده حديث فشو "الموتان الذي أنذر به النبي صلى الله عليه وسلم".

  

ويرفع ابن خلدون (ت 808هـ) هذا الحدث إلى مستوى الكارثة الكونية ويرسم لوحة سوداوية قاتمة بقوله: "وأما لهذا العهد وهو آخر السنة الثامنة (748هـ) فقد انقلبت أحوال المغرب الذي نحن شاهدوه وتبدّلت بالجملة… هذا إلى ما نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المئة الثامنة من الطاعون الجارف الذي تحيّف الأمم، وذهب بأهل الجيل، وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها، وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية مداها فقلص من ظلها، وفلّ من حدّها… وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر، فخربت الأمصار، ودرست السبل والمعالم، وخلت الديار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل، وتبدل الساكن وكأني بالمشرق قد نزل به ما نزل بالمغرب، لكن على نسبته ومقدار عمرانه، وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة"[8].

   

وفي أواخر سنة 1347م/746هـ كان ابتداؤه في الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط وأوروبا، وذروة ذلك كان ما بين عامي 748 و749هـ وما تلاه، وقد بدأ المسلمون والمسيحيون يُسجّلون ما عرفوه عن منشأ الطاعون ومساره المبكّر، والأهوال التي لم يعودوا راغبين في أن يشهدوها، وانطلاقا من ميناء الإسكندرية أهم الموانئ المصرية التجارية، اكتسح الطاعون بقوة كامل البلاد، ليصل إلى برقة بالجهة الغربية في خريف سنة 748هـ/1347م ثم باتجاه الدلتا والوجه البحري بكامله، صحيح أن تقدُّمه كان بطيئا، بيد أن فاعليته كانت كبيرة وقاتلة وكاسحة، وفي شهر سبتمبر/أيلول في ذلك العام بلغ القاهرة ومنها إلى الصعيد في أواخر فبراير/شباط سنة 1349هـ[9].

    

روايات مفزعة

  

يروي المؤرخ المصري جمال الدين بن تغري بردي (ت 874هـ) في كتابه "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" ابتداء هذا الطاعون القاتل في مصر في خريف سنة 748هـ/1347م قائلا:

"كان فيها الوباء الذي لم يقع مثله في سالف الأعصار، فإنه كان ابتدأ بأرض مصر آخر أيام التخضير في فصل الخريف في أثناء سنة ثمان وأربعين، فما أهلَّ المحرّم سنة تسع وأربعين حتى اشتهر واشتدّ بديار مصر في شعبان ورمضان وشوّال، وارتفع في نصف ذي القعدة، فكان يموت بالقاهرة ومصر ما بين عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف نفس إلى عشرين ألف نفسٍ في كلِّ يوم، وعملت الناس التوابيت والدّكك لتغسيل الموتى للسبيل بغير أجرة، وحُمل أكثر الموتى على ألواح الخشب وعلى السلالم والأبواب، وحُفرت الحفائر وأُلقِيت فيها الموتى، فكانت الحفيرة يُدفن فيها الثلاثون والأربعون وأكثر، وكان الموتُ بالطّاعون، يبصقُ الإنسان دما ثمّ يصيح ويموت، ومع هذا عمّ الغلاء الدنيا جميعها، ولم يكن هذا الوباء كما عهد في إقليم دون إقليم، بل عمّ أقاليم الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا جميع أجناس بني آدم وغيرهم، حتى حيتان البحر وطير السماء ووحش البرّ"[10].

  

ويؤكد ابن تغري بردي أن هذا الوباء العظيم كان مصدره من بلاد "القان" أو "الخان الأكبر" وهي بلاد الصين أو كما كان المسلمون يُطلقون عليها آنذاك "الإقليم الأول"، ويسرد تفاصيل ذلك وسبب العدوى قائلا: "كان أوّل ابتدائه من بلاد القان الكبير حيث الإقليم الأوّل (الصين)، وبعدها من تبريز إلى آخرها (آسيا الوسطى) ستّة أشهر وهي بلاد الخطا والمغُل وأهلها يعبدون النار والشمس والقمر، وتزيد عدّتهم على ثلثمئة جنس فهلكوا بأجمعهم من غير علّة، في مشاتيهم ومصايفهم وعلى ظهور خيلهم، وماتت خيولهم وصاروا جيفة مرمية فوق الأرض؛ وكان ذلك فى سنة اثنتين وأربعين وسبعمئة. ثم حملت الريح نتنهم إلى البلاد، فما مرّت على بلد إلّا وساعة شمّها إنسان أو حيوان مات لوقته، فهلك من أجناد القان خلائق لا يحصيها إلا الله تعالى. ثمّ هلك القان وأولاده الستّة ولم يبقَ بذلك الإقليم مَن يحكمه"[11].

     

  

وتمدّنا المدونة التاريخية العربية بمعلومات صادمة وقاسية لما شهده الناس آنذاك من مصيبة هذا الطاعون، وكيف حاولوا مواجهته بالصبر والدعاء والتوبة والاستغفار والقنوت، والخروج جماعات بمختلف طبقاتهم الاجتماعية وعلى رأسهم الأمراء والفقهاء إلى الساحات العامة للدعاء، يقول العلامة تقي الدين المقريزي (ت 845هـ) في كتابه "السلوك لمعرفة دول الملوك":

"وفي يوم الجمعة سادس رمضان (749هـ) نودي أن يجتمع الناس بالصناجق (الأعلام) الخليفية والمصاحف عند قبة النصر، فاجتمع الناسُ بعامة جوامع مصر والقاهرة، وخرج المصريون إلى مُصلى خولان بالقرافة واستمرت قراءة البُخاري بالجامع الأزهر وغيره عدّة أيام، والناس يدعون الله تعالى ويقنتون في صلواتهم ثم خرجوا إلى قبّة النصر (شمال القاهرة)".

  

بيد أن هذه الإجراءات لم تُقلِّل من كارثية الأوضاع، فيصف المقريزي أعراض المرض وحصاده للأرواح: "وحدث في شوال بالناس نفث الدّم، فكان الإنسان يحسُّ في بدنه بحرارة، ويجدُ في نفسه غثيانا فيبصقُ دما ويموت عقيبه، ويتبعه أهل الدار واحدا بعد واحد حتى يفنوا جميعا بعد ليلة أو ليلتين، فلم يبقَ أحدٌ إلا وغلبَ على ظنه أنه يموت بهذا الداء، واستعدّ الناس جميعا وأكثروا من الصدقات وتحاللوا وأقبلوا على العبادة، ولم يحتج أحد في هذا الوباء إلى أشربة ولا أدوية ولا أطباء لسرعة الموت. فما تنصّف شوال إلا والطرقات والأسواق قد امتلأت بالأموات، وانتُدبت جماعة لمواراتهم، وانقطع جماعة للصلاة عليهم… وخرج الأمر عن الحدّ، ووقع العجز عن العدو، وهلك أكثر أجناد الحلقة".

  

ويكمل المقريزي حكيه تلك المشاهد المأساوية الصادمة بقوله: "وما أهلّ ذو القعدة (سنة 749هـ) إلا والقاهرة خالية مقفرة لا يُوجد في شوارعها مارٌّ بحيثُ إنه يمر الإنسان من باب زويلة (جنوب القاهرة) إلى باب النصر (شمال القاهرة) فلا يرى مَن يُزاحمه لكثرة الموتى، والاشتغال بهم، وعلَت الأتربة على الطرقات، وتنكّرت وُجوه الناس، وامتلأت الأماكن بالصياح فلا تجدُ بيتا إلا وفيه صيحة، ولا تمر بشارع إلا وفيه عدّة أموات، وصارت النعوش لكثرتها تصطدم والأموات تختلط… وبقيت الأزقة والدروب مما فيها من الدُّور المتعددة خالية، وصارت أمتعة أهلها لا تجدُ مَن يأخذها، وإذا ورثت إنسانٌ شيئا انتقل في يوم واحد عنه إلى رابع وخامس"[12].

  

السفاح في العالم الغربي! 

  

على الجانب الآخر من البحر المتوسط، في الشمال، كان العالم المسيحي ينعى حظّه، وقد تملكه الرعب والفزع ومشاهد الموت الأسود، كانوا يُطلقون عليه "السفّاح"، وابتُليت به شعوب بأكملها، مثل جنوة والبندقية ومسينة الإيطالية وغيرها، وظهرت العدوى بصورة بشعة سريعة في شهور سنة 1347م.

  

فـ"سرعان ما مقت الناسُ بعضهم بعضا بشدّة، لدرجة أنه إذا ما هاجم المرضُ ابنا فإن أباه ما كان ليعتني به، وإذا حدث -وبالرغم من كل المخاطر- وتجرأ ودنا منه فإنه كان يُصاب بالعدوى في الحال، ولا مفرّ من الموت في غضون ثلاثة أيام. لم تكن هذه نهاية المطاف؛ فكل أولئك الذين يخصُّونه أو يقيمون في المنزل نفسه، حتى القطط والحيوانات الداجنة الأخرى، كانوا يتبعونه إلى القبر، فيما تزايدت أعدد الموتى في مسينة، تمنى كثيرون أن يعترفوا بخطاياهم للكهنة، وأن يحرروا وصاياهم وشهاداتهم الأخيرة، إلا أن القساوسة والمحامين والوكلاء القانونيين رفضوا الدخول إلى منازل المرضى، فإذا ما وطئ أحدهم بقدمه مثل هذا المنزل ليُحرّر وصية أو لأي أغراض أخرى حُكم عليه بالموت المفاجئ. الرهبان المنتمون إلى رهبنة الفرنسيسكان والرهبان الدومنيكان وأعضاء الرتب الدينية الأخرى الذين استمعوا إلى اعترافات المحتضَرين، كانوا يقعون فريسة للموت في الحال، بل إن البعض ظلوا في غرف المحتضَرين"[13] .

 

كان الناس في أوروبا يفرون من المدن إلى الحقول والبراري هربا من هذا "السفاح"، إلا أن كثيرين منهم كانوا يخرون صرعى في الطرقات، وبعضهم كان يتجه صوب الموانئ التي لم يصبها المرض بعدُ، فقد استقبل أهل كاتانيا عشرات من مرضى الطاعون لعلاجهم في مستشفياتهم، بيد أنهم أدركوا فداحة ما وقعوا فيه، إذ سرعان ما طُرحت الجثث في خنادق خارج الأسوار، وجرى فرض القيود الصارمة على الهجرة إليهم حتى وصفهم الراهب مايكل من بلدة بياتسا الإيطالية بأنهم "كانوا أشرارا، وكان يتملّكهم الخوف لدرجة أنه لم يكن أحد منهم يتعامل مع اللاجئين أو يتحدث إليهم، إنما كلٌّ كان يفرُّ سريعا لدى اقتراب هؤلاء اللاجئين"، لكن في النهاية "فقدت بلدة كاتانيا جميع قاطنيها؛ ليطويها النسيان"[14]!

 

تطابق الأوصاف والأعراض
ظهور كورونا قد يكون سببه "حساء الخفافيش وأكلها"، وتلك مسألة معقّدة تتعدى ثقافة الطعام إلى البحث عن سؤال ماهية الثقافة الصينية ذاتها وقواعدها
   

تطابق وصف المؤرخين المسلمين والمسيحيين لهذا المرض الذي كان يفتك بالجميع في غضون ساعات قليلة، فبعضهم كان يموتُ في اليوم نفسه الذي أصابته العدوى، وبعضهم كان يقاوم ليومين أو ثلاثة على الأكثر، حيث تبدأ بالحمى ثم قيء الدم ثم الموت في نهاية المطاف، وهي أعراض لا تزال تشبه أعراض بعض أوبئة زمننا هذا، مع فارق أننا أصبحنا أكثر قدرة وسرعة على إدراك ماهية المرض، وكيفية تأثيره وانتشاره بين السكان، وإمكانية توفير العلاج والأمصال اللازمة له، فقد ظل الناس حتى القرن التاسع عشر الميلادي يجهلون هذه الأمور إلى حدٍّ كبير.

 

ولئن تطابق وصف المؤرخين من المسيحيين والمسلمين لهذا الطاعون القاتل فإن أسبابه في نظرهم لم تختلف كثيرا، فقد عجز الطب في العصر الوسيط عن تحديد أسباب الطواعين وخلطه بينها وبين الأمراض الوبائية الأخرى، وجعل الأطباء والفقهاء الذين تصدّوا لهذا المسألة يذهبون مذاهب شتى في تفسير ما حدث، وقد تراوحت هذه التعليلات ما بين ربطها "بفساد الهواء في الطبيعة" وارتباط الطواعين بها، وهو رأي يذهب إليه الأطباء، وأخرى غيبية وأخلاقية ركّز عليها الفقهاء وعلوم الشريعة ربطت ما يقع بسبب عدم تقيّد الناس بأحكام الدين، وكلا التحليلين كان النقاش دائرا حولهما بتمامهما في الغالب الغربي والمسيحي آنذاك[15].

  

على أن ما يلفت النظر في تلك الجوائح الكبرى مثل طاعون "الموت الأسود" في العصر الوسيط، وأوبئة "سارس" و"كورونا" في العصر الحديث، أنها خرجت من بقعة جغرافية واحدة وهي "الصين"، وأن سبب هذه الأوبئة القاتلة ينبع في الأساس من عدوى القوارض وأمثالها كما مرّ بنا، فهل لذلك سبب وعلاقة مباشرة بثقافة الصينيين الدينية والأخلاقية وإمكانية قبولهم لهذه "القوارض" كطعام مُستساغ؟ فكما قيل أخيرا إن ظهور كورونا قد يكون سببه "حساء الخفافيش وأكلها"[16]، وتلك مسألة معقّدة تتعدى ثقافة الطعام إلى البحث عن سؤال ماهية الثقافة الصينية ذاتها وقواعدها وبُناها الداخلية، ورؤيتهم للعالم والأشياء والحيوانات، والمحظور وغير المحظور، والتي باتت تتعدى النفس إلى أذى الآخر بل وإهلاكه!

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

اعتقاد الإنسان بأن العلاج الذي يتناوله سيشفيه ويساعده بتغلبه على المرض فيكافح الجسم وفقا لمنطق الربح والخسارة، يجعل من العلاج الوهمي ليس ظاهرة غير مفهومة كما يدّعي أطباء العصر الحديث.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة