العلامة ابن سحْنُون.. كيف دوّن الإمام التونسي أصول نظرية التربية قبل ألف ومئتي عام؟

ظل ميدان التربية والتعليم لمدة ألف ومئتي عام بعيدا عن يد السلطات السياسة في العالم الإسلامي، يقوم على شأنه وتطويره وتوثيقه ووضع قواعده ومناهجه النخبة المدنية من العلماء والقضاة والمدرسين وغيرهم من أبناء الحضارة الإسلامية، وهؤلاء كانوا يعتمدون في استمرار عملهم في تربية الأطفال والمراهقين بل وفي التعليم العالي والتخصص على الأوقاف والتبرعات والصدقات والمرتبات الشهرية التي كان يُقدِّمها أهل الخير من الخلفاء والسلاطين إلى عامة الناس بكل فئاتهم.

 

لم تتدخل السلطات في ذلك الشأن، وكانت منظومة التعليم والتربية تتطور بمرور الزمن، هذا التطور لاحظه العلامة ابن خلدون (ت 808هـ) من الناحية التاريخية والاجتماعية ذاكرا أن العلم في بواكير الإسلام كان نقلا لما سُمع من القرآن والأحاديث النبوية، وقد قام به أهل الأنساب والعصبية، "على معنى التعليم الخبري لا على وجه التعليم الصناعي"[1]، أي النقل دون التأويل والاستنباط.

 

لكن مع انشغال أهل العصبية والأنساب بمسائل السياسة والفتوحات كما يقول ابن خلدون "استقرّ الإسلام ووشجت عروق الملّة حتّى تناولها الأمم البعيدة من أيدي أهلها واستحالت (تحوّلت) بمرور الأيّام أحوالها، وكثر استنباط الأحكام الشّرعيّة من النّصوص لتعدّد الوقائع وتلاحقها، فاحتاج ذلك لقانون يحفظه من الخطأ، وصار العلمُ ملكَة يحتاج إلى التّعلُّم، فأصبح من جملة الصّنائع والحرف (التخصص)… واشتغل أهل العصبيّة بالقيام بالملك والسّلطان، فدُفع للعلم مَن قام به من سواهم، وأصبح حرفة للمعاش، وشمخت أنوف المترفين وأهل السّلطان عن التّصدّي للتّعليم (اهتموا بالسياسة والملك)، واختصّ انتحاله بالمستضعَفين، وصار منتحلُه محتقَرا عند أهل العصبيّة (أي من الطبقات الدنيا)"[2].

وبدأ أهل الأقطار، والمؤمنون الصادقون الذين يرون في التربية والتعليم لأبناء المسلمين أهمية قصوى لربطهم بدينهم وشريعتهم وأخلاقهم ومرجعيتهم الدينية والقيمية، بدؤوا في تحمُّل عبء هذه المهمة، بدءا من تأديب الأطفال في الكتاتيب بتحفيظهم القرآن والأحاديث والكتابة والخط، أو للمراحل العليا في علوم الفقه والشريعة واللغة أو العلوم التطبيقية من الطب والصيدلة والهندسة وغيرها.

 

لكنّ بعضا من الفقهاء والعلماء بدؤوا في الانتباه إلى آلية سير هذه "المنظومة" الكاملة وعملها، وأرادوا أن يكون لها مناهج وطرائق وآداب وقواعد تكون للمشتغلين في هذا المضمار نورا يهتدون به، ويحققون من خلاله أفضل النتائج مع التلاميذ والمُتعلِّمين في مراحلهم المختلفة، وقد برز في المشرق والمغرب جمهرة من هؤلاء، لعل من أشهرهم في تونس والمغرب العلامة ابن سحنون المالكي، أحد مشاهير فقهاء المذهب المالكي في النصف الأول من القرن الثالث الهجري قبل ألف ومئتي عام. فمَن هو الإمام ابن سحنون وبيته العلمي الذي نشأ فيه؟ وما آراؤه التربوية والتعليمية؟ وما أبرز مصنفاته في مجال التربية في الحضارة الإسلامية؟ ذلك ما سنراه في سطورنا التالية.

وُلِد أبو عبد الله محمد بن سحنون (لقب والده) عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي في مدينة القيروان عاصمة أفريقية (تونس اليوم) في عام 202هـ لأسرة علمية مرموقة، والقيروان يومئذ عاصمة السُّنة في بلدان المغرب، ومحط أنظار الجميع، وملتقى الطلاب والعلماء، وقد تربّى محمد في كنف والده علامة أفريقية وفقيهها بلا مدافع الإمام سحنون واسمه محمد بن عبد السلام التنوخي، وكان ذا علم عظيم، وفقيه المالكية الأشهر في تلك الديار، ومكانة مرموقة في دولة الأغالبة، وكان سحنون يقول لمؤدِّب ومُعلِّم ابنه: "لا تؤدّبه إلا بالمدح ولطيف الكلام، ليس هو ممن يُؤدَّب بالضرب والتعنيف، وإني لأرجو أن يكون نسيج وحده، وفريد زمانه، وأتركه على نحلتي"[3].

 

وقد حفظ محمد القرآنَ الكريم وبدأ في تعلُّم أصول العلوم الشرعية، فسمع من والده وحفظ كُتبه، كما سمع من كبار علماء القيروان، ومنهم عبد الله بن أبي حسان اليحصبي تلميذ الإمام مالك بن أنس شيخ المذهب ومؤسسه، وأصبح محمـد يناظرُ الفقهاء والعلماء، وعلى رأسهم أبوه علامة تونس وبلاد المغرب، ثم قرر الرحلة إلى الحج وطلب العلم في المشرق.

 

نزل ابن سحنون مصرَ في عام 235هـ وعاصمتها يومئذ الفسطاط، وجلس في جامع عمرو بن العاص يُعلّم الناس، وحلّق عليه العديد من الشيوخ وطلبة العلم وعلى رأسهم الإمام المزني صاحب الإمام الشافعي الذي مدحه وقال إنه لم يجد مثله على حداثةِ سنّه، ثم انطلق إلى الحجاز وأدّى فريضة الحج، ثم عاد إلى المدينة المنورة والتقى بأشياخها وعلمائها، واشتهر بينهم[4].

 

عاد ابن سحنون إلى بلاده بعد رحلة علمية ودينية حافلة التقى فيها بكبار العلماء والأشياخ في أقطار عدّة، وبدأ عطاؤه العلمي بالتأليف والتصنيف في المذهب المالكي وفي التعليم بجامع عقبة بالقيروان فأقبل عليه طلبة العلم، لا سيما بعد وفاة والده سحنون سنة 240هـ، واشتهر مقام محمد في بلاد المغرب، وأصبح شيخ العلماء فيها بلا منازع، يجمع مع العلم أدبا وأخلاقا عالية، مع معرفة لافتة وباهرة بآراء المذاهب الفقهية المخالفة لمذهب المالكية، وظل على ذلك حتى وفاته في عام 256هـ عن عُمر ناهز الـ 54 عاما [5].

 

لم يكن التعليم في المغرب مقيدا بقوانين تفرضها الدولة، وإنما كان حرا لا قيود عليه غير القيود التي يُقرِّرها ويفرضها العُرف والعادة، فكان التدريس أمرا مباحا لكل راغب فيه متى وجدَ في نفسه الكفاءة لمزاولة مهنة التدريس بشرط ألا يكون ذلك في مسجد من تلك المساجد الجامعة التي لها صفة المساجد الرسمية للدولة، وإلا تطلّب الأمر حينئذ الإذن بالتدريس من القاضي، ولم تكن هناك رقابة على المدرسين أو الطلبة من جهة الحكومة إلا ما يدخل في وظائف الحِسْبة، حيث كانت من أهم اختصاصات المحتسب رعاية التربية وجعلها تسير في إطار الشريعة الإسلامية[6].

 

كان المحتسبون يزورون المدارس والكتاتيب بين حين وآخر للتأكد من سلامة المباني، ومراعاة قواعد الشريعة الإسلامية في تعليم الصبيان "المتعلِّمين"، والضرب على أيدي المُعلِّمين في تلك الكتاتيب وغيرها في الإبلاغ في ضربهم لتلامذتهم، ومنع أدعياء العلم من التصدي لتعليم الناس أو علاجهم أو الفتوى لهم في الأحكام أو الجلوس للفصل في قضاياهم[7].

 

ولهذا السبب، ولعدم وجود منهجية واضحة لتعليم الأطفال في ذلك العصر؛ إذ تُركت آليات وأدوات التربية والتعليم تبعا لكل شيخ ومُعلِّم ومؤدّب، شرع الإمام ابن سحنون في التأليف في هذا المجال، فكتب رسالته المهمة "آداب المعلّمين" يوضّح فيه أهم المواد التي يجب تعليمها لهذه الشريحة العُمرية، وما يجب على المُعلِّمين اتباعه أثناء التعليم، وحقوق الطلبة والمُتعلِّمين، وكذلك حقوق المُعلِّمين أنفسهم، والعلاقة بين المُعلِّم والأسرة كيف يجب أن تكون، وطرق مكافأة الطلبة والمُتعلِّمين، والاهتمام بأوقات الراحة والعُطلات كما هو الاهتمام بأوقات التعليم والتربية.

 

حرص ابن سحنون في رسالته "آداب المعلّمين" على أن يبدأ المُعلِّم بالقرآن الكريم تعليما وتحفيظا لتلاميذه، فهو المادة الأساسية التي لا يجب أن ينتقل عنها إلى غيرها حتى يُتمّها المُتعلِّم على وجه الإتقان والإحاطة، ويأتي في الفصل الذي جعل عنوانه "ما جاء في تعليم القرآن العزيز" بالأحاديث النبوية وأبرز أقوال الصحابة والتابعين التي تحضّ على تعليم القرآن والأجر العظيم له، وعلى ضرورة وجود مُعلِّمين متقنين، بادئا بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "خيركم مَن تعلَّم القرآنَ وعلَّمَه".

وفي قضية تعليم القرآن، حرص ابن سحنون على الاهتمام بأخلاق المُتعلِّم والمُعلِّم وكيفية تلقّيهم لكتاب الله حفظا وكتابة على الألواح، وجعل لذلك بابا مستقلا عنوانه "باب ما يُكره محوه من ذكر الله تعالى وما ينبغي أن يُفعل من ذلك"، ونبّه على ضرورة احترام آيات الكتاب المجيد في أثناء الكتابة بالحبر وفي أثناء المحو بالماء، فينقل بسنده عن أنس بن مالك الصحابي قوله: "كان المؤدّبُ (في زمن الخلفاء الراشدين) له إجّانة (قصعة)، وكلُّ صبيّ يأتي كلّ يوم بنوبته (دوره) ماء طاهرا فيصبّونه فيها، فيمحون به ألواحهم. قال أنس: "ثم يحفرون حفرة في الأرض فيصبُّون ذلك الماء فيها فينشف"[8]، احتراما وتقديرا وتقديسا لهذا الماء الذي كتب حبره آيات القرآن الكريم.

 

كذلك اهتم الإمام ابن سحنون بقضية "معاملة الأطفال"، وكان أول ما ذكره في هذه القضية مراعاة المُعلِّم لمشاعر الأطفال عند معاملته إياهم، وعلى رأسها العدل والسوية، وعدم التفرقة بينهم على أساس العِرق أو الحالة الاجتماعية من الغنى والفقر، ووضع لذلك بابا عنوانه "ما جاء في العدل بين الصبيان" ذاكرا بعض الأحاديث النبوية في هذه المسألة، وناقلا بسنده عن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- قوله: "إذا قوطع المُعلِّم على الأُجرة فلم يعدل بينهم (أي الصبيان)، كُتب من الظلمة"[9].

 

وقد انتقل ابن سحنون من باب التنبيه على المُعلِّم بضرورة العدل والتسوية في تعاملهم مع الأطفال "المُتعلِّمين" إلى ما هو أهم وأعمق من ذلك، وهو "ما جاء في الأدب وما يجوز ذلك وما لا يجوز"، وكان أول ما تطرّق إليه مسألة ضرب الأطفال مُحذِّرا المُعلِّمين والمؤدِّبين من استخدام الشدة في غير موضعها؛ إذ الغرض منها الحضّ على نفعهم وشؤونهم وليس الانتقام والثأر لأنفسهم، مستشهدا بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "شرارُ أمّتي مُعلِّمو صبيانهم، أقلُّهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المسكين"[10].

 

تلك أبرز آراء العلامة محمد بن سحنون المالكي الذي توفي سنة 256هـ، أي قبل ألف ومئتي عام تقريبا، وفي ذلك التاريخ المُتقدِّم نلحظ بزوغ نظرية أصول التربية منذ ذلك التاريخ وتطوُّرها حتى عصرنا الحاضر، نظرية جعلت الاتكاء على القرآن الكريم وحفظه وكيفية التعامل معه بالأدب اللائق، فضلا عن ضرورة التعاون الوثيق بين الأسرة والمدرسة والمتابعة الحثيثة لحالة المُتعلِّم ولإنجاحه في مساره التعليمي والتربوي واحدة من أهم وأقدم النظريات في تاريخ الإسلام والتي لا تزال تُطبَّق حتى يومنا هذا!

المصادر

  1. ابن خلدون: المقدمة 1/39.
  2. السابق 1/39، 40.
  3. معالم الإيمان 2/80.
  4. آداب المعلمين لابن سحنون، مقدمة المحقق حسن حسني عبد الوهاب ص17، 18.
  5. القاضي عياض: المدارك 4/220.
  6. محمد عادل عبد العزيز: التربية الإسلامية في المغرب ص7.
  7. السابق ص8.
  8. آداب المعلمين ص87.
  9. آداب المعلمين ص85.
  10. السابق ص89.

حول هذه القصة

كتب الكثير عن مصر في عصورها المختلفة معلومات تاريخية على قدر شديد من الأهمية والموثوقية، ولعل من أهم متأخريهم الرحالة والفقيه أبو سالم العيّاشي.. فمَن هو؟ وما رحلته التي سمّاها “ماء الموائد”؟

النسائي رجل عاش حياته التي بلغت ثمانية وثمانين عاما لخدمة حديث رسول الله ونقله وتعلمه وتعليمه، حتى صار آية من آيات عصره، وأحد الستة المشاهير من رجالات الحديث ومصنفاتهم على مرّ الزمان، فمَن هو النسائي؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة