ربّات الخدور.. كيف أسهمت المرأة الأندلسية في العلوم الشرعية؟

 

"فاطمة بنت يحيى بن يوسف المغامي أخت الفقيه يوسف بن يحيى المغامي، كانت خيرة فاضلة عالمة فقيهة، استوطنت قرطبة وبها توفيت رحمها الله سنة تسع عشرة وثلاثمئة، ودُفنت بالربض (خارج أسوار قرطبة). لم يُرَ على نعش امرأة قطُّ ما رؤي على نعشها (من كثرة مُشيّعيها)".

(المؤرخ الأندلسي ابن بشكوال في حديثه عن إحدى أشهر فقيهات الأندلس فاطمة بنت المغامي القرطبية)

يظن القارئ لتاريخ الأندلس أن ذلك التاريخ كان صراعا من مبتدئه إلى منتهاه، حياة من صليل السيوف، ووهج الرماح، وضروب من المعارك التي لا تكاد تفتُر في أرجاء الجزيرة الأندلسية بين المسلمين والنصارى الإسبان، كما يظن آخرون بأنها حياة جمعت الترف والرفاهة والتنعُّم لا سيما في قُصور الخلفاء والملوك والأمراء والطبقة الأرستقراطية التي انتشر في أرجائها الفساد السياسي والاجتماعي. تلك بعض من أجزاء الصورة الأندلسية؛ إذ إن الأندلس عرفت طبقتين أُخريينِ كوّنتا الجموع الغفيرة، والفئة الغالبة التي سكنت حواضر الأندلس وقُراها وقلاعها وحصونها  في كل أرجائها، أولئك هم عامة الناس من العلماء والفقهاء والقُضاة والمدرسين وأرباب الحرف والصناعات والتجارات والفلاحين، وبجانب المسلمين عاش اليهود والمسيحيون بكل حرية دينية كفلها لهم الإسلام.

 

وفي وسط هذه التداخلات الاجتماعية كانت المرأة حاضرة وبقوة، سواء في الطبقات الأرستقراطية حيث تدخّلت المرأة بقوة في شؤون الحُكم والسياسة أحيانا كثيرة، أو في وسط الطبقات الاجتماعية الأفقر في عامة ربوع الأندلس، فكانت المرأة ربّة المنزل، ومعينة لزوجها وأبنائها خارج المنزل أيضا لا سيما في الحقول والمزارع التي امتازت بها الأندلس فأخرجت على الدوام أجود الأصناف والمحاصيل الزراعية. وقد بيّن لنا علامة الأندلس وفقيهها الأشهر ابن حزم الأندلسي (ت 456هـ) أشهر المهن التي عملت فيها نساء الأندلس، قائلا: "فمن النساء كالطبيبة والحجّامة والسرّافة والدلّالة والماشطة والنائحة والمغنية والكاهنة والمعلِّمة والمستخفّة والصُّنّاع في الغزل والنسيج"[1]. بيد أن فئة لا بأس بها من نساء الأندلس أقبلْنَ على تعلّم العلوم الشرعية مثل علوم الحديث والفقه والقراءات وغيرها، فكيف ولجت نساء الأندلس هذه الميادين العلمية والدينية؟ ومَن هن أبرز النساء والعالمات الأندلسيات في هذا المضمار؟ ذلك ما سنراه في سطورنا التالية.

 

كانت للعلوم الشرعية والدينية في الأندلس مكانة خاصّة، فمَن بلغ فيها شأوا كبيرا كان بإمكانه بلوغ أعلى الدرجات الوظيفية مثل القضاء والفتوى والتدريس، فضلا عن وظائف الحسبة والشرطة والعمل في دواوين الدولة المختلفة، ولهذا السبب كان للفقهاء منزلتهم الجليلة؛ لأن الفقيه في ذلك الحين لم يكن عالم دين وحسب، وإنما كان في غالب الأحيان واسع الثقافة، متشعّب المعرفة، آخذا من كل علم بطرف مثل الأدب والحديث والنحو والقراءات وغيرها، ولهذه الأسباب أقبل الناس على دراسة الفقه؛ إذ مستقبل الفقيه الوظيفي والاجتماعي كان على درجة لافتة من الأهمية والمكانة[2].

 

وقد اعتمد الأندلسيون شأنهم في ذلك شأن المغاربة في دراساتهم الفقهية على المصادر الرئيسية في الفقه المالكي، لا سيما موطأ الإمام مالك، ومدونة سحنون، وكتاب "الواضحة" لابن حبيب، و"العتبية" للعتبي[3]. صحيح أن ثمة محاولات لافتة لدخول المذهب الشافعي، فضلا عن المذهب الظاهري الذي كان أستاذه العظيم العلامة ابن حزم؛ لكن ذلك لم يمنع أن يكون للمذهب المالكي المرجعية المطلقة دينيا وسياسيا طوال العهد الإسلامي في الأندلس.

 

وقد كان للنساء دور في نشاط علم الفقه؛ إذ أمدّتنا مصادر التاريخ والتراجم الأندلسية بعدد من أسماء هؤلاء الفقيهات اللاتي أسهمن بدور لافت في مسيرة تدريس الفقه المالكي وتعليمه في الأندلس في فترة مبكرة في أواخر القرن الثالث الهجري وأوائل القرن الرابع الهجري، ومنهن الفقيهةُ فاطمةُ بنت يحيى بن يوسف المغامي، وكانت من أهل قُرطبة عاصمة الأندلس، ويبدو من سيرتها أن أسرتها كانت ذات مكانة علمية مرموقة، وكان أخوها يوسف بن يحيى فقيها ذا مكانة أيضا. قال عنها ابن بشكوال في كتابه "الصلة": "فاطمة بنت يحيى بن يوسف المغامي أخت الفقيه يوسف بن يحيى المغامي، كانت خيرة فاضلة عالمة فقيهة، استوطنت قرطبة وبها توفيت رحمها الله سنة تسع عشرة وثلاث مائة، ودُفنت بالربض (خارج أسوار قرطبة). لم يُرَ على نعش امرأة قطُّ ما رؤي على نعشها (من كثرة مُشيّعيها)"[4].

 

ومنهن خديجة بنت جعفر التميمي زوج فقيه قرطبة عبد الله بن أسد، "حدثت عن زوجها عبد الله بموطأ القعنبي قراءة عليه، وقيّدت فيه سماعها بخطها في سنة أربع وتسعين وثلاثمئة"[5]. أما راضية التي كانت جارية الخليفة الأندلسي الأشهر عبد الرحمن الناصر (ت 350هـ) فقد أعتقها وتزوّجت أحد فتيان القصر الأندلسي واسمه لبيب، وقد تعلّمت الفقه، وحجّت مع زوجها سنة 353هـ، وفي أثناء سفرها قرّرا معا أن يلتقيا بكبار العلماء آنذاك، فـ"لقيا ابن شعبان القرطي بمصر ونظراءه، وروى عنها أبو محمد بن خزرج، وقال: عندي بعض كتبها"[6]. ويبدو أن راضية مولاة الناصر كانت من الفقيهات اللاتي ألّفن كما روى عنها تلميذها ابن خزرج.

 

وإذا كان لنساء الأندلس اهتمام بعلم الفقه لا سيما المالكي منه، فإن عددا مهما منهن اهتممن بعلم الحديث، وهو العلم الذي نجد اهتمام الأندلسيين به اهتماما بالغا، لا سيما كتب الصحاح وعلى رأسها البخاري ومسلم والكتب الستة، وتكاد مصنفات التراجم والتاريخ الأندلسية تكتظُّ كثرة بالآلاف من الأندلسيين الذين أولوا عنايتهم لمصنفات الحديث النبوي الشريف، فضلا عن شرحه وتوضيحه وبيان غموضه ولَبسه.

 

كان للمرأة الأندلسية مشاركة في دراسة علم الحديث النبوي وتدريسه، تأتي على رأسهن عابدة المدنية، وهي في الأصل جارية استجلبها سيدها من المدينة المنورة إلى الأندلس، و"كانت جارية سوداء من رقيق المدينة، حالكة اللون، غير أنها تروي عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة وغيره من علماء المدينة، حتى قال بعض الحفاظ: إنها تروي عشرة آلاف حديث"[7].

 

ومنهن خديجة بنت أبي محمد عبد الله بن سعيد الشنتجيالي، "سمعت مع أبيها من الشيخ أبي ذر عبد بن أحمد الهروي صحيح البخاري وغيره، وشاركت لأبيها هنالك في السماع من شيوخه بمكة حرسها الله، ورأيت سماعها في أصول أبيها بخطه، وقدمت معه الأندلس وماتت بها رحمها الله"[8]. وعلى منوالهنّ شاركت فاطمة بنت محمد بن علي بن شريعة اللخمي أخاها أبا محمد الباجي الإشبيلي في السماع من بعض شيوخه، وقد أجازهما المحدث محمد بن فطيس الإلبيري في جميع روايته بخطّ يده بعد الإتقان والامتحان[9].

 

أما طوية بنت عبد العزيز بن موسى المعروفة بحبيبة الأندلسية فأخذت عن الحافظ علامة الأندلس أبي عمر بن عبد البر "كثيرا من كتبه وتواليفه، وعن أبي العباس أحمد بن عمر العُذري الدلاي، وسمع زوجها أبو القاسم المقرئ بقراءتها عليه، وكانت حسنة الخط فاضلة ديّنة. وكان مولدها سنة سبع وثلاثين وأربعمئة، وتوفيت رحمها الله سنة ست وخمسمئة"[10].

كما شاركت المرأة الأندلسية بشأن كبير في علم القراءات، واشتهرت الأندلس بقراءة نافع المدني تلميذ الإمام مالك بن أنس، وبلغت علوم القرآن والقراءات منزلة كبيرة للغاية لدى الأندلسيين، لا سيما في منطقة دانية شرق الأندلس الواقعة على شاطئ البحر المتوسط، وأشهر علمائها على الإطلاق حتى يومنا هذا هو الإمام شيخ الإقراء أبو عمرو الداني الذي صار له مدرسة وتلاميذ.

 

وقد كان لبعض نساء الأندلس مشاركة في ازدهار علم القراءات، وتذكر الروايات أن العلامة المقرئ عثمان بن سعيد بن عثمان المقرئ (ت 444هـ) أقرأ بمدينة ألمرية إحدى النساء الماهرات في القراءات وتُدعى ريحانة، فقرأت عليه القرآن بها، وكانت تقعدُ خلف سِتر فتقرأُ عليه، ويشير إليها بعصا في يده إلى مواضع المواقف والتجويد، فأتمت القرآن بقراءاته السبع الشهيرة، وكتب لها إجازة بسنده[11]، فأصبحت إحدى الشيخات المقرئات فيما بعد.

 

تلك بعض من أبرز مظاهر مشاركة المرأة الأندلسية في علوم الإسلام كالفقه والحديث والقراءات، وقد أثبتت المرأة جدارة هذه الميادين كلها، رغم أن مصادر التاريخ الأندلسي قد ضنّت علينا بتفاصيل أوسع عن حياة النساء، ولا شك أن كثيرا من المؤلفات التي ترجمت للنساء لم تصلنا وضاعت كما ضاع الكثير من مصادر التراث الأندلسي، ولعل على رأسها كتاب "النساء" للإمام القاسم بن أصبغ القرطبي الأندلسي الذي ذكر العشرات من نساء الأندلس اللواتي شاركن بنصيب واسع في علوم الإسلام، أخذ وسماعا وتدريسا.

____________________________________________________________________

المصادر

  1.  ابن حزم: طوق الحمامة ص46.
  2. سعد البشري: الحياة العلمية في عصر الخلافة في الأندلس ص155.
  3. إسهام المرأة الأندلسية في النشاط العلمي ص98.
  4. ابن بشكوال: الصلة في تاريخ أئمة الأندلس ص653.
  5. ابن بشكوال: السابق ص654.
  6. السابق ص655.
  7. ابن الخطيب: نفح الطيب 3/140.
  8. ابن بشكوال: السابق ص657.
  9. الضّبي: بغية الملتمس ص477.
  10. ابن بشكوال: الصلة ص658.
  11. الضبي: بغية الملتمس ص361.

حول هذه القصة

النسائي رجل عاش حياته التي بلغت ثمانية وثمانين عاما لخدمة حديث رسول الله ونقله وتعلمه وتعليمه، حتى صار آية من آيات عصره، وأحد الستة المشاهير من رجالات الحديث ومصنفاتهم على مرّ الزمان، فمَن هو النسائي؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة