مسلسل "ممالك النار".. هل يعد تزوير التاريخ وجهة نظر؟

على ربوة فسيحة، تتوسطها شجرة عاتية، التف أبناء السلطان بايزيد الثاني حول شيخهم العالم وهو يسرد لهم تاريخ جدهم الأكبر أرطغرل، جو معبّق بندى الماضي ومجد الأسلاف اعترضته ضحكة ساخرة من سليم الأول. كان صبيا لم يتجاوز الثانية عشرة، ضحك باستخفاف على ما يرويه الشيخ قائلا: "حكاية رائعة، لكنها عصية على التصديق". جادل سليم شيخه وإخوته بمكر مع إصراره أن ما يسمعونه محض أكاذيب، وأن جدهم الأكبر أرطغرل لم يخض حروبا تبعا لمصادفة عابرة لنصرة الضعيف، بل إن الخديعة هي البساط الذي افترشه الجد ليمهّد طريقه لإقامة الدولة العثمانية، وإن هذا البساط المحفوف بالدماء هو خير وسيلة لقيام الدول ولا محل لذكره في كتب التاريخ.

   

يفتتح المشهد السابق الحلقة السادسة من مسلسل "ممالك النار"، أحدث إنتاجات شركة جينوميديا الإماراتية، من بطولة خالد النبوي ومحمود نصر وإخراج البريطاني بيتر ويبر وكتابة محمد سليمان عبد المالك وأحمد ندا. يحلّق المسلسل في فضاءات الماضي ويفرش عتباته الأولى عند موت السلطان محمد الفاتح عام 1481هـ، مرورا برحلة الجلوس على عرش السلطنة العثمانية من الابن بايزيد الثاني وصولا إلى الحفيد سليم الأول الذي يُكمل المسير ويخوض واحدة من أهم الحروب في الصراع العثماني المملوكي في مصر مع السلطان قانصوه الغوري ومن بعده الأمير طومان باي. تُثيرنا الدراما التاريخية التي تُعيد النبش في الزمن، وتستحضر ظلال تاريخ لم نشهده، لنتفحّصه مرة أخرى بالمزيد من المشاعر والمؤانسة، لكن هل يروي لنا "ممالك النار" حكاية تاريخية عادلة؟ أم أنه يدفعنا إلى النظر عبر زجاج تشوبه العتمة والظلال الزائفة؟

  

     

ظلال باهتة

يُنبئنا ابن خلدون في مقدمته بتعريف التاريخ: "في ظاهره لا يزيد على أخبار الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيه الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال… وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها العميقة". يخلص ابن خلدون إلى تأصيل التاريخ، وينفي حصره في تدوين روايات الأوّلين، ويكسبه تحقيقا وتأملا، ويضيف له فلسفة ومنهجية. على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، كتب أحد متابعي مسلسل "ممالك النار" أن التاريخ لا يُكتب في كتب التاريخ، بل في الأعمال الدرامية، استوقفني الأمر كثيرا، هل ما يطلبه الجمهور حقا أن نستبدل بالتاريخ الأعمال الفنية؟ وهل تنبش الدراما بنظرة سديدة في ما وراء التاريخ، أم أنها تغمض عيونها عما يتعارض مع مبتغاها؟

   

تحدّثنا في "ميدان" مع السيناريست والكاتب الأميركي "سكيب برس" حول رأيه في طبيعة العلاقة بين الدراما والتاريخ، والحدود التي يقف عليها كل طرف من الآخر، يقول سكيب: "لا توجد قواعد صارمة في الكتابة تفرض على الكاتب الالتزام بالتاريخ في بناء عمله الدرامي، لكني بشكل شخصي أمقت الأخطاء التاريخية التي تحطّ من قدر شخص ما في الأفلام لتُقدِّم رواية تخالف الواقع، على سبيل المثال في فيلم "غلاديايتر" (Gladiator) يُقتل الفيلسوف ماركوس أوريليوس على يد ابنه كومودوس في الحروب الجرمانية، وهذا لم يحدث قط في الحقيقة، كان يجدر بصُنّاع الفيلم أن يقرؤوا أكثر عن أعمال ماركوس وحياته. بصورة عامة أراه أمرا غبيا لكنه سائد هنا في هوليوود التي تُفسد حقائق التاريخ من خلال كتاب يجهلون تفاصيله الدقيقة".

   

ربما يخالف رأيَ سكيب عددٌ من الكُتّاب وصُنّاع الأفلام الذين يجدون في إضفاء ظلال خيالية للتاريخ في أعمالهم بُعدا نابغا. بالعودة للحديث عن "ممالك النار" يباغتنا السؤال عن التاريخ الذي ارتكن له الكتاب في رسم خطوط عالمهم الدرامي ومساحات الخيال التي تضافر فيها الواقع بالخيال. في تصريحات كاتب المسلسل محمد سليمان عبد المالك يذكر أن هدف المسلسل أن "يكشف حقائق تاريخية يحاول صُنّاع الدراما التركية تزويرها"[1]، وأن اعتماده الرئيس في كتابة المسلسل بناه على كتابَيْ "بدائع الزهور في وقائع الدهور" لابن إياس، و"واقعة السلطان الغوري مع سليم العثماني" لابن زنبل الرمال، وأيضا كتاب "رجال مرج دابق" لصلاح عيسى[2]، وهي بالتأكيد مصادر قليلة، لكن هل بدا "ممالك" النار منطقيا في سرد رواية تاريخية من جهة واحدة يتغافل فيض من الكتابات التاريخية عن تلك المرحلة وشخوصها؟ وهل خيال عبد المالك يُضفي ظلالا باهتة لوقائع التاريخ سعيا لتشويه العثمانيين وتقديم صورة باهرة غير حقيقية للمماليك؟

  

         

كتابة على رقع الشطرنج

يتتّبع "ممالك النار" منذ الحلقة الأولى رحلتين متوازيتين، الأولى في تركيا، والثانية في شركاسيا، لطفلين في عمرين متقاربين، الأول هو الأمير سليم الأول ابن بايزيد الثاني، والثاني هو طومان باي آخر سلاطين المماليك الشراكسة في مصر. يدفعنا السرد المتوازي للجانبين العثماني والمملوكي إلى التلصص على كواليس السلطة عند كلا الطرفين، وعلى مدار الرحلتين يزرع فينا عن عمد كراهية وعداء لسليم في مقابل محبة غامرة لطومان باي، لنصل في نهاية المسلسل إلى اللقاء المرتقب بين الاثنين، وليُعيدوا من جديد الحديث عن التاريخ وموضعهما منه. في الحلقة الأخيرة يقول سليم الأول لطومان باي: "ما أنت إلا مهزوم وسيكون اسمك هكذا دائما"، ويقول طومان باي لسليم: "التاريخ سيُسجِّل أنك وضعت السم لأبيك، وقتلت إخوتك".

   

ويحضر في سياق حديثنا عن الدراما والتاريخ ما قاله السيناريست الراحل محفوظ عبد الرحمن: "مَن يكتب دراما تاريخية لا يكتب تاريخا، هو يكتب نوعا من الفن مطلوبا أن يصل إلى الناس، لكن كيف يختاره؟"[3]. سؤال الاختيارات هذا يدفعنا إلى تسليط الضوء على الذاكرة الحائرة في "ممالك النار" التي تقطف الأشواك لتزرع بها زهورا سامة تتمخّض عن وحوش بشرية.

   

على غير العادة يبدأ ممالك النار بالتعريف بالأعداء، لا الأبطال، "قانون دموي حكم إمبراطورية.. فأصبح لعنة تطاردهم"، استهلال يفرش سجادة ملوثة بالدماء تخبرنا أن سلالة محمد الفاتح بَنَت قواعد عرشها على القتل، وأن سليم الأول هو انعكاس للذة جده الفاتح في القتل، وهو ما سيحدث لاحقا أن يقتل أباه بايزيد وإخوته وأبناءهم. يطوي المسلسل صفحة محمد الفاتح بأنه قُتِل على يد ابنه بايزيد الثاني، وهو الأمر الذي يخالف صراحةً ما دوّنه التاريخ عن موت الفاتح، الذي سبقته وعكة صحية لم يحفل بها[4]، مع تداول شكوك أن البندقية أرسلت خائنا ليدسّ له السم، وأن بايزيد كان زاهدا في الحكم، وأنه كان يتبع سياسة سلمية[5]. يصر المسلسل على تأكيد صفة القتل للسلالة، يتسلل سليم الأول إلى غرفة أبيه ليقتله أيضا، هذه المرة نرى المشهد كاملا بين الابن وأبيه المقتول لتشتعل نيران الكراهية تجاه سليم مرة أخرى، وهي مخالفة جديدة لما ورد أن بايزيد تخلّى عن العرش لابنه سليم وأنه توفي بعدها بنحو أربعين يوما أو يزيد[6].

     

سليم الأول بأحد مشاهد المسلسل (مواقع التواصل)

   

اهتم صوت الراوي العليم أن يصاحبنا في مستهل المسلسل ليسرد وقائع مُفتراة، وفي المقابل يتجاهل أن يخبرنا عن الأحوال في الجانب المملوكي، رأينا في مشاهد معدودة امتعاض الشعب المصري من تردّي الأحوال، وأن البعض يُطالب ويدعو الله أن يأتي العثمانيون لإنقاذهم من بطش المماليك، وحده طومان باي يعترض أمام قانصوه الغوري على التضييق على الشعب وفرض الضرائب، لكن هل تغيّر شيء؟ لماذا لم نشاهد غلظة المماليك كما أغرقتنا الأحداث في "غلظة العثمانيين"؟

    

ترانيم الأفاعي

على خلفية موسيقى مُقبضة تشبه زعيب الغربان، تظهر جماعة مُلثَّمة تغلب عليهم قتامة اللون الأسود، نعرف أنها جماعة سرية اسمها "الجهاردية" يقودها الكامل. تقوم تلك الجماعة على النبوءات وممارسة الأسحار، ونتتبّع خيوطها على مدار الأحداث إلى أن يجري لقاؤها بسليم الأول، لتبدأ صفقة سرية مفادها أن تمد له يد العون في حربه مع العرب ثم يستكمل مبتغاهم في أن يخوض سليم حروبا مع البندقية وروما وقشتالة. بحثت طويلا في كتابات التاريخ فلم أجد للجهاردية أثرا لاقتفائه، حاور "ميدان" محمد شعبان أيوب، الباحث في التاريخ والتراث الإسلامي، وسألناه عن الجهاردية وأصولها التاريخية، فأجاب: "لا يوجد شيء في التاريخ اسمه الجهاردية، ولا وجود لأي جماعات سرية التقى بها سليم أو تواصل معها قبيل حربه مع المماليك. أنا لا أتابع المسلسل، لكن استغلال الدراما للكذب والتلفيق التاريخي غير موضوعي وغير عملي وتشويه للوعي العربي الذي يستوعب الدراما أكثر مما يستوعبها في الكتب والأبحاث التاريخية التي لا يطّلع عليها عامة الناس والمشاهد العادي".

  

يقتل سليم الأول زعيم الجهاردية بعد دخوله مصر، تنتهي مسيرة تلك الجماعة السرية ولم نقنع حتى بالسبب الدرامي لظهورهم، فسليم الأول لم يكن بحاجة قوية إلى خوض الحرب مع المماليك عبر نبوءة خرافية تخبره أن يزحف بجيوشه نحو المماليك، كذلك الحال في ظهور العديد من الشخصيات الثانوية التي لم يحمل ظهورها هدفا دراميا حقيقيا مثل الفتاة التي انشقت عن الجهارديين لتنضم لصفوف المماليك، لو أنها انتزعت من الأحداث لن نلحظ أي تأثير.

     

"الشيء الوحيد الذي يُمكنه إنقاذ أي كتاب واكتساب تعاطف القرّاء هو شخصيات من لحم ودم، ذات صفات ودوافع قابلة للتصديق"

(جون كوين)[7]

     

  

وفي حوار آخر لـ "ميدان" مع الروائي والسيناريست المصري محمد السيد أبو ريان حول الفرص الدرامية وتأسيس الشخصيات في مسلسل "ممالك النار" وانحصاره الواضح في مساحتَيْ الخير والشر المطلقين، يقول أبو ريان في مستهل حديثه: "تتولد الفرص الدرامية بالأساس من تنوّع الشخصيات في تكوينها ودوافعها وأهدافها، وثراء كل شخصية على حِدة بصراعاتها الداخلية وانكشافاتها وتطوّرها وخارطة علاقاتها وتقاطعاتها، وإمكانيات تغيير وجهات نظر الحكي وفرضياته؛ هذا ما يخلق دراما مليئة بالصراع والمفارقات، مليئة بالفرص. ويضاف إليها عوامل مرتبطة بالمكان والبيئة والجغرافيا وظروف المناخ، والتي قد تكون عوامل جوهرية في الحبكة الدرامية. وفي حالة الدراما التاريخية، نحن أمام فجوات كثيرة في الأحداث تسمح بارتياد مساحات لا نهائية من الفرص الدرامية، وهذا هو مبدأ "الخيال التاريخي"".

    

يستطرد أبو ريان ويوضح لـ "ميدان": "تحتوي قصة "ممالك النار" وخيوطها على الكثير من الشخصيات (محورية ورئيسية وثانوية وعرَضية)، كان من الطبيعي لهذه الكثرة أن تولّد فرصا درامية متخَمة بالصراع والمفارقات والتشويق والمفاجآت، ومع ذلك رأينا أقلّ القليل منها، لدرجة أننا وصولا لمنتصف أحداث المسلسل لم نرَ احتكاكا من أي نوع، مباشِرا أو غير مباشر، بين الشخصيات المحورية (سليم الأول وطومان باي)، أو بين الشخصيات الرئيسية (بايزيد وقانصوه). ورأينا تركيزا على صراعات وترتيبات قصر السلطَنة على الجانبين، كلٌّ منهما بمعزل عن التأثير في الآخر أو التأثّر به.

  

كلّ هذا راجع بالأساس إلى قصور وتسرّع في رسم الشخصيات وتأسيس جوانبها وإثراء مكوّناتها بشكل كافٍ في الحدّ الأدنى، فظهر أكثرها بملمح واحد طاغٍ، سطّحها كأنها شخصيات مسلسلات كرتونية (إما سيئة تماما وإما جيدة تماما)، وحرَمَنا من التوحّد معها، وإن كان هناك فارق نسبي واضح في العناية بشخصيات العثمانيين، أكثر من شخصيات المماليك. الأمر الذي أخصى خصوبة العمل وقلّص فرصه الدرامية، ولم يشفع لتجويد الحوار الذي بدا لدى شخصيات الأتراك وكأنه (subtitle) مترجمة عن الإنجليزية، بينما بدا الحوار لدى شخصيات المماليك وكأنه ترجمة مفصّحة للعامية المصرية الحالية".

   

لعبة الفوارس والغُزاة

  

لا تنفي كتابات التاريخ وجود صراع هيمنة على زعامة العالم الإسلامي بين العثمانيين والمماليك، وما لا يسعنا إغفاله أيضا أن القاهرة اعتبرت فتح العثمانيين للقسطنطينية نصرا للمسلمين، وفي المقابل كان الحكّام العثمانيون يعترفون بالأولوية الدينية والسياسية للمماليك كزعماء العالم الإسلامي منذ عهد مراد الأول، لكن الحركة الأولى في رقعة الشطرنج تُحدّد بداية المعركة، وما لا يختلف اثنان على روايته أن سليم الأول صاحب الحركة الأولى في الالتفات إلى المشرق للاصطدام بالمماليك، ولهذا وصف قدومه بالسياسة العدوانية، لكن الواقع أيضا لا يُنكر أن العرب والمصريين أرادوا خلاصا من الحكم المملوكي الظالم فرحبوا بأعلام العثمانيين التي لوّحت في الأفق باتجاههم[8]، لكن ذكرها في المسلسل جاء باعتبارها خيانات مدفوعة الأجر، وهو ما يُلصق صفة التزييف لحال الشعب، وربما هي إسقاط متجدد على الواقع الحالي الذي يصف أي معارض لسياسة الدولة باعتباره عميلا يتلقى الدعم المالي من الخارج.

    

لكن، ومن صوب كتب التاريخ، لم يُسطَّر في متنها أن الطرف الآخر كان عدوا شرسا يشرب كؤوس الدم ويتغذى على قتل الآخرين ليلا ونهارا في مقابل طرف خيّر يسعى للسلام وإقامة العدل بين الناس. أضفَت لعبة الأبيض والأسود في "ممالك النار" بُعدا سطحيا وباهتا للشخصيات التي بدت جوفاء لا يُحرّكها سوى الخير المطلق أو الشر المطلق، وهو ما أضاع على المسلسل فرصة تقديم عمل متكامل بالاستفادة من حرفية الإخراج والإنتاج والعناصر البصرية المُتقنة. في حديث مع الممثل السوري محمود نصر الذي أدّى دور سليم الأول في المسلسل يقول: "كان يُلقّب بسليم الرهيب، أحببته كما هو، لم أجد له مبررات"[9]. هذا التصريح وإن بدا عابرا فإنه يؤكد خواء الشخصية دراميا، كتب له أن يكون شريرا وقاتلا منذ صباه في صورة نمطية للأعداء الذين يرتدون الأسود ويصاحب العبوس قسماتهم وتتردد أصداء الغلظة في أصواتهم.

   

يُصرّح كاتب المسلسل محمد سليمان عبد المالك عبر حسابه الشخصي على "فيسبوك": "مؤلم جدا مشهد دخول سليم للقاهرة في ⁧‫#ممالك_النار⁩ كتابة وتنفيذا.. ذكّرني بما رأيته على كوبري أكتوبر في مارس ٢٠١١، كانت لافتة إعلانية ضخمة تحمل صورة أردوغان بعد ثورة يناير بأسابيع.. أدركت بعدها عبر انتخابات برلمانية ورئاسية تم التلاعب فيها بالدين أن خلف كل سليم خاير بك لا محالة". يُدلِّل الكاتب على الإسقاط السياسي الواضح الذي يُوظِّفه في عمله الدرامي استنادا إلى التاريخ، يتفاعل متابعو المسلسل ويشتبكون بشكل يومي مع منشورات مواقع وسائل التواصل التي تحوّلت إلى مساحة افتراضية ممتدة لسرد أحداث المسلسل، اجتهادات شخصية في قراءة التاريخ وتفاعلات مع كاتب المسلسل وخالد النبوي الذي يتعامل على حساباته الافتراضية كأنه البطل طومان باي. إذا كنت تجهل الأحداث التي يُسرَد على خلفيتها المسلسل فيمكنك أن تبحث في هاشتاج المسلسل على مواقع التواصل لتجد الإجابات الجاهزة، لا وجود لكتب التاريخ هنا، ولا مجال لسد ثغرات الدراما، هناك فضاء إلكتروني يُستخدم في استكمال الدراما على مدار ثلاثة أسابيع هم زمن عرض المسلسل ويكمل الصورة التي تراها بعيونه لا عيونك.

     

   

تجليات درامية

تُقدِّم الأعمال الدرامية المقتبسة إعادة لإنتاج الذات يتجلّى في جسد الممثلين على الشاشة، والمقصود في معرض حديثنا عن "ممالك النار" أننا أمام تجلٍّ جديد لشخصية طومان باي في جسد خالد النبوي، وسليم الأول في جسد محمود نصر، وهذا التواسط يصفه الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز بحالة الـ "بين – بين"[10]، حالة التواسط تلك تضع المشاهد أمام حالة من الإيهام الدرامي لكلتا الشخصيتين وتدفعنا للتساؤل؛ لماذا خالد النبوي؟ ولماذا محمود نصر؟

   

يحمل خالد النبوي وجها عربيا عالميا، شاهدناه في قلب المعركة في الفيلم الأميركي "مملكة السماء" (Kingdom of Heaven)، وفي فيلمَيْ "لعبة عادلة" (Fair Game) و"المواطن" (The Citizen)، ينال النبوي قدرا من القبول بين المشاهدين، لكنه لا يزال في ذهننا الفنان المصري العالمي، وهو معروف أيضا بموقفه السياسي الصريح الداعم لثورة ٢٥ يناير والمعارض كذلك للإخوان إبان حكمهم، وهو مدافع دائما عن مصر وتاريخها في أغلب حواراته الإعلامية، مما جعل حواراته في المسلسل على لسان طومان باي منطقية ومألوفة خاصة عندما يكرر الحديث عن خيرات مصر وعن الإخلاص للوطن والعدل، كما أن وجه النبوي يحمل قسمات تناسب شخصية طومان باي، فلا يبدو كمملوك قادم من أواسط آسيا، لكن يليق بملامحه أن يكون قائدا عربيا، وفي كل ظهور له تصاحبه موسيقى أمين بوحافة الرائقة يتخللها قدر من البهجة الناعمة في مقابل الموسيقى المصاحبة لسليم الأول التي تبدو كعزف على حد السيف.

   

وهذا يُعيدنا للنظر إلى سليم الأول في جسد محمود نصر، ذلك الممثل السوري الذي لا يعرفه المصريون جيدا، وتاريخه التمثيلي السابق كان يحصره في شخصيات رومانسية أو عادية، فلا يحمل وجها شرسا، ولم يُحصَر من قبل في أدوار الشر، فبدا وجهه محايدا للجمهور العربي، وقبل أن نستقبل محمود نصر طالعنا الممثل الشاب معتز هشام -في دور سليم في صباه- بنظرات عينيه الحادة وتعطشه اليافع للدماء، فلم نحتج إلى الكثير من الوقت لنقرأ الشر المستقر في أعماق سليم الأول أو محمود نصر.

 

    

  

من جهة أخرى يُحسب للمسلسل أن أعاد الاعتبار لشخصية طومان باي المظلومة تاريخيا ودراميا، ينتهي المسلسل ومشهد إعدام طومان باي هو الأكثر شاعرية وقسوة، يخطو مرددا فاتحة القرآن ثلاث مرات، وفي الأخيرة تردّدها معه جموع الشعب الملتفة حول موقع إعدامه، يُساق إلى الموت مهزوما بروح متيّمة، يُشبه المسيح قبل أن يُصلب، وعمر المختار قبل أن يُساق إلى المصير نفسه، صورة مكررة لا يوجد فيها أي إبداع جديد. شاهدنا طومان باي صديقا وعاشقا وفارسا وسياسيا عادلا، وسليم الأول قاتلا دمويا خشنا بعيون جاحظة ونظرات شيطانية وصوت غليظ، شخصيات أحادية باهتة لا تحمل تناقضات النفس البشرية، أبيض وأسود كرقع الشطرنج.

   

تبدل الأمر من إعادة تمثيل للتاريخ بنظرة ناقدة إلى حرب أيديولوجية هدفها تشويه الأطراف الأخرى، في هذه المساحة المحفوفة بالشكوك يسقط التاريخ ويُشوّه بجروح نازفة. المزيد من الأسئلة تلوح في الأفق، ربما لن نصل إلى إجابات حاسمة. يغمر القاهرة شذا التاريخ، إذا قادتك قدماك للتجول في شوارعها القديمة العامرة سترى ازدحام المارة والباعة عند باب زويلة، في قصر الغوري يعلو عزف الآلات الشرقية ليلا، وفي شمال القاهرة يقع قصر الطاهرة على يمينه شارع طومان باي، وعلى يساره شارع سليم الأول.

   

هنا سنترك الأسئلة للقارئ والإجابة للتاريخ، وما يسعنا في النهاية أن نستدعي مقولة للكاتب الأميركي روبرت مكي تحمل صدى خاصا: "لا تنشأ ثقافة دون قص أمين وقوي. إن المجتمع يتفسخ عندما يمارس على نحو متكرر قصصا زائفة، فارغة"[11].

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

جاءت إحدى حلقات "Black Mirror" محملة بفكرة نعيشها حاليا والتي يمكن اختصارها تحت عنوان "الوجه الخادع للحياة الافتراضية".. ولكن أيعقل أن يكون واقعنا أكثر سوداوية عن ما جاء به المسلسل؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة