كانت علامة فارقة في الفن الياباني..ماذا تعرف عن لوحة "الموجة العظيمة قبالة كاناغاوا"؟

ثلاثة قوارب صيد تًواجه موجة عاتية، صيادون يتشبّثون ببعضهم بعضا ويبدو عليهم شيء من الوجل، جبل يرقب المشهد من بعيد. تلك هي لوحة "الموجة العظيمة قبالة كاناغاوا"، والمعروفة أيضا باسم "الموجة العظيمة" أو "الموجة"، أبدعها الفنان الياباني "كاتسوشيكا هوكوساي" قبل نحو مئتي عام، ما بين عام 1829-1833 ضمن سلسلة لوحاته "ستة وثلاثون مشهدا لجبل فوجي"، ضمَّ إليها هوكوساي عشرة من الأعمال الفنية بعدئذ ليصبحوا ستا وأربعين لوحة، ويُعتقد أن هذه اللوحة هي أكثر عمل فني ذاع صيته وأُعيد إنتاجه في العالم، وعُدَّ علامة فارقة ومُلهِمة في الفن الياباني.

لوحة "الموجة العظيمة قبالة كاناغاوا"

شَقَّت الموجة طريقها لسنوات إلى أن أغرقت اللوحة جدران لندن وطوكيو وبروكلين، حمّلها البعض بمعانٍ وعناصر وألوان مختلفة، فأعاد فنان الشارع الإسباني بيجاك خَلْق اللوحة في شوارع طوكيو للاحتفاء بالمرأة العاملة في اليابان، فتندفع الموجة من دلو سيدة تتولى مهام التنظيف وشؤونه في المدينة، وفي جدارية أخرى للفنانة البصرية ليديا ألينا، تتلوّن الموجة إلى الأحمر وتبدو كالدم في اللوحة الجدارية، كما تُصوَّر في رسم ثلاثي الأبعاد من قِبَل مجموعة أخرى من فناني الشوارع (1).

فنان الشارع الإسباني "بيجاك"، إعادة تفسير هوكوساي، طوكيو

وابتكر النحَّات الفرنسي كاميل كلوديل في أواخر القرن التاسع عشر تمثالا استُبدلت فيه القوارب في اللوحة الأصلية بحوريات البحر، كما كتب كلود ديبوسي مقطوعة الأوركسترا "البحر" (La Mer)، ونُشِر على غلاف نسخته الأولى من المقطوعة في عام 1905 رسم نسخة من موجة هوكوساي (2).

كلود ديبوسي – غلاف سيمفونية البحر، 1905.

 

تُظهِر اللوحة المنطقة المحيطة بجبل فوجي في اليابان، بالتحديد قبالة ساحل شبه جزيرة بوسو، وهي منطقة تشتهر ببحرها الهائج، ويبدو الطقس فيها عاصفا، لا يكبح جماح الموجة التي تُهدِّد قوارب الصيد قبالة ساحل بلدة كاناغاوا (مدينة يوكوهاما الحالية، محافظة كاناغاوا). من خلال الخط المنحني للأمواج، نبصر استخدام خطوط حادة عند طرف الأمواج حيث تكون المياه على وشك أن تبتلع الصيادين العاجزين في قواربهم، من شأن ذلك أن يُعزِّز خطر الموجة ويُضخِّمه (2). ليس لهذا العمل الفني تركيبة متكافئة، حيث يستحوذ الموج على محور اللوحة، مؤكدا هيمنته على تكوين اللوحة ومُعزِّزا من ذلك الشعور، كما يُوصل إحساسا بالحركة، مما يجعل الشعور بالعجز يتخطى الصيادين ليصل إلى المشاهد أيضا.

 

يعم هدوء ظاهري في اللوحة، وإن كان باطنها مظلم، فما تُصوِّره هو كفاح الصيادين من أجل البقاء على قيد الحياة وعدم تراجعهم في ظل مواجهة مثل هذه الصعاب. الألوان المستخدمة في اللوحة خافتة ومهدئة، يوصل ذلك شعورا بالبرودة والعجز تخلقه الألوان الباردة مثل الأزرق الداكن، ويوجد اللون الأبيض الذي يمكن تفسيره على أنه أمل الصيادين في النجاة من العاصفة (2).

 

اتَّبع هوكوساي في رسم اللوحة أسلوب الطباعة بالقوالب الخشبية، وهي صورة أو تصميم يُصنَع طبقا لقالب خشبيّ. عادة ما يكون هذا النوع من الرسم معتمدا على جزء من خشب الصنوبر، يُنحت الشكل المطلوب على القوالب الخشبية، ومن ثم يُشبع القالب بلون الصبغة، عندئذ نُطبق عليه ورقة ويُضغط عليها بآلة خاصة حتى تأخذ اللوحة الشكل المراد. استُخدمت الرواسم الخشبية للمرة الأولى في أوروبا في العصور الوسطى لطبع نماذج على المنسوجات، ومع بداية القرن الخامس عشر الميلادي، شكَّل الفنانون رواسم خشبية لرسم موضوعات دينية متميزة، ولتزيين الكُتب وتزويدها بالصور، ولصنع أوراق اللعب، وبنهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر ابتدع الفنان الألماني ألبرخت دورر رواسم خشبية فتحت آفاقا جديدة من التعبير والمهارة الفنية سترتحل بعد سنوات إلى اليابان وفي النهاية إلى أوروبا.

أسلوب الطباعة بالقوالب الخشبية

حظي ذلك النمط من الفن بشعبية واسعة عند اليابانيين في القرن الثامن عشر، وأطلقوا عليه اسم "أوكييو إيه" رمزا للصور المطبوعة بألوان متعددة باستخدام القوالب الخشبية، الصور التي حملت مسؤولية تمثيل العادات والأخلاق في ذلك الوقت. وحينذاك، كانت كلمة "أوكييو" حرفيا تعني "العالم العائم"، وكانت دلالة على الأحداث الممتعة في المجتمع والحياة اليومية، في حين أتى مصطلح "أوكييو إيه" المشتقة منه هذه الكلمة ليعني حرفيا "صور العالم العائم" (3).

 

في ذلك العالم العائم يقف جبل فوجي ثابتا، ويبدو جليا في اللوحة، كما في سلسلة لوحات هوكوساي "ستة وثلاثون مشهدا لجبل فوجي"، فما قصة ذلك الجبل؟ في الستينيات من عمره ترك هوكوساي مدينة طوكيو، شادًّا الرحال سيرا على الأقدام إلى محافظة آيتشي نحو ثلاثمئة وخمسين كيلومترا للغرب لزيارة متمرن (3)، عرّج حينها أثناء توقفه على عدة فنادق صغيرة، ورسم فيها مشاهد متعددة لجبل فوجي كما كان يراها من كل فندق، وبعد عدة سنوات، قام بتنقيح هذه الرسومات التي قام برسمها في كل موقع.

 

ينصبُّ تركيز هوكوساي على جبل فوجي المقدس لأنه كان هاجسا روحانيا شخصيا له، ولأنه يُمثِّل رمزا مهما للصلابة والقوة في اليابان المستقرة والمعزولة، المحاطة بتقاليدها وثقافتها الخاصة، فمن بعيد أو عن قُرب سترى في سلسلة رسوماته جبل فوجي ماثلا، في الظروف الجوية والفصول المختلفة، ومن جميع الاتجاهات. جبل فوجي هو أطول وأجمل جبل في اليابان، وقد كانت له أصول متجذرة بعمق في الفلسفة القديمة حول قدسيته حدَّ أن رُسِّخَت كونها عبادة في اليابان، لتكتسحه الأساطير كما يكسوه الثلج.

نرى في سلسلة رسومات هوكوساي جبل فوجي ماثلا

وتتحدث اللوحة عن السياق التاريخي لرسمها، في وقت كانت فيه اليابان تغرق في العزلة، فلم تفتح موانئها للسياح الأجانب إلا عام 1859، ومع ذلك ظهر تأثير الأفكار الغربية على تطور المجتمع الياباني التقليدي وفلسفته، فاللون الأزرق البروسي الذي وظَّفه هوكوساي في لوحته هو لون أوروبي مميز، لم يكن قد سبق استخدامه في اليابان (4). هذه السابقة كانت أحد أسباب شهرة اللوحة، كما دلّلت على أن عزلة اليابان في الثلاثينيات ربما لم تقف حائلا بين وجود نوع من التبادل الثقافي مع الخارج. فإن كانت سياسة العزلة التي امتدت مئتين وخمسين عاما قد منعت بشكل قاطع التبادل مع العالم الخارجي، وكان يمكن أن تصل عقوبة خرق ذلك إلى عقوبة الإعدام، فإن ذلك لم يمنع مجموعة سرية من الفنانين والعلماء اليابانيين من تكريس أنفسهم لدراسة ما بدا لهم ألغازا غريبة للتمثيل الغربي.

 

كان للبحر دلالة قبل نهاية عُزلتها لأنه كان حاجزا يحمي اليابان من العالم الخارجي، وفي اللوحة يمكن اعتبار الموجة العظمى صورة رمزية للتغيير الطارئ على المجتمع الياباني، في حين تُمثِّل قوارب الصيد المتجهة نحو الموجة الهائلة أجزاء اليابان التي كانت على اتصال بالخارج، ولكن مع عدم اليقين والصراعات التي قد تجلبها إلى اليابان التقليدية، أمام ثبات جبل فوجي الذي يُشير إلى روح اليابان (5).

 

ولكن رغم أن الموجة تبدو مخيفة، فإن وجوه الصيادين اليابانيين يغلب على ملامح الخوف فيها الثبات، ونستشعر حسمها في السير نحو المجهول، ترتفع الموجة في اللوحة إلى مستوى الجبل، الذي يقف في انسجام مع الخلفية حتى ليبدو كأنه جزء من الموجة. من شأن ذلك أن يُوفِّر قراءة متغيرة للوحة حيث يصبح البحر أرضا والأرض تصبح بحرا، وهكذا تصبح العلاقة بين الجبل والبحر والناس أكثر تعقيدا. تبدو الموجة العظيمة كأنها رمز لعدم القدرة على التنبؤ بهذا الشكل المادي للوجود وفنائه، بخلاف الرمز المعروف للخلود والأمان الأبدي الذي يُوفِّره جبل فوجي.

 

ذكر هوكوساي في أول مجلدات رسوماته أن جبل فوجي هو مقر الآلهة وإكسير الحياة وسر الخلود، ويمكن إرجاع هذا الاعتقاد إلى قصة "قاطع الخيزران" (The Tale of the Bamboo Cutter)، وهي أسطورة من الفولكلور الياباني. يُعتَقد أن هذه القصة هي أول ما خُطَّ في الأدب الياباني على الإطلاق، وإن كان كاتبها مجهولا، وقد حوّلها أستوديو جبيلي إلى فيلم يُدعى "حكاية الأميرة كاغويا" (The Tale of Princess Kaguya) من إخراج الشريك المؤسس للأستوديو إيزاو تاكاهاتا. تدور القصة باختصار حول حطّاب خيزران فقير يعثر على رضيعة صغيرة في خيزرانة متوهجة، فيعتني بها هو وامرأته، وسرعان ما تكبر الطفلة وتلفت الانتباه بجمالها الأخاذ، ويتقدم إليها الخُطاب، فتشترط شروطا تعجيزية لا يجدون سبيلا إلى تحقيقها. يصل ذلك إلى مسامع الإمبراطور، فيراها ومن ثم يقع في حبها، تبادله الحب لكنها ترفض الزواج منه وتُخبره أنها من أهل القمر، وبعد سنوات تُوَدِّع الأرض وتعود من حيث جاءت، إلى القمر، فيبحث الإمبرطور عن أقرب جبل إلى السماء ليبث إليها رسالة بأن حبهما سيدوم إلى الأبد.

حكاية الأميرة كاغويا

تقول الأسطورة إن كلمة الخلود الواردة في القصة وتُلفظ "فوشي" أصبحت اسم ذلك الجبل (جبل فوجي)، ويُذكر أيضا أن الحروف التي يتكون منها اسم فوجي مشتقة حرفيا من "جبل مليء بالمحاربين"، التي أتت من صعود جيش الإمبراطور إلى الجبل لتنفيذ أوامره بحرق رسالة كتبها إلى كاغويا مرفقة بإكسير حتى تصل إليها، ويقال إن الدخان الذي وُلد جرّاء حرق الرسالة على قمة الجبل لا يزال يرتفع إلى يومنا هذا، وواقع الأمر أنه ربما يعود هذا إلى حقيقة أن جبل فوجي ما هو إلا بركان خامد. أثّرت هذه الحكاية في هوكوساي حدَّ أن تمنى أن يمتد به العمر إلى ما بعد مئة عام، عندئذ سيكون قد حقّق حالة إلهية في فنه، وعند بلوغه مئة وعشرة أعوام، كل نقطة وكل ضربة فرشاة ستبدو كما لو كانت حية (6).

 

 

رسم هوكوساي لوحة "الموجة العظيمة قبالة كاناغاوا" بعد أن تخطى السبعين، ويُرجِّح النقاد أن أعظم أعمال هوكوساي هي تلك التي رُسِمت بعد الستين من عمره، وهو ما اتفق مع قول هوكوساي: "لا شيء من نتاجي قبل سن السبعين يستحق الذكر". أمضى هوكوساي سنوات حياته يرسم، اهتم برسم الناس البسطاء وحياتهم، وصيادي السمك، وشيئا فشيئا انصرف إلى رسم الطبيعة والحيوانات والبحر وجبل فوجي، حتى لم يعد يرى سواهم، وإن تخلل ذلك رسمه بضع رسمات لنساء، لم يتقيد فيها بمعايير الجمال السائدة آنذاك ووسّع المفهوم ليشمل جموع النساء، وقد كتب هوكوساي في مذكرات:

"كنت شغوفا بالرسم منذ كان عمري خمس سنوات، وكنت مولعا إلى درجة الهوس برسم الأشياء التي أراها. وعندما صرت في الخمسين من عمري أنجزت عددا من التصاميم، ثم رسمت كثيرا حتى بلغت السبعين من عمري، ولكنني لم أترك في تلك الفترة أية مذكرات مهمة. وحينما بلغت الثالثة والسبعين بدأت أبحث عن حقائق تخص رسم الطيور والحيوانات والحشرات والأسماك والطبيعة الحيوية كالعشب والشجر، وتابعت وأنا في الثمانين من عمري التقدُّم في البحث عن تلك الحقائق، وحينما أبلغ التسعين من عمري فسوف أصل إلى فهم عميق وإدراك ثاقب يتجاوز كثيرا الأشياء التي أراها في البصر رسمي مالكا حقيقة الحياة… أنا الرجل الكهل الذي جُنَّ بتصوير الطبيعة". (7)

بحسب الفيلم الوثائقي الذي بثّته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" "عين هوكوساي" (The Eye of Hokusai)، نشأ الفنان في مدينة إيدو (المعروفة اليوم باسم طوكيو)، وكان والده صانع مرايا. بدأ هوكوساي العمل نحّات قواطع خشبية للمنازل ثم مساعد رسام، ليعمل بعدها طابع صور ثم مُصمم صور في الخامسة عشرة من عمره بعدما بدت موهبته في الظهور. ويمكن أن تكون حياته الشخصية قد أثرت على لوحة الموجة، فبعد أن تقدَّم في السن ورغب في التقاعد بعد أن كوَّن ثروة تغنيه عن الاستمرار في العمل، حاقت به نوبات من الأحزان أصابته بالشلل وهو في الثامنة والستين، إذ تُوفِّيت زوجته الثانية وأصبح وحيدا لا أنيس له سوى حفيده الجامح الذي بدّد كل ما ثروته، وكان قد فقد ابنه الأكبر قبل ذلك بسنوات، وتعثرت الحياة الزوجية لابنته، فطُلِّقت وعادت إلى بيت والدها لتعيش إلى جانبه بقية أيام حياته، ما جعل هوكوساي آنذاك ضحية لشعور قوي بعدم اليقين بالجانب المادي من الحياة، وهدّد ذلك ثباته الروحي (8) (9).

 

لُقِّب هوكوساي بثلاثين اسما أو أكثر خلال حياته، وفي ذلك الوقت كانت الأسماء المتعددة صيحة للفنانين اليابانيين، وهو بذلك تفوَّق على الفنانين اليابانيين في أكثر الأسماء المستعارة له. تتصل التغييرات المتكررة في اسمه غالبا بالتقلبات في إنتاجه الفني وأسلوبه، فإلى جانب أسلوب "أوكييو إيه"، استخدم أيضا تقنيات أخرى مختلفة، وتباينت رسوماته مما وراء الطبيعة إلى المانجا. ولم يكن لون مطبوعات هوكوساي وأسلوبها وتنفيذها فقط هو ما جعلها مؤثرة بشكل جذري، ولكن الموضوع أيضا، فقد أدت مجموعته من رسومات "المانجا" إلى الارتقاء بحياة الشارع اليومية إلى عالم الفن، والأفكار التي كانت بمنزلة إلهام لإدغار ديغا وهنري دي تولوز لوتريك، إذ استعار كلاهما صور هوكوساي للمجتمع الهامشي وأجساد النساء المسترخية.

 

في فيلم آخر يُدعى "هوكوساي، الرجل الكهل الذي جُنَّ بالرسم" (Hokusai Old Man Crazy to Paint) ذكر أن الفنان الياباني نظر إلى الفن باعتباره تجريدا محضا. لكل إنسان أن يُحمِّل لوحة ما يشاء، وأن يراها من منظوره الخاص. ابتكر هوكوساي أيضا مناظر خلابة للأمواج المتكسرة على الشاطئ، وصمَّم الأمواج لتزيين الرافعات المستخدمة في التصميمات الداخلية المعمارية، وكتب كتيبات إرشادية للفنانين الطموحين حول كيفية رسم الأمواج الواردة والصادرة. في إحدى رسوماته التوضيحية لأحد الكتب المطبوعة على الخشب، يستحضر ساحر موجة في راحة يده (10). وفي كل موجات هوكوساي فإن الشعور بالحركة الموقوفة هو الذي يجعل الموجة تنبض بالحياة، وقد شهدت موجة هوكوساي تطورا قبل الوصول إلى لوحة كاناغاوا، وفيما يلي مراحل تطورها:

 

وبعد فتح اليابان للعديد من موانئها استشرت ظاهرة "الجابونيزم" بين الفنانين الأوروبيين خلال تلك المرحلة، منطلقين من إعجابهم بالنقوش والزخارف على الخشب، وبتجارب رسّامين يابانيّين مثل كاتسوشيكا هوكوساي وأندو هيروشيغه (11)، واستخدمت المطبوعات كورق تغليف للحلي التجارية الأكثر قيمة، هكذا عُرف هوكوساي.

 

ظهر أثر الفن الياباني في أعمال فنانين مثل كلود مونيه وبول سيروزييه وإدوارد مانيه وآخرين، حتى إن كلود مونيه حصل على مئتين وخمسين مطبوعة يابانية، تضم ثلاثا وعشرين مطبوعة لهوكوساي، وقد تمكَّن الهوس من مونيه حدَّ أن صمَّم الرسام حديقته على غرار طبعة يابانية بينما كانت زوجته ترتدي كيمونو حول المنزل (12).

 

كان فان جوخ في طليعة هؤلاء الفنانين، وقد أُعجِب بشكل خاص بهوكوساي، وذكر في رسالته إلى أخيه ثيو عن لوحة "الموجة العظيمة قبالة كاناغاوا": "موجات هوكوساي مخالب يعلق القارب فيها، يمكنك الشعور بها". مرّت لوحة هوكوساي على فان جوخ، وإن لم يقتنها، وبعد سنوات كان ينظر إلى السماء من وراء قضبان مصح عقلي في فرنسا، وأبدع حينها إحدى روائعه "ليلة النجوم"، وبحسب باحثين فنيين فهناك احتمالية أن يكون فان جوخ قد استوحى لوحته دون أن يعي من موجة هوكوساي.

في لوحة هوكوساي، تعلو قمة الأمواج إلى ما فوق القمة البركانية لجبل فوجي، بينما في لوحة فان جوخ، تندفع الدوامات في السماء نحو المنحدرات والتلال التي تقع بالقرب من الموقع الذي كان يقطن فيه، وصنع فان جوخ دواماته من ضربات الفرشاة المتقطعة مما يُضفي إحساسا قويا بالحركة على المشهد. كان من الممكن أن فان جوخ كان يُفكِّر حينذاك في البحر، إذ كان قد زار البحر الأبيض المتوسط ​​قبل أسابيع قليلة من كتابته للرسالة حول الموجة العظيمة. يشترك العملان أيضا في ثرائهما باللون الأزرق (13) (14).

 

يدعم هذه النظرية مارتن بيلي، وهو صحفي ومتخصص في مجال الفنون: "بالنظر إلى العملين جنبا إلى جنب، أعتقد أنه يجب على المرء أن يستنتج أنه من المحتمل جدا أن تكون الموجة العظيمة قد لعبت دورا في التأثير على فان جوخ عندما قام برسم "ليلة النجوم" (Starry Night)". كانت تكهنات بوجود صلة بين العملين قد وُجِدت قبلا، لكن بيلي ألَّف كتابا يُدعى "Starry Night: Van Gogh at the Asylum" يعتقد أن بحثه هو أول بحث عميق في العلاقة المحتملة (15).

 

طالت محاولات تفسير اللوحة ارتآها على أنها موجة تسونامي. ففي أعقاب الزلزال والتسونامي المروع في توهوكو باليابان عام 2011، ظهرت صورة موجة هوكوساي، وصاحبت نداءات جمع الأموال للإغاثة وأعمال الفنانين اليابانيين الذين قاموا بتكييفها للتعبير عن الكارثة (16). نُظِر إلى الموجة باعتبارها وحشا يبتلع البحّارة الذين يُقدِّمون الأسماك الطازجة ويبتلع مدينة إيدو وجبل فوجي.

 

ارتبطت تلك الموجة أيضا بالأعاصير وتحطُّم الطائرات في البحر (18)، ربما لأن موجة هوكوساي قد أعارت نفسها للعديد من التفسيرات اللا متناهية منذ البداية إلى أن باتت رمزا عالميا في النهاية. كتبت الإيكونوميست مقالا بأن هوكوساي كان يُصوِّر تسونامي عام 1700 في طبعته الخشبية (18)، لكنّ المؤرخين اليابانيين لطالما قاوموا هذا التفسير، لأن تصميم هوكوساي هو عمل من أعمال الخيال المحض، ولا يوجد دليل على أنه تصوَّر موجة تسونامي.

 

قد يكون ذلك التصور هو نتيجة رد الفعل بعد تداول اللوحة للمرة الأولى خارج اليابان. فبالنسبة للطليعة الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر، أصبح عمل هوكوساي رمزا للتأثير الياباني، الذي شوهد في أعمال مونيه وفان جوخ وأزاح قيم الأكاديمية، ورأى كثيرون حينها أن هذه الأساليب الفنية الجديدة تُهدِّد الثقافة الفرنسية التقليدية.

 

وقد يكون الخلط بين موجة هوكوساي وموجة المد والجزر قد ساعد على ذلك حقيقة أن "الجابانيزم" في أوروبا وأميركا في أواخر القرن التاسع عشر تزامن مع تسونامي عام 1896 الذي تسبَّب في دمار هائل في شمال اليابان، وعوين حينها في جميع أنحاء العالم، حيث شاهد أوروبيون وأميركيون مخاطر كارثة طبيعية لم تكن معروفة سابقا إلا عن بُعد.

 

قد يُنظَر إلى الاختلاف في تأويل لوحة هوكوساي إلى حكاية "الفيل في الظلام"، وهي حكاية بوذية قديمة تحدَّث عنها الشاعر الفارسي وقطب الصوفية جلال الدين الرومي في كتابه "المثنوي"، جلب فيها أحد الهندوس فيلا ليُعرَض في غرفة مظلمة، فتحسَّس بعض الرجال الفيل في الظلام، وبناء على الجزء الذي تحسَّسوه اعتقدوا أن الفيل هو خرطوم ماء، أو مروحة (أذُنه)، أو عمود (رجله)، أو عرش (ظهره). استخدم الرومي تلك القصة مثالا لمحدودية الإدراك الفردي وتباين المنظور لكل الإنساني.

 

وقد كتبت الروائية بيرل باك عام 1948 قصة أطفال استعارية مؤثرة تدور أحداثها في اليابان بعنوان "الموجة الكبيرة" ورُسِمت برسومات هوكوساي، وكان الغرض منها مساعدة الأطفال على التعامل مع تداعيات الحرب العالمية الثانية. هكذا ربما تكون موجة كاناغاوا العظيمة تعليقا على الحياة وأننا نشعر بأننا أحياء عندما نكون على وشك الموت، ضآلة حجم قوارب الصيادين أمام الموجة يُظهِر مدى محدودية الإنسان في هذا الكون الشاسع، وهيمنة قوى خارجية عليه تتحكٍم فيه وتسيّره، عجز الإنسان أمام الطبيعة وغضبها، محاولته البقاء والكفاح ضد كل الصعاب لأن هذا جزء مما يجعلنا بشرا (18). يمكن أن تكون الرسالة التي يحاول الفنان أن يخبرنا بها هنا أن "أولئك الذين يقاتلون ويكافحون ضد الصعاب بقواربهم قد يتخطون الموجة، وربما ينتصرون في النهاية"، أو كما يقول الرومي:

"عين البحر هي شيء وزبده شيء آخر. دع الزبد يذهب، وأمعن في عين البحر. ففقاعات الزبد تطفو، آناء الليل وأطراف النهار: عجبا! فأنت تمسك بالزبد وليس البحر. إنما نحن مثل القوارب تتمايل معا؛ عيوننا مظلمة، بالرغم من أننا في الماء الرائق".

_________________________________________________________________________________________

المصادر

  1. The Great Hokusai – Why do We Still Obsess over that Japanese Wave Painting
  2. Art analysis & critique – The Great Wave of Kanagawa”
  3. كاتسوشيكا هوكوساي: عمل فني مؤثر حول العالم
  4. Hokusai’s ‘The Great Wave’
  5. The Great Hokusai – Why do We Still Obsess over that Japanese Wave Painting
  6. The wave: the world’s first viral image
  7. هوكوساي (كاتسوشيكا ـ)
  8. The Eye of Hokusai
  9. هوكوساي (كاتسوشيكا-)
  10. Hokusai Old Man Crazy to Paint 2017
  11. فان غوخ: تفاصيل الحلم الياباني
  12. A Brief History Of ‘The Great Wave’: Japan’s Most Famous Artwork
  13. Friday essay: from the Great Wave to Starry Night, how a blue pigment changed the world 
  14. Was Van Gogh’s The Starry Night inspired by Hokusai’s The Great Wave off Kanagawa?
  15. How Hokusai’s Great Wave crashed into Van Gogh’s Starry Night
  16. What kind of a wave is Hokusai’s Great wave off Kanagawa? | Notes and Records of the Royal Society 
  17. The Great Wave by Hokusai | The Art Institute of Chicago 
  18. Why the Iconic Great Wave Swept the World

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة