مدينة بومبي الضائعة.. الفن والحياة تحت الركام

ميدان – مدينة بومبي الضائعة.. الفن والحياة تحت الركام
اضغط للاستماع

    

في مساء الخامس والعشرين من (أغسطس/آب)، خَلَد سكان مدينة بومبي الإيطالية إلى أَسرّتهم، ولم تشرق عليهم شمس اليوم التالي أبدا. ففي تمام الثامنة صباحا، احترقت السماء، واشتعل الأفق، وحجب الدخان كل ضوء حتى بدا أن الليل حلّ في وسط النهار. زُلزلت الأرض وهاج موج البحر، ارتعدت الأبنية ودوت في الفضاء صرخات مذعورة ما كان لها من مجيب.

  

جبل فيزوف العالي الذي ارتفع في سماء مدينة بومبي وازدان به الأفق لم يكن في الحقيقة سوى بركان. بدا فيزوف خامدا، لكن في أعماقه ظلّت الحمم تهيج لحقب طويلة في انتظار تلك اللحظة التي ستُقذف فيها إلى الخارج، وفي ذلك اليوم من العام 79 حانت الساعة المشؤومة؛ أذاب لهيب الحمم كل أشكال الحياة في بومبي، وأذاق قرابة الـ 2000 إنسان ميتة من أبشع ما يكون، ودفنها تحت طبقة سميكة من رماد وصخور. في يوم واحد، انمحت من فوق سطح الأرض مدينة امتدت حضارتها مئات السنين.[1]

   

انفجار فيزوف كما تخيله الفنان سباستيان بيثر (مواقع التواصل)

     

بقيت بومبي محض ذكرى تحملها الكتب، مدينة تحدّث عنها المؤرخون دون أن يدري أو يتذكّر أحد أين كانت. لكن في العام 1709، أثناء حفر بعض العمال لقناة في أرض مهجورة، كشفت الأعماق عما بدا كبقايا بيت قديم، وبتوالي أعمال الحفر، ظهرت بيوت وشوارع وجثث متفحمة. حينها، عرف المهندسون أنهم يقفون في تلك اللحظة فوق حطام مدينة بومبي التي أحرقها البركان وظلّت ضائعة طوال أكثر من ألف عام.

   

منذ ذلك الوقت، بدأ علماء الآثار عملهم في المدينة، وما اكتشفوه مدفونا كان مدهشا بكل المقاييس. بدا وكأن الأرض التي يقفون عليها توارت عن أعين الزمن، وظل كل شيء فيها ثابتا على الحالة التي انتهى إليها في ذلك اليوم من عام 79.

    

حطام بومبي كما صوّره روبرت داسكنسون عام 1870 (مواقع التواصل)

     

المدينة بكل تفاصيلها، شوارعها، قصورها، بيوتها، معابدها، أسواقها، وحتى بعض ساكنيها الذين بقوا على الوضعية التي ماتوا عليها، محفوظة بفعل رماد البركان. عاما وراء عام، بتطوّر أعمال التنقيب، أخذ وجه بومبي يُفصح عن نفسه، وفي معماره وبيوته انعكست روح مكان يهوى الجمال والفن والحياة.[2]

   

مدينة تضج بالحياة

ليست الأبنية حجارة صماء، بل هي شواهد تحكي لنا عمّا مر عليها من حياة. والأبنية التي ظلّت صامدة في بومبي واحتفظت بما رُسِم فوقها من جداريات تروي لنا تفاصيل وجود حب الجمال والبحث عن الراحة والاستمتاع.

     

حطام بومبي (مواقع التواصل الاجتماعي)

   

فبومبي الواقعة في عمق الطبيعة، غير بعيدة عن شاطئ البحر، بين وديان وجبال، كان بها من السحر ما جعلها مقصدا لعلية القوم والأشراف والحُكّام الرومان، فبنوا هناك بيوتهم الصيفية التي كانوا يقصدونها للاسترخاء. وقد امتلك كلٌّ من يوليوس قيصر ونيرون وكاليجولا قصورا هناك، كما أقام شيشرون عدّة بيوت على الخليج كان يتردد عليها للكتابة والانعزال، وكذا فعل الشاعر الروماني فيرجيل. وكانت بومبي بحق مدينة مُهيَّأة لكل ما قد يحتاج إليه المرء -حتى بمقاييسنا الحديثة- في حياته اليومية، حتى وصفها شيشرون بـ "منبع كل المُتَع". [3]

 

في وسط المدينة، امتد "المنتدى" (The Forum)، وهو ميدان كبير موجود في كل المدن الرومانية القديمة تقريبا، وشكّل المركز الحيوي للأنشطة السياسية والاجتماعية والتجارية للسكان، ففيه أُقيمت المحاكم والمكاتب التابعة للمحليات، وارتفعت معابد الآلهة في عظمة وبهاء. ومن بين كل معابد المدينة التي دمرها البركان، ظل معبد الربّة إيزيس، التي قدّسها الرومان تأثُّرا بالحضارة الفرعونية، ثابتا على حاله، وعلى جدرانه ما زال يمكننا أن نرى رسومات تُصوِّر الإلهة المصرية القديمة.[4]

   

جدارية الربّة إيزيس بمعبد بومبي في تصور روماني لها (مواقع التواصل)

     

وغير بعيد عن المعابد والمحاكم، امتدت الأسواق. وكان أهم تلك الأسواق هو سوق الأطعمة الجاهزة، فقد أحب الرومان القدماء مثلنا تماما الاستراحة في وسط اليوم لتناول وجبة سريعة، وبقيت الآنية الحرارية التي حفظ فيها الباعة ما يعرضونه من طعام في بومبي إلى يومنا هذا. [5]

   

كما اهتم الرومان بصحة أبدانهم، فزُوِّدت المدينة بعدّة صالات رياضية يمارسون فيها الألعاب، وثلاثة حمامات عامة توافرت بها مياه دافئة للاسترخاء، وبضعة مسابح وملاعب.

   

وقد أَولى أهل بومبي أيضا أهمية كبيرة للتسلية والترويح عن أنفسهم. لكن سُبل ذلك الترويح كانت عنيفة بعض الشيء، فكانت هوايتهم المفضلة هي الذهاب إلى المسرح الروماني المستدير في قلب المدينة (Ampitheatre) لمشاهدة مباريات المصارعة العنيفة، بين رجلين، أو بين رجل وحيوان مفترس، والتي كانت تنتهي غالبا بموت أحد المشاركين ميتة بشعة، أو بالاستسلام، كما نرى في مشهد تُصوِّره جدارية اكتُشِفَت منذ عامين فيما يعتقد علماء الآثار أنه بقايا حانة اعتاد المصارعون التردد عليها.[6]

     

جدارية في بومبي تُصوِّر اثنين من المتصارعين في حلبة القتال (مواقع التواصل)

     

ولحُسن الحظ، لم تكن تلك وسيلة التسلية أو الترفيه الوحيدة. ففي المسارح العادية كانت تُؤدَّى المسرحيات الإغريقية القديمة، وقد أرّخ لذلك النشاط جداريات مرسوم عليها أقنعة المسرح التي اعتاد الممثلون أن يغطوا بها وجوههم أثناء أدائهم لأدوارهم المسرحية. [7]

   

جدارية تُصوِّر أقنعة المسرح الإغريقية (مواقع التواصل الاجتماعي)

     

وكعادة المدن الرومانية القديمة، كان ببومبي أيضا دار بغاء، اعتلت جدرانها رسومات إيروتيكية تُصوِّر ممارسات جنسية خليعة، وكانت تلك الرسومات السبب الرئيسي في الفكرة المغلوطة التي ترسّخت بعدها في الأذهان عن كون أهل بومبي مهووسين بالجنس، حتى تمت مقارنتهم بقوم لوط، وتحوّلت كارثة بركان فيزوف في المخيال العام إلى عقاب إلهي صبّته عليهم السماء، ونقول إن تلك فكرة مغلوطة لأن بومبي في ممارسات أهلها الجنسية الليبرالية لم تكن تختلف في شيء عن شتى الحضارات القديمة، من الحضارة الرومانية واليونانية غربا، وحتى الحضارات الهندية والبابلية شرقا.[8]

   

بيوت بومبي: فضاءات للفن والجمال

أَولى الرومان المُوسِرون في بومبي عناية خاصة لبيوتهم. فكانوا في تلك البيوت يستقبلون زوارهم نهارا يتباحثون في أمور العمل والشأن العام، وليلا تنفتح الأبواب للسمر والأصدقاء. ومن هنا، كان على المنزل أن يعكس منزلة صاحبه وما وصل إليه من ثروة وحُظوة. [9]

     

أحد بيوت بومبي (مواقع التواصل)

     

لهذا السبب، تبارى أصحاب البيوت الفارهة ببومبي في تحويل منازلهم إلى فضاءات مُطعَّمة بالفن. يكفي أن نقول إن الآثار الفنية التي وجدها المنقّبون في القرون التي تلت الكشف عن بومبي جاءت كلها من البيوت، حتى سُمّيت المنازل بعد ذلك على اسم الجداريات أو التماثيل أو أبيات الشعر التي نُقِشَت عليها؛ كمنزل "راعي الغابة" (House of The Faun) الذي سُمي على اسم تمثال راعي الغابة الذي وُجِد في صحن البيت، أو "بيت العشاق" (House of The Lovers) الذي اكتسب اسمه من البيت الشعري الذي كُتِب على جدرانه: "العشاق كالنحل، يعيشون حياة حلوة كالعسل".

   

كان كل شيء في بيوت بومبي يؤدّي غرضا مزدوجا؛ فمن ناحية يوجد غرض وظيفي، ومن الناحية الأخرى يوجد غرض جمالي. الأثاث على سبيل المثال كان جميلا وكأنه ليس أثاثا عاديا، بل منحوتات فنية، وقد تحوّل الأثاث بالفعل إلى ما يُشبه المنحوتات، فأرجل الكراسي والمناضد كانت بمنزلة تماثيل مُصغّرة، وأعمدة بيوت الأثرياء كانت مُطعَّمة بفسيفساء تُصوِّر أنساقا رائقة.

     

على اليسار: رجل منضدة، على اليمين عمود مُطعَّم بالفسيفساء. وُجِد الغرضان ببيوت بومبي (مواقع التواصل الاجتماعي)

    

كما ازدانت ساحات البيوت بالمنحوتات الدقيقة التي كانت تُحاكي أعمالا إغريقية سابقة عليها. لكن الكشف الفني الأثري الأهم من الناحية التاريخية كان الجداريات، فبينما صمدت المنحوتات والتماثيل الرومانية في شتى المدن في وجه الزمن، لم يصل إلينا من الرسومات من تلك الحقبة سوى أقل القليل. فقد أدّت عوامل كثيرة إلى ضياع أو دمار كل ما رُسِم تقريبا من تلك الفترة. أما الرسومات التي زيّنت جدران بيوت بومبي فقد وصل الكثير منها إلينا على حاله، بعد أن حفظه رماد البركان ألف عام ويزيد، وكتب الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز يصفها بعد أن رآها في رحلة قام بها إلى بومبي: "تنبض الجداريات هنا بالحياة، حتى لتبدو وكأنها رُسِمَت بالأمس". [10]

   

نجد أن الحدائق كانت من أكثر الموضوعات تواترا في جداريات بومبي. لم تكن بيوت تلك المدينة تعدم الخضرة، فكانت تتمتع بحديقة داخلية تُمثِّل مركز البيت، فالنوافذ لا تطلّ على الخارج بل تطلّ عليها -يُذكِّرنا هذا بالبيوت الدمشقية والمغربية القديمة-، والأصدقاء والخاصة يُستقبَلون فيها، كما اعتادت العائلات أن تقضي أوقات فراغها هناك. وبالرغم من كل هذا، فقد أراد سكان البيوت أن يحوّلوا حوائطهم من فراغات صماء إلى فضاءات تبث في الناظر شعورَ أن ما يُبصره ليس جدارا، بل نافذة تطلّ على أفق بديع. [11]

     

جداريات تُصوِّر مشاهد من حدائق (مواقع التواصل الاجتماعي)

  

وقد هَوِي سكان البيوت ذلك التلاعب، فبخلاف الحدائق، صوَّرت جدرانهم مشاهد بانورامية للخارج، ليسبقوا بهذا أهل أوروبا القرن الثامن عشر، الذين أحبوا أيضا تصوير مشاهد الأفق على جدرانهم وأسقفهم.

   

وبجانب مناظر الخضرة والحدائق، صوَّرت جداريات بومبي أيضا مشاهد من الميثولوجيا الإغريقية القديمة التي اعتنق الرومان أساطيرها بعد إجرائهم تغييرات طفيفة عليها، ومن بعض المسرحيات الإغريقية الشهيرة أيضا. من تلك الجداريات نجد رسمة لمراسم تقديم أضحية للربّة ديانا -الإلهة الرومانية التي تُعادل الربّة آرتميس في البانثيون الإغريقي- ورسمة لنرجس (Narcissus) يتأمل نفسه فوق سطح الماء.

     

مراسم تقديم الأضحية للربّة ديانا (مواقع التواصل)

     

تلك رسومات استطاع الباحثون التعرف على موضوعاتها، لكن بقيت جداريات أخرى بمنزلة لغز لم يستطع أحد أن يفك شفراته، ولا نملك حيالها اليوم سوى التكهُّنات. على رأس تلك الجداريات تأتي الرسومات الموجودة على حوائط أحد بيوت بومبي، والتي رُسِمَت بالحجم الطبيعي لمجموعة من الأشخاص يؤدّون ما فسّره الباحثون على أنه طقس ديني يخص الإله باخوس، رب الخمر والخصب والمسرح في الديانة الرومانية القديمة. [12]

     

جدارية "بيت الألغاز" (villa of mysteries) (مواقع التواصل)

  

انتهى وجود أهل بومبي في لحظة ثارت فيها نيران بركان غاضب، لكن مدينتهم التي كانت لهم منبعا للمُتَع هي اليوم بالنسبة لنا معين لا ينضب من آثار وتحف ولوحات تُصوِّر حياة جميلة عاشوها قبل ألف عام. فحتى اللحظة، لم تكشف بومبي عن كامل أسرارها، وما زالت أجزاء كثيرة منها مدفونة تحت الأرض وتُخبِّئ معها قدرا كبيرا من الفن والجمال. فإن كان وجودنا الإنساني هشًّا ويمكن أن يُمحى من فوق وجه الأرض في ثوانٍ، فلحُسن الحظ يمكننا أن نُخلِّف وراءنا تراثا يبقى شاهدا أننا كنا هنا، أننا عشنا وضحكنا وأحببنا وبكينا قبل أن نرحل.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة