الطريق إلى روما.. كيف وصلت جيوش السلطان محمد الفاتح إلى أعتاب إيطاليا؟

"إن موت محمد الفاتح أنقذ أوروبا؛ لأن الدور بعد أوترانتو كان على روما نفسها"

المؤرخ والمستشرق البريطاني "ستانلي لين بول"

لا يكاد السلطان "محمد الثاني بن مراد بن محمد الأول" العثماني (833-886هـ/1429-1481م) يُعرف في أوساط القارئين والمتابعين إلا بفتحه العظيم لمدينة القُسطنطينية (إسطنبول) في 20 جمادى الأولى من سنة 857 هجرية، الموافق 29 مايو/أيار من عام 1453 ميلادية، تلك المدينة التي جاء التبشير بفتحها في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ"[1]، وهو الحديث الشريف الذي جعل الأمة الإسلامية تتسابق إلى فتح عاصمة الدولة الرومانية الشرقية "البيزنطية" على مدار ثمانية قرون، منذ عصر الصحابة والتابعين وحتى مجيء عصر محمد الفاتح.

 

وإذا كان السلطان محمد الفاتح قد تمكن من تحقيق حلم المسلمين وآبائه العثمانيين وهو لم يزل في الثانية والعشرين من عُمره، قبل أن يشرع في تهيئة المدينة وأسلمتها وعثمنتها في السنين التالية، فإن عُمر الفاتح الشاب وأصداء هذا الفتح الكبير ظلا يترددان في العالم المسيحي، الذي دخل طوال الأعوام الثلاثين التالية في اشتباكات وحروب مع العثمانيين على عدة جبهات، بداية ببقايا البيزنطيين وأذيالهم في بعض الولايات المطلة على البحر الأسود مثل مملكة "طرابزون"، مرورا بالبلقان بأممها وشعوبها من الألبان والصرب واليونان والمجر والبوسنيين، وانتهاء بقلب الأناضول الذي لم يكن قد أُخضع تماما لسلطة العثمانيين، لا سيما أمراء "تركمان القبيلة البيضاء" والقرامانيين وغيرهم.

 

لا يكاد يعرف ذلك الصراع الطويل، الذي خاضه محمـد الفاتح، من القراء إلا القليل ممن توقفت معرفتهم بهذا الرجل العسكري المخضرم والسلطان العالم عند فتح إسطنبول باعتبارها لحظة انتصار إسلامية على العالم الغربي بعد صراع مرير. لكن ذلك الصراع لم يتوقف، حيث استمر التنافس على أشده بين الفريقين، يغلبهم الفاتح مرارا، ثم يعودون الكرّة مرة أخرى، فيتوغل في عُمق البلقان حتى نهر الدانوب، فإذا بهم يتحدون مع الصرب تارة، وألبانيّي الشمال والجنوب البلقاني تارة أخرى، وهكذا ظلت الحرب سجالا لا يتوقف، وصراعا لا ينتهي، مع حملات صليبية في البلقان تمكن الفاتح من صدها بجدارة وبراعة.

 

بيد أن هذا السلطان الذي حقق معجزة عسكرية بفتح إسطنبول عجز عنها المسلمون من قبله، كانت عيناه طوال الثلاثين عاما التالية على قلب العالم المسيحي، تحديدا روما. فلماذا أراد السلطان الفاتح السيطرة على إيطاليا وعاصمة البابوية؟ وهل كانت هناك أسباب سياسية دفعته إلى إطلاق تلك الحملة العسكرية الضخمة؟ وما كان مصير هذه الحملة بعد خروجها بأيام قليلة باتجاه إيطاليا عام 1481؟

 

كسر أعناق البنادقة

محمد الفاتح

على مدار سنوات حكمها، تمددت الدولة العثمانية واتسعت أراضيها من غرب الأناضول في "أسكيشهير" إلى "بورصة" وصولا إلى "أدِرْنة" في البلقان الشمالي، ونتيجة لذلك، أصبحت الدولة البيزنطية التي تركَّز وجودها داخل أسوار القسطنطينية آنذاك واقعة بين فكي كماشة العثمانيين من الشرق والغرب، وطوال عصور السلاطين محمد الأول ومراد الأول ثم محمد الفاتح استمرت الضربات العثمانية على القسطنطينية بقوة وبلا هوادة، ما أدى في نهاية المطاف إلى سقوطها مع دخول الفاتح في مايو 1453.

 

ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت القسطنطينية قاعدة للأعمال العسكرية العثمانية في الشرق والغرب، وسهلت للعثمانيين مد نفوذهم وسيادتهم إلى شواطئ البحر الأسود الشمالي و"كييف" (عاصمة أوكرانيا) وإلى البوسنة والهرسك والمجر واليونان وألبانيا وسواحل البحر الأدرياتيكي الشرقية وشرقي البحر المتوسط، وكان من أبرز المنافسين للدولة العثمانية في التجارة، بل وفي ميادين السياسة على الدوام، هم البنادقة.

 

كانت جمهورية البندقية التي شملت مناطق واسعة من شمال شرق إيطاليا من أقوى الدول البحرية في العصور الوسطى، إذ عمل في ترسانتها البحرية 17 ألف عامل، و25 ألف بحّار، وتكوّنت بَحْريّتها من ثلاثة آلاف سفينة تجارية، وثلاثمائة سفينة حربية، وكانت تبني 45 سفينة في كل عام، فضلا عن غناها الهائل لسيطرتها على التجارة البحرية، ومنتوجاتها من الحرير والصوف[2].

 

دخلت البندقية في صراع مبكر مع العثمانيين من قبل سقوط القسطنطينية، فمدَّت الحملات الصليبية على العثمانيين بمدد لا ينقطع من المال والرجال، وساعدت البيزنطيين إبان حصار السلطان الفاتح للقسطنطينية، لكن بعد سقوط القسطنطينية، اتخذت البندقية سبيل الدبلوماسية ظاهريا، ووقّعت اتفاقا تجاريا ودبلوماسيا مع السلطان الفاتح سنة 1454، لكنها دعمت "الأمير الإسكندر" الألباني أمير ألبانيا الذي قاوم العثمانيين سنين عددا، فأمدّته بالجنود والأموال، ثم راحت تُحرّض الأمير أوزون "حسن التركماني"، حاكم تركمان شرق الأناضول، ضد العثمانيين، وساعدته بالعتاد، وقد أدرك العثمانيون من خلال مخابراتهم حقيقة تحركات البندقية، ودهاء سياستها وخطورتها، فدخلت العلاقة بين الجانبين في صدام منذ عام 1463، استمر 16 عاما تالية[3].

 

كانت إستراتيجية السلطان محمد الفاتح هي حصار البندقية في كل مستعمراتها التجارية والاستعمارية في بحر إيجه واليونان والبلقان، واستطاع العثمانيون بعد سلسلة من المعارك أن يستولوا على أهم ثغر بندقي، وهو "نجربون" أو "أغريبوز" كما يسميه الأتراك، ثم اجتاح الأتراك العثمانيون ثغور البندقية الأخرى المطلة على بحر إيجه والبحر الأدرياتيكي، وبحلول عام 1478 تمكن السلطان الفاتح من حصار مدينة "إشقودرة" على الشاطئ الشرقي لبحر الأدرياتيك، وبدأت قوى البندقية تضعف وتخور، فرضيت بالتوقيع على صلح مهين عام 1479، تخلت بموجبه جمهورية البندقية عن نجربون وأرغوس وأشقودرة -رسميا- لصالح العثمانيين، بل ودفعت 10 آلاف دوقة ذهبية كل عام ضريبة للاتجار في أراضي الدولة العثمانية[4].

 

وهكذا انتهت الحرب الطويلة بين العثمانيين والبنادقة بضياع مناطق شمال ألبانيا من أيديهم، وضعف قوتهم البحرية، بينما ازدادت قوة العثمانيين البحرية ونفوذهم السياسي والعسكري في كامل بحر الأدرياتيك، وبدأ عقل السلطان الفاتح يراوده بغزو إيطاليا والسيطرة عليها وربما فتح روما، ليصبح السلطان المسلم الذي استولى على القسطنطينية وروما معا.

 

حلمٌ قديم

بحسب المؤرخ التركي "يلماز أوزتونا"، فإنه "كان من بين أهداف الفاتح أن يكون إمبراطورا على روما موحّدة (يقصد الدولة الرومانية الشرقية وعاصمتها القسطنطينية، والغربية وعاصمتها روما)"، ومنذ عام 1453 أُطلِق عليه لقب "قيصرِ روم" (أي إمبراطور روما الشرقية)، ولكي يكون إمبراطورا على روما، ويوحّد تاجي الإمبراطوريتين الموجودتين في أوروبا، وجب عليه فتح إيطاليا وروما.[5].

 

في السياق ذاته، يؤكد المؤرخ التركي الآخر "شرف الدين طوران" في دراسته "حملات الفاتح إلى إيطاليا" أن السلطان الفاتح، منذ كان وليا للعهد، تابع أخبار الدول الإيطالية سياسيا واستخباريا وعسكريا، وبعض مَن أمده بالمعلومات كانوا جواسيس إيطاليين أعلنوا ولاءهم له، وقد أدرك الفاتح مدى الخلافات البينية والتنافس الاقتصادي والتجاري الذي كان بين الجمهوريات والممالك الإيطالية وبعضها بعضا حينذاك[6]. ولنا أن نعلم أن الفاتح الذي ارتقى إلى سلطنة الدولة العثمانية وهو في العشرين أو الحادي والعشرين من عُمره أدرك منذ مرحلة الفتوة والشباب الأهمية الدينية والسياسية لإيطاليا، وانصبت عيناه على روما.

 

ونتيجة لذلك، حين سحق السلطان الفاتح وجيوشه جمهورية البندقية وجعلها في موقف ضعف دبلوماسي وتجاري، بعدما استولى على ثغورها وقطع ذراعها الطويل في شرق البحر المتوسط وبحر إيجه والأدرياتيك، فإنه بدأ يتطلع إلى السيطرة على روما، وتمثَّلت خطته بالهجوم على السواحل الإيطالية من الجنوب، تحديدا مملكة نابولي والتابعة لها جزيرة صقلية، حيث كان كلاهما خاضعا لنفوذ مملكة أرغون شمالي إسبانيا، بينما خضع وسط إيطاليا الواقع بين البندقية شمالا ونابولي جنوبا لسلطة البابا السياسية[7].

 

أراد السلطان بعد فتحه إسطنبول أن يسيطر على روما، فبسيطرته عليها يكون قد هدم قوة العالم المسيحي في شرقه وغربه، هكذا يشير العديد من المؤرخين والمحللين الأتراك وغيرهم، ولهذا السبب وضع السلطان الفاتح خطة مع كبار قادته، وأمر بتعيين "كِديك أحمد باشا" قائدا سياسيا وعسكريا، وتلخَّصت خطة الانطلاق في السيطرة على ثلاث جزر تقع بين إيطاليا وسواحل البلقان في البحر الأدرياتيكي، وهي "زانتا" (زاكينتوس) و"كِفالونيا" و"إثاكا"، حتى لا تكون عائقا بين الأراضي العثمانية في البلقان والأدرياتيك وبين المناطق المستهدفة جنوبي إيطاليا.

 

وبعد السيطرة على هذه الجزر الثلاث عام 1479، أطلقت شرارة البدء، ففي شهر يوليو/تموز 1480، انطلقت من سواحل البلقان الجنوبية المطلة على البحر الأدرياتيكي حملةٌ عسكرية بحرية عثمانية بأسطول قوامه 40 سفينة حربية كبيرة و52 سفينة متوسطة و40 سفينة إمداد وتموين، وقد أصدر السلطان الفاتح منشورا بجعل كيفالونيا ولاية مستقلة، وعيَّن رئيس الحملة "كِدك أحمد باشا" واليا عثمانيا عليها، مع تبعية كل ما سيُفتح في إيطاليا إليها[8].

 

تحقُّق الحلم وتبدده

في 28 يوليو/تموز 1480، قام كديك باشا بإنزال 18 ألف مقاتل من المشاة و1000 من الخيّالة وعدد كبير من المدافع، وكان موقع الإنزال قرب قلعة "أوترانتو" في ولاية "أبوليا" الإيطالية، ورغم أن أسطول جمهورية البندقية المكون من 60 قطعة بحرية في قاعدة كورفو القريبة كان راسيا، فإن تدخله لم يكن واردا بسبب معاهدة 1479 بين البندقية والدولة العثمانية، ولهذا السبب استسلمت قلعة أوترانتو بعد مقاومة استمرت أسبوعين فقدت فيها 12 ألف جندي من أصل 22 ألفا هم قوام حامية القلعة[9].

 

لاحقا، قسَّم كديك باشا جيشه إلى فرقتين، انطلقت إحداهما إلى الشمال الشرقي صوب "برنديزي"، والثانية إلى الشمال الغربي صوب "أوترانتو"، وقد جعل أوترانتو مركز اللواء العسكري العثماني في جنوب إيطاليا، وحين رأى الإيطاليون هذه الكارثة العسكرية التي حلّت بهم أرسل ملك نابولي حملة عسكرية قوامها 20 ألف مقاتل بقيادة ابنه وولي عهده، واصطدمت هذه القوات بالعثمانيين، لكنها لم تنجح في إثنائهم وهزيمتهم، ومن ثم فروا هاربين إلى نابولي شمالا، ثم تمكن العثمانيون من الاستيلاء على كامل الجنوب الإيطالي بحلول خريف ذلك العام[10].

 

بعد ذلك، قرر كديك باشا العودة، تاركا خلفه قوة عسكرية قوامها 8 آلاف جندي عثماني في جنوب إيطاليا في قلعة أوترانتو بقيادة "خير الدين مصطفى بك"، ويبدو أن رسالة وصلت لكديك باشا من السلطان الفاتح تأمره بانتظاره في ربيع العام التالي لينطلقا معا صوب روما وشمال إيطاليا لإتمام عمليات الفتح[11].

 

وبالفعل، في 25 أبريل/نيسان اجتاز السلطان محمد الفاتح مضيق البوسفور، حتى وصل إلى منطقة "أسكُدار"، ونصب السرادق الهمايوني، وكان قد شرع في الاستعداد لحملة كبيرة لإتمام فتوحات إيطاليا، لكن أصابه مغص فجائي تُوُفِّي على إثره بعد عدة أيام نهارا في 4 ربيع الأول عام 886 هجرية، الموافق 3 مايو/أيار عام 1481 ميلادية، عن عُمر ناهز الخمسين عاما، وقد قتل الإنكشارية العثمانيون طبيبه الإيطالي الذي تظاهر بالإسلام "يعقوب باشا"، حيث اتهموه بدسّ السم له لمنع السلطان من إكمال المسير صوب إيطاليا[12].

 

وحين وصل خبر وفاة السلطان محمد الفاتح، عمّت الأفراح في العالم الغربي، وكما يرى المؤرخ والمستشرق الإنجليزي "ستانلي لين بول" "فإن موت محمد الفاتح أنقذ أوربا، لأن الدور بعد أوترانتو كان على روما نفسها"[13]. وقد استغل أمراء إيطاليا وملوكها الصراع الذي نشب بعد وفاة السلطان الفاتح بين ابنيه "جِم" و"بايزيد"، فدعموا المتمردين الألبان والمجريين في البلقان، وقُطعت الطريق بين إسطنبول والبلقان والجنوب الإيطالي، فحوصرت الحامية العثمانية في جنوب إيطاليا، وبعد مقاومة استمرت ستة أشهر كاملة نفد فيها الماء والطعام، اضطرت الحامية العثمانية إلى الاستسلام لملك نابولي في نهاية المطاف[14].

 

وهكذا انتهت قصة أول محاولة عثمانية لفتح إيطاليا وعاصمة البابوية روما، وضمها للدولة الإسلامية في عهد السلطان محمد الفاتح الذي حلم طوال ثلاثين عاما من عُمر سلطنته بفتح قلعتي العالم المسيحي، القسطنطينية، وقد أتمها في أولى سِنِيْ حُكمه، وروما التي كاد أن يفتحها في آخر سِنِي عُمره، لكن كان أمر الله قدرا مقدورا.

——————————————————————————

المصادر

[1]  مسند الإمام أحمد ح18957.

[2]  شارل ديل: البندقية جمهورية أرستقراطية ص65-67.

[3]  شارل ديل: السابق ص135-139.

[4]  السابق ص140.

[5]  يلماز أوزتونا: تاريخ الدولة العثمانية 1/174.

[6] Şerafettin Turan, FATİH’İN İTALYA SEFERİ, s137.

[7]  يلماز أوزتونا: السابق 1/175.

[8] METİN ZİYA KÖSE, OTRANTO SEFERİ, islamansiklopedisi.

[9]  أوزتونا: السابق 1/176.

[10] METİN ZİYA KÖSE.

[11]  خليل إينالجيك: تاريخ الدولة العثمانية ص48.

[12]  آيتاج أوزكان: السلطان محمد الفاتح ص260.

[13]  Stanly Lane-poole, Turkey, p139-140.

[14] METİN ZİYA KÖSE.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة