العزلة والتجرد الكامل من الإنسانية.. العالم الكامن خلف كتب الأطفال المصورة

مرّت قرابة ستة عقود على تصديق ليوناردو دافنشي على أهمية القصص المصورة في حياة النشء، واحتلال الوصف موقعا أثيرا كطريقة للسرد. فكلما تكثّف الوصف في النص، تعمّق القارئ وأوشك على الغرق فيه، لذا ارتأى دافنشي أنه لا غنى عن الوصف في النص المكتوب والمرسوم معا. واستُمدّت روح تلك القصص من الحكايات الشفهية التي تناقلتها الأجيال، بالأخص تلك التي أشاحت بوجهها عن الكتابة، كالفَتيان في لوحة "طفولة رالي" لجون إيفريت ميليس التي يصف فيها بحَّار لوالتر رالي وشقيقه الجالسين على الشاطئ نزاعه مع رفاقه للحياة في عرض البحار. تلك اللحظات التي نقلها رالي إبان شبابه في مذكراته وأشعاره كانت أحد إلهامات ميليس ليعيد إليها الحياة في لوحته من الأساس. ظلت شعلة الشغف التي تطل من عينيهما في اللوحة والتي أوقدتهما الحكاية مضطرمة في أعين الأطفال المستوين على أرجاء الأرض إلى اليوم كرالي وأخيه، في تطلع إلى القصص التي أخذت شكلا مصورا، تحديدا إلى أربع حكايات يربطها خيط رفيع نحكي عنهم.

 

تبدأ الحكاية في العصور الوسطى، حين كُلِّف كَتَبة دينيون بشرح الكتاب المقدس للأميين الذين شكّلوا شريحة كبرى من الشعب. تم الأمر بتحويل الكتاب المقدس إلى كتاب مصور يمتلئ بالرسوم التوضيحية. كان وحي عملهم ينبع من الرسومات التي تشغل الزجاج الملون، والتي صُمِّمت لإيصال معانٍ وقصص دينية بطريقة مبسطة. بعد زمن، مالت القصص المصورة إلى كفة الأطفال. كتب جون آموس كومينيوس كتابه "العالم المرئي بالصور" ليضع بذلك حجر الأساس لأول كتاب مصور موجه للأطفال لغرض تعليمي وترفيهي [1]. وعلى إثره خطى الفيلسوف جون لوك في أواخر القرن السابع عشر، ففي كتابه القصير "بعض الأفكار المتعلقة بالتعليم" أراد لوك إحداث تغيير في نظام التدريس. كانت إحدى أفكاره المسيطرة على تفكيره آنذاك جعل القراءة ممتعة بتنشئة الطفل على القراءة في الكتب المصورة بداية، وتعليم الأبجدية بألعاب التركيب رويدا.

 

لكن تلك الكتابات ظلّت مهمشة حتى منتصف القرن الثامن عشر؛ فلم يكن مفهوم الطفولة دارجا. عومل الأطفال كبالغين ذوي حجم ضئيل، فلم يكن مستغربا أن تؤول إليهم مسؤوليات وتوقعات بالإنتاجية والعمل بأقصى قدراتهم الجسدية. دون الحماية من مشاق الحياة؛ كان لدى الأطفال القليل من الحقوق أو الامتيازات أو الاستحقاقات، لذا فإن التعريف الأول بأدب الأطفال على نطاق واسع جاء بقصد توجيه الأطفال إلى ظهور ثقافة ترفيهية موجهة والاعتراف بالأطفال والطفولة [2].

 

وبحلول القرن التاسع عشر، باتت الكتب المصورة تتميز بغلاف خشبي وورق رقيق. وبتقدم الطباعة وتنامي الكتاب وصولا إلى عصرنا الحالي، غلبت الألوان والتصاميم الفاخرة عليها. ظل العالم الساحر الكامن خلف تلك الرسومات ماثلا، تقطنه شخصيات ومشاعر وأفكار تنبض بالحياة. وأشهر ما قيل عن تأطير الكتب المصورة للأطفال هو للشاعر و. هـ أودن: "يوجد كتب جيدة مخصصة للكبار فقط، بينما لا توجد كتب تقتصر على الأطفال" [3]. ذلك بالتأكيد هو ما حدا بتوماس وارتنبرغ، كاتب وأستاذ في الفلسفة في كلية ماونت هوليوك، إلى تقصي الأفكار الفلسفية في القصص المصورة [4] من خلال سلسلة أرنولد لوبيل التي ذاع صيتها في السبعينيات وعُدَّت إحدى أكثر قصص الأطفال تأثيرا. تتمحور المجموعة القصصية حول ضفدعين رفيقين تتناقض شخصياتهما، وتوضح صداقتهما الصعود والهبوط للعلاقات الإنسانية، وتكشف عن حقائق عميقة في الطبيعة البشرية، مقدما مفهوما للذات لا يزال يتردد صداه بعد عقود، وفيه أنه على المرء ألّا يخشى أن يكون نفسه وأن يكون على سجيته.

ربما يكون عالم الضفدعين أقل تعقيدا من عالمنا، لكن المواقف التي يتعرض لها الصديقان مألوفة، من الصعوبات التي تعترضهما، وطريقة تعاطيهما معها بالبقاء والمواجهة، إلى التحديات اليومية الصغرى التي قد تتلخص في الالتزام بقائمة المهام اليومية [4]. يُمثِّل ضفدع فروج الجانب العملي والمسؤول من الذات، وتود الجانب العاطفي المنجرف.

 

يضرب أرنولد لوبيل مثلا عن ضبط النفس في قصة شهيرة، وفيها يجلب تود لصديقه كمًّا من الكوكيز، تأسرهما رائحته، ويأكلان حتى التخمة. يبيّن الكاتب تحوُّل الشيء الذي نحبه إلى مصدر ألم؛ فهما لا يقدران على التوقف عن التهامه. يحاول ضفدع وضع البسكويت في مكان بعيد عن البصر وتُكلَّل مساعيه بالإخفاق، لرغبة تود فيما يحب. ينتهي ضفدع يائسا إلى إطعام الكوكيز للطيور. يستاء تود، ويعزيه صديقه بأنه ليس لديه المزيد من الكوكيز، ولكن لديه الكثير من قوة الإرادة. يتوجه تود بعدئذ إلى المنزل لخبز كعكة.

 

يتمعن توماس وارتنبرغ في الحكاية كقضية فلسفية معقدة، مثيرا أسئلة؛ هل يكون الضفدع فروج محقا بقوله إنه وتود باتا يتمتعان بقوة الإرادة في نهاية القصة؟ فعدم تناولهم الكوكيز في النهاية يرجع إلى أنه لم يعد متوفرا. هل يمكن أن يصبح المرء قوي الإرادة إذا زال ما يشتهيه؟ ولكن، ألا تتطلب القوة وجود الشيء الذي ترغب فيه؟ وأخيرا، هل هناك طريقة للتوفيق بين ادعاء الضفدع في نهاية القصة أنه بات قوي الإرادة مع حقيقة أنه لن يضطر إلى مقاومة ما يحب، لأنه لم يعد له وجود؟ [5].

 

ربما تكون قصة "شاي مخضب بالدموع" هي الأبرز لأرنولد لوبيل، فيها تُعِدُّ بومة قدحا من شاي خاص تم تخميره من دموعها. من أجل إنتاج الدموع، تفكر في أشياء حزينة مثل "الأغاني التي ما عاد بالإمكان غناؤها لأن الكلمات قد أضحت في طي النسيان" أو أشياء من قبيل "أقلام الرصاص قصيرة جدا حتى بات يتعذر عليها استخدامها". تأتي دموع البومة من تلك الأجزاء المكسورة والمفككة من الوجود التي لا معنى لها؛ لذلك كل ما علينا القيام به هو قبولها، وارتشافها مع الشاي.

 

نستدعي هنا تساؤلا عن سبب كون أغلب أبطال قصص الأطفال المصورة حيوانات، يرجع استخدام الحيوانات كوسيلة تُعالج بها البشرية هويتها الأخلاقية والثقافية، مضيفة مسافة عاطفية للقارئ، عندما تكون رسالة القصة قوية أو مؤلمة [6]. كما تنصب شركا للقارئ مع اختلافاته؛ فلا يميزها من الوهلة الأولى وإنما بعد الانخراط في النص؛ لتبسط مدى للفهم والتعاطف. ويسمح هذا النهج للبشر بالتحايل على المحرمات الاجتماعية الخاصة بهم للكشف ليس فقط عن رؤى جديدة حول ما يجب أن يكون عليه الإنسان، ولكن أيضا عن العلاقة الجوهرية للبشرية بالحيوانات كجزء من الطبيعة. لذا فإن التواري وراء الرموز وأنسنة الحيوان كان سبيلا اتبعه أدباء لتحرير أفكار قد يعد الحديث عنها مباشرة مجازفة. وتولي القصص المصورة أهمية للصور تضاهي الكلمات، إذ تفصح عن أشياء تمسك الأحرف أحيانا عن ذكرها عند الكلام.

 

كتبت بياتريكس بوتر قصة "الأرنب بيتر"، المستوحاة من قصيدة  "أرنب استثنائي" لإدوارد لير، لإظهار الخصائص البشرية والسلوك الحيواني، وتدور حول بيتر الذي تُحذِّره والدته وإخوته من الذهاب إلى مزرعة السيد ماكجريجور؛ لأن والدهم قُتل وأُكل هناك. يبدو الأمر قصة عادية لن يطيع فيها بيتر والدته، نتنبأ بذلك في الصفحات الأولى من خلال الصور فحسب، من وقفة بيتر، والمسافة التي يخلقها، ومن نظرة عينيه وانتصاب أذنيه. لكن الأمر أكبر من ذلك بكثير.

نبصر في الصورة التالية صراعا داخليا يجول في بيتر، ونظرة والدته العالمة به، ضيقه من سلطة أمه المعبر عنها باللون الأزرق الذي ترتديه، وتوقه إلى أن يكون ندا لها.

 

تتجرد والدة بيتر من سلطتها كأم عند خروجها إلى الغابة والعالم الخارجي، تنزع رداءها الأزرق مرتدية حلة حمراء كانعكاس لسكينتها.

تمضي الحكاية بتسلل بيتر لمزرعة السيد ماكجريجور، والتهام كميات هائلة من الخضراوات. يلاحظ السيد ماكجريجور بيتر ويقوم بمطاردته. ما يعنينا هو ما تُمثِّله الأحداث لا التفاصيل نفسها. فالصدام الأول بينهما تُصوِّره بوتر من نظرة بيتر، ويبدو الأمر كما لو أننا كقراء نأخذ صفه. في الظهور الأول للسيد ماكجريجور يظهر مشغولا بعمله في الزراعة، يكون جاثيا على ركبتيه ويديه على الأرض كالحيوانات، في المقابل فإن بيتر منتصب القامة كالإنسان [7]. تُشَرِّح بوتر ذلك الموقف طوال القصة بالصور، بداية من هرب بيتر الذي يبدو كما لو أنه يلجأ إلى القراء وقريبا منا.

 

يظهر بيتر ضعيفا، خائفا، منهارا لاحقا ومتوسِّدا عتبة باب وباكيا حد الحرقة. تلك المشاعر المفصح عنها تجعل منه إنسانا أكثر من ماكجريجور، تجعله يفوقه حجما دوما، وتُأنسن بيتر. بينما يسلب العنف الإنسانية من ماكجريجور شيئا فشيئا حتى تبهت صورته، فيصبح جزءا من الماديات، يستمد قيمته مما يملكه، وكلما امتلك وأنتج أكثر أصبحت قيمته أعلى، هيمنة المادة عليه محت الجانب الإنساني منه، جعلت نظرته إلى الحياة محدودة، على نقيض بيتر.

بعودة بيتر إلى المنزل دون سترته لا توبخه والدته، بل تُعلِّق أنها ليست المرة الأولى التي يفقدها، وتأخذه إلى مخدعه وتعد له شايا. نستشف في النهاية أنها على بينة برحلة بيتر، وأنها ليست المرة الأولى التي تطأ قدماه المكان ولا الأخيرة. ربما صمت والدته نابع من موافقتها الخفية على ذهابه، فقد يثأر لوالده يوما. تتماشى الأم مع ما يمليه عليها المجتمع ويتوقعه من التزام ظاهري، حتى في أسلوب تنشئتها لأطفالها، لأنها لا تقوى على تحديه، لكنها ضمنيا تؤيد مخاطرة ابنها، وإن حملت في طياتها آلاما فإنها ستجعله أكثر نضجا.

 

تُصوِّر بوتر الوجود اللا مبالي (الشامل) للعالم البشري، كما فعل لوبيل مع بومته، تتمسك برؤيتها التي تنقلها إلى والت ديزني في أثناء تحول قصتها إلى فيلم الرسوم المتحركة "ميري ميلوديز". حرصا على الحفاظ على النغمة والجماليات وحقوق الطبع والنشر لكتابها؛ عنيت بوتر بأن تكون هوية بيتر مرتبطة دائما بالنبرة الجادة والألوان من الرسوم التوضيحية الخاصة بها، وقد أثّرت ألوان بوتر المائية لاحقا على اتجاه الفن في صناعة فيلم بامبي.

 

وفي 2012 قامت شركة سوني/كولومبيا بإنتاج فيلم عن الأرنب بيتر، ويأتي ذلك بعد انتقال حقوقه إليها من ديزني. لقي الفيلم الذي يدور حول ضرورة عودة بيتر إلى الطبيعة للانتقام وإذلال السيد ماكجريجور نقدا سلبيا، واعتبره النقاد مفتقرا إلى التوتر بين الإنسان والحيوان الذي تم استكشافه في نص بوتر، إذ يحل نضال بيتر الأساسي من أجل الاستقلالية بمغامرات روتينية في الحديقة [7].

 

أحد أعظم الكتب المصورة أيضا قصة "أصوات في المنتزه" السريالية لأنطوني براون. ينتمي الكتاب إلى الخيال الواقعي المعاصر، ويتيح لنا براون النظر إلى الحياة من خلال كل شخصية على حِدة. يستهل كتابه بسرد غوريلا ثرية عن سأم كلبتها فيكتوريا فتقرّر أخذها في جولة تؤدي بها إلى الحديقة مصطحبة معها ابنها تشارلز. تجلس على مقعد وتسهم لتكتشف بغتة اختفاء ابنها من جوارها، نتركها مع صياحها وننظر إلى مَن يشاركها المقعد نفسه.

هو أيضا غوريلا اصطحب ابنته إلى المنتزه برفقة كلبهم، يتمنى أن يكون لديه نصف الطاقة التي يمتلكها الكلب، ويستغرق في عالمه الصغير طوال ​​القصة، متصفحا الجريدة ملتمسا رغم يأسه أملا في وظيفة. من أول وهلة في القصة نجد تشارلز وهو يرقب النافذة في ضجر شاعرا بالوحدة. تناديه والدته من أجل الذهاب إلى الحديقة، وهنالك يظل يرقب فيكتوريا راكضة مع كلب آخر فيتمنى حينها لو تتخلى عنه وحدته. ينتبه إلى فتاة تجاوره، تبادر بالحديث وتدعوه للعب معها فيوافق مترددا.

 

تلك الفتاة، سمودج، كانت جالسة في البيت مع أبيها الذي قرر منذ بضعة أسطر ذهابهم إلى المنتزه. كانت تنظر بسعادة إلى كلبهم الذي كان يلهو مع كلبة الغوريلا الثرية الغاضبة لذلك. قابلت تشارلز هناك والذي بدا ضعيفا، لكن بعد قضاء وقت في اللعب معه قرّرت أنه ودود. يقتطف تشارلز زهرة ويقوم بإهدائها إليها، إلا أن والدته تصيح من بعيد في دعوة إلى الرحيل. بدا لها حزينا حين ودّعها. من ثم تعود سمودج إلى المنزل لتضع الوردة في الماء وتعد قدحا من الشاي لوالدها.

 

يُعيد براون تكرار الحكاية نفسها مرارا لتأخذ منحنى ذاتيا، فلا توجد نظرة شخصية محايدة، كلٌّ له قصته التي تجعله مختلفا. يولي براون اهتماما بالتفاصيل، فلا توجد أرقام للصفحات؛ لأن الحكايات الأربع تتزامن معا وتحدث في وقت واحد، كما يمنح لشخوصه صوتا بتفرد كلٍّ منهم بخط مغاير.

 

ميّز الأم بخط "Times New Roman"، وفيه تبدو الحروف طويلة، ويعكس رسمية شخصيتها. أما والد سمودج فإن نوع خطه أقل رسمية وقاتم، الحروف فيه متقاربة، وليس جامدا مثل الخط المذكور أعلاه. يقودنا النص غير الرسمي الجريء والقواعد المستخدمة إلى استنتاج أنه شخص من الطبقة العامة، كما أن الخط العريض يُعطي تصورا أن لديه صوتا عميقا وخشنا. في حين أن تشارلز بالكاد يكون خطه مرئيا لأنه رفيع جدا، ويمكن اعتباره صوتا صغيرا يوحي بخوف صاحبه (من شخصية الأم). هناك تشابه بين خطه وخط وصوت والدته، ربما لأنه تابع لها. بخلاف خط سمودج الذي يشبه صوت طفلة مرحة تماما ومتحررة، وبالتماثل مع خط والدها، يكون خطها أيضا عريضا، ليس لعمق صوتها وإنما لأنه أكثر بهجة. اختار براون هذه الخطوط بعناية لتصوير موقف ولإعطاء القارئ لمحة عن الأصوات الأربعة للشخصيات في القصة [8]. يتكون الخط النصي من خطوط تشير إلى قوة كل شخصية، ومزاجها، والمزاج الذي يضيفونه إلى الشخصيات الأخرى.

 

صوّر براون التفاوت الاجتماعي والاقتصادي والطبقية والعنصرية في عبقرية نادرة. تبدأ القصة من وجهة نظر الأم وتنتهي بالصغيرة. ربما كانت البداية مع الأم لأن الأغنياء في المجتمع يأتون دائما في المقام الأول والفقراء في النهاية. يُحدِّد ذلك كيف يمكن للمال أن يُحدِّد موقعنا في الحياة، فعندما يشرع الأب في السير إلى الحديقة، نلمح علامات ترمز إلى الكآبة والتعاسة وذلك من صورة الموناليزا التي تبكي وصولا إلى القمامة. في عالم تعمّه الفوضى وتحكمه اللا مبالاة، يجلس رجل على قارعة الطريق ينشد حدوث تغيير ولو ضئيل [8]. يتبدل الأمر في طريق العودة إلى المنزل، فالرجل المشرد يرقص وتعود الصور إلى الحياة وتمتزج في رقصة، لإيصال مدى السعادة التي جلبتها له ابنته. ربما يحاول براون إرسال رسالة مفادها أن المال لا يجلب السعادة، وإنما الحب. فرغم أن الأب وابنته لم يتمتعا بحالة اقتصادية جيدة مثل الأم والابن، فإنهما كانا وما زالا قادرين على الابتهاج.

اختار براون الغوريلا في قصته لئلا يكون العرق واضحا، ولكن ظل لون الغوريلا مختلفا؛ الغوريلا الأكبر سنا أغمق من تلك الأصغر سنا، ووجه الأب من الطبقة الدنيا مظلم مثل الأم من الطبقة العليا [8]. نظرة الأم مليئة بالعنصرية، باستخدامها مفردات متعالية ومحتقرة عن سمودج وكلبها. من جلستها بجانب الأب نبصر مسافات سحيقة بينهما، عوالم منفصلة تحتل في معظمها تلك الفواصل التي تُظهِر التناقض الإنساني. كشأن السيد ماكجريجور، تولي الأم اهتماما أوليا إلى المادية، لذا يفوقها المنزل حجما في بداية القصة، بالإضافة إلى تسمية كلبتها فيكتوريا كرمز على تماشيها مع مظاهر المجتمع من الطبقة العالية. المفارقة تكون بتفضيل الكلبة على ابنها والتفكير فيها أولا بدلا عنه. وتبقى العزلة هي سيدة الحكاية؛ كل شخص حبيس داخل ذاته، منفرد بأحزانه؛ فالفواصل التي صوّرها براون لطالما صنعت حاجزا بين الأشخاص، وصنعت فاصلا لم يكترث ويعي به الصغار، لكنه لا يزال قائما.

___________________________________________________________________________________

المصادر

  1. Through The Looking Glass: How Children's Books Have Grown Up
  2. Animals as People in Children’s Literature
  3. Are There Books Just for Kids?
  4. Picture Books and Philosophy
  5. المصدر السابق.
  6. Animals as People in Children’s Literature
  7. Peter Rabbit: why it is still one of the greats of children's literature
  8.  Voices in the Park

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة