شعار قسم ميدان

"فلسفة النيكسن".. هل يمكن للخمول أن ينقذنا في هذه الأيام الصعبة؟

في كل صباح، يفيق أحدهم من نومه فزعا لاحتمالية تأخره عن عمله، يرتدي ثيابه على عجل، يسرع إلى الخارج، يستنزف جهده العقلي والبدني في مهام ومتطلبات يومه الشاقة، وفي المساء يعود أدراجه وقد نال منه التعب. يزعجه أمر ما يتصل بالعمل، ويشرد ذهنه فيما يتعين عليه إنجازه، ينغمس في قلق مطول، حتى يرتخي جفناه ويغلبه النعاس. في الصباح التالي يهرول كعقارب ساعة تهرول للأمام بوتيرة ثابتة دون أن تستكين.

لوحة "حينما يكون القلب فتيا" لجون ويليام جودوارد 1902
لوحة "حينما يكون القلب فتيا" لجون ويليام جودوارد 1902. (مواقع التواصل)

هذا الإيقاع اللاهث الذي نختبره في حياة اليوم هو ما يُصوِّره لنا فرانز كافكا في مقدمة روايته "التحول"، حيث يقول: "استيقظ غريغور سامسا ذات صباح على إثر أحلام سادها الاضطراب، ليجد أنه قد تحوَّل إلى حشرة عملاقة"، يشعر سامسا بالاضطراب لكن يبتلع صدمته بسرعة، صارفا فكره فورا نحو كيفية النهوض للحاق بالقطار الذي سيقله إلى عمله.

 

ربما قصد كافكا إخبارنا كيف يمكن للنظام الرأسمالي أن يمسخ الإنسان ويقوده إلى هلاكه دون رحمة، كما في فيلم "الأزمنة الحديثة" (Modern Times) لتشارلي تشابلن، حيث يجاهد فيه البطل وهو عامل في مصنع لمواكبة سرعة الآلة مما يقوده للجنون، يتحدث في أحد المشاهد: "أنا منشغل طوال الوقت، أحاول عبثا إتمام قائمة المهام الخاصة بي. ومع ذلك، تظل بعض الأشياء دائما غير مكتملة، والأسوأ من ذلك تظهر أشياء جديدة، لأذهب إلى فراشي شاعرا بالإجهاد وعدم الرضا"(1).

 

يُفضي هذا السخط المتخم بالروتين بدوره إلى ما يشبه الاكتئاب عند بيتر جيبونز، الشخصية المحورية في الفيلم الكوميدي "أوفيس سبيس" (Office Space) لمايك جادج. في مفارقة تتبدى في لحظة حاسمة من الفيلم، يذهب بيتر مُكرها إلى طبيب فينوِّمه مغناطيسيا ليخرج من هناك شخصا مختلفا لا يفعل إلا ما يحلو له حقا، لكن ما الذي يروقه؟ الجواب ببساطة هو ألا يفعل شيئا على الإطلاق.

 

لعلك ترى في ذلك شيئا من الترف، لضيق الوقت وتكالب المشاغل والمهام والظروف الاقتصادية الخانقة، أو ربما ينبع ذلك من شعورك بالذنب حيال الوقت الذي لا تقوم فيه بأي شيء، إذ تغلب الحاجة إلى الإنجاز والسعي الدؤوب على نظرتنا إلى أنفسنا. لكن ماذا لو كان عدم قيامك بأي شيء ضرورة، أو لِنَقُل إنه أمر ذو جدوى على أقل تقدير؟

لوحة "الشاعر الأثير" لألما تادما
لوحة "الشاعر الأثير" لألما تادما. (مواقع التواصل)

 

النيكسن.. ملذات الوقت الضائع

هذا ما ترشدنا إليه فلسفة "النيكسن" التي لعلك لم تسمع بها من قبل. تنقسم لفظة "النيكسن" (Niksen) في اللغة الهولندية إلى نصفين: "niks" التي تعني "لا شيء"، و"doen" بمعنى "عمل"، ليُقصد بها إجمالا تعمد عدم فعل أي شيء (2)(3). ميَّزت الكاتبة "أولغا ميكينج" تلك الكلمة في مقال للصحفي "جيبك فيرهوفن" نُشر في مجلة هولندية تحت عنوان "نيكسن هي اليقظة الذهنية الجديدة"، لتكتب أولغا مقالا في مديح هذه الفلسفة على "نيويورك تايمز"، ليمسي المقال كتابا عنونته بـ"نيكسن: احتضان الفن الهولندي المتمثل في عدم القيام بأي شيء" (Niksen: Embracing the Dutch Art of Doing Nothing).

 

ظنَّت "أولغا" حين عزمت على تطبيق تلك الفلسفة أن الأمر يسير، لتعود وتذكر: "كيف لي أن أجلس هكذا فحسب دون أن أحرك ساكنا؟ أعدد الأعمال المنزلية التي عليّ إنجازها.. أتفكر تُرى، هل أخبرت الأطفال بتأدية فروضهم المدرسية؟ أنظر حولي فأجد كتبا ملقاة على أرضية البيت، أعلم أن المطبخ يعج بصحون لم تُجلَ بعد، كما يخلو المنزل من الطعام ولا أملك فكرة عما سأعدّه للعشاء. كيف لي أن أجلس على الأريكة بأريحية بينما أشعر وكأني مجبرة على النهوض والاهتمام بالمنزل وبمَن فيه (باستثنائي)؟ لديّ أعمال لا حد لها، وكلما هممت بأخذ قسط من الراحة يقرر أحد صغاري أن يمرض أو أتذكر موعدا ما أو أن شيئا يتعين عليّ فعله، فكيف لي أن أجد متسعا من الوقت للنيكسن؟"(4).

 

ربما يكون ذلك هو حالنا جميعا، لكن الحقيقة هي أن التنقل بين المهام لا يجعلنا أكثر كفئا بقدر ما يزيد لدينا معدلات التوتر، ويؤثر على نومنا، وهو ما ينعكس على تقليل معدل إنتاجيتنا، وشعورنا بعدم الإنجاز، ما يضعنا تحت قلق وعبء أكبر وضغوط أكبر، وهو ما تفحَّصه الباحثون كابو وونغ وآلان تشان وس. سي. نجان في ورقتهم البحثية بعنوان (5)(6): "تأثير ساعات العمل الطويلة والوقت الإضافي على الصحة المهنية: تحليل تلوي للأدلة من 1998 إلى 2018″، مُقرِّين أن ساعات العمل الطويلة، خاصة التي تتعدى عشر ساعات، تزيد من بعض المخاطر الصحية كالإصابة بأمراض القلب والسكري.

 

قياسا على ذلك، وفي سياق متصل، يبلغنا المحرر بيتر إيكونومي أن تكريس أنفسنا للعمل الجاد فحسب وإغفال الاهتمام بصحتنا قد ينعكس على صحتنا سلبا ويتسبب في أمراض خطيرة مثل ارتفاع ضغط الدعم، كما أن الإرهاق سينفض عنا الإبداع وربما يهددنا بخسارة شبكاتنا الاجتماعية وصداقاتنا وحتى هواياتنا (7).

لوحة لجون سينجر سارجنت، دولتشي فار نينتي
لوحة لجون سينجر سارجنت، دولتشي فار نينتي. (مواقع التواصل)

على الجانب الآخر، أجمع باحثون من جامعة "إراسموس روتردام" في هولندا أن قيامنا بأمور بسيطة أو بلا شيء يتيح لعقولنا استيعاب ومعالجة المعلومات المحصلة طيلة اليوم. لذا فقد عدوا تخصيص أوقات للراحة بين ساعات الدراسة والعمل شيئا لا بد منه (8)، وهو ما يحث عليه عالِم النفس رولو ماي في كتابه "التحلي بالشجاعة للاختلاق" (The Courage to Creator) من تقسيم الوقت بين العمل والاسترخاء (9).

 

في السياق نفسه تخبرنا عالمة النفس ساندي مان أن النيكسن ليس تسويفا، وأن الخمول قد يكون أداة إنتاجية، فشرود الذهن وأحلام اليقظة "قد تجعلنا أكثر ابتكارا واختلاقا للأفكار المبدعة، وأكثر قدرة على حل المشكلات التي نعلق بها"(10)(11)(12)، وهو ما تؤكده دراسة نُشرت عام 2013 في مجلة "Frontiers in Psychology"، حول مساوئ ومحاسن العقل الشارد، بذكرها أن الإلهام قد يأتينا من خلال المشي أو التفرغ (13).

 

الأمر ذاته يفسِّره العالم المعرفي سكوت باري كوفمان في إحدى مقالاته (14)(15) قائلا: "إدراكنا البشري هو نتاج تفاعلات ديناميكية لمناطق موزعة في الدماغ تعمل كشبكة معقدة. تنشط أجزاء منها خلال القيام بأنشطة تتطلب تركيزا كحضور محاضرة أو قراءة كتاب دسم، أو التفكير مليا في حل لمعضلة ما. فيما تنشط أجزاء أخرى أثناء أحلام اليقظة. لذا فإننا إذا ما تعمدنا خفض تركيزنا قليلا وانجرفنا في هذه الأحلام وأخرسنا الصوت الناقد الداخلي، فإننا سنوسع المجال والأفق لأذهاننا لتبدع، تماما كموسيقيي الراب والجاز الذين يُقدمون على ارتجال إبداعي".

 

في لقاء صوتي (بودكاست) للممثل أندريه دو شيلدز عام 2019، قال إن البطء هو أسرع طريق للوصول إلى حيث تريد أن تكون. يسأله المذيع أن يستفيض، فيقول: "بات على الجميع أن يصلوا إلى مكان ما أو شيء ما بسرعة، وإذا ما سألت أحدا عن سبب تعجله فلن تتلقى ردا. ترسخت لدينا قناعة بأن الحياة قصيرة، لكنها طويلة، وإن بدت خلاف ذلك فلأننا دائما مسرعون"(16).

 

تهبنا النيكسن هنيهة من الصفاء، من الانفصال عن واقعنا المقبض، تحثنا على تباطؤ قد نكون في أمس الحاجة إليه، باقتطاع دقائق للراحة أو التنزه، أو في إعداد قدح من الشاي وارتشافه رويدا، أو في إشاحة الستائر عن النافذة والنظر إلى زخات المطر أو التطلع إلى السماء والسحب، ما يهم هو أن تنعم لبضع دقائق بعدم قيامك بشيء وتنصرف عن هاتفك.

لورانس ألما تادما مفضلات فضية، 1903
لورانس ألما تادما مفضلات فضية، 1903. (مواقع التواصل)

تقول الأبحاث إن تلك الدقائق المقتطعة على مدار اليوم يمكن أن تقلل من القلق وتقوي جهاز المناعة، وحتى تبطئ علامات الشيخوخة الجسدية وما يُعرف أيضا باسم خطوط التجهم والتجاعيد الأخرى المرتبطة بالتوتر، لأنها تجبر أدمغتنا وأجسادنا على أخذ بعض فترات توقف صغيرة ولكنها ضرورية للغاية (17) (18).

دوتشي فارنيتي لستانلي كورسيتر 
دوتشي فارنيتي لستانلي كورسيتر.  (مواقع التواصل)

 

عبادة الجمال

تتمثل فلسفة النيكسن في التعبير الإيطالي الذي راج في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين "دولتشي فار نينتي" (Dolce far niente) أي "عذوبة ألا تفعل شيئا"، وترسخ في الحركات الفنية مثل الرفائيلية والجمالية. نبذ فنانون وشعراء من حركة ما قبل الرفائيلية الفن الأكاديمي لمعاييره الصارمة، وعدّوه في حاضرهم إعداما لطبيعة الجمال، وانحازوا لرسم مشاهد من الحياة، وتشريح الطبيعة من وريقات وشجيرات وورود، وغلَّفوا رؤيتهم بهالة أسطورية تطوق نماذج النسوة اللاتي كن من قلب محيط هؤلاء الفنانين المتمردين، واللائي ظهرن في الأعمال الفنية الخاصة بهم (19).

 

طُبعت عبارة "دولتشي فار نينتي" عنوانا لعدد من اللوحات، لتجلس امرأة في لوحة لويليام هولمان هانت وسط أثاث ينم عن ثراء وترف، تعقد يديها بشكل يوحي بأن أعصابها مشدودة قليلا، تنظر فيما يبدو أنها المرآة، وفي انعكاسها نلمح رجلا منحنيا على مكتب خشبي، بينما تومئ برأسها نحو اليمين دون عاطفة (20).

دولتشي فار نينتي لويليام هولمان هانت (1866)
دولتشي فار نينتي لويليام هولمان هانت (1866). (مواقع التواصل)

تستلقي فتاة يافعة في عمل آخر لجون ويليام جودوارد، تصوب ناظريها بعيدا، وتتخذ من الجلد متكأ بثوب روماني، نرى في الخلفية بركة ماء تحوي وردات عائمة، هكذا يرسم جودوارد في سياقنا هذا موتيفات متكررة: نساء في تلك الوضعيات المسترخية، بثياب بأجزاء شفافة، وشرفات مطلة على بحر بعيد، يقضين ما بعد الظهيرة بتكاسل في مداعبة قطة أو الإمساك بوردة أو التحديق في اللا شيء. يجيد جودوارد هندسة تكويناته بتركيزه على المرأة في المقدمة وانسجامها مع ما خلفها من نباتات خضراء متفرقة تخلق توازنا مع لون أبيض يضفي عليها شيئا من السكون.

 

واصل جودوارد الرسم حتى فرض الفن الحديث كلمته الكاسحة على عصره، ولم يقدر على مواكبته، كان وقع هذه الحقيقة عليه بالغا فانتحر، ليرد في رسالة منسوبة إليه: "لن يسع العالم كلينا أنا وبيكاسو" (21).

جون ويليام جودوارد، دولتشي فار نينتي (الكسل الحلو) (أو بومبيان فيش بوند)، 1904
جون ويليام جودوارد، دولتشي فار نينتي (الكسل الحلو) (أو بومبيان فيش بوند)، 1904. (مواقع التواصل)

تضطجع شابة على أريكة في لوحة تحمل العنوان ذاته لجون ويليام ووترهاوس، أمامها طاولات عليها أزهار نرجس ومزهريات مقتطفة وإبريق وتحف، وبين يديها مروحة من ريش الطاووس بينما يحلق الحمام حولها. رسم جون ويليام ووترهاوس عددا من الأعمال الزيتية الأخرى لنسوة ممدات ومن خلفهن جداول ماء.

 

يكتب أحد النقاد متحدثا عن واقعية اللوحة: "تبدو المرأة وكأنها من عالم آخر، كما لو أن المشهد يحدث في زمن بعيد. يقبض فيه الفنان بسلاسة على الإحساس بالبعد عن الزمن من خلال الاستمتاع بالمتعة الفردية البسيطة. بألوان غنية ودافئة من الأصفر في عباد الشمس بجانبها، والأخضر المورق للمشهد في الخارج، الذي يمكن رؤيته خلف ستارة زهرية، تساعد كل هذه اللمسات على إضافة عمق وملمس أكبر للوحة" (22).

دولتشي فار نينتي لجون ويليام ووترهاوس (1880)
دولتشي فار نينتي لجون ويليام ووترهاوس (1880). (مواقع التواصل)

تغفو حسناء في لوحة الفنان فالنتين كاميرون برينسيب التي تُعرف أيضا باسم "جماليات الطمأنينة" (Sweet Repose) وسط حديقة مورقة، على أرجوحة شبكية، بثوب سماوي يجلب سكينة لا تجعلها تتمسك بكتابها وقبعتها حيث سقطا أرضا.

لوحة دوتشي فارنيتي أو جماليات الطمأنينة لفالنتين كاميرون برينسيب
لوحة دوتشي فارنيتي أو جماليات الطمأنينة لفالنتين كاميرون برينسيب. (مواقع التواصل)

هل تلاحظ ذلك؟ لوحات تَمُت بصلة لحاضرنا، لحتمية الذود عن الضغوط التي تحاصرنا بتطبيق فلسفة النيكسن وبلذة الاسترخاء أو "دولتشي فار نينتي".

——————————————————

المصادر:

  1. Want to Get More Done in a Day? — Try “Niksen” for a Change
  2. What is ‘niksen’, the Dutch concept of doing nothing? And how does it work exactly?
  3. The Definition of Niksen is Relaxation, Not Laziness
  4. Niksen: Embracing the Dutch Art of Doing Nothing, Olga Mecking (2021)
  5. Niksen – The Dutch Art of Doing Nothing
  6. The Effect of Long Working Hours and Overtime on Occupational Health: A Meta-Analysis of Evidence from 1998 to 2018
  7. 5 Ways Working Too Hard Hurts You
  8. Niksen – The Dutch Art of Doing Nothing
  9. Doing Nothing Is Back In Fashion
  10. المصدر السابق
  11. Niksen – when doing nothing is an artform
  12. The Art and Science of Doing Nothing
  13. Niksen Is the Dutch Lifestyle Concept of Doing Nothing—And You’re About to See It Everywhere
  14. The Real Neuroscience of Creativity
  15. Want to Get More Done in a Day? — Try “Niksen” for a Change
  16. The Art of Doing Nothing
  17. Doing Nothing is Officially On Trend
  18. Niksen Is the Dutch Lifestyle Concept of Doing Nothing—And You’re About to See It Everywhere
  19. رابطة ما قبل الرفائيلية لم تكن حفنة من الرجال المتعجرفين – لكن تم حذف النساء من الحكاية
  20. “sweet doing nothing, or sweet idleness”
  21. Ode to Indolence – Dolce Far Niente – Sweet Doing Nothing
  22. Dolce far Niente
المصدر : الجزيرة