لماذا باع ماوريستاو كاتيلان "موزة" بـ 120,000$؟

اضغط للاستماع

    

موزة وشريط لاصق، شيئان بسيطان يوجدان في حيازة كلٍّ منّا، شيئان بسيطان جمعهما معا الفنان الإيطالي موريتساو كاتيلان ليصنع عملا فنيا بيع بـ 120,000$.

    

في منتصف الشهر الجاري، علّق كاتيلان عمله الفني الذي أطلق عليه اسم "الكوميديان" (Comedian) على حائط معرض "آرت بازل ميامي"، حيث يجتمع الأثرياء وصفوة المجتمع في كل عام للتسوق وشراء أحدث الأعمال الفنية المعاصرة. لم تكن "موزة" كاتيلان أغرب أو حتى أغلى ما بيع هناك، لكنها استأثرت دون سواها بالاهتمام الإعلامي. فحتى الغريب مما عُرض في المعرض يظل به شيء من التركيب، شيء من التعقيد يمكن أن يُضفي عليه المتلقي معنى ما. أما في حالة الموزة، حسنا، لم يكن هنالك شيء، لا يوجد معنى ولا تركيب، موزة، محض موزة، وشريط رمادي لاصق.

  

لم يفت البعض محاولة إضفاء ظلال من العمق على "موزة" كاتايلان ليأخذها من كونها محض موزة عادية ويحيلها إلى رمز يحمل معاني أعمق. على رأس هؤلاء يأتي إيمانيويل بيروتين، مالك المتحف المسؤول عن عمل كاتيلان الأخير، والذي قال: "إن الموزة هي رمز للتجارة العالمية، وغرض يحمل معاني مواربة، وأداة كوميدية كلاسيكية".[1] وذهب بعض المعلقين إلى آفاق أبعد، فرأوا أن الموزة بزاويتها المائلة تشبه المنجل، والشريط اللاصق الذي يقطعها في الاتجاه المعاكس يبدو مثل المطرقة، ما يجعل عمل كاتيلان مرادفا فنيا لعلم الاتحاد السوفيتي[2]. ولم تتوقف محاولات التفسير عند هذا الحد، فقد جعلوا من الموزة المعلَّقة على الجدار "رمزا لإخضاع البطريركية، وتعليقا على القمع الذي وقع على جمهوريات الموز".[3]

   

كل تلك التفسيرات قابلها كاتيلان باستخفافه المعهود، يمكننا أن نتخيله يهز منكبيه هازئا أمام كل ما قيل وهو يرد: "الموزة هي محض موزة".[4] لكن في كون موزة كاتيلان "محض موزة" يكمن سر ما في عمله الفني من ذكاء وسخرية مواربة. ولكي نفهم مواطن هذا الذكاء وتلك السخرية علينا أن نعود إلى الوراء قليلا، إلى بدايات كاتيلان ورحلة صعوده السريعة والمتمردة في عالم الفن. عبر تلك الرحلة، أنتج كاتيلان عشرات الأعمال التي بطّنها بسخرية ماكرة لشتى مؤسسات المجتمع، تبعها دائما صدى إعلامي صاخب. إلا أن الجدل في حالة "الموزة" كان أكثر صخبا من كل المرات، والنقد الذي وجّهه كاتيلان عبر عمله الفني الأخير أكثر مواربة من ذلك الذي قدّمه في معظم أعماله الأخرى. فكيف كانت ملامح رحلة كاتيلان عبر عالم الفن التي توّجها أخيرا بـ "موزة"؟ وما الذي حاول بالضبط السخرية منه بعمله الفني الأخير؟

   

ماوريتساو كاتيلان: السخرية كفن
الفنان الإيطالي "ماوريتساو كاتيلان" (رويترز)

   

ابن لسائق شاحنة وخادمة، لم يكن ماوريتساو كاتيلان يمتلك حتى رفاهية الحلم بحياة تقليدية جيدة. كأي شاب مُعدم لا يملك قوت يومه، عمل كاتيلان في مهن متواضعة كثيرة لكنه لم يستطع معها صبرا، فطرق الحياة التقليدية المرسومة سابقا التفت حول عنقه وأخذت تخنقه؛ لم يكن يريد أن تمر به الأعوام ليجد في نهاية العمر نفسه محض شخص عادي عاش حياة عادية غير ذات وزن، لم يكن يريد أن يُنفى إلى النسيان. ومن ثم أخذ القرار: سيترك مدينته الصغيرة بادوا ويرحل إلى ميلان، سيهجر الحياة المعتادة والأحلام التي يحلم بها الجميع، سيُحقّق حلمه الخاص، سيحترف الفن.[5] [6]

 

لكن الطريق إلى ما أراد كان أكثر وعورة مما ظن. لو كان الأمر كله يعتمد على الموهبة لهان، لكن حول الموهبة امتدت شروط أخرى كثيرة لا تمت للفن في كثير من الأحيان بصلة. فعالم الفن مستغلق، لا يتيح لأي شخص من الخارج الدخول إليه بسهولة. وبلا تذكرة لمجتمع الفنانين والنقاد، وجد نفسه بلا فرصة حقيقية لأن تعرف أعماله طريقها للانتشار، فلا مجلات ستنشر صورا لمنحوتاته أو لوحاته، ولا متاحف أو معارض ستفرد لها صالات. ومن هنا، جاء القرار الذي سيسم مسيرة كاتيلان بالكامل: لن يدخل عالم الفن، بل سيقتحمه.

 

جاء اقتحام كاتيلان صاخبا ومدويا. من بين كل المجلات الكثيرة المعنية بالفن المعاصر في تلك الفترة، كانت مجلة "فلاش آرت" (Flash Art) هي الأشهر. أن تُنشر صورة لعملك الفني على غلاف تلك المجلة معناه أنك مُنِحت صك العبور لداخل صفوة المجتمع الفني، وهو بالضبط ما كان يبتغيه كاتيلان. لم ينتظر الفنان الشاب المغمور آنذاك أن تلفت أعماله انتباه القائمين على المجلة ليجد صورة لأحدها على الغلاف، بل ذهب للخيار الأكثر جنونا على الإطلاق: سيضع كاتيلان نفسه على الغلاف عنوة.

 

جمع كاتيلان كل نسخ المجلة التي استطاع أن يجدها في الأسواق، ولصق على غلافها صورة لعمل فني له عبارة عن هرم من مجلات "فلاش آرت" (Flash Art) -بعد أن تلاعب بالصورة بالطبع لتبدو مثل أي غلاف تقليدي للمجلة- ومن ثم أعاد توزيعها في الأسواق. وهكذا، عند شرائك لأي نسخة من ذاك العدد من المجلة، كنت تحصل على نسخة كاتيلان المزورة. لن نحتاج طبعا إلى أن نُقِر بأن ما فعله كاتيلان صنع ما يشبه انفجارا صغيرا في الدوائر الفنية التي نظرت إلى ما فعله بمزيج من إعجاب وامتعاض، ولا أن نؤكد أنه استطاع بتلك الطريقة أن يفرض نفسه بقوة على تلك الدوائر نفسها التي كان الدخول إليها قبلها ببضعة أشهر حلما عزيز المنال. أسمى كاتيلان هذا العمل بـ "إستراتيجيات"[7] (Strategies).

    

  

عبر ذلك العمل وجّه كاتيلان بشكل مضمر أول نقد له للمنظومة الفنية القائمة -المنظومة التي سيظل ناقما عليها وسيظل يوجّه لها الانتقاد عبر الكثير من أعماله الفنية اللاحقة-، فعبر تزويره لغلاف المجلة ثم نشره وبيعه في الأسواق واقتحامه إثر ذلك للدوائر الفنية المغلقة، سخر كاتيلان بشكل مضمر من قواعد المنظومة الفنية، تلك التي لم يكن يفصل فيها آنذاك بين العيش في الظلال والشهرة العارمة سوى غلاف مجلة يمكن لأي محتال أن يزوره.[8]

  

لم يقصر كاتيلان نقده على المنظومة الفنية، فكثير من مؤسسات المجتمع نالها نصيب من سخريته اللاذعة ونال هو أيضا من الشهرة نصيبا وافرا في أثر كل عمل فني له مثير للجدل، توّجها بالطبع بـ"الكوميديان". ففي العام 1999، نفذ كاتيلان تمثالا للبابا يوحنا بولص الثاني. لكن، بعد أن انتهى من التمثال، شعر أن هنالك شيئا ما "ناقص". بعد ساعات طويلة من التأمل والتفكير، قرر كاتيلان أن يضيف للتمثال نيزكا يبطح البابا ويميله على الأرض، ليصدم العالم بمنحوتة "الساعة التاسعة"[9] (La Nona Ora).

   

منحوتة "الساعة التاسعة" (وكالة الأنباء الأوروبية)

  

وفي 2010 صنع كاتيلان تمثال "الحب" (L.O.V.E)، وهو عبارة عن يد برونزية عملاقة إصبعها الأوسط مرفوع، ونصبها أمام سوق الأوراق المالية بميلان. كما صنع كاتيلان أيضا نسخة طبق الأصل من علامة هوليوود الشهيرة وأقامها أمام مكب نفايات. لكن يظل أكثر أعماله إثارة للجدل هو المرحاض الذي صنعه بالكامل من الذهب الخالص عام 2016، وأطلق عليه اسم "أميركا". يعمل المرحاض مثل أي مرحاض عادي، وقد نُصب أول ما نُصب في حمام متحف غاغينهايم ليستخدمه الزوار كما يستخدمون أي مرحاض آخر، فمثلما قال كاتيلان: "صنعت عملا فنيا كان يقتصر على الـ1% (في إشارة إلى استخدامه لخامة الذهب) ليستخدمه الـ 99%". والجدير بالذكر أنه عندما طلب دونالد ترامب من المتحف استعارة لوحة فنية لفان جوخ، اقترحت مديرة المعرض أن يعيروا له "أميركا" كاتيلان بدلا منها.[10] [11]

      

تمثال "الحب" (l.o.v.e) (رويترز)

  

مثلما رأينا عبر كل ما سبق، فكاتيلان فنان مشاغب، لا تنحو أعماله منحى جماليا قدر اعتمادها على السخرية وتوجيه نقد لاذع لفكرة أو مؤسسة ما. يبدو دائما كما لو أنه ينطلق من تابو ما أو فكرة راسخة، ويسعى عبر أعماله الساخرة إلى تحطيم ما يحيط بتلك الفكرة من هيبة. فـ "الساعة التاسعة" تنتقد بوضوح المؤسسة الكهنوتية، وتمثال "الحب" الذي نصبه أمام سوق الأوراق المالية يسخر من الرأسمالية، وحين صنع من أغلى المعادن أداة للتبول وأطلق عليه اسم "أميركا" كان يسخر بلا مواربة من الدولة الأقوى في العالم. ما يحيلنا مجددا إلى سؤال: ما الذي كان يسخر منه كاتيلان تحديدا عبر "الموزة"؟

    

موزة كاتيلان (وكالة الأنباء الأوروبية)

    

سوق الفن المعاصر: أن تبيع هراء لحمقى

من بين كل المؤسسات التي وجّه لها كاتيلان سخريته اللاذعة، خصّ مؤسسة بعينها بالنقد والتهكم أكثر من غيرها. إنها المؤسسة الفنية ذاتها؛ المؤسسة التي ينتمي كاتيلان اسما إليها، لكن في الحقيقة، جزء كبير مما صنعه الفنان الإيطالي من مال وشهرة يرجع حصريا لاستهزائه الصاخب بها وبكل القائمين عليها. تلك السخرية نفسها التي عاد ليلعب على وترها في عمله الفني الأخير المثير للجدل.

 

ظهرت تلك السخرية مواربة في عمله الفني الأول "إستراتيجيات" كما أردفنا، لكنه أخذها إلى مناحٍ أكثر جرأة ووقاحة مع مرور الزمن. فبعد "إستراتيجيات" بعدة أعوام، علّق كاتيلان مدير متحفه الإيطالي ماسيمو دي كارلو بشريط لاصق على الحائط وأبقاه على هذا الوضع ساعتين كجزء من عرضه الفني الذي أسماه بـ "يوم مثالي" (Perfect Day). وفي العام 1999، ألبس كاتيلان مدير متحفه الفرنسي إيمانيول بيروتين -الشخص نفسه الذي عُرض على حائط متحفه "موزة" كاتيلان في معرض آرت بازل ميامي- زيًّا على هيئة عضو ذكري وظل مرتديه طوال مدة المعرض، أيضا كجزء من عرض فني أسماه كاتيلان بـ "إيروتين الأرنب الحقيقي" (Errotin, le vrai lapin). [12]

  

عمل فني لـ "كاتيلان" باسم "يوم مثالي" (perfect day) (مواقع التواصل)

     

في العملين السابقين، تظهر كراهية كاتيلان البالغة لأحد أهم أعمدة المؤسسة الفنية الحديثة:

أصحاب المعارض وتجار اللوحات والأعمال الفنية (Art Dealers). أولئك الوسطاء هم المسؤولون عن الترويج للأعمال الفنية في دوائر فاحشي الثراء ليحصلوا لها على مشترٍ جيد يدفع لقاءها مبالغ وهمية، وفي إثر كل صفقة ناجحة، يحصل أصحاب المعارض على نصف الثمن.

 

وصف الفنان المعاصر داميان هيرست أولئك الوسطاء بأنهم "أوغاد يبيعون هراء لحمقى".[13] لكن كاتيلان أخذ ذلك الوصف خطوة أبعد وجسّده بشكل فعلي في "يوم مثالي" و"إيروتين الأرنب الحقيقي". كان السؤال الضمني الذي سأله كاتيلان لدي كارلو وبيروتين هو: هل أنتم على استعداد لإذلال أنفسكم لقاء المال؟ وقد جاءت الإجابة الفعلية بنعم. أذل الرجلان نفسيهما بلا أي تردد، وحصلا على المقابل؛ بيعت صورة "يوم مثالي" لقاء 56,000$، وتُقدَّر صورة "إيروتين الأرنب الحقيقي" بنحو 30,000$.[14]

   

عن هذا تقول الناقدة الفنية فيكتوريا أرتموت: "يعتمد كاتيلان في الكثير من أعماله على جعل شخص ما يتواطئ على إذلال نفسه".[15] وفي عمله الأخير "الكوميديان"، والذي عُرِف إعلاميا أيضا بـ "موزة"، فعل كاتيلان هذا بالضبط: لقد أذلّ بمثال فعلي الضلع الثالث في مقولة هيرست: الحمقى، وفي قول آخر، أذلّ مشتري الأعمال الفنية اليوم.

   

  

كاتيلان ليس بأبله؛ هو يعرف جيدا أن الموزة التي علّقها بشريط لاصق على حائط "آرت بايزل ميامي" هي محض "موزة"، لا أكثر ولا أقل. يعرف ألا قيمة حقيقية لها، ولا معنى مفارقا من ورائها. لكنه يعرف أيضا القواعد المجنونة لعالم تجارة الفن، يعرف أن اسمه وحده كأحد أشهر وأنجح الفنانين المعاصرين كفيل بأن يجعل لعاب أي مشترٍ ثري يسيل على أي شيء -حرفيا أي شيء- يضع عليه ذلك الاسم. ومن ثم، أخذ كاتيلان أكثر شيء سخيف وجده في محيطه، كان في حالتنا هذه "موزة"، لكن كان من الممكن أن تكون أي شيء آخر، وعلقها على حائط واحد من أشهر معارض الفن التي تجتذب أثرياء من شتى بقاع الأرض، وتحت الموزة اسمه "ماوريستاو كاتيلان". بوضعه سعرا غير معقول للموزة، كان كاتيلان يقول ضمنيا: "أنا أصنع هراء وأنتم كبلهاء تدفعون لقاءه آلاف الدولارات". وقد أمّن ثلاثة مشترين بالفعل على مقولة كاتيلان بشرائهم للموزة لقاء الثمن المطلوب.

 

ما قاله كاتيلان ضمنيا عبر "الكوميديان" صرّح به قبلها فنان الجرافيتي بانكسي بشكل أكثر فجاجة عندما عرض لوحة كُتِب عليها بالحرف: "أنا لا أُصدِّق أنكم أيها البلهاء تشترون هذا الهراء" في مزاد، ووجدت اللوحة بالفعل "أبله" يشتريها لقاء 10,000$. كان هذا بالطبع قبل عدّة سنوات، لكن اليوم بعد أن زادت شهرة بانكسي وبيعت إحدى رسوماته العام الماضي لقاء مليون جنيه إسترليني، فسيرتفع بالطبع سعر اللوحة وسيدفع فيها أبله جديد رقما أضخم بكثير.[16]

   

لوحة فنان الجرافيتي بانكسي (مواقع التواصل)

   

عبر عملهما، يسخر كاتيلان وبانسكي من طبقة الـ0.01% فاحشي الثراء الذين لا يُشكِّل بالنسبة لهم رقم 120,000$ أي مشكلة، فيهرعون إلى المعارض والفعاليات الفنية ويشترون أعمالا لا يفهمون إلامَ تُشير أو ماذا تقول، أو إذا ما كانت تقول أي شيء من الأساس. وتتنوع أغراض أولئك الأثرياء في شراء تلك الأعمال وتتباين فيما بينها، من البحث عن الحظوة، إلى اقتناص ما يراه البعض فرصة جيدة للاستثمار، وحتى التهرب الضريبي وغسيل الأموال.[17]

 

لم يأتِ اسم "الكوميديان" الذي أطلقه كاتيلان على الموزة من فراغ، كان الكوميديان هنا هو موريتساو نفسه، لكنه لم يأتِ هنا ليُضحِك أحدا، بل ليحظى هو بالضحكة الأخيرة والوحيدة ربما في عالم تساوي فيه "موزة" واحدة ثلاثة أضعاف الدخل السنوي للفرد في أفقر ثلاث دول في العالم مجتمعة.[18] [19] [20]

 

جاء "كوميديان" كاتيلان بعد أكثر من مئة عام من وضع الفنان الفرنسي مارسيل دوشامب "مبولة" في متحف، هازئا بذلك من الفن كمنظومة برجوازية تخضع لمجتمع أنجب الجنون بعينه ممثلا في الحرب العالمية الأولى. واليوم، حين وضع كاتيلان موزة في معرض لتُباع بأكثر من مئة ألف دولار في عالم يحتضر فقراؤه جوعا، أكد بهذا أن العالم الآن أكثر جنونا من أي وقت مضى.[21]

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة