رسائل إلهية في الحلم.. كيف رأى المحللون النفسيون والفلاسفة والفنانون عالم الأحلام؟

"نحن جميعا شعراء، سواء رغبنا بذلك أم لا".

(سيجموند فرويد)

الحلم والشعر متشابهان، ولأننا لا نكف عن الحلم في معظم الليالي، فإننا نَسترسل في نظم القصائد. ومنذ العهود الغابرة، ضَاهت حاجة الإنسان إلى النوم حاجته إلى الأحلام، ففي الحلم يتوحّد الجميع في فضاءات مُختلقة، لا يعود فيها السجين سجينا ولو لدقائق أو ساعات، ليُحلِّق بعيدا عن قضبان الزنزانة مع العامة، إلى حيث يستنشق الجموع أنفاس الحرية. فهل الأحلام محض أرواح تهيم بعيدا عن الجسد لدقائق، أم هي رسائل إلهية، أم لوحة فنية تُعبِّر عن المشاعر والرغبات واللا وعي؟

 

من المُسلَّمات أنها لغة منسية كما يصفها إيريك فروم، لغة تَشارَكها منذ القِدَم وإلى اليوم جميع سكان الأرض، وانكب عليها الفلاسفة والفنانون والمحللون النفسيون لعدة قرون لمحاولة قراءتها، وتحليلها، والتوصل إلى ماهيتها، وعلّتها، وأهميتها، ومحاولات تفسيرها. ربما لهذا دوَّن ملوك بلاد ما بين النهرين أحلامهم على ألواح الشمع في الألفية الثالثة قبل الميلاد، وبعد ألف عام كتب المصريون القدامى في كتاب الحلم تعداد أكثر من مئة حلم مشترك ومعانيها.

 

ومن قبلهما جاء في القرآن والكتاب المقدس قصة يعقوب ويوسف -عليهما السلام-، إذ تجلَّت للنبي يعقوب رؤيا كان فيها يوسف -عليه السلام- مُحاطا بعشرة ذئاب، والذئاب تنبيه بأن شيئا على وشك أن يقع. كان يعقوب على جبل، ينظر مُشفِقا على يوسف في السهل، ولا يملك أن يرد عنه كيد الذئاب، فتألَّم لعجزه، وعلى حين غرة بينما كان يوسف يعاركُ الذئاب؛ انفرجت الأرض له فغار فيها، وتفرّقت عنه الذئاب. فيما بعد، طلب أبناء يعقوب منه أن يأخذوا يوسف معهم، فقال لبنيه: (وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون) [سورة يوسف – الآية: 13]. وتمضي السنوات، ويُساق يوسف إلى السجن ظلما، يُفسِّر حلمَيْ سجينين معه، أحدهما خباز والآخر ساقي خمر، وفيما بعد يُفسِّر حلم فرعون، قائلا إن البقرات السمان والسنبلات الخضر التي حلم بها فرعون هي علامة على سبع سنين يكثر فيها الخير وينجو الناس فيها من الهلاك، مُقدِّما لهم الحل السليم تجاه هذه الأزمة، وهو أن يدَّخروا في سنوات الخير ما ينفعهم في سنوات القحط والحاجة.

يوسف يُفسِّر حلم الخباز وساقي الخمر، رسمة بنيامين كويب

كانت رؤى يعقوب -عليه السلام-، وكذلك تلك التي فسّرها يوسف لفرعون، موضوعات تأثر بها الفنان رافائيل ورسمها على سقف قصر الفاتيكان بالازو أبوستوليكو في عام 1518. تظهر الاستعارات الحية للأحلام في مجالات تطفو في السماء كما لو نؤكد أن فهمها كان أمرا يفوق الإنسان الفاني (1).

تُعرَف الأحلام أنها قصص وصور، واقعية أو خيالية، تحوكها أذهاننا خلال النّوم، وتحدث الأحلام في أي وقت خلال دورة النوم، ولكنّها تكون أكثر عمقا ووضوحا أثناء فترة "الريم" (REM) (وهي مرحلة الحركات السريعة للعين)، ويحدث أن تكون بعض الأحلام واضحة (أيّ إننا نعلم خلالها بأننا نحلم)، وهي حالة متوسّطة بين الحلم واليقظة يكون خلالها الدّماغ قد بلغ ذروة نشاطه وفعاليّته (2). وتُظهِر أحدث نتائج اختبارات علم الأعصاب أن الحلم ضروري لتنظيم المشاعر، بالإضافة إلى حل المشكلات الإبداعية، وهو ما سنتطرَّق إليه بتوسُّع بعد قليل.

 

يرتبط فقدان الحلم أو حركة العين السريعة بزيادة الاكتئاب والقلق، وفي مقابلة مع لين ورلي، الحاصل على الدكتوراه في علم النفس الإرشادي وركَّز فيها في بحثه عن الأحلام بوصفها جزءا من العلاج النفسي، قال لين ورلي: "بصرف النظر عن الفوائد التي أثبتها العلم، فإن تجربتي مع الأحلام، بمجرد فهمها بشكل هادف، يتضح أنها أكبر راوٍ للحقيقة، فهي تكشف عن الجوانب العمياء لدى الإنسان، وتُشير إلى الحلول التي عادة ما نتغاضى عنها" (3).

 

بحسب مايكل بريوس، الحاصل على دكتوراه في علم النفس السريري، فالحلم مُكوِّن وشكل من أشكال معالجة الذاكرة، مما يساعد في دمج التعلم والذاكرة قصيرة المدى لتخزين الذاكرة طويلة المدى، كما أنه امتداد لوعي اليقظة، إذ يعكس تجارب حياة اليقظة، وهو وسيلة يعمل بها العقل من خلال الأفكار والمشاعر والتجارب القاسية والمعقدة والمقلقة لتحقيق التوازن النفسي والعاطفي، كما يُعَدُّ استجابة الدماغ للتغيرات الكيميائية الحيوية والنبضات الكهربائية التي تحدث أثناء النوم، بالإضافة إلى أنه شكل من أشكال الوعي، يُوحِّد الماضي والحاضر والمستقبل في معالجة المعلومات، بالإضافة إلى كونه عملا وقائيا للدماغ لتهيئة نفسه لمواجهة التهديدات والأخطار والتحديات (3).

 

تتلخص مهمة الإنسان المستيقظ في الحفاظ على بقائه، لذا فهو يخضع للقوانين التي تحكم الواقع، مما يعني أن عليه أن يُفكِّر ضمن إطارَيْ الزمان والمكان، وأن أفكاره خاضعة للقواعد الناجمة عن منطق زماني ومكاني. في حين أن الإنسان النائم لا يهتم أدنى اهتمام بإخضاع العالم الخارجي لغاياته ومآربه، إذ إنه يصبح عاجزا، ولذلك سُمِّي النوم بحق "شقيق الموت". مع هذا فنحن أحرار خلال النوم، بل أكثر حرية مما نكون عليه خلال اليقظة، فنحن إذ نتحرر من أعباء العمل ومن مقتضيات الدفاع عن أنفسنا تجاه الواقع أو التصدي له، ولا يعود من المفترض بنا أن نراقبه أو أن نسيطر عليه، لا يعود بنا حاجة إلى النظر إلى العالم الخارجي، فتتركّز أنظارنا على ذواتنا وحسب، فلا ننظر إلا إلى عالمنا الداخلي. خلال النوم يتراجع ملكوت الضرورة ويُخلِّي مكانه لملكوت الحرية، وتغدو كينونة الـ "أنا" مرجعية الأفكار والمشاعر الوحيدة. من هنا كان النشاط الذهني يخضع خلال النوم لمنطق مختلف تماما عن منطق اليقظة (4). لذلك كان لا بد من ذكر بعض من أهمية الأحلام:

 

يتضح أن للنوم وظائف متعددة، به تغيب صلتنا بالحضارة، ويستخرج أفضل ما في داخلنا وأسوأه في آنٍ واحد. وبالتالي، فنحن قد نكون أثناء الحلم أقل ذكاء وحكمة وحياء مما نحن عليه في حالة اليقظة، لكننا قد نكون أيضا أفضل حالا وأشد حكمة. قد ينطوي الحلم على تكهُّن يجعلنا ندرك أن معرفتنا بمَن حولنا قد تكون أنفذ وأثقب خلال النوم وفي الأحلام مما كانت عليه أثناء اليقظة. يضرب لنا إيريك فروم مثالا في قصة يرويها في كتابه "اللغة المنسية": التقى "أ" بـ "ب" للتباحث في أمور تتعلق بإبرام عقد بينهما، وتكوَّن لديه انطباع حسن عن "ب"، فقرَّر أن يتخذه شريكا له في مشروعه. في الليلة التي تلت اللقاء المذكور، رأى الحلم التالي:

اللغة المنسية لـ "إريك فروم"

 "رأيت "ب" جالسا في مكتبنا. كان يُقلِّب السجلات ويُزوِّر الأرقام الواردة فيها لكي يتستر على المبالغ المالية الكبيرة التي اختلسها".

أفاق "أ" من نومه، واقتناعا منه بأن الأحلام إنما تُعبِّر عن رغبات دفينة، فقد اعتبر أن حلمه هذا يُعبِّر عن عداء تجاه منافسه، وأن نفوره وحذره منه هما اللذان صوّرا له أن "ب" قد يكون لصًّا. بناء على هذا التفسير للحلم أخذ يُعيد النظر في قراره السابق حرصا على التخلُّص من هذه الشكوك الوهمية، لكنه بدأ يلاحظ منذ بداية تشاركه مع "ب" أن هناك عددا من الأحداث أخذت تُثير شكوكه من جديد. رغم ذلك خلص إلى أنه عُرضة لمشاعر عدائية ووساوس لا عقلانية، فقرّر ألا يُعير أي انتباه للظروف التي جعلته مُتشكِّكا في صاحبه. وانقضى عام على هذا الحال، وما لبث أن اكتشف في نهايته أن "ب" قد اختلس مبالغ كبيرة من المال، وأنه تستر على هذا الاختلاس بأن أورد في سجلات الشركة واردات مُزوَّرة، وهكذا تحوَّل حلم "أ" بشكل حرفي إلى حقيقة (5).

 

وتقص الكاتبة تانيا هاريس حكاية مشابهة في مقالها "من أين أتت أحلامي؟"، إذ أخبرتها امرأة في منتصف العمر تُدعى ميج عن حلم راودها، كانت فيه ميج في غرفة نومها تحاول النظر في المرآة، لكن زوجها ظل يعترض طريقها، وعندما نظرت في المرآة أخيرا؛ شعرت بالرعب، إذ عوضا عن أن ترى انعكاسها في المرآة، رأت وجه زوجها وقد استحال وجهه إلى صورة شيطانية.

 

لذا استيقظت ميج من نومها مرتعبة. منذ ذلك الحلم، ضلّت الطمأنينة طريقها إلى قلبها، وبدأت ميج تتشكك في زوجها، فحصت حساباته المصرفية وراقبت سلوكه بحثا عن شيء خاطئ فيها، وسرعان ما اكتشفت ميج أن زوجها كان يحتال عليها هي وأصدقاءهما وعائلاتهما، وفي النهاية وُجِّهت إليه تهمة الاحتيال الجنائي واقتيد إلى السجن (6).

وقد يُعبِّر الحلم عن حكم أخلاقي، إذ يعود إيريك فروم في كتابه سابق الذكر ليُدلِّل على ذلك بمثال: جاء إلى أحد الكُتَّاب عرض عمل مُغرٍ من حيث كمية المال ومن حيث الحظوة والاعتبار اللذان يعودان على الكاتب من جرّائه. لكن العرض يضطره إلى كتابة أمور لا يؤمن بها ولا يُقيم لها وزنا. لم يعمد الكاتب إلى الرفض مباشرة، واستعان كما يستعين معظم الناس في مثل هذه الظروف بطائفة من التعليلات العقلية النمطية. خلص من ذلك إلى أنه ربما ينظر إلى الوضع نظرة سوداوية متشائمة، وأن التنازلات التي يُطلب منه أن يُقدِّمها ليست ذات بال، وأنه وضع مؤقت، سيُقدِّم منه استقالته بعد أن يجمع مالا يضمن له استقلاليته التامة مما يُمكِّنه من إنجاز ذلك الكتاب العتيد الذي يود إنجازه، ثم انتقل إلى التفكير بأسرته وأصدقائه وما سيكون بوسعه تقديمه لهم آنذاك، مُبرِّرا لذاته بأن قبوله العرض من أجلهم واجب أخلاقي، ورفضه موقف أناني. لكن تلك الحجج لم تقنعه تماما، وظل حائرا وعاجزا عن حسم أمره، إلى أن أبصر ذات ليلة الحلم الآتي:

 "كنت جالسا في سيارتي على سفح جبل مرتفع، ويبدو أنه كانت هناك طريق ضيقة وعرة تؤدي إلى قمة ذلك الجبل، فترددت في أن أسلكها، إذ بدت لي شديدة الخطورة، ثم تبيّن لي أن هناك رجلا قرب سيارتي كان يحثني على المُضيّ في تلك الطريق ويُخفِّف من روعي. أصغيت إليه وقرّرت أن آخذ بنصيحته، وشرعت أتسلق الجبل، لكن العقبات أخذت تتكاثر أمامي، ثم إنني لم أعد أقوى على التوقف، كما كان من المستحيل عليّ أن أُغيِّر اتجاه السيارة كي أعود. ولما اقتربت من القمة تعطَّل محرك السيارة، كما تعطَّلت مكابحها، وأخذت تتراجع القهقهرى ثم هوت بي في هوة عميقة، حينها فقط أفقت من نومي مذعورا (7)".

ذكر صاحب الحلم أن الرجل الذي حثَّه على المُضي ليس إلا صديقا قديما له، وأنه كان في الأساس رسّاما، لكنه قَبِلَ عرضا مشابها لعرض كاتبنا وامتهن رسم وجوه الأشخاص، وقد جمع من عمله الجديد هذا ثروة لا شك فيها، لكنه اضطر إلى أن يتخلى عن كل عمل إبداعي. وكان الكاتب يعلم أن صديقه كان تعيسا رغم نجاحه وثروته؛ لعجزه عن تحقيق ذاته بوصفه فنانا، كما كان يأمل يوما. من هنا يصبح فهم الحلم يسيرا، فالجبل هو مسيرة النجاح المحفوفة بالمخاطر التي كان مدعوًّا لاختيارها. كما أنه كان يعي أن مصيره في حالة قبول العرض سيكون مماثلا لصديقه، إذ يجد نفسه مضطرا للقيام بما كان يزدريه فيما مضى. كان يعلم في الحلم أيضا أن مثل هذا القرار لن يؤدي به إلا إلى الانهيار، انهيار صورة الحلم بصورة القضاء على أناه الجسدية، وبالتبعية أناه الفكرية والروحية.

 

فالحلم إذن لا يقتصر على إلقاء الضوء على العلاقات القائمة بين الأنا والآخرين، ولا على إطلاق الأحكام الثاقبة والتكهُّنات. فعند استغراقنا في النوم، وعند خلوتنا بأنفسنا، نكون قادرين على التبصر في أمر ذواتنا بمعزل عن تأثير الضوضاء والضجيج وبمنأى عن الحماقات، فنحس بشكل أفضل ونفكر بشكل أسلم، وتكون أحساسينا وأفكارنا أقرب إلى الحقيقة.

 

إن التصور قبل التاريخي للحلم له صدى يتردد جليا في تقويم الشعوب، فقد كان من المُسلَّم به أن للأحلام علاقة بعالم الكائنات فوق الإنسانية التي كانوا يؤمنون بوجودها، وأن الأحلام تحمل كواشف من عند الآلهة والجن، وأن الحلم يأتي الحالم لمقصد ذي خطر، هو في القاعدة الكشف عن الغيب. لكن التنوع في محتوى الأحلام وأثرها في النفس جعل الانتهاء إلى نظرة موحَّدة عن الحلم شيئا عسيرا، وقد كان الحلم عند أرسطو موضوع بحث سيكولوجي أفرد له كتابين ذكر فيهما أن الأحلام ليست مبعوثة من عند الآلهة ولا هي ذات طبيعة إلهية.

في القرن التاسع عشر، حينما قاربت الفلسفة الغربية على إيجاد تفسير للأحلام، انشغل فرويد حينها في محاولة الكشف عن طبيعة مرض الهستيريا، ليتبيّن له أن هذا المرض يخضع لحتمية سوسيولوجية، أي إن أعراضه تُعبِّر عن معانٍ نفسية، معانٍ لا تَرِد جُزافا، يمكن تحديدها كما تحدد الظواهر الفيزيقية. ثم ما لبث أن ابتدع منهج التداعي الحر، وهو الرجوع بالذكريات إلى الماضي بوصفه وسيلة لاستقصاء المعاني المتضمنة في الأعراض، فكان يطلب من مرضاه أن يُطلقوا العنان لخواطرهم، فلا يُمسكوا عن ذكر ما يحضرهم مهما كان تافها أو نابيا. فلاحظ أن مرضاه كانوا يذكرون فيما يذكرون أحلاما عرضت لهم أثناء الليل، ثم ينطلقون في ذكر ما يعني لهم من خواطر بصدد هذه الأحلام. فأصغى فرويد إلى رواية هذه الأحلام إصغاءه لغير ذلك من خواطر، محاولا أن يتبيّن ما قد تُشير إليه هذه الأحلام من معانٍ في ضوء السياق العام الذي يُفضي به المرضى وما يعانون منه.

 

اعتقد فرويد أن هناك مشاعر ورغبات وقوى تُسيّرنا دون أن نعي، دعا فرويد تلك القوى بـ "اللا وعي"، ولأننا لا نعي بها، ولوجود رقابة تقف بيننا وبين وعينا لها، أحيانا ما تتنكّر تلك القوى المكبوتة في هيئة أمراض عصابية وتظهر خلال الأحلام، لكن الرقابة توجد بحيث نُركِّز على أتفه الأمور بينما الدوافع الأساسية تكون فيه ثانوية. هكذا تمكّن فرويد من تفسير بعض الهفوات، مثل فلتات اللسان والنسيان، على أنها دلالة على الغضب أو الكراهية بردها إلى دوافع لا عقلانية، ومثالا على ذلك، جاءت إحدى النساء تشكو من أنها كلما لمست شيئا تجد نفسها مدفوعة لغسل يديها، وتحوَّل ذلك الهوس إلى عارض عصابي شديد، يتحكم في حياتها ولا تستطيع منه فكاكا، ولا تجد بُدًّا من الانصياع إليه دون أن تعلم سببه. وبتحليل تداعياتها وأفكارها، اتضح أن هذه المرأة تخوض صراعا مريرا ضد مشاعر كُره عنيفة، تزامن شعورها مع مرورها بالتالي:

 

تخلَّى عنها زوجها بشكل مفاجئ وفظ، بعد أن علمت بعلاقته الغرامية بامرأة أخرى، وكانت قد عاشت سنوات في كنفه ولم يدر في خلدها يوما ما حدث. واجهت تلك المرأة الموقف بصمت مُطبق، دون لوم زوجها أو توجيه كلمة غاضبة. بدأ العارض في التحكم بها منذ ذلك الحين، ومن خلال التحليل المعمق، تبيّن أن والدها كان يُسيء معاملتها في الماضي، لكنها أيضا لم تنبس ببنت شفة. بدلا من الحديث لجأت إلى تخيُّل أن والدها أصابه مكروه، غير أن ضميرها استطاع وضع حدٍّ لهذه التخيلات الغاضبة، التي عادت إلى الحياة بعد موقف زوجها منها، لو أنها وعت للكراهية التي تعتمل في نفسها لاستطاعت التعبير عنها والحد من تفاقمها، فالعارض العصابي لتلك السيدة لم يكن إلا رد فعل على كُرهها. فقد تحوَّل لمس الأشياء بصورة لا واعية إلى فعل تدمير لها (8)، لذا وجب أن تغسل يديها حتى تُطهِّرهما من ذلك الفعل التدميري الذي كان يُدنِّسها ومن ذلك الشعور.

ارتأى فرويد أن كل أحلامنا بما فيها الكوابيس ليست سوى صور حياتنا، تحمل تلك الصور معاني رمزية مرتبطة بتحقيق رغباتنا اللا واعية، وقد ترجع هذه الرغبات إلى فترة الطفولة، فقد تظهر ذات مرة في الصغر، ثم تتوارى في أعماقنا، لكنها قد تعود من جديد في أحلامنا إن مرَّ الإنسان بحدث يوقظها، كما حدث في المثال السابق. ولأن الرقابة تظل موجودة في الحلم بحسب فرويد، فإن العملية الأساسية في الحلم هي تقنيع تلك الرغبات وتحويرها حتى يتمكّن المرء من النوم في سلام، إنه يعتبر اللغة الرمزية كناية عن شفرة أو كود سري، كما يعتبر تفسير الحلم كناية عن عمل يرمي إلى كشف سرية هذا الكود.

 

يخلص فرويد إلى أن الحلم هو الطريق الأمثل إلى أعماق النفس، يتبيّن فيه الإنسان منطقا لا يعهده في يقظته إلا حين ينظر في أحوال المجنون أو الرجل البدائي أو الطفل الصغير، وأسلوبا في الخيال والتعبير شديد الشبه بأسلوب الأساطير وعقائد المجتمعات قليلة الحظ من الحضارة ومراحل تطورها، فضلا عن أنها تجمع في أفق واحد بين العقل والجنون، من حيث إن الحلم خبرة من خبرات الإنسان الصحيح العقل ولكن طبيعته الهلوسية لا تختلف عن هلوسة المجنون، ومعنى ذلك أن الكشف عن طبيعة الحلم إنما يكشف عن طبيعة العقل والجنون معا.

 

اختلف كارل يونغ، وهو مؤسس علم النفس التحليلي، مع أستاذه فرويد في تفسير الأحلام، إذ نبذ نظرية التداعي الحر التي ابتدعها فرويد، وبدلا منها دعا إلى تشييد سياق بعناية فائقة (Context). ففي حين ارتأى فرويد أن الأحلام هي صورة مُتستِّرة لمحتويات عقلية كامنة في اللا وعي وتُمثِّل بصدق أعظم الحالة الذاتية للحالم، رأى يونغ الأهمية في المحتوى الظاهر للحلم، وهو المحتوى الذي إذا ما فُهم تماما في نظره، فإنه يعطي صورة أصدق عن هذه الحالة الداخلية للحالم (9)، ويقول يونغ في ذلك: "قد يمكن القول إن الحلم هو واجهة، غير أنه يترتب علينا أن نتذكر أن واجهات معظم البيوت لا تُضلِّلنا أو تخدعنا، ولكنها على العكس تتوافق مع مخطط البيت، وهي كثيرا ما تنمّ عن تصميمه الداخلي، ونحن نقول إن للحلم واجهة كاذبة فقط، لأننا لا نستطيع قراءته، وليس علينا أن نذهب إلى ما وراء ذلك النص في المقام الأول، وإنما يتحتم علينا أن نقرأه".

كارل يونغ وفرويد

يذكر في كتابه "علم النفس التحليلي" قضية تركت في نفسه أثرا عميقا، إذ قابل يوما صديقا له كانا يلتقيان كل حين، وكان صديقه من هواة تسلق الجبال، وكان يمازح يونغ بشأن اهتمامه بالأحلام. صادفه يوما فحكى له ساخرا عن حلم أتاه، متسائلا إن كان له معنى. في الحلم أخذ يتسلق جبلا شاهقا يقع على جرف هائل تغطيه الثلوج، كان الطقس مثاليا حتى تمنى لو أنه يمضي صاعدا في الجبل إلى الأبد، وصل إلى قمته، وانتابه شعور أن بإمكانه الصعود إلى الفضاء، ومضى مُنتشيا في الصعود إلى أن استيقظ من نومه. ناشده يونغ أن يحترس ولا يذهب إلى التسلق وحده دون مرشدين، أجابه صديقه ضاحكا: "لا جدوى من أحلامك". بعد أشهر قليلة لقي صديقه حتفه هاويا من على سفح جبل بالطريقة ذاتها التي تنبأ بها حلمه. ربما لهذا اعتقد يونغ بفكرة أن الأحلام قد تحمل في طياتها رسائل إلهية، مؤمنا بوجود مصدر أعلى يأتي الإلهام منه، إلى جانب توكيده حكمة اللا وعي.

 

وهكذا يتضح الفرق بين تفسير يونغ وتفسير فرويد للأحلام، ففرويد ينظر إلى الأحلام من وجهة نظر سببية، من أين تأتي صور الأحلام، وأي الرغبات الطفولية تُرضي هذه الأحلام، وأي العُقد النفسية تكشف عنها، بينما يونغ لا يكترث بأسباب الحلم، وإنما من حيث نهاياتها، إلى أي شيء تُسيّرنا؟ وما الذي تُقدِّمه لحياتنا؟ (10) فالحلم ليس مجرد إرضاء لرغباتنا فقط، وإنما يؤشر إلى حاجاتنا التي قد تكون على نقيض تام لما هو قائم في وعينا وظاهر في حياتنا.

 

يقف إيريك فروم موقفا وسطا بينهما، في كتابه "اللغة المنسية"، يؤكد أن اللغة الرمزية للحلم هي اللغة الوحيدة التي عرفها كل بني البشر. مع هذا فإنها منسية، ووجب تعلُّمها. يُميِّز فروم بين ثلاثة أنواع من الرموز: الرمز الاصطلاحي، والرمز العرضي، والرمز الجامع. الرمز الاصطلاحي هو المعروف لدينا والمستخدم بشكل شائع في كلامنا اليومي، مثل كلمة "طاولة"، أما الرمز العرضي فهو لا يكون شائعا ومعروفا، مثلا إن حدث وقضى شخص فترة بائسة في مدينة معينة فإن اسمها يصبح رمزا للبؤس والشقاء بالنسبة لذلك الشخص.

 

تقول المعالجة النفسية فيليبا بيري: "نحن نصنع قصصا لفهم المشاعر المرتبطة بحاضرنا، وندعها تُعبِّر عن نفسها في الحلم، ليس بشكل مباشر ولكن بالاستعارات"، وتجادل بأن العمل الفني "رؤية حلم" هو أول تصوير معروف في الفن الغربي لحلم شخصي للفنان. يُظهِر الرسم المائي، الذي يبدو أنه أُنتِج على عجل عند الاستيقاظ، طوفانا من الماء ينزل من السماء ليغمره، وقد ذُيِّل بكتابة تقول: "استيقظت مرتجفا واستغرق الأمر وقتا طويلا حتى أتعافى".

تعتقد بيري أنه على الرغم من علمها أنه لا يوجد شيء مثل قاموس الأحلام، فقد أظهرت لها عقود من الممارسة أن هناك أشياء معينة عادة ما تُمثِّل شيئا معينا، فإذا كان شخص ما يحلم بالمياه فهذا عادة ما يتعلق بالمشاعر. بالنسبة لها، يبدو الأمر كما لو أن الفنان في هذا العمل كان غارقا في شعوره، وعلى الرغم من أنها لا تستطيع التأكد من ماهية تلك المشاعر، فإنها تقول: "معظمنا، سواء اعترفنا بذلك أم لا، نخشى الفناء والنسيان".

 

تؤكد بعض الدراسات نظرية بيري، التي تتعلق بأن بعض الأشياء قد ترمز إلى أشياء أخرى. على سبيل المثال، تُشير الأروقة والمتاهات الطويلة، بحسب ما ذهب إليه محللون نفسيون، إلى ظروف معقدة أو العجز عن اتخاذ قرار، وتُشير الدراسات العلمية إلى أن الكوابيس الليلية ترتبط باللا وعي الذي يحاول أن يُثبت وجود مشكلة أو صدام نرفض معالجته. تشمل أبرز النماذج الكلاسيكية التي تُسبِّب الكوابيس: صراعات داخلية، ومصاعب شخصية، والضغط النفسي، ويمكن أن يظهر الكابوس أيضا بسبب عامل أعمق أو مكبوت في الوعي الباطني، ويعود بعض الكوابيس إلى مرحلة الطفولة، أو إلى ظروف عائلية محددة، أو حدث صادم في مرحلة الشباب، أو نقص في الحب، أو إهمال، أو اعتداءات حادة ودراماتيكية. هذه العوامل كلها قد تؤثر على الكوابيس التي تراود الفرد، لكنّ أكثر من 50% من الأشخاص الذين تراودهم الكوابيس لا يكونون مصابين بأي مرض نفسي معروف.

 

"عندما يحلم الإنسان يكون شاعرا فذًّا، لكن ما إن يصحو من الحلم حتى يعود مجرد مخلوق بسيط".

(الروائي الأرجنتيني إرنستو ساباتو)

عُدَّت الأحلام منبعا من منابع الفن والأدب والسينما، تحضر في ملحمة جلجامش وإلياذة هوميروس وعند كافكا، وقال عنها الشاعر ويليام بليك والمخرج إنغمار بيرجمان إنهم يعتمدون عليها لإلهامهم، وكان الشاعر إدجار آلان بو يستوحي أعماله من كوابيسه. وفي السياق ذاته، أشارت إحدى الدراسات حول أحلام الموسيقيين إلى أنهم لم يحلموا كثيرا بالموسيقى فحسب، بل إن ما يقرب من نصف الموسيقى التي يتذكرونها من أحلامهم كانت غير مألوفة ومبتكرة بالنسبة لهم، وهو مؤشر على إمكانية التأليف في الأحلام، كما فعل بول مكارتني حيث صرَّح بأن تأليف أغنية فرقة البيتلز "الأمس" حدث في حلم.

ملحمة جلجامش

لا تغيب الأحلام في ألف ليلة وليلة. كان خورخي لويس بورخيس قد كتب في إحدى قصصه عن حياة كاملة في المسافة القصيرة التي تقطعها الرصاصة من فوهة المسدس حتى رأس المحكوم عليه بالإعدام. المكان مُتحوِّل أيضا في الحلم، فالحالم يقطع في الخطوة هناك بلدا كبيرا أو حتى قارة. والأحلام من ثيمات بورخيس المحببة إلى جانب المرايا والمتاهات، وقد اعتاد أن يُدوِّنها كل صباح ثم يقصّها لأمه العجوز ولزوجته فيما بعد (11). وفي "أليس في بلاد العجائب"، التي كتبها تشارلز لوتويدج دودسون تحت اسمه المستعار لويس كارول، يدور رحاها بالكامل في حلم، ويحكي عن فتاة تُدعى أليس تسقط من خلال جحر أرنب يُفضي إلى عالم خيالي يُدعى بلاد العجائب، لتُحوِّله ديزني إلى فيلم كرتوني عام 1951، وتُعيد إنتاجه عام 2010.

 

أحد التمثيلات السينمائية للأحلام هو فيلم "بيتر إبيتسون"، وهو فيلم درامي خيالي، من إخراج هنري هاثاواي وبطولة جاري كوبر وآن هاردينج. الفيلم مأخوذ عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب جورج دو مورييه عام 1891، يحكي الفيلم عن حكاية حب تتجاوز كل العقبات، ويدور الفيلم حول قصة شابين انفصلا في طفولتهما ثم يجمعهما القدر بعد سنوات. على الرغم من انفصالهما في الحياة الواقعية لأن بيتر أُدين ظلما بارتكاب جريمة قتل (كان ذلك في الواقع دفاعا عن النفس)، فإنهما يكتشفان أنه يمكن أن يحلم كلٌّ منهما بالآخر ويحضر في وعيه أثناء النوم، بهذه الطريقة يكونان معا. وقد نوقش الفيلم في الوثائقي "رؤى الضوء" (1992).

فيلم "بيتر إبيتسون"

أما في الفن الغربي قديما، لم تكن الأحلام موضوعا سائغا، لكن كان للوحات هيرونيموس بوش صدى لدى عدد كبير من الناس، لكونها تمثيلات للجنة وللجحيم وللكوابيس التحذيرية لكل ما ينتظر المذنبين إذا لم يتوبوا. كان الرمزيون هم مَن أعادوا الأحلام إلى صدارة التعبير الفني، فبالنسبة لفنانين مثل غوستاف مورو وأوديلون ريدون كانت الأحلام طريقة لحل رموز الواقع وألغاز الوجود، استوحت منها رسوم الفيلم القصير "Odilon Redon, or The Eye Like a Strange Balloon Mounts Toward Infinity" المقتبس بدوره من إدجار آلان بو، وفيه يبدو منطاد الهواء الساخن الذي يأخذ شكل عين يرفع رأس رجل إلى الغيوم متصاعدا إلى ما لا نهاية، موحيا بالصور المتضاربة للأحلام في كثير من الأحيان (12).

 

ورأى السرياليون الأحلام وسيلة لإطلاق العنان للتعبير الإبداعي غير المقيد، ورد فعل ضد الثقافة البرجوازية في أوروبا التي كانت قد أصبحت مكروهة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. جاء الإلهام الأساسي لهم من كتاب "تفسير الأحلام"، وقد قيل إن فرويد كان مندهشا من أفكارهم، وعندما التقى سلفادور دالي، أحضر دالي معه لوحته "تحول النرجس" (1937)، التي كانت تحوي إبهاما يمسك بيضة متشققة تظهر منها زهرة النرجس. كان فرويد ينظر إلى السرياليين نظرة سلبية حتى رأى لوحة دالي التي جعلته يُعيد النظر في رأيه (12).

 

وقد اكتشفت المحللة النفسية بيري رابطا بين العلم والفن والأحلام، ودعت مرضاها إلى رسم أحلامهم بوصفه وسيلة للعلاج وجزءا من نهج ابتكره الطبيب النفسي الألماني فريتز بيرلز قديما، الذي يتضمن إعادة سرد أحلامك لنفسك من وجهة نظر جميع مَن في الحلم، لأن كل شيء في أحلامنا هو جزء منا، لذلك بواسطتها سنكتسب فهما أفضل لأنفسنا.

—————————————————————————————

المصادر

  1. What do our dreams mean?
  2. Dreams
  3. Uncovering the Power of Dreams: An Interview with Len Worley, PhD
  4. كتاب اللغة المنسية، ايريك فروم، ترجمة: حسن قبيسي
  5. Where Do My Dreams Come From?
  6. كتاب اللغة المنسية، ايريك فروم، ترجمة: حسن قبيسي
  7. Why Do We Dream?
  8. كتاب تفسير الأحلام، سيجموند فرويد، ترجمة: د. مصطفى صفوان
  9. كتاب علم النفس التحليلي، ك. غ. يونغ، ترجمة وتقديم: نهاد خياطة
  10. كارل يونغ
  11. من ملحمة “جلجاميش” وحتى “نهاية العالم” الأحلام في الأدب
  12. What do our dreams mean?
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يُمثِّل بيكاسو صدمة لمَن يعرف اسمه ولا يعرف أعماله، يعتبر بيكاسو واحدا من أهم الأسماء في فن القرن العشرين، حتى إنه من المؤثرين على الفنون العربية الحديثة، فكيف رسّخ لاسمه عبر تاريخ الفن الحديث؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة