اشترى بن سلمان أحدها بـ 450 مليونا.. إليك أغلى اللوحات الفنية في تاريخ البشرية

ميدان – اشترى بن سلمان أحدها بـ 450 مليونا.. إليك أغلى اللوحات الفنية في تاريخ البشرية

نادرا ما وفَّر الفنُّ لفنان ما حياة رغدة، فقد عاش عدد ليس بالقليل من الفنانين لفترات طويلة من حياتهم على حد الكفاف، لكنّ الكثير من إبداعاتهم الفنية شقّت طريقها بعد موتهم لحوائط أثرياء العالم. حيث لم يقتصر تكديس الثروات على شراء العقارات واليخوت والسيّارات الفارهة، ليتّجهوا إلى اللوحات والأعمال الفنية، التي حاولوا عبر اقتنائها التميز عن غيرهم من فاحشي الثراء. كما اتجهت بعض الدول الخليجية أيضا إلى اقتناء بعض من أهم كلاسيكيات الفن الغربي، ليُشكِّلوا عبرها مجموعاتهم الخاصة التي ستسكن متاحفهم الجديدة. كل هذا ساهم في خلق سوق قوي للأعمال الفنية، ورفع أسعار بعض من تلك الأعمال لمستويات لم يتوقّعها أحد. فيما يلي سنتناول أغلى خمس لوحات بيعت على الإطلاق، وسنُلقي في هذا نظرة سريعة على تاريخ هذه الأعمال الفنية ومبدعيها.

  

لوحة رقم 17A – 200 مليون دولار

 

  

في مئة عام هي الفترة ما بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، تسارعت صفحات تاريخ الفن الغربي في عاصفة من الحركات الفنية الثورية التي تحدّت كل مفاهيمنا عن ماهية "الفن". وفي أواسط القرن العشرين، جاء فنان يمكننا اعتبار أعماله هي ذروة حركة التطور تلك، إنه الرسّام الأميركي جاكسون بولوك. [1]

  

شيئا فشيئا، أخذ الفنانون يتحرّرون من قيد الواقع، فبعد اختراع الكاميرا لم يعد على الرسم أن يُحاكي الحقيقة، لتتحول أسطح اللوحات من عدسات مفتوحة على الحياة إلى مرايا يحاول عبرها الفنان استبصار ذاته. وينطبق هذا أكثر ما ينطبق على جاكسون بولوك، الذي لجأ للرسم تنفيذا لنصيحة طبيب نفسي أشار عليه بمعالجة ذاته من الاكتئاب عبر الفن.

 

تأثر بولوك بالحركة السيريالية التي بدأت في عشرينيات القرن الماضي، والتي دأب فنانوها على كسر حواجز الوعي أثناء عملية الخلق الفني، والانطلاق من اللا وعي، محاولين الإبداع بشكل انسيابي بلا تفكير. جاءت أعمال بولوك الأولى تحمل أشكالا مجردة، وبمرور السنوات، أخذت هذه الأشكال تذوب وتتفكك وتتحول إلى مجموعة من الخطوط المتشابكة والألوان. ترك بولوك في تلك المرحلة كل ما هو اعتيادي في الرسم، هجر حامل اللوحات وأخذ يفرد القماش الأبيض على الأرض، وفوقه يسكب عبر فرشاته الألوان وهو يتحرك بجسده كاملا حركات انسيابية تشبه الرقص. هجر أيضا الأسماء، فصارت لوحاته تحمل أكوادا رقمية، مثل هذه اللوحة[2] "17A".

 

عاش بولوك أغلب حياته القصيرة -مات في حادث سيارة وهو في الـ 44 من عمره- في فقر. لكن لوحاته التي ارتفع سعرها ارتفاع مطّرد في العقود الأخيرة وجدت طريقها لمقتنيات فاحشي الثراء، منها هذه اللوحة التي اشتراها الملياردير الأميركي كينيث جريفين بـ 200 مليون دولار عام 2015. [3]

   

متى ستتزوجين؟ – 210 مليون دولار

  

أتقن الرسام الفرنسي بول غوغان فن الهرب. عندما ضَجِر من وظيفته التقليدية في البورصة، هرب منها وتفرغ إلى الفن، وعندما ضاق بباريس ذرعا، تركها ورحل إلى ضواحي فرنسا بحثا عن حياة أكثر سكونا، وعندما شعر أنه لا يُطيق الحياة المتمدّنة في أوروبا بأكملها، حَلم بهجرها إلى وجود أكثر بدائية. وقد كان، جمع غوغان ما يكفيه من نقود وحزم أمتعته ورحل إلى تاهيتي، تاركا وراءه ماضيا وزوجة وأبناء.

 

على متن السفينة المتجهة إلى تاهيتي، أخذت مخيلة غوغان ترسم له فردوسا مفقودا، فردوسا كل شيء فيه ينضح ببراءة لم تمسّها الحضارة بعد. لكن حالما خطا خطوته الأولى هناك عام 1891، وجد أن فردوسه تبخر منذ زمن، فكان قد مر على استعمار فرنسا للجزيرة خمسين عاما، نجحت فيها في القضاء على أسلوب الحياة البسيط للسكان الأصليين -وعدد ليس بالقليل من السكان الأصليين أنفسهم- وفرضت ثقافتها ودينها قسرا.

 

ترك غوغان عاصمة تاهيتي وارتحل إلى أجزاء أخرى من الجزيرة كانت أقل تأثرا بثقافة الاستعمار، لكنه لم يجد في أي مكان ما يشبه فردوسه المفقود. لم ييأس غوغان، وفوق قماش رسوماته، مزج ما رآه في الجزيرة مع ما تخيله من قبل، لينتج في فترة عيشه في تاهيتي مجموعة من أهم اللوحات في تاريخ الفن الحديث. [4]

  

صوّرت معظم تلك اللوحات نساء تاهيتي، أحيانا في أزيائهم التقليدية، وأحيانا في ملابس أوروبية، وأغلب الوقت عاريات. كثير من أولئك النساء كُنّ عشيقات غوغان اللاتي عاشرهنّ وهُنّ بعد دون 15 عاما، لينقل إليهنّ مرض الزُّهري الذي كان مصابا به وتُوفي على إثره وهو في 54 من عمره. من تلك اللوحات جاءت لوحة "متى ستتزوجين؟" التي عُرضت في مزاد عام 2015 واشترتها دولة قطر لقاء 210 مليون دولار.[5]

   

لاعبو الورق – 250 مليون دولار

   

في أوج مسيرته الفنية، رسم بول سيزان لوحات "لاعبو الورق" الخمسة. في كل لوحة من اللوحات يُصوِّر سيزان تنويعات على المشهد نفسه: رجال في غرفة هادئة يلعبون أوراق اللعب (الكوتشينة).

  

لم يكن تصوير اللعب بالأوراق بالموضوع الجديد في تاريخ الفن، فقد عادت إليه أصابع الفنانين مرارا وتكرارا في مختلف الفترات التاريخية، واجدين في تلك اللعبة مساحة خصبة لخلق الدراما في المشهد. ففي كل مرة يتفق مجموعة من الأشخاص على اللعب معا -خاصة عندما تدخل النقود إلى الصورة- يتصاعد التوتر على مدار الجولة، الجميع يودّ أن يربح، لكنّ شخصا واحدا فقط سيحالفه الحظ بينما سيجر الآخرون أذيال الخسارة. دأب الفنانون على تصوير ذلك التوتر في مختلف مراحله وتنويعاته، لتصبح كل لوحة بمنزلة أقصوصة صغيرة مشحونة بالانفعالات.

  

سيزان، على الجانب الآخر، ذهب عكس التيار. لاعبوه يجلسون في صمت أقرب إلى الخشوع، وجوههم لا تنعكس عليها أي مشاعر صاخبة، وعلى طاولة الأوراق لا وجود للنقود. اللعب هنا هو فضاء هادئ وحميم، يتواصل الأشخاص فيه عبر الورق، يجلسون في سكون تام جعل بعض نقاد يصفون لوحات سيزان تلك بـ "طبيعة صامتة على هيئة بشر". [6] [7]

  

باع سيزان إحدى اللوحات في حياته لقاء 250 فرانكا. [8] لكن خلال قرن من الزمن، تضاعف الرقم مليون مرة ليصل عام 2012 إلى 250 مليون دولار حين اشترتها دولة قطر في مزاد، لتصبح بذلك أغلى لوحة على الإطلاق حينها، وثاني لوحة في القائمة تقتنيها الإمارة الخليجية. تنضم بهذا لوحة سيزان إلى مقتنيات قطر الأخرى من الأعمال الفنية الشهيرة -والباهظة- التي اشترتها البلاد في العقود الأخيرة، والتي يتكهّن البعض أنها ستُعلَّق على حيطان متحفها الوطني الذي فتح أبوابه للجماهير العام الماضي. [9]

   

تبادل – 300 مليون دولار

  

  

غير بعيد عن مرسم جاكسون بولوك في مدينة نيويورك، جلس الفنان فيليم دي كوننج يرسم لوحاته. لقد كان الاثنان يتبعان المدرسة نفسها في الرسم، مدرسة نيويورك، التي هجر أعضاؤها المحاكاة إلى التجريد. لكن بينما وصل بولوك في ذروة مسيرته الفنية لمرحلة ترك فيها رسم الأشكال كليا، ظل لظلال الجسد البشري والأشكال الهندسية وجودها في لوحات دي كوننج، التي تأثر فيها بالمدرسة التكعيبية ومزج بينها وبين التجريد.

   

ليس هناك وجود حقيقي لمناظر يمكن تمييزها في لوحات دي كوننج، لكن في خلفية حياته الفنية ظلّت المدينة، مدينة نيويورك، وقودا يمدّه بالإبداع. ففيها انضم فيليم لمجتمع من الفنانين، وفي جلساتهم التي عقدوها بشكل دوري لمناقشة الفن وجد الكثير من الإلهام. أما المدينة نفسها بشوارعها وأزقتها وزحامها وصخبها فقد كانت مرتعا خصبا للحياة. التهمت عينا دي كوننج كل ما أمدّته به نيويورك من مناظر، وحوَّلها إلى انطباعات وأشكال امتزجت معا في لوحاته . [10]

  

في عام 1955، رسم دي كوننج لوحته "تبادل"، وباعها لقاء 4000 دولار. في 2015، تضاعف هذا الرقم آلاف المرات عندما اشتراها الملياردير الأميركي كينيث جريفين -الرجل نفسه الذي اشترى لوحة بولوك- لقاء 300 مليون دولار، لتصبح في ذلك الوقت أغلى لوحة على الإطلاق.

  

سالفادور موندي – 450 مليون دولار
  

   

لو جُمعت قصص الصعود الدرامي في كتاب فمن المؤكد أن قصة "سالفادور موندي" ستأتي في الفصل الأول. فاللوحة التي بيعت للمرة الأولى عام 1958 بـ 45$ في أسواق فنية رديئة،[11] وجدت طريقها خلال ستين عاما إلى صالة مركز مزادات كريستي المرموقة، وحين دقت المطرقة معلنة انتهاء المزاد، كان سعرها قد وصل إلى 450 مليون دولار، لتصبح بهذا أغلى عمل فني في التاريخ.

   

بدأت رحلة الصعود تحديدا عام 2005، حين اشتراها المضارب الفني ألكسندر باريش في حالة سيئة بـ 1000$. طوال ذلك الوقت، كان يُعتقَد أنها لأحد تلاميذ دافنشي، لكن حدس باريش أخبره أنها تنتمي ربما لمرسَم الفنان العظيم، حيث ساهم دافنشي بنفسه في لوحات تلاميذه؛ وبضع ضربات من فرشاة دافنشي كفيلة أن ترفع سعرها عشرات المرّات. كان هذا مجرد حدس، والخطوة التالية كانت إثباته، حتى يتمكّن من فعل هذا، على اللوحة أن تعود لأقرب شيء من حالتها الأصلية. [12]

   

فوق طاولة ترميم أستاذة الفنون دايان موديستيني، جلست سالفادور موندي لثلاث سنوات. وفي كل يوم كانت تزيل فيه موديستيني الطبقات التي راكمتها خمسة قرون فوق اللوحة مفسحة المجال لوجه المسيح الأصلي في الظهور، كانت شكوك موديستيني تتأكد أكثر وأكثر: ما تحت يديها لم يكن عملا ينتمي لمرسم دافنشي، بل لدافنشي نفسه.

     

   

فيما يلي من سنوات، عرض باريش اللوحة على مئات الخبراء. انقسمت الآراء فيما بينها، لكن ظلّت الأغلبية تميل إلى كونها من أعمال دافنشي. على هذا الأساس، سوّق لها باريش. في السنوات التالية، تناقل ملكية "سالفادور موندي" متاحف عريقة ورجال فاحشو الثراء. وفي العام 2017، عرضها آخر مُلّاكها، الملياردير الروسي ديمتري ريبولفيف، في مزاد بصالة كريستي. [13]

   

من مقر مركز المزادات بنيويورك، دخلت "سالفادور موندي" التاريخ حين بيعت بقرابة نصف مليار دولار، أكبر رقم يُدفع لقاء عمل فني في التاريخ. لم يبقَ المشتري مجهولا لفترة طويلة، لقد كان الأمير السعودي بدر آل سعود، وزير الثقافة ومندوب ولي العهد محمد بن سلمان لشراء اللوحة. لم تمر فترة طويلة بعدها على إعلان لوفر أبوظبي عرضه للوحة التي كان من المقرر أن تصير اللبنة الأولى في مجموعة المتحف الخاصة، لكن ذلك العرض لم يحدث حتى الآن.

  

كان غرض ابن سلمان الأساسي من شراء اللوحة، مثلما صرّح مصدر مجهول للفينانشال تايمز، هو إهداءها للإمارات لتقوية الصلات بين البلدين: "اللوحة كانت هدية من بلد لآخر، مثلما أهدت فرنسا تمثال الحرية إلى الولايات المتحدة". لكن يبدو أن ولي العهد السعودي كان مترددا، فحتى هذه اللحظة، لم يصل العمل الفني إلى الإمارات، ولم يُعرَض على الإطلاق.

   

بهذا الشأن صرّح مصدر مجهول لموقع فالتشر قائلا: "يحاول السعوديون اليوم بناء صناعة سياحية، وسالفادور موندي ستكون عامل جذب كبيرا لبلادهم"، 80% من زوار اللوفر الباريسي يأتون إلى المتحف لرؤية الموناليزا. ومن هنا، فابن سلمان ليس واثقا تماما أنه يودّ تضييع فرصة مثل هذه على بلاده. وحتى يحسم أمره، يظل عمل دافنشي في مكان مجهول مختبئا عن الأنظار، لا يعرف أحد ماذا سيكون مصيره. [14]

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة