ثورة الكاميرا.. كيف أثر الربيع العربي على سينما شمال أفريقيا؟

اضغط للاستماع

   

"لا يمكن أن نكون كسينمائيين في الوقت الحالي حياديين، يجب أن تكون آراؤنا واضحة وأن يكون صوتنا عاليا، لأن صوت الشارع عالٍ" (1)

  

بهذه الكلمات تحدّث الممثل والمنتج المصري خالد أبو النجا في مداخلة له بمهرجان الفيلم بأبوظبي شهر أكتوبر/تشرين الأول من سنة 2011 عن تأثير الربيع العربي على السينما. قبل هذه المداخلة بأشهر وغير بعيد عن ميدان التحرير بالقاهرة، كانت أشهر دُور السينما تستعد لعرض فيلم "365 يوم سعادة" والذي حُدِّد له يوم 24 يناير/كانون الثاني من سنة 2011 موعدا للعرض، أي قبل انطلاق الثورة المصرية بيوم واحد فقط.

  

عوّلت شركة الإنتاج التي استثمرت أزيد من 10 ملايين جنيه لإنتاج الفيلم على أن ينجح في تحقيق مداخيل كبيرة، غير مدركة بأنها أنتجت دون دراية منها فيلما سيُصنَّف واحدا من آخر الأفلام المنتمية لزمن النظام الراحل (2)، حيث ستدخل السينما المصرية بعد ذلك في مرحلة تاريخية ستلعب فيها ثورة الخامس والعشرين من يناير دورا محوريا. كثيرة هي الأفلام العالمية التي تناولت الثورات والمقاومة والسعي للتحرر (3)، فالثورات توفر الدراما والحبكة والحركة، وهي عناصر مهمة لصُنّاع السينما.

 
يرى إدغار موران (4) أن الأفلام سواء كانت خيالية أو واقعية تمنحنا إحساسا قويا للغاية بالواقع، وهدف الأفلام التي تُجسِّد قصص الثورة لا يقتصر فقط على منح المشاهد تجربة حسية للحدث، ولكن أيضا للتأثير على المجتمع في المستقبل عبر أرشفة مرحلة مهمة من تاريخ البلد وتقديمه للأجيال القادمة. فقد نجحت الكاميرا في أن تؤرِّخ غليان الشارع العربي، حيث ظهر ذلك الدور الفعال لكاميرا الهاتف والكاميرات صغيرة الحجم في نقل الأحداث للعالم، فحين يرفع أحد المتظاهرين هاتفه للتصوير فإنه يكون دون قصد قد أخرج أول فيلم وثائقي له.

   

حراك اجتماعي.. حراك سينمائي

عندما خرج المتظاهرون المصريون للشارع، كان من بينهم المخرج شريف البنداري الذي شارك في واحدة من أوائل التجارب السينمائية لتوثيق الثورة رفقة عشرة صُنّاع سينما آخرين، وذلك في فيلم بعنوان "18 يوم" يتضمن 10 أفلام قصيرة منفصلة القصص وذات بطل واحد، ثورة مصر.

   

   

ساهم شريف في هذا العمل بفيلمه القصير "حظر تجوال"، والذي يحكي عن رحلة ليلية لجد وحفيده في وقت حظر التجوال، وكان شريف البنداري بعد خروج الفيلم قد علّق قائلا (5): "في مصر يمكننا الآن أن نقول أي شيء نريده ضد مبارك، لكن هناك الكثير من القضايا التي تتطلّب اهتمامنا أكثر، ونأمل أن نتمكّن من إخراجها من خلال السينما".

  

هذه الثورة فتحت باب الحرية التعبيرية بشكل كبير، فكانت فرصة مواتية للمخرجين لصنع أفلام تهاجم النظام السابق، بداية بالفيلم الروائي الطويل "بعد الموقعة" للمصري يسري نصر الله الصادر سنة 2012، وفيه تُعرَض موقعة الجمل (2 فبراير/شباط 2011) كفكرة درامية محورية (6) عندما واجه النظام الحاكم الثوار بهواتفهم المحمولة والإنترنت بالجِمال والخيول والسيوف، ويُعبِّر الفيلم عن تأثير الثورة على حياة شخصيات الفيلم المنتمية لمختلف شرائح المجتمع، وكذلك التحوّل الفكري للشخصية الرئيسية باسم سمرة التي تتحوّل من فارس اشترك في الهجوم على ثوار التحرير في موقعة الجمل إلى شخص يلقى حتفه دفاعا عن الثوار في موقعة ماسبيرو.

  

   

  

وفي سنة 2013، صدر الفيلم الوثائقي "ميدان" للمخرجة المصرية الأميركية جيهان نجيم، ويحكي الفيلم على لسان ثوار حقيقيين من ميدان التحرير أحداث الثورة بالترتيب من يوم 25 يناير/كانون الثاني 2011 إلى غاية الإطاحة بمحمد مرسي سنة 2013، ويتبع الفيلم مسار ثلاثة أشخاص هم: أحمد حسن، رجل من الطبقة العاملة في أوساط العشرينيات من عمره، وخالد عبد الله، ممثل بريطاني مصري يُمثِّل صلة وصل بين النشطاء والإعلام الدولي، ومجدي عاشور، عضو في جماعة الإخوان المسلمين تعرّض للتعذيب في عهد مبارك. وقد اعتُقلت مخرجة الفيلم جيهان نجيم مرتين أثناء تصوير الفيلم (7)، وقالت نجيم (8) إن كل فرد من فريق عمل الفيلم إما طاردته الشرطة أو الجيش في الشارع أو قُبض عليه أو تعرّض لإطلاق نار في مرحلة ما.

     

يقول عالم النفس الأميركي سكيب داين يونج في كتابه "السينما وعلم النفس علاقة لا تنتهي" حول العلاقة بين السينما والسياق السياسي والاجتماعي لأي مجتمع إنه من المتعارف على السينما بأنها أداة ترفيه والمشاهد دائما يبحث عن المتعة في الأفلام، إلا أنه لا يمكن تلخيص وظائف الفيلم في الجانب الترفيهي فقط، بل تتعداه إلى ما هو سياسي.

 
وإن حاولنا الاطلاع على واقع السينما المصرية ما بعد 30 يونيو/حزيران وتولّي السيسي للحكم، فسنجد الكثير من الأفلام التي أُنتجت تدور في فلك ترهيب المواطنين من خطر الإرهاب وتشويه صورة الإخوان المسلمين، كفيلم "المشخصاتي" الجزء الثاني الذي هاجم ثوار 25 يناير وفترة حكم مرسي، وفيلم "الجزيرة" الجزء الثاني الذي صوّر الثوار كبلطجية. ويمكن وصف الوضع السينمائي الحالي بمصر وكيف استُغِلّت السينما سياسيا بكلام المخرج المصري شريف عرفة الذي قال: "السينما هي القوة الثانية بعد الجيش المصري" (9).

   

السينما التونسية.. خروج من عنق الزجاجة

"لا خوف بعد اليوم، حصلنا على ثقافة جديدة من الوجود في الشارع للتعبير بصوت عالٍ عن متاعبنا (ما نخلو حد يركب علينا)، لقد انتهى الأمر(10) sayez c’est fini".

    

  

بعد هذه الصرخة التي استعملها مراد بنشيخ كديباجة يفتتح بها فيلمه التسجيلي الطويل "لا خوف بعد اليوم" 2012، نرى أن الثقافة التي تكلّم عنها الرجل العجوز في البداية من وسط شارع المظاهرة هي التحرر الثقافي والفني الذي ستشهده تونس من ناحية المواضيع في إنتاجاتها السينمائية، وهذا ما يؤكده تعبير الممثلة التونسية مريم فرجاني (11) عن مشاركتها في فيلم "على كف عفريت" 2017 (La belle et la meute) الذي  تناول نقد النظام البوليسي في تونس، إذ قالت إن الفيلم لم يكن ليخرج للعرض لو تم إنتاجه في عهد النظام السابق.

  

يحكي الفيلم المقتبس أحداثا واقعية لفتاة تُدعى مريم، وهي طالبة في الجامعة بتونس، تذهب لإحدى الحفلات الليلية فتلتقي بشاب ويتبادلان الإعجاب، ولا يكادان يتعرفان على بعضهما بعضا حتى يجدا نفسيهما ضحايا لابتزاز مالي وجنسي من طرف 3 عناصر من رجال الشرطة، وتنتهي المأساة بتعرّض الفتاة مريم للاغتصاب من طرف عناصر الأمن، فتستكمل الفتاة ليلتها بين جدران قسم الشرطة المغلقة. ويضع الفيلم المشاهدين أمام سؤال: هل ستُكمل تونس ما ابتدأته ثورة التحرير في الإصلاح وهدم الخوف الذي بناه النظام السابق؟

  

في مشروع تونس الحضاري بعد الثورة، أخذت السينما قسطا مريحا في التعبير عن تطلعات الشباب للإصلاح، كفيلم "الربيع التونسي" (2014)، الذي يُعتَبر أول فيلم روائي طويل يحكي عن الثورة (12). فالفيلم الثالث ضمن فيلموغرافيا المخرجة رجاء عماري يحكي قصة 3 شبان (فتحي، ووليد، وموحا) يعانون من البطالة والفقر الذي طال شباب تونس في فترة بن علي، قبل أن يتخذوا من الفن وظيفة لهم وذلك عن طريق إحيائهم للسهرات الخاصة وعزفهم للموسيقى والغناء.

    

  

ثورة ضد الرشوة، البطالة، الفساد السياسي، الابتزاز، وكذلك التهميش، كان ذلك موضوع مجموعة من الأفلام التونسية في فترة ما بعد الثورة، وفيلم "على حلة عيني" 2015 للمخرجة ليلى أبو زيد لم ينحرف كذلك عن دائرة الثقافة والسياسة، يحكي الفيلم قصة الشابة فرح (بية مظفر) التي أبدت رغبتها في احتراف الموسيقى عبر الانضمام إلى فرقة موسيقية، ما جعلها عُرضة لمضايقات وخلق الصراع بينها وبين السلطات لما تحتويه أغانيها من مواضيع جريئة ومضادة.

  

وبالرغم من مرور عدة سنوات على الثورة التونسية، فإنها لا تزال حاضرة في عدة أفلام، نذكر منها فيلم "ولدي" (dear son) الصادر سنة 2018 للمخرج التونسي محمد بنعطية، إذ تناول الفيلم تداعيات الثورة على المجتمع التونسي من الجانب الديني وكيف تأثر الشباب بالانضمام للتنظيمات الجهادية. فيلم "بيك نعيش" الصادر سنة 2019 لمخرجه مهدي برصاوي يطرح أيضا عدة تساؤلات عن الهوية وعن تونس ما بعد الثورة، إذ تبدأ أحداثه سنة 2011 بعد اندلاع الثورة، وبالرغم من أن الفيلم ظاهريا يتحدث عن دراما أسرية وعن تفكك العائلات، فإنه يناقش الفساد الذي ما زال يعمّ تونس، وتجارة الأعضاء وفشل المنظومة الطبية في تونس.

  
تداعيات الثورة لم تقتصر فقط على الأفلام الطويلة، بل ظهرت أيضا في الأفلام القصيرة ومن بينها فيلم "بطيخ الشيخ" الصادر سنة 2018 لمخرجته كوثر بن هنية، إذ يحلل الفيلم الخدع التي يمارسها النظام من أجل التحكم في المواطن التونسي عن طريق المسجد الذي يُرمز له كغرفة تحكّم من خلالها يتم تأجيج مشاعر الناس أو امتصاص كتلتهم.

   

هشام العسري.. سينما ما فوق الواقع لوصف الواقع
المخرج هشام العسري (غيتي إيميجز)

   

كثيرا ما يصرٍح الفنانون بأن لا علاقة لهم بالسياسة وبأنهم يمارسون الفن بمعزل عن أفكارهم السياسية، لكن في أفلام المخرج المغربي هشام العسري تبرز الأفكار السياسية كعنصر مهم في أعماله. ظلّت السياسة من المواضيع المسكوت عنها في سينما المغرب إلى غاية مطلع الألفينيات (13)، فأُنتجت أفلام تحكي عن الاعتقالات السياسية في سبعينيات وثمانينيات المغرب، أهم هذه الأفلام "درب مولاي الشريف"، و"جوهرة بنت الحبس"، و"ذاكرة معتقلة"، وتبقى تجربة السينما المغربية في تناولها للسياسة تجربة محتشمة وبعيدة عن الوضع الراهن، غير أن هشام العسري يُشكِّل الاستثناء. وكان هشام العسري قد أصدر أول فيلم روائي طويل له تحت عنوان "النهاية" سنة 2012 تزامنا مع موجة الغليان في الشارع العربي ومعه المغرب.

  
ينتمي هشام العسري إلى جيل نشأ وعيه الأول في مرحلة الغليان السياسي بالمغرب، وواكب أيضا التغيرات الاجتماعية والسياسية التي أفرزها الربيع العربي، هذا  المزيج بين زمنين سياسيين أثّر بشكل مباشر على خلق نمط سينمائي لدى هشام العسري، ويقول هشام في حوار خاص مع موقع "ميدان": "أنا لست مقاوما أو مناضلا، أنا صانع أفلام ولديّ هواجس أستقيها من المجتمع وأُحاول استخراج مادة سينمائية خام من هذه الهواجس".

  
في أفلام هشام العسري، تظهر ثيمة العودة كوسيلة للقطع مع الماضي، ففي فيلمه "جوّع كلبك"، وهو عنوان يضمر معاني عميقة وتصورات حادة عن السلطة، فالجملة مأخوذة عن مَثَل شعبي مغربي "جوّع كلبك يتبعك"، يُعيد العسري شخصية إدريس البصري (1938-2007) للحياة -وهو وزير الداخلية المغربية في الفترة ما بين 1979 و1999 (14)، إذ ارتبط اسمه بين المواطنين بالقسوة والترهيب-، هذه العودة تزامنت مع أحداث الربيع العربي، ويقول العسري عن دلالات هذا الربط في حواره مع "ميدان": "لا يمكن تغيير البلاد بتغيير القوانين فقط، بل يجب أن يكون هناك تغيير جذري يزيل حتى المسؤولين، فهم يعتقدون بأن الحل يكمن في المصالحة وترميم الماضي، بينما أنا كسينمائي أرى أنه لا يمكن ببساطة وضع النقطة والرجوع للسطر في مسار التاريخ، كما يجب الأخذ بعين الاعتبار بأن جراح جسد المجتمع تحتاج إلى مدة طويلة للعلاج".

    

  

هذا الجمع بين فترتين متباعدتين زمنيا ومتقاربتين مكانيا وسياسيا يُجسِّد فكرة العسري حول كون الأوضاع بالمجتمع المغربي لم تتغيّر بالشكل المطلوب. يرى العسري في حواره مع موقع "ميدان" أن السينما تأتي من بعد الحدث، والمهم بالنسبة له هو كيف يمكن للسينما أن تتجاوز الحدث ولا تبقى مرتبطة به.

  
والجميل في السينما، على حد تعبير هشام العسري، أن المخرج يستطيع وضع أطروحات حالمة حول الأحداث ويُسقط عليها تساؤلاته التجريبية، فالسينما تسمح بخلق عالم موازٍ ومتخيّل وتجيب عن سؤال "ماذا لو؟"، وأعطى مثالا بفيلم المخرج الأميركي كوينتين تارانتينو الأخير "حدث ذات مرة في هوليوود" (once upon a time in hollywood)، إذ حاول المخرج فكّ مشكل تاريخي مطروح في أميركا، مرتبط برمزية سنوات الستينيات لدى المواطن الأميركي، ذلك عندما قتل شارلز مانسون زوجة بولانسكي كإيحاء من تارانتينو لنهاية الحقبة وإيقاظ الناس منها، وهذا بالضبط ما حاول العسري القيام به عبر إعادة البصري للحياة في "جوّع كلبك".

 
في فيلمه "هم الكلاب"، حاول العسري الحديث عن الصراعات السياسية في مغرب الثمانينيات، لكنه على حد تعبيره لموقع "ميدان" لم يرد تصوير فيلم تاريخي، بل أراد الحديث عن هذه الصراعات كمجاز، أي من خلال الربيع العربي وتجلياته الضعيفة في المغرب على حد وصفه، والتحدي بالنسبة له كان يكمن في كيفية استغلال أحداث قديمة وتوظيفها دون فلاش باك أو عودة للحقائق التاريخية، الفكرة الأساس بالنسبة له هي جلب شخصية تنتمي للماضي واستحضارها في زمن تصوير الفيلم (2012). وعبر اتباع طريق شخص مجهول الاسم إلا من رقم اعتقاله 404، والذي ظلّ يردده على طاقم صحفي تابع معه رحلته للبحث عن منزل أسرته. وقد استعمل هشام العسري في "هم الكلاب" عدة أجناس فيلمية، الفانتاستيك والفيلم البوليسي مرورا بالفيلم الوثائقي (15).

    

  

نتابع الفيلم كله من كاميرا المصور الصحفي التي تتمايل وتتأرجح في ملاحقة الرجل المجهول، والأمر أقرب ما يكون إلى تلك الفيديوهات المصورة من طرف الهواة وسط احتجاجات الربيع العربي، والتي بالرغم من رداءة جودتها فإنها كانت توثيقا مهما للمرحلة كلها. ويختم هشام العسري حواره مع موقع "ميدان" بأن الحركية لم تنتهِ بعد حتى نقوم بتقييم آثارها على المجتمع والسينما، لكن عموما، لم يكن الفن سهلا أبدا، فهو صراع دائم مع المجتمع والعادات، لذلك يعتقد العسري بأننا قادرون على إخراج أشياء جيدة من الحراك، لكن ليس بالضرورة الآن.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ما الذي يدفع رجلا بقيمة سكورسيزي لوصم عدد كبير من الأفلام ذات الشعبية الهائلة بأنها ليست سينما؟ وهل يمكننا بشكل محايد أن نُعيد تقييم أفلام مارفل في ضوء هذا الصراع؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة