كتالونيا ليست شيئا هامشيا.. هذا ما سيفقده الفن الإسباني بانفصالها

ميدان – كتالونيا ليست شيئا هامشيا.. هذا ما سيفقده الفن الإسباني بانفصالها

"نحن منطقة ذات شخصية وطنية، نحن كتلان، نشعر بالكتالونية، نتحدث الكتالونية، ولدينا هوية مختلفة، نحن ندفع للإسبان الكثير من الضرائب، الإسبان يأخذونها ولا تعود علينا بالبنية التحتية أو تحسين حال المعيشة، لذا نحن بحاجة إلى الاستقلال".(1)

  

بنسبة تجاوزت الـ 90% صوّت سكان كتالونيا بنعم من أجل حلم الانفصال لتكوين دولتهم وسماع نشيدهم الوطني الخاص، الاستفتاء الذي أصدرت المحكمة الدستورية الإسبانية حكما ببطلان شرعيته في 2017. في حين تمتلك كتالونيا البالغة أكثر من 7.5 مليون نسمة لغتها وهويتها الخاصة، وتُعَدُّ واحدا من أكثر الأقاليم الإسبانية ثراء وتراثا، وتتميز بالنزعة الاستقلالية التي عززتها تلك المشاعر المرتبطة بفترة "فرانشيسكو فرانكو" الديكتاتور الإسباني الذي حاول قمع الهوية الكتالونية.(2)

    

اشتدّ هذا الصراع من أجل الاستقلال الذي لا يوافق مصالح إسبانيا التي تدين بربع صادراتها إلى كتالونيا، إذ تقوم وحدها بإنتاج أكثر من 20% من الثروة الوطنية، يُلقي هذا الصراع بظلاله على كل جوانب الحياة، مرورا بمصير نادي برشلونة وحتى فقدان أجزاء مهمة من التراث والهوية التي طالما عُرفت بها إسبانيا كواحدة من الدول الرائدة فنيا، والتي يأتي اسمها مرادفا لأسماء فنانين كبار مثل السريالي سلفادور دالي والرسام الشهير بابلو بيكاسو وغيرهم ممن قد تفقدهم إسبانيا مع أهم ما تبقى من تراثهم كواحد من الأعراض الجانبية لتلك الأزمة، ولذا نطرح سؤالا: ما الذي يمكن أن تفقده إسبانيا من إرثها الفني في حال انفصال كتالونيا؟ لنرَ!

    

    

ضحكة دالي الأخيرة من القبر

في سرداب المتحف حيث ترك الجميع هواتفهم المحمولة في الخارج بأمر من الشرطة، يدخل الفريق الطبي إلى مستقره الأخير، يرفعون حجرا بوزن واحد ونصف طن ويُخرِجون جثة الفنان السريالي سلفادور دالي، يأخذون العينات اللازمة ويطمئنون على سلامة شاربه وثبات تقوسه الفريد، ويُرجِعون الجثة إلى مكانها مرة أخرى، من أجل البت في قضية نسب رفعتها مواطنة إسبانية شديدة الشبه بدالي وتدّعي بأنه والدها. كانت جثة دالي الذي توفي عام 1989 قد حُنِّطت منذ 30 عاما بناء على رغبته على يد "نارسيز بارداليت" الذي كان موجودا أثناء رفع الجثة وقال: "متأكد أن دالي سيكون سعيدا بسلامة شاربه حتى اليوم".(3)

     

سلفادور دالي (مواقع التواصل الاجتماعي)

  

لم تكن تلك هي الضحكة الأولى التي يرسلها دالي من قبره إلى العالم بعد موته، فبعد ثمانية أيام من موته اندلع النوع نفسه من الجدل الذي رافقه طوال حياته بعد أن خرجت وصيته إلى العالم معلنا فيها أن الدولة الإسبانية هي المالكة الوحيدة لمتحفه ومسرحه بكتالونيا، في كَتف قانونيّ قاسٍ للغاية وجّهه الفنان سلفادور دالي بجرة قلم إلى كتالونيا وحكومتها التي وُلد وعاش معظم حياته بها، ومنذ تلك اللحظة فإن ما يزيد على 700 لوحة و3000 قطعة أثرية وألوانه المائية ومنزلَيْه صاروا ملكا لوزارة الثقافة الإسبانية بمدريد.

     

لوحة "المستمني العظيم" السريالية (مواقع التواصل)

    

في لوحته "المستمني العظيم" السريالية التي عبّرت عن قلقه الشخصي ومخاوفه المستمرة وهواجسه إزاء الجنس الذي صوّره في لوحته كشيء أقرب إلى جلسة تعذيب، يظهر فيها اندماج الرأس بالأنف التي تستند إلى الأرض وكأنه ارتخاء يشبه الموت أو خضوع للذة القائمة، ثم لم يسلم من خيالاته القلقة التي تظهر واضحة في تلك الحشرة التي تمتص وجهه، وخاصة أن دالي كان منذ طفولته يعاني من رهاب تلك الحشرة، فجاءت تلك اللوحة التي رسمها دالي بعد قضاء بضعة أيام مع زوجته غالا كملخص سريالي لشعوره وهاجسه الذي يتورط به حتى في لحظات إثارته.(4)

    

تلك اللوحة ولغز هتلر وكل ما يحتويه متحفه ومسرحه كانت طريقته في الانقلاب على كتالونيا من داخل قبره، بعد أن أطلق الوعود سابقا بإعطاء كتالونيا نصف ثروته الفنية، لم تتقبل كتالونيا من جانبها هذا القرار حتى اليوم، واعتبروا أن تلك الخيانة التي لم يتوقعوها من دالي أتت نتيجة استغلال جُبنه والضغط عليه من الحكومة الإسبانية التي أنكرت أن يكون لها أي معرفة سابقة بتلك النية لدى سلفادور دالي.

   

لم يكن دالي محبوبا لدى الكتلان نتيجة لمواقفه الكثيرة غير اللائقة، ففي أول لقاء لدالي برئيس الوزراء الكتلوني بعد استعادة الديمقراطية وبعد وفاة فرانكو، كتب روبرت ديشارنيس الذي كان سكرتيرا لدالي أن جوردي بوجول أول رئيس وزراء لكتالونيا وواحد من أهم الزعماء القوميين جلس بانتظار دالي داخل جناح فندقي في باريس يتأمل إحدى لوحاته، وفي تلك الأثناء تسلّل دالي واقترب منه ثم قام بإطلاق الريح بجانبه بصوت عالٍ، كانت هذه الحركة هي طريقة دالي لكسر الجليد في بداية اللقاء بالرغم من أنها كانت كفيلة بإفساد علاقته بالسلطة الكتالونية طوال حياته، في النهاية فشلت محاولات تلك السلطة في كسب ولاء سلفادور دالي وباءت محاولاتها في الاستفادة من ثروته بالكامل في خسارتها بالكامل، ولكن كتالونيا أعلنت عن استئناف حقها في الاحتفاظ بنصف ثروة دالي، إذ إن الفن المعروض في متحف دالي الذي هو ملك الدولة الإسبانية هو في الوقت نفسه على أرض كتالونيا، وبالتالي في حالة انفصال كتالونيا عن إسبانيا فإنه من المؤكد أن هناك معركة قانونية كبرى في انتظار الجميع.(5)

  

بيكاسو الكاتالوني

"الفن هو الكذبة التي تكشف لنا الحقائق"

(بابلو بيكاسو)

  

وحده التاريخ يمضي ولا يمضي، يكون أمامك وخلفك في الوقت نفسه، مثله مثل كل شيء يمكن أن يتلف أو يضيع أو أن يكون رهانك في اتفاقية سلام أو مساومة سياسية، كان بابلو بيكاسو وما زال أشهر فنان إسباني في كل العصور، وُلد في مالاجا بإسبانيا، قالت والدته إن أول كلمة نطقها بابلو لم تكن "بابا" أو "ماما" بل كانت "بي .. بي" محاولا أن ينطق بفمه الصغير كلمة "لابيز" والتي تعني "قلما" بالإسبانية، في السابعة انتقل "بابلو" إلى برشلونة مع عائلته بعد وفاة شقيقته، وبالرغم من أن بيكاسو عاد إلى مدريد مرة أخرى للدراسة هناك فإنه كان يشير دائما إلى كتالونيا باعتبارها موطنه الحقيقي، حيث تعلّم الكتالونية، ورسم لوحاته الأولى.(4)

     

  

كان مقهى "إلكواتري جات" ملتقى فناني وكُتّاب برشلونة مكانا مثاليا في منح بيكاسو إلهاما واسعا في بداية حياته والتعرف على الموضوعات والأساليب الجديدة التي أخذته إلى مكان بعيد عن دراسته الكلاسيكية، فقد قابل هناك أنواعا مختلفة من الفنانين، منهم المتأثرون بالفن الجديد والانطباعيون، واستطاع بيكاسو أن يقلدهم ويقتبس من أساليبهم إلى أن أصبح واحدا منهم.(6)

    

في لوحته "آنسات أفينيون" والتي يُشير عنوانها إلى شارع "أفينيون" ببرشلونة، صوّر 5 فتيات يعملن في بيت من بيوت البغاء، بملامح وأجساد حادة وممتلئة، تظهر وجوههن وكأنها أقنعة ومن بينها أغطية تكاد تشبه الزجاج المكسور، تميل أجسادهن ناحية المشاهد وينظر بعضهن بعيون لوزية تنضح بالعدوانية، والبعض الآخر تظهر عيونهن فارغة وخاوية في مشهد يبعث على القلق بدلا من الإثارة، وأمامهن شريحة من البطيخ حادة هي الأخرى كأجساد النساء إلى جانب الكمثرى والعنب.(7)

   

كان بيكاسو في باريس وقت قيام الحرب الأهلية في بلده، وبالرغم من أن إسبانيا في هذا الوقت أتاحت لأي مواطن من مواطنيها أن يعود إليها وينضم لأي فريق من فريقَيْ الحرب الأهلية آنذاك فإن بيكاسو كان قد أخذ موقفا محايدا مما يحدث، بالرغم من إدانته للفاشية من خلال أعماله بعد ذلك وتصريحاته المعادية لفرانسيس فرانكو، وفي إحدى مقابلات بيكاسو مع جيروم سيكلر قال: "أنا شيوعي ولوحاتي شيوعية، لكنني إذا كنت إسكافيا، ملكيا كنت أو شيوعيا أو أي شيء آخر، فإنني لن أطرق حذائي بطريقة ما كي أظهر سياستي".

  

          

يقول بيكاسو: "إن العمل الفني يجب أن يُنتج رد فعل قويا عند المتلقي، يدفعه هو لأن يبدأ بالإبداع حتى ولو بخياله فقط، فيجب أن يخرج من أعماقه ويهزه، ولذا عليه أن يخرج من أعماق الفنان ويهزه هو أيضا". أبدع بيكاسو خلال حياته أكثر من 20 ألف عمل فني، بين تصوير ونحت وخزف وحفر، وقبل موته قرّر ترك لوحاته للأماكن التي كانت تعني له الكثير خلال حياته، فقام بافتتاح متحفه في برشلونة بطراز جميل يشبه العصور الوسطى واستمر في وضع أعماله فيه، وقام باتفاقية أخرى مع فرنسا تنص على إعطائها مجموعة شخصية منتقاة من أعماله مقابل قيامهم بمهام وواجبات جنازته.(8)

  

معركة حول الأعمال الفنية في العصور الوسطى

على الجانب الآخر بين حقول الذرة والبرسيم حيث يقع دير "سانتا ماريا دي سيينا" بمنطقة أراغون الشمالية بإسبانيا الذي اشتهر بسلسلة الجداريات التي يعود تاريخها إلى القرن الثاني عشر، يشمل أبرزها تلك المشاهد التي اتخذت مرجعيتها مما رُوي في إنجيل ماثيو ولوك لقابيل الذي يذبح هابيل، ومشاهد لآدم وحواء في جنة عدن، حيث أُزيلت تلك الجداريات الرومانية وغيرها من الأعمال الفنية منذ عقود من الدير خلال الحرب الأهلية الإسبانية في عصر فرانكو ووُضِعت في متاحف مجاورة بكتالونيا.

 

الآن، وبعد 20 عاما من النزاع من أجل استعادة تلك القطع الفنية إلى إسبانيا، قرّرت كتالونيا خوض صراع من أجل بقاء هذه الأعمال الفنية، وحتى بعد حكم محكمة إسبانية بوجوب عودة تلك الأعمال إلى إسبانيا على الفور فإن كتالونيا أصرّت على خوض هذا الصراع واعتبرت أن تلك الدعوات والأحكام بعودة هذا التراث الإسباني ما هي إلا تداعيات للأزمة السياسية الحاصلة.

   

"السلطات في أراغون لديها رغبة كبيرة في استعادة القطع الموجودة في المتاحف الكتالونية، لكنها لا ترغب بالمطالبة في استعادة قطع أخرى أخذت من سيينا كتلك الموجودة في برادو بمدريد، لماذا إذن؟ لأسباب سياسية"

(سانتي فيلا، وزير الثقافة بكتالونيا)

    

قاومت كتالونيا الدعوات الإسبانية لإرسال الشرطة لمصادرة تلك الأعمال الفنية بالقوة واعتقال وزير ثقافتها، واستأنفت تلك القرارات متعهّدة بقوتها وحقها في الرد، ليستمر الصراع حول مجموعة فنية كبيرة تنتمي إلى عصر النهضة ولوحات من القرن الثامن عشر، ويفتح بابا لمعركة جديدة حول انفصال كتالونيا. (9)

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة