لويس التاسع أسيرا في المنصورة.. يوم سقطت فرنسا على أرض مصر

قل للفرنسيسِ إذا جئتَه … مَقال ذي نُصح وقولٍ صحيحْ

وكلّ أصحابك أودعتهم … بنحْسِ تدبيرك بطْنَ الضريحْ

خمسون ألفا لا تَرى مِنهم … إلاّ قتيلا أو أسيرا أو جَريحْ

وقُل لهم إن أضمروا عودة … لأخذ ثأرٍ أو لِقصدٍ صحيح

دارُ ابن لقمانَ على حالها *** والقيدُ باقٍ والطواشي صَبيحْ

(الشاعر جمال الدين بن مطروح في الملك الأسير لويس التاسع)

كانت وفاة السلطان العادل الكبير أبي بكر بن أيوب سنة 615هـ، وهو أخو السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي (ت 589هـ)، وتقسيمه المملكة الأيوبية على أبنائه، وأبرزهم الكامل محمد في مصر، والمعظم عيسى في دمشق وما حولها، والأشرف موسى في شمال بلاد الشام وجنوب الأناضول، بداية لصراع جديد على الزعامة والمُلك بين الأشقاء الثلاثة انتهى بخزي كبير حين سلّم الكامل محمد بيت المقدس إلى الإمبراطور الألماني فردريك بيت المقدس سنة 626هـ، وعقد اتفاقية دفاع مشترك بينهما وهدنة مدتها عشر سنوات كاملة حتى يكون عضدا له ضد أخويه.

 

وحين توفي الكامل محمد سنة 635هـ خلفه على حكم مصر ابنه العادل الثاني الذي كان ضعيف الشخصية، غير قادر على تحمل المسؤولية، فاستغل أخوه الأصغر الصالح أيوب هذا الضعف وأُعلِن سلطانا على مصر، وقد استعان الصالح أيوب لتقوية موقفه العسكري في مصر ضد الأيوبيين المتربصين به في الشام وفلسطين فضلا عن الصليبيين في بيت المقدس بقوات الخوارزميين المرتزقة وبشراء المماليك الأتراك، فأضحى جيش مصر أقوى جيوش الأيوبيين قاطبة، ولم تمر خمس سنوات على ارتقاء الصالح نجم الدين أيوب حتى قرَّر طرد الصليبيين من فلسطين والأيوبيين الخونة المتواطئين معهم، متخذا من جدّه العادل الكبير والناصر صلاح الدين الأيوبي قدوة ومثلا.

وبالفعل في سنة 642هـ وقعت بين الفريقين معركة مهمة مفصلية هي معركة لافوربية أو معركة غزّة التي انتهت بهزيمة ساحقة للصليبيين وأيوبي الشام، استطاع الصالح أيوب طردهم من فلسطين بالكلية وإعادة بيت المقدس للمرة الثانية إلى المسلمين، وأصبح السلطان نجم الدين أيوب بقوته العسكرية والسياسية المتنامية واحدا من أقوى السلاطين والملوك في عالم الإسلام آنذاك، الأمر الذي خشي منه الصليبيون الذين كانوا يتمركزون في مدن وقلاع وحصون الساحل الشامي مثل أنطاكية وطرابلس الشام وبيروت وعكا وغيرها أن الصالح قد يُعيد سيرة جدّه الأكبر صلاح الدين الأيوبي في تحرير هذه المناطق من وجودهم، بعدما كانوا قد عقدوا تحالفات مع أمراء وملوك الأيوبيين في بلاد الشام.

 

هذه الأسباب مجتمعة التي تتمثّل في صعود شخصية محورية في التاريخ آنذاك ممثلة في الصالح أيوب (637-647هـ)، وفي قوته العسكرية، واتكائه على قوة مصر الاقتصادية والإستراتيجية، واستعادته لبيت المقدس وتطهير المسجد الأقصى من الوجود الصليبي، كلها كانت عناصر جوهرية لتأجيج مشاعر الحقد الصليبي في الغرب وعلى رأسها البابوية وفرنسا وملوكها الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أقوى المدافعين عن الروح الصليبية آنذاك.

 

وقد وقر في قلب ملك فرنسا آنذاك لويس التاسع أنه يجب على أوروبا أن تنهض لحملة صليبية جديدة، لكنها لن تكون باتجاه الشام وبيت المقدس هذه المرة، وإنما باتجاه مصر التي يجب احتلالها وحرمان الصالح أيوب من قوتها الإستراتيجية في المواجهة الدائرة بين العالمين آنذاك. فكيف كانت مسيرة هذه الحملة؟ وكيف نزلت مصر؟ وكيف جرت المعارك بين المسلمين والصليبيين في دمياط والمنصورة شمال مصر؟ وكيف انتهى الأمر بأسر لويس التاسع ملك فرنسا وسحق غطرسته للأبد؟!

 

 

لويس التاسع

حين شرع لويس التاسع الذي كان يبلغ من العُمر آنذاك ثلاثين عاما في جباية الضرائب من سكان مملكته طوال ثلاث سنوات للإعداد لحملته الصليبية التي كان قد نذرها إن شُفي من مرضه الذي أصابه قُبيلها، بلغت هذه الأخبار والتجهيزات في فرنسا والبابوية وفي إنجلترا وجنوب إيطاليا أسماع الأيوبيين في مصر، وبالفعل كان الملك لويس قد غادر في نهاية المطاف باريس سنة 646هـ/أغسطس/آب 1248م، مبحرا من جنوب فرنسا باتجاه جزيرة قبرص أولا التي وصلها في سبتمبر/أيلول من العام ذاته منتظرا تدفُّق الأمراء الصليبيين والفرنج ليلتئم جمعهم في هذه الجزيرة التي كانت خاضعة للقوى اللاتينية والصليبية آنذاك[1].

 

حين نزلت الحملة الصليبية بقيادة لويس التاسع على شواطئ المنصورة كان الصالح أيوب يعاني من مرض السُّل، وكان يحارب الناصر الثاني الأيوبي ويحاصر مدينة حمص، فترك حصاره وعاد مسرعا إلى مصر، وعيّن على رأس الجيش وزيره ورجله الأمين الأمير فخر الدين بن الشيخ، وكان من عائلة مرموقة لها باع كبير في المشاركة السياسية والعسكرية وولاؤها كبير للأيوبيين في مصر والشام.

 

أمر الصالح أيوب الأمير فخر الدين بتحصين مدينة دمياط وإرسال أبناء قبيلة بني كنانة ليدافعوا عنها، وكانوا مشهورين بالقوة والشجاعة، وقد نزلت قوات الفرنسيين والصليبيين والإنجليز وغيرهم على سواحل دمياط الرملية، وبعد معركة خاطفة ضد مقدمة الجيوش والمتطوعة المسلمين انتصر الصليبيون، فاندحر المسلمون من البر الغربي لدمياط إلى البر الشرقي.

 

يقول المقريزي: "وخلا البر الغربي للفرنج، وسار فخر الدين بالعسكر يريد أشموم طناح (مدينة جنوب دمياط)، فلما رأى أهل دمياط رحيل العسكر خرجوا كأنما يسحبون على وجوههم طول الليل، ولم يبقَ بالمدينة أحد ألبتة، وصارت دمياط فارغة من الناس". ويُعلِّق المقريزي على هذا الانسحاب من الأمير فخر الدين الذي اشتهر بالشجاعة والشهامة والقوة بقوله: "فعُدّت هذه الفعلة من الأمير فخر الدين من أقبح ما يشنّع به"[2].

 

ابتهج الصليبيون بهذا النصر السهل، فقد دخلوا دمياط دون مقاومة تُذكر، وسيطروا على أهم مدينة إستراتيجية في شمال مصر، وأصبح النيل مفتوحا أمام السفن الصليبية للتوغل نحو الجنوب باتجاه المنصورة ثم القاهرة فيما بعد، وقد نزل الروع والفزع بالعالم الإسلامي بعد سقوط دمياط، وقد غضب السلطان نجم الدين أيوب من هذه الفاجعة، حتى قال المؤرخ أبو الفدا وهو أحد أمراء وملوك البيت الأيوبي (ت 732هـ) في تاريخه "المختصر في أخبار البشر":

"فتملكها الفرنج (أي دمياط) بغير قتال، واستولوا على ما بها من الذخائر والسلاحات، وكان هذا من أعظم المصائب، وعظُم ذلك على الملك الصالح، وأمر بشنق بني كنانة، فشُنقوا عن آخرهم. ووصل الملك الصالح إلى المنصورة، ونزل بها يوم الثلاثاء لخمس بقين من صفر هذه السنة (647هـ/1249م)، وقد اشتد مرضه، وهو السُّل والقُرحة، التي كانت به، وقد أُيس منه"[3].

عرض السلطان الصالح أيوب على الفرنج أن يتنازل لهم عن مدن في بلاد الشام على رأسها القدس مقابل الانسحاب من مصر، لكنهم رفضوا، وأصرّ الملك لويس وكبار قادته على التقدم والاستيلاء على كامل مصر، وكانت قواتهم العسكرية تساعدهم وتُغريهم بتحقيق هذه الأمنية، فقد بلغ عدد قواتهم خمسين ألف مقاتل.

 

ومن مدينة المنصورة بدأ الصالح أيوب والقائد العام للجيش الأمير فخر الدين بن الشيخ بإعادة لملمة الصفوف، ووضع خطة جديدة لمقاومة العدو تمثّلت في بادئ الأمر في حرب العصابات، وقد "انطلق البدو المشهورون في حرب العصابات يجوبون الريف، وتقدّموا حتى وصلوا أسوار دمياط، وقتلوا كل جندي من الفرنج أمكن لهم العثور عليه خارج أسوار دمياط، فاضطر الملك لويس لإقامة الحواجز، وحفر الخنادق حول معسكره لحمايته من إغارات البدو"[4].

 

توفي السلطان الصالح أيوب في تلك الأثناء، وقد كتمت زوجته شجر الدر هذه الأنباء حتى مجيء ابنه وولي عهده توران شاه من حصن كيفا جنوب الأناضول ليتسلم مقاليد الحكم، وفي تلك الأثناء قرر الأمير فخر الدين بن الشيخ المقاومة من المنصورة، والاستمرار في حروب العصابات، لكن يبدو أن أخبار وفاة السلطان الصالح أيوب قد بلغت أسماع الفرنسيين الذين انطلقوا من دمياط بعدما تركوا فيها حامية قوية باتجاه الجنوب، فاستولوا على فارسكور وشرمساح والبرمون، واستشهد الأمير فخر الدين بن الشيخ أثناء مقاومته هذا التقدم الفرنسي مما أنزل بهم هزيمة كبيرة وتفرق الجيش، وكادت أن تكون الهزيمة بالكلية[5].

 

شجعت هذه التطورات مقدمة الجيش الصليبي بقيادة روبرت دي أرتوا أخي الملك لويس التاسع على التقدم عبر بحر أشمون، ولم ينتظر عبور بقية الجيش بقيادة لويس طبقا للخطة الموضوعة، فبادر باقتحام المنصورة بقواته وعلى رأسها فرقة فرسان الداوية التي استُشهد على يديها قائد الجيش المصري الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ، لكن هذا الجيش الصليبي المتقدم وجد قوة جديدة بقيادة فرقة المماليك الأتراك على رأسهم الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، وهؤلاء كان الصالح أيوب قد أكثر من شرائهم وتربيتهم وتدريبهم منذ بداية صعوده للسلطة سنة 637هـ حين رأى فيهم القوة والجرأة.

 

يقول المقريزي: "وأخرج إلى الفرنج الطائفة التركية التي تُعرف بالبحرية والجمدارية، وفيهم ركن الدين بيبرس البندقداري الذي تسلطن بعد هذه الأيام، فحملوا على الفرنج حملة زعزعوهم بها، وأزاحوهم عن باب القصر، فلمّا ولّوا أخذتهم السيوف حتى قُتل منهم في هذه النوبة نحو ألف وخمسمئة من أعيانهم وشجعانهم… وكانت المعركة بين أزقة المنصورة، فانهزموا إلى جديلة (جنوب المنصورة) منزلتهم وقد حال بين الفريقين الليل وأداروا عليهم سورا وخندقوا خندقا"[6].

 

كان على رأس القتلى روبرت دي أرتوا أخو لويس التاسع، فضلا عن عدد كبير من أمراء الصليبيين، أما فرسان الداوية فقُتل منهم نحو مئتين وخمسة وثمانين فارسا، ولم يستطع الهرب سوى أربعة أو خمسة فقط، وهكذا كانت المنصورة مقبرة الجيش الصليبي وكانت أولى معارك النصر على الفرنج على حد وصف المقريزي.

 

بقيت المعارك تُشن بين الجانبين، الصليبيون بقيادة لويس في الشمال والمسلمون في المنصورة، وبدأت المؤن والأقوات والغذاء يقل في المعسكر الصليبي، وانتشرت الأمراض والحمى، واستطاع المصريون قطع طريق الإمداد على السفن الصليبية التي كانت تأتي من دمياط لتمد الجيش الصليبي، بل استطاعت السفن الإسلامية أن تستولي على اثنتين وخمسين سفينة صليبية، وبذلك وقع الصليبيون في فخ أو كماشة المسلمين من الشمال والجنوب ومن جهة النيل في الشرق.

 

وقد حاول لويس التفاوض في هذا الموقف العصيب على أخذ القدس مقابل الانسحاب، لكن السلطان الجديد تورانشاه بن الصالح الذي كان قد وصل إلى مصر وبدأ في إدارة المعركة رفض هذا العرض لإدراكه أن الصليبيين منهزمون لا محالة، وانطلق الصليبيون هاربين نحو دمياط، لكن قوات المماليك كانت تتعقبهم وتتخطفهم بمنتهى الشجاعة والبسالة، وفي منطقة شرمساح وقُراها في منتصف المنطقة الواقعة بين المنصورة ودمياط دارت معركة كبرى سُحق فيها الجيش الصليبي بأكمله بين قتيل وأسير حتى سقط لويس التاسع في الأسر، وقد سيق مكبلا بالأغلال إلى مدينة المنصورة، حيث سُجن في دار قاضي المدينة فخر الدين إبراهيم بن لقمان، ووضعوا عليه خادما شديد القوة والبطش اسمه صبيح الطواشي[7].

يقول ابن أيبك الدواداري في "كنز الدرر وجامع الغرر" عن تلك اللحظات من الرعب التي عاشها لويس التاسع تحت قبضة صُبيح الخادم: "ومترسم عليه خادم فظّ غليظ يُسمى صبيح، فكان أشدّ على الفرنسيس (الملك لويس التاسع) من كل شيء، وجرت له مع الفرنسيس أمور كثيرة، حتى قال الفرنسيس للأمير حسام الدين بن أبي علي (الذي كان يتوسط الصلح بين الجانبين): سألتك بدينك ألّا ما قتلتوني وأرحتُوني من حسِّ هذا الخادم ونظره، فإنه أصعب عليَّ من كل ما أنا فيه"[8].

 

لم يهتم المسلمون كثيرا وهم في نشوة نصرهم بأمر دمياط، إذ باتوا يعتقدون أن استردادها صار أمرا مفروغا منه، وإنما أخذوا يخططون للاستيلاء على جميع الممتلكات الصليبية في الشام عن طريق الضغط على لويس التاسع، ولكن لويس أجاب بأنه لا سلطان له على الصليبيين وممتلكاتهم في الشام، وأن تلك الجهات تتبع الإمبراطور فردريك الثاني الألماني، وفي نهاية المطاف قرّر الطرفان عقد اتفاق صلح فرض المسلمون فيه بقيادة تورانشاه شروطهم، منها دفع مبلغ مئتي ألف دينار ذهبي فورا، ودفع مئتي ألف أخرى مقابل الإفراج عن الأسرى الصليبيين، ومنها تسليم دمياط، واستمرار الصلح بين الطرفين لمدة عشر سنوات[9].

 

وهكذا انتهت غطرسة الفرنسيين والصليبيين بقيادة لويس التاسع الذي قُتل الآلاف من رجاله وقواته على رأسهم أخوه، وقد سُجن تحت قبضة الخادم صبيح الذي كان لويس التاسع يخافه ويخشى منه لقوّته وبطشه، حتى خلّد أحد الشعراء واسمه ابن مطروح هذه الأجواء القاسية التي مرّ لويس مذلولا في قيده بالأبيات التي بدأنا بها تقريرنا هذا.

_____________________________________________________

المصادر

  1.  بسام العسلي: فن الحرب الإسلامي 4/215.
  2.  المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك 1/438.
  3.  أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر 3/179.
  4.  بسام العسلي: السابق 4/217.
  5.  سعيد عاشور: الحركة الصليبية 2/295.
  6.  المقريزي: السلوك 1/448.
  7.  سعيد عاشور: السابق 2/299.
  8.  كنز الدرر 7/384.
  9.  جوزيف نسيم: لويس التاسع ص61.

حول هذه القصة

لعدم وجود منهجية واضحة لتعليم الأطفال في ذلك العصر، شرع الإمام بالتأليف في هذا المجال، فكتب رسالته المهمة “آداب المعلّم.. فمن هو ابن سحنون؟ وما آراؤه التربوية والتعليمية؟.. الإجابة وأكثر بهذا التقرير.

5/11/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة