العلامة الطرطوشي.. عالم أندلسي أحب الإسكندرية وكرهه الفاطميون

 

اضغط للاستماع

   

"اعلم أن هذا المُلك الذي أصبحتَ فيه إنما صار إليك بموت مَن كان قبلك، وهو خارج عن يدِك مثل ما صار إليك، فاتّقِ الله فيما خوّلك من هذه الأمة، فإن الله سائلك عن النقير والقطمير… واعلم أيها الملك أن الله تعالى قد آتى مُلك الدنيا بحذافيرها سليمان بن داود -عليهما السلام- فسخّر له الإنس والجن والشياطين والوحوش والبهائم… فوالله ما عدّها نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها".

(الطرطوشي، موجِّها سهام نقده ونصيحته للوزير الطاغية الفاطمي الأفضل بن بدر الجمالي)

   

طوال ثمانية قرون كاملة لم تنقطع الصلات والعلاقات بين المشرق والأندلس، علاقات قامت على أخوة الدين، ووحدة اللغة والمصير، ومنذ فاتحة دخول الإسلام في الأندلس في العام 92 هـ وحتى سقوط غرناطة عام 897 هـ لم تنقطع قوافل الحج القادمة من الأندلس بحرا عبر المتوسط، أو برا عبر المغرب وشمال أفريقيا مرورا بمصر.

 

هذه القوافل السنوية لم تكن تحمل حجيجا فقط، بل تحمل أيضا تجارا ورحّالة ثم طلاب علم حرصوا على الانتهال من علوم ومعارف المشارقة في القاهرة وبغداد والحجاز ودمشق والقدس وغيرها، واشتهر عن بعضهم أنه أقام في المشرق لعقد أو عقدين من الزمان مثل العلامة أبي الوليد الباجي الأندلسي (ت 474 هـ)، الذي أصبح أعظم فقيه وعالم أندلسي في زمنه بعد وفاة ابن حزم الأندلسي سنة 456 هـ، وقد أثّر أبو الوليد الباجي في طلابه تأثيرا عظيما، حتى برع واحد من هؤلاء وقرر أن يسير على درب شيخه وأستاذه في الرحلة إلى المشرق، ذلك هو أبو بكر محمد بن الوليد الطُرطوشي (ت 520 هـ) الذي أصبحت رحلته إلى المشرق مغامرة محفوفة بالمخاطر، لم يَعُد منها إلى الأندلس قط!

   

 استهوى طريق العلم الطرطوشي الذي نشأ في بيئة تُقدِّره، ويعتلي بعض أفرادها كبريات المناصب القضائية، فاتجه صوب سرقُسطة في شمال طرطوشة ليُحصّل بعض العلوم
    
في غياض الأندلس

وُلد أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف الفهري القُرشي الطُرطوشي في عام 451 هـ في مدينة طرطوشة شرقي الأندلس، وهي مدينة كانت في ذلك الحين "في سفح جبل، ولها سور حصين، وبها أسواق وعمارات وضياع وفعَلَة، ومصانع لإنشاء المراكب الكبار مِن خشب جبالها.. وكان بجبالها خشب الصنوبر الذي لا يوجد له نظير في الطول والغلظ، ومنه تتخذ الصواري والقرى، لا يفعل فيه السوس ما يفعله في غيره من الخشب" على حد وصف الحميري في "صفة جزيرة الأندلس"، ولقربها من البحر المتوسط، كانت طرطوشة مركزا لصناعة السفن، وقد تميّزت بطبيعة ساحرة، تجري فيها الأنهار، وتقترب من البحر، وينبت فيها أطيب الثمر، فكثر خيرها ومحاصيلها، الأمر الذي أدّى إلى تحصين سورها وأبوابها التي صُنعت من الحديد الخالص، وقد أُنشِئ فيها مسجد كبير في عصر الأمويين سنة 345 هـ زمن الخليفة الشهير عبد الرحمن الناصر (ت 350 هـ)[1].

  

في تلك المدينة ولد أبو بكر الطرطوشي الذي نعلمُ من نسبه أنه سليل نسب قُرشيّ فهريّ، عربيّ أصيل، هاجر آباؤه وأجداده إلى الأندلس منذ زمن الفتح على التقدير، ويبدو من جهة والدته أن عائلتها كانت على قدر من الجاه والمكانة، أصولها تعود إلى مدينة سرقُسطة، فجدّه لأمه هو عبد الرحمن بن عيسى الأندلسي، الشهير بأبي زيد بن الحشاء، كان قاضي طُليطلة، يقول عنه: "لما ولي جدّي أبو زيد بن الحشاء القضاء بطُليطلة جمَع أهلها، وأخرج لهم صندوقا فيه عشرة آلاف دينار، وقال: هذا مالي. فلا تحسبوا ظهور حالي من ولايتكم، ولا نموّ مالي من أموالكم"[2].

  

أما أحد أخواله فقد اشتهر بالبطولة والشجاعة في سرقُسطة، وكانت ثغر البلاد الأندلسية من جهة الشمال الشرقي في مواجهة مدن برشلونة وإمارات ليون وقشتالة النصرانية التي كانت تُهاجم الأندلس من هذه الجهة على الدوام، هذا الخال كان اسمه ابن فتحون السرقُسطي، حكى الطُرطوشي عن خاله هذا بعض المواقف في ساحات القتال مع العدو، وتقدُّمه للمبارزة دون درع مع أحد كبار فرسان قشتالة، فكان "أشجع العرب والعجم"[3] على حد وصفه.

   

   

  

على أن طريق العلم قد استهوى الفتى الأندلسي الذي نشأ في بيئة تُقدِّره، ويعتلي بعض أفرادها كبريات المناصب القضائية، فاتجه صوب سرقُسطة في شمال طرطوشة ليُحصّل بعض العلوم على كبار علمائها، وربما كان منهم بعض أفراد عائلته من جهة والدته، ثم يُقرِّر التلمذة على علامة الأندلس في أوانه أبي الوليد الباجي المالكي (ت 474 هـ) وهو في حدود العشرين من عُمره[4]، ليسحره هذا الشيخ بغزير علمه، وعمق تجربته التي اكتشف أن جزءا أصيلا منها اتكأ على الرحلة المشرقية.

  

الرحلة إلى المشرق

من هنا، أزمع أبو الوليد وهو في عُمر الشباب على السفر إلى المشرق لأداء الحج أولا ثم للتعلُّم على أكابر رجالات ومشايخ العلوم في عصره، لا سيما بعد وفاة شيخه الباجي سنة 474 هـ، على أن هذا السفر لشاب في الخامسة والعشرين من عُمره كان مما يُقلقه ويُخيفه، وهو الذي لم يسبق له السفر إلى هذه المسافات البعيدة التي كانت تأخذ أشهرا في الذهاب والإياب، فضلا عن خطورة الطريق ومهالكه في البر والبحر، فكيف سيعمل في الغربة ثم كيف سيُحصّل بجانب ذلك العلوم والدروس.

  

فهو يُعبِّر عن هذه المشاعر في كتابه الأشهر "سراج الملوك": "أما أنا فلمّا هممتُ بالرحيل من بلدي إلى المشرق في طلب العلم كنتُ لا أعرف التجارة، ولا لي حرفة أرجع إليها، فجزعتُ من الخروج، وكنت أقول: إذا ذهَبت نفقتي فماذا أفعلُ؟ وكان أقوى الآمال في نفسي أن أحفظَ البساتين بالأجرة، وأدرُس العلم بالليل، ثم استخرتُ الله فرحلتُ، وكانت معي نفقةٌ وافرةٌ في هميان (كيس) على وسطي"[5].

   

       

بعد تردّد وخوف واستخارة، قرّر الطرطوشي المُضي قُدما في رحلته التي لم يكن يدرك وقتها أن ستكون بلا عودة، فقد حطّ رحاله في مكّة المشرّفة في موسم حج عام 476 هـ، وهنالك التقى ببعض الأندلسيين من رجالات العلم ممّن صحبهم في حضرة الشيخ أبي الوليد الباجي في الأندلس مثل القاضي أبي علي الحسين بن محمد بن فرو الصدفي الذي عكف على تدريس الحديث النبوي الشريف في مكّة المشرّفة آنذاك، وأخذ عنه الطرطوشي "سنن أبي داود عن التُستري"[6].

  

كان الطرطوشي يتطلّع إلى بغداد عاصمة العالم الإسلامي، ففيها عاش شيخه الباجي سنوات شبابه، وأدرك العلوم والمعارف على شيوخها الكبار، ولا شك أنه قد حكى لطلابه الأندلسيين ومنهم أبو الوليد الطرطوشي ذكرياته في هذه المدينة العظيمة، وعن شيوخها وعلمائها الراسخين في كل العلوم والميادين.

  

وكان من حُسن حظ الطرطوشي آنذاك أن بغداد كانت تخضع لسيطرة السلاجقة السنة، ووزيرهم العظيم نظام الملك الطُوسي الذي أعاد للمجال الثقافي والعلمي والديني دوره الذي افتُقد على مدار سنوات طويلة في بغداد في ظل الحكم البويهي، فأنشأ سلسلة المدارس النظامية، وأنفق مئات الملايين من الذهب كل عام على الشيوخ والعلماء وطلبة العلم والمبدعين، فصارت سلسلة المدراس/الجامعات النظامية في حواضر الدولة السلجوقية والعباسية محطّ أنظار الجميع شرقا وغربا.

  

الطرطوشي وتجربته في بغداد

  

في بغداد كان من حظِّ الطرطوشي أنها ازدانت بأكابر علماء العالم الإسلامي كله، من الحديث والفقه بمذاهبه والأصول والعقائد وعلوم العربية وغيرها، وكان أشهر هؤلاء العلماء رجال الشافعية الذين انبهر بهم الطرطوشي، وتتلمذ عليهم رغم كونه مالكيا في الأصل، فسمع علامة الشافعية أبا بكر الشاشي، وأبا سعد بن المتولي، وأبا أحمد الجرجاني، وأبا عبد الله الدامغاني، وكانت دائرة الأنظار مُسلَّطة على هؤلاء النفر، وإليهم مدار العلوم في المدارس النظامية وغيرها من حلقات العلوم في بغداد، فلزمهم وأخذ منهم[7].

  

وقد أثّرت بغداد في الطرطوشي من جانب آخر أيضا على قدر كبير من الأهمية؛ إذ تعرّف على الصوفية وعالمهم، ورأى رقة طباعهم آنذاك، وعُمق فهمهم، وبحثهم الدائم عن الكمال النفسي والخُلقي، وأثّرت هذه التربية الروحية في نفسه تأثيرا عميقا؛ فهو يقول: "وها أنا أحكي لك أمرا أصابني، طيّش عقلي، وبلبل حزمي، وقطع نياط قلبي، فلا يزال مرآة لي حتى يواريني التراب. وذلك أني كنتُ يوما بالعراق وأنا أشربُ ماء، فقال لي صاحب لي وكان له عقل: يا فلان، لعلّ هذا الكوز الذي تشرب فيه الماء قد كان إنسانا يوما من الدهر، فمات فصار ترابا، فاتفق للفخَّاري أن أخذ تراب القبر فصيَّره خزفا وشواه بالنار، فانتظم كوزا كما ترى وصار آنية يُمتهن ويُستخدم بعدما كان بَشَرا سويا يأكلُ ويشربُ وينعمُ ويلذُّ ويطربُ. فإذا الذي قاله مِن الجائزات، فإن الإنسان إذا مات عاد ترابا كما كان في النشأة الأولى، ثم قد يتفق أن يُحفَر لحده، ويعجن بالماء ترابه فيتخذ منه آنية تُمتهنُ في البيوت، أو لبنة تُبنى في الجدار، أو يُطين به سطح البيت، أو يُفرش في الدار فيُوطأ بالأقدام، أو يُجعل طينا على الجدار".

  

ثم يستمر الطرطوشي في تأمل هذه الحادثة التي غيّرت إدراكه لحقيقة الحياة والإنسان والدنيا كلها في نظره، فيقول: "وقد يجوز أن تُغرس عند قبره شجرة فيستحيل ترابُ الإنسانِ شجرة وورقا وثمرة، فترعى البهائمُ أوراقَها، ويأكلُ الإنسانُ ثمرتها، فينبتُ منها لحمُه، وينتشُر منها عظْمُه، أو تأكلُ تلك الثمرات الحشرات والبهائم، فبينما كان يقتات صار قوتا، وبينما كان يأكلُ صار مأكولا، ثم يعود في بطن الأرض رجيعا يُقذف به في بيت الرحاضة (بيت الخلاء)، أو بعرا يُنبذ بالعراء، ويجوز إذا حُفر قبره أن تسفي الريح ترابه فتُفرق أجزاءه في بُطون الأودية والتلول والوهاد، أليس في هذا ما أذهبَ العقولَ وطيَّش الحلوم، ومنع اللذات وهان عنده مفارقة الأهلين والأموال واللحوق بقلل الجبال؟!"[8].

  

سنوات التجوال في الشام ولقاء الصوفي السائح

  

أثّرت هذه التجربة الروحية والعلمية في حياة الطرطوشي، وأصبح مقامه في بغداد بعد بضع سنوات كافيا بالنسبة له، فشمَّر ساعد الجد للرحيل صوب بلاد الشام في دمشق وهو في حدود الثلاثين من عُمره، زاهدا عابدا عالما، ثم إلى بيت المقدس، حتى وصفه ابن فرحون (ت 799 هـ) في "الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب" في ترجماته لعلماء المالكية بقوله: "وسكنَ الشامَ مُدة، ودرَّسَ بها، ولازم الانقباضَ والقناعة، وبعُدَ صيتُه هناك، وأخذ عنه الناس هناك علما كثيرا، وكان إماما عالما، زاهدا ورعا ديّنا متواضعا متقشفا متقللا من الدنيا، راضيا باليسير منها. وتقدَّمَ في الفقه مذهبا وخلافا. وكان بعض الجِلَّةِ من الصالحين هناك يقول: الذي عند أبي بكر من العلم هو الذي عند الناس، والذي عنده مما ليس مثله عند غيره دينُه"[9].

   

وفي بيت المقدس حسده بعض الأقران والعلماء الآخرين؛ لاشتهاره بالعلم الراسخ، والعبادة والتقوى والزهد، وحاولوا عند واليها الفاطمي أن يوغروا صدره عليه بيد أنه نجا من تلك المحاولات الرخيصة، وكان غرض الطرطوشي من زيارة بيت المقدس والبقاء فيها لُقيا العلامة حجة الإسلام أبي حامد الغزالي (ت 505 هـ) الذي كان مستغرقا آنذاك في تجربته النفسية والصوفية، منقبضا عن التدريس والتعليم والقرب من الملوك والخلفاء كما دأب، ومتنقلا بين دمشق وبيت المقدس، وحيدا في البراري والقفار وقُلل الجبال والهضاب، ومتأملا ومستجمعا نفسه للوصول إلى حقيقة القُرب من الله، التي ظل عليها في أخريات حياته حتى وفاته[10].

   

وكان من اللافت أن الطرطوشي زار عدة مدن في الشام، حتى انتهى به الأمر إلى زيارة مدينة أنطاكية في شمال الساحل الشامي، فإذا به يُفاجأ بحصار الروم لها، بما يعني أنه شاهد بأم عينيه الحملة الصليبية الأولى على المشرق الإسلامي والتي أفضت إلى سقوط أنطاكية وطرابلس وصور وبيروت وبيت المقدس وغيرها سنة (490-492 هـ)، وقد غادرها وقرر زيارة مصر في ذلك العام سنة 490 هـ، وهو في الأربعين من عُمره تقريبا بعدما مكث فيها عشر سنوات كاملة، زادت فيها خبرته العلمية، وصار له فيها عشرات من طلبة العلم والتلاميذ، ثم إنه لم يترك صحبة الصوفية ورجال الزُّهد.

  

فهو يروي قُبيل رحيله إلى مصر أنه تعرّف على رجل زاهد سائح اسمه أبو محمد عبد الله السايح، كان رجلا صاحب فهم وعلم وتقوى وصلاح، يعيش على سياحة ذلك الزمان، أي الانتقال من بلد إلى آخر للتأمل والتفكر وتهذيب النفس، ويأكل مما تُنبته الثمار والأشجار في البرية، فلما هجم الصليبيون على بلاد الشام نصحه الطرطوشي بالمجيء معه إلى مصر، قائلا له: "أنت ها هنا بمعزل لا تلقى أحدا ولا يلقاك، وإن متَّ لم تجد مَن يواريك، وفي مخالطة الناس ومقابلتهم ونشر العلم وحضور الجماعة في الجمعة ما لا يخفى عليك. فقال له عبد الله: أنا ها هنا آكل الحلال، وأعيش في المباح دون تكلف من ثمر هذه الأشجار، ولا أجد في غير هذا الموضع من المباح ما أجدُ فيه". على أن الطرطوشي أقنع أبا محمد السائح للمجيء معه إلى مصر، ورغّبه في مدينة رشيد التي يكثر فيها الملح والحطب فيأكلان من عمل أيديهما ببيعهما، وقد اقتنع ذلك الزاهد وجاءا معا إلى رشيد شمال مصر[11].

 

مصر والطرطوشي العلامة

  

حطَّ الطرطوشي مع صاحبه الزاهد في مدينة رشيد في حدود عام 490 أو 491 هـ وحاكم مصر الحقيقي آنذاك الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي الوزير الطاغية الشهير، تحت خلافة ابن أخته الخليفة الضعيف المستعلي بالله الفاطمي (ت 495 هـ)، وقد عاشا معا على بيع الحطب والملح، متقشّفين قانعين بهذا الرزق، حتى عُرِف الطرطوشي بين أهل البلدة بعلمه وزهده.

 

وفي تلك الأثناء كان طغيان الوزير الأفضل بن بدر الجمالي قد بلغ ذروته حتى قتل جموعا من فقهاء الإسكندرية من المالكية ممّن أيدوا حق الابن الأكبر نزار بن الخليفة الفاطمي المستنصر بالله في استعادة الخلافة من أخيه الأصغر المستعلي، لكن الوزير الطاغية قتلهم وقتل ابن الخليفة الأكبر، وخلت المدينة من كبار العلماء الذين يُرشدون الناس ويهدونهم سواء السبيل، فحمل قاضي المدينة ابن حديد وجماعة من أصحابه أنفسهم إلى مدينة رشيد حين سمعوا بوجود العلامة الطرطوشي بها، ودعوه للمجيء إلى الإسكندرية ليبثّ علمه بها[12].

  

على أن الطرطوشي رفض القدوم إلى الإسكندرية إلا بموافقة صاحبه الزاهد أبي محمد السايح الذي رفض هو الآخر هذا الأمر، لكنه وافق على المجيء معهم بعد ضغط، وفي مقابل توفير رغيف من الشعير من مال حلال كل يوم، وهو ما ضمنه له قاضي الإسكندرية، وفي هذه المدينة الساحلية التي كانت ثغرا ورباطا لمواجهة الأعداء بدأ أبو بكر الطرطوشي الأندلسي حياة جديدة، فقد انكبَّ على تعليم العلم، ورأى فيه طلبة المدينة رجلا زاهدا عالما تقيا ورعا فالتفّوا حوله، حتى بلغ صيته آفاق المدينة، وسعى إلى تجديد معالم الدين الذي رآه مندرسا بها، فنراه يقول عن هذا القدوم: "إن سألني الله تعالى عن المقام بالإسكندرية لمَّا كانت عليه في أيام الشيعة العُبيدية (الفاطميون) مِن ترك إقامة الجمعة ومن غير ذلك من المناكر التي كانت في أيامهم، أقول له: وجدتُ قوما ضُلالا فكنتُ سبب هدايتهم"[13].

    

كان الطرطوشي رجل علم بارع، ذا فطنة ونباهة عالية، فقد آثر استخدام أساليب جديدة في التعليم والتربية، على غرار التربية الحديثة
   

وفي المدينة تحسّنت حالته المادية كثيرا، إذ تزوج امرأة موسرة، فأطلقت يده في أموالها، ووهبته دارا من أملاكها، وجعل سكنه معها في الدور الأعلى، واتخذ من الدور الأسفل مدرسة يُلقي فيها دروسه، ويستضيف فيها طلاب العلم من الغرباء الوافدين على الإسكندرية، وكانت هذه السيدة من كبريات عائلات المدينة آنذاك، علما ودينا وتقوى، وكانت خالة تلميذ الطرطوشي الأشهر العالم السكندري الطاهر بن عوف[14]، فارتاحت نفسه معها، وأنجب منها أبناءه، وتفرغ للتدريس ونشر العلوم.

  

كان الطرطوشي رجل علم بارع، ذا فطنة ونباهة عالية، فقد آثر استخدام أساليب جديدة في التعليم والتربية، على غرار التربية الحديثة التي يأخذ فيها الأستاذ طلبته إلى الطبيعة لتكون دروسهم وعلومهم فيها، فيروي تلميذه أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن التُجيبي الإسكندري أن شيخه الطرطوشي "كان صاحب نُزهة مع طلبته في أكثر الأوقات، يخرجُ معهم إلى البُستان فيُقيمون الأيام المتوالية في فرحة ومذاكرة ومداعبة مما لا يقدح في حق الطلبة، بل يدلُّ على فضلهم وسلامة صدرهم، وخرجنا معه في بعض المنزهة فكنّا ثلاثمئة وستين رجلا؛ لكثرة الآخذين عنه، المحبين صُحبته وخدمته"[15].

   

حسد القاضي ومحنة الفاطميين!

أثارت هذه الضجة التي صارت ملازمة للعلامة الطرطوشي نفس قاضي المدينة مكين الدولة أبي طالب أحمد بن عبد المجيد بن أحمد بن حديد، وكان هذا الرجل صاحب جاه وعزّ وثروة هائلة، وقصور ورياض، كما كانت أسرته تتعاقب على منصب القضاء في المدينة منذ أجيال، وهو منصب كان يلي منصب أمير المدينة وحاكمها في السلطات المخوّلة له، قضائيا وماليا وإداريا، فكان يُشرف على الأوقاف والجزية التي كانت تُجمع من أهل الذمة، وعلى دار ضرب النقود، وعلى الضرائب (المكوس)، كل ذلك جعله صاحب يد باطشة، وأموال وحشم وثروة.

   

  

وقد أغضبه ما تمتّع به الطرطوشي من الشهرة والمكانة، فضلا عن انتقاداته اللاذعة لكل ما رآه يُغضب الله ويُسخطه مثل فرض الضرائب بغير حق، واستيراد بعض الأطعمة من بلاد الروم، بل ربما تعدّى ذلك إلى انتقاد القاضي نفسه وحياته الباذخة المترفة فضلا عن أسرته، يقول ابن فرحون: "وكان الطرطوشي يذكر بني حديد ذكرا قبيحا؛ لما كانوا عليه من أخذ المكوسات (الضرائب)، والمعونة على المظالم"[16]. وقد أشار إلى بعض ذلك في كتابه الآخر "الحوادث والبدع" حيث خصَّصَه لانتقاد العقائد الفاسدة، والبدع الضالة، ومساوئ الأخلاق التي رآها في حياته، وفي مصر والإسكندرية بالتحديد[17].

  

وقد لاقت شكوى القاضي ابن حديد وعائلته في الطرطوشي مسامعها عند حاكم مصر المطلق، الأفضل بن بدر الجمالي، وكان هذا القاضي ممّن يقدمون خدمات جليلة للدولة الفاطمية ماليا واقتصاديا وأمنيا حتى لو بفرض المظالم كما رأينا، فأمر الوزير الأفضل على الفور بإحضار الطرطوشي إلى القاهرة، وكان الطرطوشي يُسميه "السلطان" لأنه كان الحاكم المطلق على الحقيقة.

  

وفي القاهرة استقبله الأفضل استقبالا طيبا، لكنه أصدر قراره بوضعه في الإقامة الجبرية بمسجد الرصد جنوب مدينة الفسطاط دون أن يمكّنه من التواصل مع أحد من الناس، وسمح له ببقاء خادمه معه، وبنفقة شهرية عدة دنانير، وطالت إقامة الطرطوشي الجبرية لأشهر في ذلك المكان المنعزل عن أهله وتلامذته، وعن حريته التي افتقدها في قول الحق، وفي التأليف والكتابة والتدريس، واشتدت نقمته وكراهيته لهذا الطاغية الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي، فلما طال المقام به في معتقله قال لخادمه:

   

"إلى متى نصبر؟! اجمع لي المباح من الأرض. فجمع له، فأكله ثلاثة أيام، فلما كان عند صلاة المغرب قال لخادمه: رميتُه الساعة. فلما كان من الغد ركب الأفضل فقُتل"[18]. أي إنه أمر خادمه بجمع الطعام الحلال، ثم اعتكف يصلي ويدعو الله على هذا الظالم الطاغية الذي لاقى مصرعه على يد مساعده الأمير المأمون البطائحي بدعم من الخليفة المغلوب على أمره الآمر بالله في اليوم الثالث من تضرع الطرطوشي، وذلك في شهور سنة 515 هـ.

   

الإفراج عن الطرطوشي وسنواته الأخيرة
كان الطرطوشي فوق زهده وعلمه الغزيز حريصا على تحذير أولياء الأمر من المسلمين من خطورة المسؤولية التي يتحمّلونها، ولم يكن يمنعه قوة هؤلاء وبطشهم ودموية بعضهم
   

كان ارتقاء المأمون البطائحي لمنصب الوزارة الفاطمية بمساعدة ومباركة الخليفة الآمر بالله بداية جديدة للطرطوشي؛ إذ كان المأمون ممّن يُجِلّ هذا العالم الزاهد، وقد رأى منه موقفا صلبا أمام تجبُّر الأفضل، وتحذيره ونصيحته وتخويفه من عقاب الله، وقد أدرك الطرطوشي من ناحيته صدق نيّات المأمون، فعاد إلى الإسكندرية وعكف لأكثر من عام كامل على تأليف كتابه الأشهر "سراج الملوك" الذي قرر إهداءه للمأمون ليكون عونا له على الحكم، ونصيحة له من الشطط، وإبرازا لقضايا الشرع الشريف، وبالفعل رجع إلى القاهرة عام 516 هـ فأهداه الكتاب، وطالبه بتغيير منكرات تتعارض والمذاهب السُّنية، واستطاع المأمون تحقيق رغبات الطرطوشي كاملة.

  

بل إن الطرطوشي طلب منه أن يساعده في بناء مسجد قرب باب البحر في الإسكندرية، فأصدر المأمون قراره إلى حاكم المدينة وقاضيها بتلبية رغبات الإمام الطرطوشي، فبنى مسجدا كبيرا في منطقة باب البحر آنذاك، قريبا من منطقة المنشية في الإسكندرية اليوم، بيد أنه تلاشى أمره[19]، وعكف فيه الطرطوشي سنواته الأخيرة من عُمره للتعليم والتدريس ونشر المذهب المالكي، والدفاع عن العقائد السُّنية، وتصحيح أوهام وأغلاط العامة، غير مبتعد في الوقت ذاته عما يدور حوله في العالم الإسلامي. كان الطرطوشي فوق زهده وعلمه الغزيز حريصا على تحذير أولياء الأمر من المسلمين من خطورة المسؤولية التي يتحمّلونها، ومن المظالم التي تقع في ولاياتهم ويتغاضون عنها، ولم يكن يمنعه قوة هؤلاء وبطشهم ودموية بعضهم مثل الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي من أن يقف بين أيديهم غير هيّاب ولا متخاذل عن قولة الحق.

  

مواجهة رجال الحكم وتحذيرهم

ترك الطرطوشي الإسكندرية وجاء إلى الأفضل شاهنشاه ليُحذِّره من خطورة الظلم والبطش بالرعية، فدخل عليه ووقف بين يديه قائلا: "اعلم أن هذا المُلك الذي أصبحتَ فيه إنما صار إليك بموت من كان قبلك، وهو خارج عن يدك مثل ما صار إليك، فاتّقِ الله فيما خوّلك من هذه الأمة، فإن الله سائلك عن النقير والقطمير… واعلم أيها الملك أن الله تعالى قد آتى مُلك الدنيا بحذافيرها سليمان بن داود -عليهما السلام- فسخّر له الإنس والجن والشياطين والوحوش والبهائم… فوالله ما عدّها نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل خاف أن تكون استدرجا من الله تعالى، ومكرا به، فقال: (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ)، فافتح الباب، وسهّل الحجاب، وانصر المظلوم"[20].

    

مسجد الطرطوشي بمدينة الإسكندرية  (مواقع التواصل)

   

بل إن نصح الطرطوشي تعدّى ولاة الأمر في مصر من كبارها مثل الأفضل والمأمون البطائحي كما رأينا، فنراه يوجّه سهام نقده وتحذيره ونصحه إلى الأمير المرابطي الأشهر يوسف بن تاشفين (ت 500 هـ) الذي كان معاصرا له ولدولة الفاطميين في بلاد المغرب والأندلس، وكان مشهورا بالجهاد والقوة، وهو مؤسس تلك الدولة وموسّعها في أقاليم أفريقيا الغربية، فأرسل إليه الطرطوشي يُحذِّره من بعض ما رآه قصورا في سياسته تجاه الرعية، قائلا:

  

"لقد بلغني يا أبا يعقوب أنك احتجبتَ عن المسلمين بالحجارة والطين، واتخذت دونهم حجابا، وإن طالبَ الحاجة ليظلّ ببابك فما يلقاك، كأنك لم تسمع قول الله عز وجل: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ). قال الحسن: لا والله، ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تُغلق دونه الحُجُب، ولا يُغدّى عليه بالجفان ولا يُراح عليه بها، ولكنه كان بارزا، من أراد أن يلقى رسول الله لقيه، وكان يجلس بالأرض، ويوضع طعامه على الأرض… يا أبا يعقوب: ولقد بلغني أنك استأثرت على المسلمين بالحظّ الوافر من حطام الدنيا وزخرفها، فلبستَ الناعم، وأكلتَ الليّن، وتمتّعت بلذّاتها وشهواتها، كأنك لم تسمع قول الله عزّ وجل: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا)… يا أبا يعقوب، إنه قد كبُرت السن، وانحلّت القوى، واشتعلَ الرأسُ شيبا، وارتحلت الدنيا مدبرة، وجاءت الآخرة مقبلة، وحان الفراق… فالبدار البدار إلى حياة لا موت فيها، وشباب لا هرم معه، وصحة لا سقم فيها"[21].

  

تلك سبعون سنة قضاها الطرطوشي فيما يمكن أن نصفه بالمغامرة الكبرى، مغامرة طلب العلم داخل المدن الأندلسية، ومغامرة انطلاقه من بلده وموطنه صوب المشرق متعلِّما وراحلا وشاهدا غير آيب أبدا، ومغامرة استيطان الإسكندرية تحت ظل دولة الفاطميين الذين أذاقوا علماء السنة ويلات كثيرة، وغيّروا من معالم عقائد الناس بقوة السلطان والسيف؛ فتعرّض لمحنتهم، وسعى لإصلاح ما قدر عليه بينهم، وأعلى شأن العلوم والدين من جديد، تاركا ما يقارب 26 كتابا ورسالة في العلوم الإسلامية المختلفة[22]، وقد لقي ربه على هذه القناعة وتلك المسيرة الحافلة في شهر شعبان من عام 520 هـ/سبتمبر/أيلول 1126 م في مدينة الإسكندرية المصرية التي أحبها، وتزوج منها، وأنجبَ فيها، وصار له مدرسة وطلاب وفكر في أرجائها، ثم إنه ختم حياته فيها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أحدث انتصار "أنوال" 1921 بقيادة الخطابي زلزالاً بالريف المغربي، فكانت نتائج تلك المعركة لافتة ومؤثرة على الصعيدين المغربي والدولي، وأصبح ثوار الريف شوكة صلبة في مواجهة المحتلين.. القصة بهذا التقرير.

كان الصعاليك، شرذمة من العرب طحنهم الفقر، فكونوا لأنفسهم مجتمعا موازيا بقوانين خاصة بهم، ساعدهم عليها اتساع الجزيرة العربية التي اتخذوها مسكنًا وملجئًا.. المزيد عن صعاليك العرب في هذا التقرير.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة