"الكوميديا القبيحة".. كيف انتقل المصريون من عادل إمام إلى عادل شَكل

اضغط للاستماع

   

يجمع أحد أطفال القرية الظرفاء أصحابه ليتلو عليهم نكتة: "يا عيال أتعرفون أن طبيب القرية يُعلِّق أحد مرضاه على باب المستوصف؟"، هذا الطبيب في نكتة الولد يسير على نهج متعارف عليه من أصحاب الدكاكين الذين يُعلِّقون نماذج بضاعتهم على أبواب محلاتهم. وبهذا، قام الطفل بإضحاك أصحابه عبر وضع الأشياء في غير محلها، ليفاجئ العقل ويخلق الطرفة التي ينتج عنها في النهاية الضحك.   

     

لكن الضحك في ذاته ليس بالبساطة التي تجعل منه مفهوما (Concept) يمكن تحليله والوقوف على أسبابه ومكوناته بسهولة لدى فيلسوف أو مفكر ما، بل عملية معقّدة شغلت الفلاسفة والمفكرين، من أرسطو وحتى يومنا هذا. بعض هؤلاء الفلاسفة، مثلا، عرّفوا الإنسان على أنه "حيوان ضاحك"، ولا يبدو هذا التعريف غريبا، لأن الإنسان عَرَف الحزن والضحك قبل أن يطوّر اللغة. فقد يدفع الحزن الإنسان إلى الشعور بأن العالم أكبر منه ومن رغباته وبأنه غير قادر على تطويعه، ونقيضه؛ أن تضحك فتشعر أن العالم أصغر منك حتى لو كان في حقيقته أكبر منك وأنك قادر على السخرية والتقليل مما لا يُمكنك إخضاعه. الحزن يفرضه عليك العالم والضحك تفرضه أنت على العالم، الحزن هو التسليم بقوانين العالم، والضحك هو إرادة الإنسان ضد قوانين العالم.(1)(2)(3)

     

  

وامتثالا لمبدأ وضع الأشياء في غير مكانها، من باب الفكاهة، فقد قمنا باستعمال محرك بحث "Youtube Egypt" في كتابة "عادل" وانتظار الترشيحات، فوجدنا أن زعيم الكوميديا الآن ليس عادل إمام وإنما "عادل شَكل"، وذهب البعض لما هو أكثر من ذلك عبر استخدام الوصف على إطلاقه، ليصبح "الزعامة" بدلا من "الزعيم". ولكن لا تجزع إن كنت من محبي الزعامة، لأننا لسنا على استعداد لتحمل غضبك الذي قد يضطرنا إلى "ركوب قطر ستة إلا تلت" -عبارة يستخدمها عادل شَكل-، كما أننا لسنا بصدد البكاء على الأطلال ونعي الذوق العام والحديث عن انحدار الأخلاق والمبادئ، فكل تلك "البكائيات"، كما يصفها البعض، لم تُهدِّد الكوميديا يوما، لأن الكوميديا دائما ما تكون لونا من ألوان المُجون، وهي التي ظهرت في مرحلة مبكرة من حياة الإنسان مرفوعة على أبخرة الجنس وقهقهات اللهو وتداعيات الموت، فأكثر حقائق الإنسان تجريدا هي الجنس والموت، ومن رحم هاتين الحقيقتين ولدت الكوميديا لتسخر من كل نقص، فلا حاجة هنا إلى معانٍ مثل "الاحتشام والوقار والتأدب" عند الكوميديا، لأن مهمتها الأولى كما يرى الكاتب المسرحي الراحل "بكر الشرقاوي" هي إسقاط هذه الأقنعة المزيفة عن وجه الإنسان وجسده. (3)

   

وقد تخطّى الزخم حول شخصية المُشجع السكندري "عادل شَكل" ملايين التفاعلات والمشاركات في مصر تحديدا، وعددا كبيرا من صفحات الكوميكس الساخرة، فيما تخطت حساباته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي مليون متابع، وعند محاولة الوقوف على المادة التي يُقدِّمها عادل شكل وأوباما المصري وغيرهم، فإن المطاف ينتهي إلى أن ما يُقدِّمونه ليس سوى يومياتهم وبعض النكت والفيديوهات الساخرة وتعليقاتهم حول قضايا الرأي العام، إضافة إلى مشاجراتهم مع بعضهم بعضا أو مشاجراتهم مع المتابعين الذين يضعون لهم الوجوه الغاضبة أو التعليقات الساخرة، والكثير والكثير من التناقضات والاستخدام الخاطئ للمنطق، وتلك الأفكار التي تحمل دوافع الإنسان الأولية بلغتهم الشعبية وأفكارهم التي يعتبرها البعض سطحية إلى حد الكوميديا معجونة بألفاظ نابية أو شديدة السوقية محملة بالسباب ومخارج الحروف الخاطئة، وهو الخليط الذي يراه جمهورهم نوعا من خفة الظل. (4)

           

         

"أكلم هشام رامز أنا ولا أعمل ايه دلوقتي"

(الفنان علاء مرسي)

   

نعرف أنك قد تتردد إذا سألناك عن أهم أعمال الفنان "علاء مرسي" الفنية، وأن أول ما قد يرد إلى ذهنك هو مكالمة البنك الشهيرة التي قام بتسريبها موظف أحد البنوك التي يتعامل معها الفنان "علاء مرسي" أثناء ثورته ونوبة العصبية الشديدة التي تعرض لها أثناء المكالمة موجها السباب والألفاظ النابية لموظف البنك الذي تسبب في تأخير طلبه وعدم إنجازه لبعض الأوراق المتعلقة بالقرض الذي يريد الأول إتمامه، المكالمة التي أصبحت وحدها تزن أثقل من تاريخه الفني كاملا سواء من حيث عدد الاستماعات أو من حيث الشهرة، لأنها كانت صادقة إلى حد كونها "عورة"، وجريئة إلى حد التجلي، وخارجة عن المألوف، ومخالفة للأخلاق العامة، ويبدو أن هذا هو كتالوج الضحك، الذي يعتمد بشكل أساسي على إبراز النقص البشري، سواء كان ذلك من أجل غاية هادفة فنصفه بالفن، أو من أجل الضحك لذاته ليس أكثر. (5)

  

من جمهورية أفلاطون إلى "الهانتي كانتي".. حوّل

يرى الفيلسوف الألماني "كانط" أن الضحك هو ضرب من الإعياء المفاجئ الذين يصاب به العقل نتيجة تعرضه إلى أحد المتناقضات فيدفع الجسد إلى الاستجابة لهذا الإعياء عن طريق القهقهة، وقدمت الفلسفة عبر التاريخ نظريات عديدة للضحك، أهمها مثلا "نظرية التفوق أو السيطرة" والتي يندرج تحتها نظريات العديد من الفلاسفة مثل أفلاطون وهوبز وبرجسون، وتفيد هذه النظرية بأن الضحك هو نتيجة لشعور ما بالتفوق المادي أو العقلي يشعر به الضاحك تجاه الآخرين الأقل منه، أو تجاه نفسه في فترات ماضية كان فيها أكثر ضعفا مما هو عليه الآن. (6)

     

تشارلي تشابلن (مواقع التواصل)

    

وتبدو هذه النظرية واضحة إذا قمنا بإسقاطها على كل تلك المشاهد التي أضحكتنا في طفولتنا، بداية من السينما الصامتة وشارلي شابلن كلما وقع في ورطة أو سكب علبة الحليب على سرواله فظهر بمظهر الغبي، لذا فإن ما يثير الضحك عند أفلاطون يكمن في النقائص والعيوب التي نراها تصيب الآخرين نتيجة جهلهم بحقيقة أنفسهم، ومن هنا تنشأ التسلية عن طريق تمني الأذى لهؤلاء الذين يتباهون بنقائصهم التي لا يدركونها هم بالرغم من أننا ندركها ونعتقد بأنها لا توجد لدينا على الأقل في الوقت الحالي، ولذلك فإن التعاطف أو الانفعال هو الشعور المقابل للضحك، فقد يحرمك التعاطف من الضحك على شخص أو شيء ما، أو تبيح لك تلك المسافة الذاتية بينك وبين أصدقائك وجيرانك الضحك على حماقاتهم، لأنك لم تقع في هذا المأزق بدلا منهم. (7)

   

ولا يأتي الضحك حكرا على هذه المشاعر، ولكنه ينشأ نتيجة أسباب أخرى عديدة، مثل التناقض في المعنى واستخدام الجناس أو تكرار قوالب لفظية معينة بطريقة تُثير الضحك، كأن يقول أحدهم ساخرا من الآخر: "هديك الناحو، ومن أمك نرتاحو" -عبارة يستخدمها عادل شكل-، وقد رأى أفلاطون أن الضحك قادر على تخريب المجتمع وإشاعة التطرف في سلوك الأفراد، لأن الضحك يخلو من مراعاة مشاعر الآخرين، وفي كثير من الحالات يقوم على السخرية، ويرى أفلاطون أن السخرية بمنزلة محكمة القانون التي تُصدر الحكم وتُطبِّق العقوبة في الوقت ذاته، حيث يمكنك أن تقضي على جدية خصومك من خلال السخرية منهم، أو تقضي على سخريتهم من خلال الجدّية، ولكن تبقى السخرية هي السلاح الأقوى الذي يمكنك من خلاله أن تهزم أكثر الأفكار منطقية ووجاهة. (8)

  

(أحد محبي عادل شكل يتمنى قبوله في كلية "الهانتي كانتي")

    

العلاقة بين قمع الحريات وفساد الذوق العام

عندما يتمتع المجتمع بمناخ عام يكفل حرية الرأي والتعبير، يزدهر الفن في ظل هذه الحرية وتختلف الأذواق وتتنوع الفنون، ولمّا كانت الكوميديا تلتقي بالإنسان عند حافة القواعد فتكسرها، وينشأ الضحك في هذه اللحظة، وفي ظل مناخ سياسي مختنق ومجال عام مغلق تماما، من الصعب جدا أن يتم إنتاج كوميديا تنطلق فعلا من الواقع أو تناقش قضايا مهمة. فالمجتمع والفن الآن في مصر محرومان من الحرية، لكن الناس ما زالت تريد أن تسخر وتضحك لتُنفِّس عما في صدورها، ولم يَعُد أمام المجتمع المصري سوى فئة أخرى من الشخصيات الذين وجدوا عندهم ما يفتقدونه في الكوميديا التي تُقدِّمها الدولة من جرأة في المظهر والألفاظ والمحتوى -حتى ولو لم يكن ذا قيمة-، يكفي لديهم أن يخرج عليهم أوباما المصري لمناقشة قضية جنسية شائكة في حوار له مع شخصية أخرى تُدعى "محمد شاينا" صارخا في وجهة: "ولا يا محمد يا شاينا، انت "هبيد" يلا؟!، يلا احنا مش في زمن "الهبد" إحنا في زمن الإحساس"، أو مناشداته الشخصية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مداعبا إياه "يا عبد الفتاح يا سوسو". فأصبحت قوانين الرقابة الفنية وحماية الذوق العام قيدا على الفنانين والمفكرين، إذ وجد المصريون من خلال العالم الافتراضي كوميديا أخرى خاصة بهم لا يهم أن تُقدِّم قيمة ولكنها على الأقل صادقة غير محملة بأعباء اختيار الألفاظ والبُعد عن السياسة الشائكة. (9)

      

صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لأوباما المصري (مواقع التواصل)

      

الكوميديا عند حافة الأخلاق: كيف يضحك الإنسان على فواجع الآخرين؟

كتب ريكي جيرفيه، الكوميديان ومقدم البرامج الإنجليزي، تغريدة يقول فيها إن مقولة "هذا الموضوع لا يجب أن تمزح عنه" ليست أقل سخافة إلا من جملة "هذا الموضوع لا يجب أن تتكلم عنه"، واصفا الهزل بأنه مثل الحرية لا يمكن أن تُوضَع له قيود، فردّت عليه سيدة في تغريدة تسأله: "هل تستطيع أن تضحك على شيء مثل الاغتصاب؟"، فرد عليها جيرفيه: "على حسب النكتة". ويُبرِّر جيرفيه نفسه في أحد عروضه الكوميدية بعد ذلك بأن الاغتصاب ليس أمرا يبعث على الضحك، ولكنك قد تستطيع أن تكتب نكتة جيدة عن أمور مأساوية.

       

    

يميل الكثير من صُنّاع الكوميديا إلى هذا الرأي، وليس هذا هو المثال الوحيد، فالكوميديان المصري باسم يوسف كان قد خرج في برنامجه "البرنامج" على الشعب المصري بفقرة ساخرة يتناول فيها موقعة فض اعتصام رابعة العدوية بعد الرابع عشر من أغسطس/آب بالرقص والغناء الضاحك. إلى هذا الحد، فإن الإنسان قادر على الضحك من فواجع الآخرين أو فضائحهم أو عوراتهم أو من زلّاته هو نفسه، ولهذه الأسباب فقد اتخذ أفلاطون موقفه من الضحك مانعا إياه في جمهوريته ومحذرا منه باعتباره شعورا ممتزجا من اللذة والألم يبعث على الشماتة، واستجابة انفعالية لمشاعر الإنسان المرتبطة بالحقد والضغينة. (10)

   

ولكن سواء كان الضحك إسفافا مُخِلا أو نابعا من محتوى هابط فإن الإنسان بحاجة إليه، ومهما وضعت القوانين التي تحاول فرض الوصاية على ما يضحك عليه الإنسان فإنه سيلتف من وراء تلك القوانين ضاربا بها عرض الحائط، إلى أن تظهر كوميديا حقيقية ترتقي بذوقه وتساعد على انتشاله من واقعه المحزن. لقد نقم الإنسان على قوانين العالم التي فرضت عليه بدءا من ولادته، وظروفه، والحياة التي لم يخترها وانتهاء بالموت. والكوميديا في الأساس إنما تبعث على السخرية من قوانين القدر الإنساني أو من قضية الوجود الإنساني في حد ذاتها، وسيظل الإنسان يقاوم تلك التكلفات والقوانين التي تكفل له أحزانه، لأن ارتباط الإنسان بالضحك هو ارتباط جوهري يشتبك مع رغباته في الخلاص من مآسيه، لذا خُلقت التراجيديا والكوميديا لتظل حكاية الإنسان مع ماضيه وحاضره ومجتمعه الذي يعيش فيه إما حكاية حزينة أو حكاية مضحكة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة