ابن جُلجل.. طبيب الأندلس الحاذق ومؤرخ أطبائها البارع

 

"سليمان بن حسان أبو داود بن جلجل الأندلسي الطبيب، عالم الأندلس بالطب، كان بصيرا بالمعالجات، خدم المؤَيَّد باللَّه هشام ابن المستنصِر، وكان إماما فِي معرفة الْأدوية المُفْرَدَة، لا سيما بكتاب ديسقوريدس".

 

(المؤرخ والحافظ الذهبي في وصفه لابن جُلجل الأندلسي)

مرّت شبه الجزيرة الأندلسية بفترات من الصعود والهبوط حتى السقوط الأخير خلال دولة الإسلام التي استمرت ما يقارب ثمانية قرون، صعود بدأ بدخول الإسلام وتوحيد الجزيرة تحت حكم الدولة الأموية في المشرق حتى بلغت حوافر الخيول الإسلامية مناطق لا تبعد عن العاصمة الفرنسية باريس مسافة 50 كم جنوبا، لكن هذه الطفرة في القوة العسكرية سرعان ما انكفأت على نفسها في ظل صراع عِرقي بين العرب والبربر، بل وبين العرب أنفسهم ممّن دخلوا في السنوات الأولى لفتح الأندلس.

 

وظلّ الحال على هذه الوتيرة حتى جاء عبد الرحمن الداخل أحد أحفاد هشام بن عبد الملك بن مروان فارًّا من سيوف العباسيين؛ ليجمع شتات الأندلس من جديد منذ عام 138هـ، وتبدأ معه ومع ذريته من بعده فترة الازدهار الثانية التي ستستمر قرابة قرنين ونصف، لم يكن ازدهارا عسكريا فقط، بل كان ازدهارا دينيا وعلميا وثقافيا وفكريا بلغت فيه العاصمة قرطبة وحواضر الأندلس الأخرى مثل إشبيلية وسرقسطة وغرناطة وجيان وطليطلة وغيرها أوجا كبيرا آنذاك. أما ذروة هذا الازدهار الحضاري فكان مع صعود الخليفة الأموي الأندلسي الأول عبد الرحمن الناصر الأموي (300-350) وابنه الحكم المستنصر (350-366)، وحفيده هشام المؤيّد.

 

وفي عصر عبد الرحمن الناصر أعظم خلفاء وأمراء الأندلس قاطبة منذ دخول الإسلام فيها وحتى سقوطها على يد فردناند وإيزابيلا في نهايات القرن التاسع الهجري، بزغت سوق العلوم والحضارة والمعرفة، وبدأ الاهتمام بترجمة المؤلفات اللاتينية والإغريقية في علوم الطب والهندسة والكيمياء والمنطق والفلسفة والصيدلة وغيرها، وفتح الباب واسعا لاستيراد كل الكتب التي كانت ذات صيت واسع في المشرق وجلبها؛ في بغداد ودمشق والفسطاط والقيروان وغيرها. وفي ظل هذا الازدهار والنهضة وُلد ابن جُلجل ذاك الفتى القرطبي الذي سيصبح واحدا من أهم الأطباء ومؤرخي الطب في تاريخ الأندلس، فمَن هو ابن جلجل؟ وكيف كانت نشأته في قرطبة عاصمة الأندلس في ظل بني أمية؟ وما أهم مؤلفاته؟ ذلك ما سنراه في قصتنا التالية.

 

وُلد أبو داود سُليمان بن حسان المعروف بابن جلجل في قرطبة في حدود سنة 332هـ في ظل خلافة عبد الرحمن الناصر أعظم خلفاء وملوك الأندلس، وفي سِن العاشرة سمع الحديث في قرطبة من أكابر محدّثيها وعلمائها آنذاك، مثل أبي بكر أحمد بن الفضل الدينوري وأبي الحزم وهب بن مسرّة، بمسجد أبي علاقة وبجامع قرطبة والزهراء وغيرها مع أخيه محمد بن حسّان الملقب أيضا بابن جلجل[1]، ويرجّح بعض المؤرخين أن جلجل لقب للعائلة يعود إلى أصول غير عربية لأحد اللاتين الذين أسلموا ودخلوا الإسلام، وكان ذا جرس فلُقّب بجلجل، ونحن نجد في أسماء أندلسية كثيرة دليلا على أصولها اللاتينية الإسبانية مثل ابن بشكوال وابن غرسيه وابن قطيل وابن قزمان وغيرها.

 

فلا يُستبعد أن يكون ابن جلجل ذا أصول إسبانية قديمة أسلم جدّه في زمن الفتح أو بُعيده بقليل، وفي قرطبة أيضا أخذ علم العربية عن أشهر علمائها آنذاك محمد بن يحيى الرباحي؛ إذ قرأ عليه كتاب سيبويه التأسيسي في علم النحو سنة 358هـ، كما تعلّم على يد أدباء وعلماء وفقهاء آخرين مثل أبي بكر بن القوطية، وأبي أيوب سليمان بن محمد الفقيه، وغيرهما[2].

 

لكن ابن جلجل عشق الطب وعلم الأدوية والصيدلة، وقد تأثّر في ذلك ببعض أساتذته وشيوخه الذين يبدو أنهم حثّوه على التخصص في هذا المجال، منهم شيخه أبو أيوب سليمان بن محمد الفقيه الذي نقل عنه ابن جلجل أنه وهو في مرحلة شبابه قد أصابته الحمّى، وصادف مرور طبيب قرطبة الشهير وقتها سعيد بن عبد ربّه القرطبي، يقول: "فطاولتني (الحمَّى) وأشرفتُ منها إِذ مر بِأبي وهو ناهض (ذاهب) إِلى صاحب المدينة… فقام إليه وقضى واجب حقّه بالسلام عليه، وسأله عن علّتي واستخبر أبي عَمَّا عولجت بِهِ، فسفَّهَ علاج مَن عالجني، وبعث إِلى أبي بثماني عشرَة حَبَّة مِن حبوب مُدَوَّرَة وَأمر أَن أشرب منها كل يَوْم حَبَّة فَمَا استوعبتها (استكملتها) حتى أقلعت الحمّى وبرئتُ برأ تاما"[3].

 

هذا النص التاريخي شديد الأهمية يكشف لنا عن تطور لافت في صناعة الأدوية في الأندلس قبل ألف سنة، في بدايات القرن الرابع الهجري تقريبا، وربما في نهايات القرن الثالث الهجري، إذ بلغ بعض أطباء وصيادلة الأندلس مثل ابن عبد ربّه القرطبي درجة عالية من المهارة في صناعة الأدوية حتى تمكّنوا من صناعة أدوية (حبّة مدوّرة) كان يأخذها المريض بصورة منتظمة كل يوم حتى شُفي تماما، ولا شك أن ابن جلجل تأثّر بمثل هذه الحكايات، وقد أغرته ليتجاسر ويُقرِّر التخصص في دراسة الطب وعلوم الصيدلة والأدوية.

قرّر ابن جلجل أن يتوجّه إلى دراسة العلوم الطبية، وهو ابن أربع عشرة سنة، ولم تمر عشر سنوات على عُمره ذاك إلا وأصبح واحدا من ألمع أطباء قرطبة والأندلس ولمّا يزل ابن أربع وعشرين سنة، ثم إننا نراه ينتهي من كتابه عن "طبقات الأطباء والحكماء" في عام 377هـ، وللأسف الشديد فإننا لا نملك معلومات كثيرة عن تفاصيل حياته، غير أنه كتب كتابه "تفسير أسماء الأدوية المفردة" من كتاب ديسقوريدس الذي ألّفه في قرطبة في ربيع الآخر سنة 372هـ[4].

 

لكن ثمة عامل آخر مهم ساهم في تطور علوم الطب والصيدلة في عصر الخليفة عبد الرحمن الناصر، فقد دأب الناصر على إرسال بعثاته لاستنساخ الكتب وشرائها من مناطق العباسيين في المشرق، بل ومن الدولة البيزنطية، حتى أصبحت خزانة كتبه واحدة من أكبر خزائن الكتب في تاريخ الأندلس؛ إذ حوت عشرات الآلاف من المجلدات والمصنفات من كل العلوم والمعارف.

 

وفي سنة 337هـ جاءت إليه من القسطنطينية هدية ثمينة من إمبراطور البيزنطيين أرمانيوس، منها كتاب دسقوريدس "الأدوية المفردة" يحوي دليلا إرشاديا للأعشاب والنباتات برسم وألوان واضحة، أو كما يقول ابن جلجل "مصوّر الحشائش"، وهذا الكتاب كان قد تُرجم إلى العربية في بغداد في عصر الخليفة العباسي المتوكل على الله قبل ذلك بقرن تقريبا، وجاءت منه نسخة إلى الأندلس، لكن المترجم الأصلي لهذا الكتاب لم يعرف كثيرا من المصطلحات اليونانية؛ فآثر إبقاءها على حالها حتى يأتي بعد ذلك من يتمكّن من ترجمتها على الوجه الصحيح.

 

ولأن الكتاب الذي أرسله الإمبراطور البيزنطي إلى عبد الرحمن الناصر في قرطبة كان مؤلَّفا باللغة الإغريقية اليونانية القديمة، ولم يكن أحد من أهل الأندلس يعرف هذه اللغة، فقد ظل الكتاب في مكتبة الناصر عدة سنوات، وهو الذي أعاد على الإمبراطور البيزنطي طلبا بضرورة إرساله رجلا يعرف اللغة الإغريقية واللاتينية؛ ليتعلّم على يديه أناس من أهل قرطبة، وهو الطلب الذي قابله الإمبراطور البيزنطي بالقبول والرضا، فأرسل في عام 340هـ راهبا يُسمّى نقولا من القسطنطينية (إسطنبول) إلى قرطبة[5].

 

كان مجيء الراهب نقولا إلى قرطبة عاملا مهما من عوامل فكّ ألغاز كتاب ديسقوريدس "الأدوية المفردة"؛ فقد علّم بعضا من علماء وأطباء قرطبة اللغة اليونانية القديمة، بل وساهم في ترجمة الكتاب من الإغريقية إلى اللاتينية التي كان يُجيدها كثير من علماء قرطبة وأطبائها بجانب العربية، وإننا نلاحظ فيما يذكره ابن جلجل في ثنايا مقدمته لشرح وتفسير كتاب ديسقوريدس هذا أن هيئة علمية طبية تكوّنت منذ ذلك الحين في قرطبة ضمّت أطباء ومترجمين وعلماء مسلمين ومسيحيين ويهود بقيادة نقولا الراهب القسطنطيني، وقد ذكر أسماءهم وتخصصاتهم قائلا: "وكان هؤلاء النفر كلهم في زمان واحد مع نقولا الراهب، أدركتُه وأدركت نقولا الراهب في أيام المستنصر وصحبتهم في أيام المستنصر الحكم (ابن عبد الرحمن الناصر)"[6].

كتاب ديسقوريدس "الأدوية المفردة"

وكان هذا الكتاب قد تُرجم إلى العربية في عصر الخليفة العباسي المتوكل قبل ذلك بقرن، لكنّ كثيرا من المصطلحات التي أغلقت واستُشكلت على المترجم الأصلي اصطفن بن بسيل والمراجع والمترجم الشهير حنين بن إسحاق أبقوها على حالها باللغة الإغريقية، والتي جاءت نسخة منها إلى الأندلس اعتمد عليها أطباء الأندلس بمَن فيهم ابن جلجل.

 

لكن اللجنة العلمية والطبية برئاسة نقولا الراهب عملت على ترجمة كتاب ديسقوريدس وتصحيح أخطاء الترجمة القديمة، بل وترجمة ما لم يُترجم فيها، وقد تحقَّق هذا الغرض في عصر الخليفة الحكم المستنصر (350-366هـ)، ولا شك أن تعلُّم ابن جلجل على أيدي هؤلاء الأطباء والعلماء الكبار الذين استطاعوا تحقيق منجز علمي كبير كترجمة كتاب "الأدوية المفردة" لديسقوريدس العين زبي الأناضولي وشرحه وفهمه قد أكسبه خبرة عظيمة في مجال الطب وعلوم الصيدلة والأدوية.

 

ولقد عمل ابن جلجل في بلاط الخليفة الناصر وابنه الحكم المستنصر وحفيده هشام المؤيد سنينَ عددا في التطبيب والتأليف الطبي، فأضحى واحدا من أشهر أطباء الأندلس وعلمائها في هذا المجال، حتى إن ابن حزم الأندلسي ذكره من جملة العلماء النابغين في رسالته الشهيرة "ذكر فضائل أهل الأندلس"، وألّف ابن جلجل كتابيه الشهيرين "تفسير الأدوية المفردة" لديسقوريدس، و"طبقات الأطباء والحكماء" الذي ترجم فيه لأشهر الأطباء منذ الإغريق مرورا بأطباء الحضارة الإسلامية المشرقية والأندلسية وحتى عصره، وقد حققه الأستاذ المرحوم فؤاد السيد أمين المخطوطات بدار الكتب المصرية، وطُبع عدة طبعات لعل أهمها وأفضلها طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت في منتصف ثمانينيات القرن العشرين[7].

وله مؤلفات وأبحاث أخرى مثل "مقالة في ذكر الأدوية التي لم يذكرها ديسقوريدس"، وهو في هذه المقالة يقول: "إن ديسقوريدس أغفل ذلك إما لأن ذلك كان غير مستعمل في دهره وأبناء جنسه"، وهو بهذا يُضيف من خبرته العلمية والطبية على ذلك المصدر الطبي المهم، وأيضا "مقالة في أدوية الترياق"، و"رسالة التبين فيما غلط فيه بعض المتطببين"[8].

 

لا نعلم على وجه الدقة متى توفي ابن جُلجل، لكنه بعد حياة حافلة مليئة بالعطاء والخبرة وممارسة الطب، لا سيما في البلاط الأموي في قرطبة لثلاثة من الخلفاء الكبار هم عبد الرحمن الناصر والحكم المستنصر وهشام المؤيّد، توفي كما يُقدِّر بعض المؤرخين المعاصرين بعد عام 384هـ، وهو يُعَدُّ واحدا من ألمع الأطباء ومؤرخي العلوم في الأندلس قبل ألف عام.

________________________________________________________________________

المصادر

  1. ابن الأبار: التكملة لكتاب الصلة 4/85.
  2. ابن الفرضي: تاريخ علماء الأندلس 1/159.
  3. ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ص490.
  4. موسوعة عباقرة الإسلام 2/36، 37.
  5. ابن أبي أصيبعة: السابق 494.
  6. السابق نفسه.
  7. ابن جلجل: طبقات الأطباء والحكماء، تحقيق فؤاد السيد ص كب.
  8. ابن جلجل: السابق نفسه.

حول هذه القصة

كتب الكثير عن مصر في عصورها المختلفة معلومات تاريخية على قدر شديد من الأهمية والموثوقية، ولعل من أهم متأخريهم الرحالة والفقيه أبو سالم العيّاشي.. فمَن هو؟ وما رحلته التي سمّاها “ماء الموائد”؟

النسائي رجل عاش حياته التي بلغت ثمانية وثمانين عاما لخدمة حديث رسول الله ونقله وتعلمه وتعليمه، حتى صار آية من آيات عصره، وأحد الستة المشاهير من رجالات الحديث ومصنفاتهم على مرّ الزمان، فمَن هو النسائي؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة