من الفن للشيزوفرينيا.. ما سر ولع الفنان "لويس واين" بالقطط؟!

"(رم تم تاج) قط غريب الأطوار

إذا فتحت له الباب وأدخلته

فإنه يريد أن يخرج

فهو دائما على الجانب الخاطئ من أي باب

وما إن يدخل إلى البيت

حتى يطالب بالخروج من جديد

وهو يحب أن يرقد في درج المكتب

لكنه يحدث ضجة ويثير المشكلات

إذا ما عجز عن الخروج منه"

تي .إس. إليوت، ديوان القطط (1)

طال الزمان أم قصر، لا فارق بعد الآن، فقد اجتاحت جحافل القطط سائر الأمكنة والأزمنة، فارضة حضورا كاسحا لها في الفن وتجلياته. تتمطى الهرة "موني" بكسل، في حديقة مشمسة للكاتب المصري "محمد عفيفي" في كتابه البديع "ترانيم في ظل تمارا". ويتعقب القط ذو الفراء الأسود صفحات الكاتب الياباني "هاروكي موراكامي"، وتحذو هرر أخرى حذو القط الأسود لتلحق بـ"أورهان باموق" في شوارع إسطنبول عابرة معه ذكرياته. ويفند الشاعر والكاتب المسرحي "تي. إس. إليوت" هذه المخلوقات بنكهة مرحة في عمله المذهل "ديوان القطط". ويرسمها بولع عدد من الفنانين، كالياباني "أوناغاوا كونيوشي" والبريطاني "لويس واين".

القطط تقدم نفسها

في إحدى ضواحي لندن، مدينة الضباب، عام 1860، يرجح أن "ويليام واين" تاجر المنسوجات الإنجليزي قد تمكن منه القلق(2) بعد أن دخلت زوجته الفرنسية في المخاض. مر الوقت بطيئا وعصيبا إلى أن تطلع الزوجان أخيرا إلى وجه طفلهما الأول "لويس" الذي ارتفع بكاؤه بعض الوقت قبل أن يستكين ويستسلم للرقاد. بعد أعوام قليلة، أرّقت الكوابيس مضجع ذلك الصغير الذي لم يلتحق بالمدرسة حتى العاشرة؛ بسبب شفته المشقوقة.

غالبا ما كان "واين" يتسلل من المدرسة نظرا لما يتلقاه من سخرية لاذعة بسبب شفته، فيمضي متسكعا في أنحاء لندن بين الحدائق والمتاحف، منصتا إلى قصص البحارة الخيالية(3)، مدققا في سلوكيات الأفراد المتباينة في المدينة، والتي سوف يرسمها لاحقا في صورة كاريكاتورية. في تلك الأثناء، يبدو أن القطط قد استقبلته بحفاوة، وتلك هي إحدى أسباب تعلق الإنسان بالهرر على وجه الخصوص، ففي عينيها الواسعتين لا بد أن واين قد شعر بوجوده الملموس، وأن هناك من يظهر بهجة بوجوده.

أظهرت الأبحاث أن للهرر قدرات على تهدئتنا، يظهر ذلك في خفض ضغط الدم وإفراز الدوبامين والسيروتونين، وهي نواقل عصبية مسؤولة عن السعادة والرضا والشعور بالمكافأة(4)(5). في ضوء تلك الحقيقة يمكننا التكهن بأن "واين" اقترب من الهرر بدافع إحساس مفقود لديه بالود والتقبل.

أفضت جولات واين في الواقع إلى أن يصبح رسّاما للطبيعة، وفنانا صحفيا في العديد من المجلات، متخصصا في رسم الحيوانات والمشاهد الريفية والطيور(6). وعلى حين غرة، وجد نفسه واقعا في حب جليسة شقيقاته، إميلي ريتشاردسون، التي كانت تبلغ من العمر 33 عاما، أي تكبره بعشر سنوات(7)، فما كان من عائلته إلا أن ثارت ضد الزواج، ورفضت حضور حفل الزفاف. لم يمض وقت طويل حتى شُخصت إيميلي بسرطان الثدي، وباتت طريحة الفراش. ساعتها، أتت لواين خاطرة، لصرفها عن مصابها، وإبقاء معنوياتها مرتفعة، وهي رسم تعبيرات قطهم الصغير المرقط بيتر(8). أمدت الرسومات إيملي بالبهجة، تأملت التفاصيل التي تزدحم بها الرسمة بشغف، مع زحام الألوان المستخدمة.

حثت إميلي زوجها على تقديم رسومات الهرر إلى الناشرين، ففعل، لكنها استقبلت بفتور(9)، إذ كانت القطط لا تزال تُعامل بريبة وازدراء في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، ففي العصور الوسطى، ظن الأوروبيون أن القطط تنحدر من سلالة السحرة، وأنها جالبة للمرض والعقم والجفاف والآفات التي تلتهم المحاصيل(10). على الرغم من أن العديد من المزارعين والتجار سمحوا بهدوء للقطط بقتل القوارض، فإنها ظلت مكروهة إلى حد أنها كانت تُحرق على الملأ في مهرجانات في إنجلترا.

على النقيض من ذلك، كانت القطط في مجتمع واين مؤنسنة، تصطاد في نهر، وتغني، وتبتسم، وتتناول الطعام، وتمارس الرياضة، والرقص، تدخن السيجار وتلوكه بينما تعزف هرر أخرى الكمان، تحتسي الشاي، وتلعب الكروكيه، وتذهب إلى الأوبرا وربما إلى الحرب؛ ما دفع الروائي البريطاني جورج ويلز(11) أن يكتب عن واين قائلا: "لقد جعل القطة ملكا له. اخترع أسلوبا خاصا للقطط، ومجتمعا وعالما كاملا لها. القطط البريطانية التي لا تبدو وتعيش مثل قطط لويس واين تخجل من نفسها".

تحولت قطط واين مع الوقت من الوداعة إلى السخرية بشكل علني، ارتدت ملابس معاصرة، وأظهرت وجها إنسانيا عكس مزيجا من البهجة والاشمئزاز والحيرة والإحباط. وظّف واين قططه لهجاء ادعاءات المجتمع في العصر الإدواردي، يقول كريس بيتلز، تاجر الفنون، عن ذلك: "في ذلك الوقت، كان الجمهور الإنجليزي مستعدا للضحك على نفسه بسهولة أكبر عند تعرضه للهزل الاجتماعي من خلال الحيوانات".

أما واين نفسه فقد كتب عن ذلك قائلا: "آخذ كتابا رسميا إلى مطعم، أو أي مكان عام آخر، وأرسم الأشخاص في مواقعهم المختلفة كقطط، وأمنحها بقدر الإمكان من خصائصهم البشرية، أعتقد أن هذه الدراسات هي أفضل عمل فكاهي". في النهاية، من خلال فنه ونشاطاته، نُسب إلى واين الفضل في دفع الناس للتعامل مع القطط على أنها حيوانات أليفة منزلية، خاصة الطبقة العليا الإدواردية. وسرعان ما أصبحت فكرة إساءة معاملة الحيوانات غير مقبولة(12).

في خطاب واين في أول نادي قطط وطني ترأسه عام 1889، قال: "لقد حاولت أن أمحو نهائيا الازدراء الذي احتُجزت فيه القطة في البلاد، ورفعها إلى مكان حقيقي ودائم في المنزل. وجدت بنفسي، نتيجة للبحث والدراسة لسنوات عديدة، أن الأشخاص الذين يربون القطط والذين يعتادون على رعايتها، لا يعانون من تلك الأمراض الصغيرة التي يرثها كل بشر، مثل الشكاوى العصبية والهستيريا والروماتيزم".

تاريخ قصير لقطط عيد الميلاد

كانت انطلاقة واين للشهرة حين طلبت دار النشر المرموقة ماكميلان أن يرسم كتابا للأطفال بعنوان مؤسسة مدام تابي، يدور الكتاب حول فتاة صغيرة قُبِلت في بلاط ملك القطط، وتذهب إلى مدام تابي لتعلمها آداب السلوك الخاصة بالقطط. لاقى الكتاب، الذي نُشر في خريف عام 1886، نجاحا كبيرا مع الآباء الفيكتوريين. في ذلك الكريسماس، نشرت "أخبار لندن المصورة" قصة جديدة لواين مكونة من 11 لوحة، بعنوان "حفلة عيد الميلاد للقطط"، وفيها ظهرت 150 قطة تستعد لموسم الأعياد، تكتب الدعوات وتتهيأ لإلقاء الخطب وممارسة الألعاب(13)(14).

أحدث ذلك العمل ضجة كبرى وذاع صيته، لكن سعادة واين لم تدم طويلا، فبعد بضعة أشهر من ذلك الاحتفاء، ودّعته إميلي بعد زواج دام ثلاث سنوات(15). أحدث رحيلها صدمة لم يتعاف منها قط، غرس فيه حزنا عميقا، ليصير منذ ذلك الحين رجلا معذبا، سريع الاهتياج، بعد هجرته السعادة، واستحوذ عليه هاجس أن قطهم الأليف بيتر قد مُسّ بروح إيميلي.

تبدلت لوحات واين في تلك المرحلة، باتت أكثر تجريدية، ولطّخ الوجع جوانبها، شعت بانفعالات عبّر عنها بألوان كالأحمر والأزرق والأرجواني، مع عيون صفراء مشتعلة، بخلفية برتقالية مضيئة. أصبحت القطط شرسة وتختفي أحيانا في أشكال متلألئة وأنماط هندسية، وفقا لمؤرخ الفن فرانسيس سبالدينج. ربما كانت هذه الأنماط الحية مستوحاة من افتتانه بالكهرباء، والذي كان لا يزال غير مفهوم من قبل عامة الناس في ذلك الوقت.

مع الوقت، مُسخت الهرر شكلا ولونا. وصفها الناقد الفني جيف كوكس بـ"القطط الذهانية"(16)، تجدها مشاغبة مع ابتسامة عريضة، وغامضة في الوقت ذاته، عيونها المشرقة ذات الألوان المتعددة تحدق في آفاق أوراق الشجر المتشابكة والجبال المرصعة بالجواهر الوردية. هذه قطط العالم الآخر، دائما ما تكون غريبة ومبهجة وغير معروفة ومقلقة.

القطط الكاديلسكوبية

أكدت هذه اللوحات الجدل حول تشخيص واين المَرَضي (الفصام) وتأثيره على إنتاجه الإبداعي، ليصبح فن واين متشابكا بشكل لا ينفصم مع تطور مرضه النفسي. نشأت هذه الأطروحة جزئيا من الأحكام التي أصدرها الطبيب النفسي والتر ماكلاي. ففي رسالة مؤرخة في 31 يوليو/تموز 1939 بعد أسابيع قليلة من وفاة واين، كتب ماكلاي: "لقد وجدت بعض صور لويس واين في متجر صغير في كامدن هيل، وأظهرت أنماطا متناقضة لدرجة أنني أشعر أن بعضها قد تم قبل مرضه، وبعضها بعد ذلك"(17)(18).

يستطرد ماكلاي في سياق منفصل أن حالة عقل واين تدهورت تدريجيا(19)، في الوقت نفسه الذي تشبعت فيه عيون قططه بدوائر ملونة وأحيط الهر بهالة متعددة الألوان. في مرحلة ما، أصبح التعرف على الهر نفسه في اللوحة عسيرا. كانت نظريته هي أنه كلما أصبح تسلسل الرسوم التوضيحية للقطط أكثر تشظيا، كان ذلك علامة على تدهور الحالة العقلية للفنان أيضا. لتكون سلسلة الرسومات، المعروفة الآن باسم القطط الكاديلسكوبية (Kaleidoscope Cats)، مثالا مرئيا شائعا للعقل المصاب بالفصام.

القطط الكاديلسكوبية

المرحلة الأخيرة

استمر واين في بناء صور لقطط مجنونة ومجردة في المصحة التي أودع فيها 15 عاما. بعد موت شقيقتين له، أصبحت أوهام الفنان أكثر عنفا وشرا(20)، أمضى ساعات في غرفته، يكتب عن مجموعة من الأرواح التي ملأته بالكهرباء، ويتهم شقيقاته بالتآمر وسوء المعاملة والسرقة. تفاقمت ميوله المتقلبة وحالته المزاجية غير المستقرة حتى طور عقدة الاضطهاد وأصبح مرتابا من عائلته، ليظهر أحد أكثر الرسوم تأثيرا، رسم صغير بالطباشير والحبر الملون لقط مبتسم مكتوب عليه: "أنا سعيد لأن الجميع يحبني". قد تكون القطة تضحك، وقد تكون عيناها ساطعة، لكنها تحمل شيئا من حزن مبدعها.

قبل الحرب العالمية الأولى بفترة وجيزة، عندما أصبح الورق نادرا وكانت العمولات قليلة، أنتج واين أيضا سلسلة من القطط الخزفية المزججة الراديكالية التي تتوافق مع مبادئ المستقبلية والتكعيبية. لم ينجُ سوى عدد قليل منها؛ لأن شحنة كبيرة كانت متجهة إلى الولايات المتحدة غرقت في المحيط الأطلسي عندما تعرضت سفينة الشحن التي كانت على متنها للنسف. بحلول الحرب العالمية الأولى، اتخذت قطط واين مظهرا شريرا بعض الشيء. واحدة من أشهر الرسوم التوضيحية له، والتي تسمى "ENTRENCHED"، تتميز بقطة تمسك سيجارا في أحد مخالبها وبندقية في الأخرى(21).

ترك واين إرثا ممتدا، وفي الذاكرة المتخيلة لا يزال يسير على طول شاطئ خيالي، وفي وجدانه ذكرى امرأة هام بها، وفي أعقابه قططه التي لم تخذله في الصفحات البيضاء وفي الوجود، رجل انتشل قطط مدينته من بين الضباب، وسارع في مشيته ظنا منه أن كرة ضخمة من الطاقة تلاحقه بانتظام في الطرقات، كان ذلك الخيال هو ما ألهم المخرج "ويل شارب" لإعداد فيلم سيرة ذاتية عن واين، وسماه "الحياة الكهربائية للويس واين (The Electrical Life of Louis Wain)"، من بطولته الممثل المرموق "بيندكت كامبرباتش"، والذي يجري عرضه هذه الأيام على منصة أمازون برايم.

_______________________________________________________

المصادر:

  1. ديوان القطط: ما قاله الجرذ العجوز عن القطط العملية، ت.س.اليوت. ترجمة وتقديم: د.صبري حافظ
  2. Louis Wain: his life, his art and his mental illness
  3. Lost in Catland: the life of Louis Wain
  4. The Science-Backed Benefits of Being a Cat Lover
  5. The Power of Pets
  6. Cute Cats and Psychedelia: The Tragic Life of Louis Wain
  7. المصدر السابق
  8. Louis Wain and His Weird Cats
  9. LOUIS WAIN: THE MAN WHO DREW CATS
  10. Why Cats were hated in Medieval Europe
  11. Louis Wain: The Man Who Loved Cats
  12. THE FORGOTTEN ARTIST WHO CHANGED THE WAY WE LOOK AT CATS
  13. Louis Wain and His Weird Cats
  14. Louis Wain devoted his tragic life to his dying wife and to cats
  15. THE FORGOTTEN ARTIST WHO CHANGED THE WAY WE LOOK AT CATS
  16. Louis Wain and His Weird Cats
  17. Louis Wain: The Man Who Loved Cats
  18. Louis Wain and His Weird Cats
  19. Tag Archives: Walter Maclay
  20. Louis Wain (1860-1939)
  21. Louis Wain and His Weird Cats
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة