السينما وأزمة العواطف.. هل نحن حقا الجيل الأكثر وحدة؟

اضغط للاستماع

    

تُباغتنا العناوين الإخبارية الرئيسية والدراسات الأحدث التي تستكشف موضوع الوحدة بهذه الحقيقة الصادمة: إننا نعيش في عصر الوحدة، تصف الوحدة بالوباء الصامت مثلما تصفنا بأننا الجيل الأكثر وحدة على الإطلاق بين كل الأجيال التي سبقته. تتناقض هذه الحقيقة مع فكرة أن جيل الألفية (الجيل المولود بين مطلع الثمانينيات ونهاية التسعينيات) هو الجيل الذي شهد انفجار شبكات التواصل الاجتماعي. هذا التواصل الافتراضي مثلما ترى هذه الدراسات يعزز وحدة الإنسان الحديث ولا يُبدّدها بما يخلقه من واقع وهمي وإحساس زائف بالتواصل.

  

في فيلمه "الشبكة الاجتماعية" (The social Network) يخلق ديفيد فينشر عبر النص الذي كتبه آرون سوركين من شخصية مارك زوكربيرج مجازا لجيل الألفية، إذ يصور لنا زوكربيرج مؤسس أضخم موقع للتواصل الاجتماعي وتكوين الصداقات كرجل وحيد، بلا أصدقاء. طموحه الأعمى المجرد من أي قيمة إنسانية يقوده بعيدا عن الجميع. في مشهد النهاية، نجده وحيدا تماما في غرفة باردة أمام شاشة الحاسوب في انتظار أن تقبل صديقته القديمة طلب الصداقة الذي أرسله إليها.

    

مشهد من فيلم "الشبكة الاجتماعية" (the social network) (مواقع التواصل)

    

هذا التناقض يقودنا إلى تناقض آخر هو موضوعنا الرئيسي: الوحدة في المدن الكبرى، حيث يتضارب هذا الشعور بالوحدة مع الحضور البشري الهائل الذي يمنحنا احتمالات لا نهائية للالتقاء بالبشر. تستكشف الكاتبة أوليفيا لاينج في كتابها "المدينة الوحيدة" النكهة المريرة للوحدة في المدن الكبرى، الوحدة محاطا بالملايين من البشر، حيث بإمكانك رؤيتهم ولكنك عاجز عن الوصول إليهم، تكتب "لاينج":

"بإمكان المدن أن تتحول إلى أماكن وحيدة. إن الشعور بالوحدة يتأتى من عدم القدرة على العثور على القدْر المراد من الألفة. التعاسة كما يُعرفها القاموس هي العيش دون رفقة الآخرين، لذلك من الطبيعي أن تصل هذه التعاسة إلى أقصاها حين تكون بين الجموع دون أن يرافقك أحد".(1)

    

غواية الضوء الأزرق الشاحب

طالما كانت السينما مفتونة بالوحيدين والمنبوذين، لكن ما حدث خلال العقدين الماضيين يستحق التأمل، إذ حققت ثيمة الوحدة عموما والوحدة في المدن الكبرى خصوصا ذيوعا واسعا في السرديات السينمائية. تمتلك هذه الأفلام جاذبية خاصة وجماهيرية كبيرة. في كتابه "السينما وعلم النفس: علاقة لا تنتهي" يلفت "سكيب داين يونج" انتباهنا إلى مفارقة استمتاعنا بالأفلام الحزينة والتي تشبه كثيرا استمتاعنا بأفلام الرعب، إذ يتساءل:

    

كتاب "السينما وعلم النفس: علاقة لا تنتهي" لـ "سكيب داين يونج" (مواقع التواصل)

   

"إذا كان معظم الناس يعتبرون الحزن شعورا سلبيا، ويتجنّبونه بصفة عامة، لماذا إذن تحظى مثل هذه الأفلام بكل تلك الشعبية؟".(2)

   

وهو سؤال أيضا يمكننا أن نسأله عن الأفلام التي ترتكز حول ثيمة الوحدة، لماذا تحظى بهذه الجماهيرية؟ كيف تغوينا بضوئها الأزرق الشاحب (الأزرق هو الضوء الأيقوني للوحدة الباردة)، بثقلها العاطفي ونبرتها الحزينة؟ يحاول سكيب يونج في كتابه أن يجيب عن هذا السؤال، بطرحه لفكرة مفادها أن ما يحرك مشاهدي مثل هذه الأفلام التي تستكشف العلاقات الإنسانية، سواء كانت حزينة أم لا، هو الرغبة في مشاهدة أفلام تتضمن استبصارات مُفعمة بالمعاني، لا مجرد الإحساس بشعور ما. فالمشاهدون يعيشون مشاعر إيجابية وسلبية متفاوتة أثناء المشاهدة، لكن تقييمهم النهائي يعتمد على فهمهم للقصة وتعاطفهم مع الشخصيات واكتشافهم لمغزى السرد.

  

يشير سكيب يونج أيضا إلى أن مثل هذه الأفلام تؤدي على نحو ما وظيفة علاجية (therabeutic) للمشاهد، إذ تساعده في فهم صراعاته الداخلية، ونمط تفكيره أو سلوكه. هذه الأفلام مثلما تشاهدها تشاهدك أيضا، تبدد الظلمة التي تكتنف ذاتك وتزيح الغموض، كما تجعلك أكثر تقبلا لذاتك وقربا منها.(3) تمنح هذه الأفلام مشاهديها شعورا بالتواصل الإنساني، من الممكن أن يخفف من وطأة إحساسهم بالوحدة، مثلما تزودهم بإمكانات جديدة للعيش، ما يحفزهم على التأمل في طريقة عيشهم ومحاولة تغييرها.

  

وأخيرا تمنح هذه الأفلام مشاهدها شيئا من المواساة، إذ تخبره أنه ليس وحده مَن يعاني هذه الوحدة، بل ربما تكون جزءا من الحالة الإنسانية، أو مثلما تقول العبارة المنسوبة لفرويد: "غاية التحليل النفسي هي الانتقال بالمعالَج من البؤس الاستثنائي لحالته إلى التعاسة البشرية العادية". لكن كيف تجلت الوحدة في السينما؟ وما ملامح الوحدة وحدودها على الشاشة الكبيرة؟ هذه رحلة استكشاف سينمائية لثيمة الوحدة عبر مجموعة من أفضل الأفلام السينمائية التي صدرت خلال العقدين الماضيين.

    

أزمة العواطف في المجتمعات الحديثة

ينعى لنا زيجمونت باومان في كتابه "الحب السائل" رومانسيات الأزمنة القديمة، إذ يتحدث عن الهشاشة العجيبة لعلاقات الحب في عصرنا الحالي، حيث صار الآخر مجرد سلعة يتم الاستغناء عنها بمجرد ظهور سلعة جديدة تَعِدُ بغواية أكبر. لا شيء دائم في ثقافة الاستهلاك، كل شيء لحظي وقابل للاستبدال، يكتب زيجمونت باومان: 

   

  

"ما دام الحب يحيا، فإنه يحوم حول حافة الهزيمة. لا يترك أي خنادق محصنة وراءه كي ينسحب إليها، فالحب مرهون بمستقبل غامض وغير مضمون. ربما صار الحب مخيفا كالموت، لكنه بخلاف الموت يخفي هذه الحقيقة بفورة الرغبة والإثارة". (4)

  

في مرايا السينما انعكست هذه الهشاشة المفرطة لعلاقات الحب، وصار الإنسان الحديث أكثر وحدة واغترابا:

1- يصلح الحب المستحيل أن يكون عنوانا لكل أفلام المخرج وونج كار واي، ففي كل أفلامه تهيم شخصياته على وجهها في ليل المدينة دون هدف. أشخاص أنيقون ومتوحّدون وغرباء، يلعبون مع العالم بطريقة غريبة. يحيون في وجود يشبه الأحلام، وجودهم باهت، كأشباح تجوس ليل المدينة المكتظ بالبشر، كل ما يحصلون عليه قبلات خاوية وعناقات حزينة، وغرق في الحنين والذكريات، كمحاولات يائسة لمقاومة الاغتراب والوحدة في العالم الاستهلاكي للرأسمالية الحديثة المتأخرة.

  

على صعيد الحبكة يستخدم كار واي دائما موتيفة الانفصال العاطفي ليعزز من إحساس أبطاله بالوحدة والانفصال عما حولهم، فهم مأخوذون بحزنهم الخاص. لن تجد أي إشارة إلى عائلات أبطاله، وإن وجدت فسيظلون دائما خارج الكادر السينمائي، وسيظل أبطاله محرومين من أي تواصل معهم وكأنهم آتون من العدم، هذا أيضا مظهر آخر من مظاهر الوحدة في سينماه.

 

واحد من أبرز أفلام كار واي تجسيدا للوحدة فيلمه "سعداء معا" (Happy together) الذي تدور أحداثه في بيونيس آيرس، ويصور فيه حالة الوحدة والحنين التي يعيشها "لاي/توني ليونج" بعد انفصاله عن صديقته "هو/ليزلي تشونج" بعيدا عن هونغ كونغ وفي مدينة غريبة. يبرع وونج كار واي في رسم وحدة أبطاله عبر التكوين واللون، سواء يصورهم وحيدين داخل الكادر أو منفصلين عن الشخصيات التي تشاركهم الكادر نفسه. هناك أيضا انفصال بينهم وبين المدينة، المدينة دائما في الخلفية، بعيدة وغارقة في الظلام أو الضباب. في تكوينات كار واي نجده دائما يضع أبطاله أمام مناظر طبيعية ضخمة ليعزز من هذا الانفصال، بالإضافة إلى إظهار ضآلة شخصياته أمام طغيان المحيط.

   

 فيلم (happy together) (مواقع التواصل)

    

في المشاهد القليلة التي تُظهر شيئا من التواصل والحميمية بين أبطاله، نجد كار واي يستخدم في كادراته ألوانا دافئة كالبرتقالي والأحمر، وفي المشاهد التي تجسّد الوحدة يستخدم الأزرق البارد، مثلما يستخدم أيضا الأبيض والأسود في الذكريات التي يتم استعادتها بمزيد من الأسى والكآبة. مظهر آخر من مظاهر الوحدة وانعدام التواصل يأتي في غلبة الصمت على أبطاله، إذ قليلا ما ينفتحون على الآخر للتعبير عن مشاعرهم الداخلية، بينما يلجأون دوما للمونولوج (الحوار الداخلي) للتعبير عن هذه المشاعر.

   

2- يوحي عنوان فيلم صوفيا كوبولا "ضائع في الترجمة" (lost in translation) على الأقل بنوعين من الاغتراب، أولهما اغتراب اللغة، فبطلاها أميركيان في طوكيو. بوب/بول موراي وهو ممثل تراجعت مسيرته المهنية منذ زمن، والآن هو في رحلة قصيرة إلى طوكيو من أجل تصوير حملة إعلانية لأحد أنواع الويسكي، وشارلوت/سكارلت جوهانسون في مطلع العشرينيات ترافق زوجها المصور الفوتوغرافي في رحلة عمل، كلاهما ضائع في مدينة غريبة تتحدث لغة غريبة.

    

فيلم (lost in translation) (مواقع التواصل)

    

المستوى الثاني من الاغتراب أو الضياع الذي يشير إليه عنوان كوبولا ويتجلي في فيلمها هو الضياع داخل العلاقة الزوجية، في المشاهد التي تجمع شارلوت بزوجها أو المكالمات الهاتفية التي تجمع بول بزوجته، هناك فجوة في التواصل بينهما، هناك انفصال عاطفي بينهما كما لو كان كلٌّ منها يتحدث لغة مختلفة عن شريكه. كلاهما وحيد وضائع في علاقته العاطفية مثلما في طوكيو. تصوّر كوبولا بطليها وحيدين تماما في غرفتيهما بالفندق الذي يجمعهما معا، المساحة الأكبر من الكادر خالية، وإضاءة الغرفة دائما معتمة في مقابل الخارج حيث تتلألأ أضواء النيون طيلة الليل.

  

تصورهما كوبولا أيضا وحيدين في شوارع المدينة وضائعين وسط الجموع. تعبر عن استغراق بطليها دائما في وحدتهما وانفصالهما عن الخارج بإبقائهما في مقدمة الكادر في منطقة الوضوح البؤري، بينما بقية الكادر خارج الوضوح البؤري (out of focus). تتطور العلاقة بينهما على مهل، لا يزالان ضائعين ولكنهما معا. تُبقي كوبولا العلاقة بينهما منفتحة على كل الاحتمالات، وتجعل المشاهد شريكا بها، حين يتعانقان في النهاية وسط الحشود، ويهمس بوب في أذنها بكلمات وداع غامضة، تصير المدينة أقل اغترابا وأكثر ألفة، تبدو الآن كما لو كانت تضمهما هي الأخرى.

    

3- بداية من المشهد الافتتاحي في فيلمه "هي" (her) يضعنا سبايك جونز أمام عمق الوحدة والعزلة التي تعيشها شخصياته، نشاهد في البداية شخصيته الرئيسية "ثيودور تومبلي"، ثم بقية العاملين في شركة مستقبلية تعمل على إرسال رسائل مختلفة نيابة عن أشخاص آخرين بناء على معلومات شخصية يمنحونها للشركة، يتحدثون إلى شاشاتهم الخاصة، متقمصين ذواتا أخرى غير ذواتهم الحقيقية، هذه صورة معيارية للوحدة في عصرنا. يصور جونز بطله وحيدا في لقطات واسعة وسط الجموع، ثم يرصد مشاهد الجموع العابرة في شوارع المدينة مثل كيانات منفصلة ومتباعدة لا يجمعهم معا سوى الفضاء المكاني الذي يتشاركونه دون تواصل حقيقي. في أحد المشاهد نشاهد ثيودور منهارا من أثر صدمته العاطفية على أحد سلالم محطة المترو بينما تعبره الجموع المبتسمة التي تتحدث مع هواتفها وكأنه غير موجود.

   

فيلم (her) (مواقع التواصل)

    

يتساءل جونز هنا عن طبيعة المشاعر المتولدة لدينا من علاقة افتراضية حتى إذا امتلكت وعيا بشريا، هل هي مشاعر حقيقية أم مجرد وهم؟ ماذا عن هذا الخواء في قلب ثيودور الذي ملأته سامانثا بشخصيتها الافتراضية؟ ينتقل جونز بين اللقطات القريبة التي تلقي بنا داخل روح شخصياته الهشة واللقطات الواسعة التي تؤطر وحدتهم، لا يحتاج جونز إلى الحوار ليعبر عن أفكاره، يقول كل ما يريد عبر التصميم الدقيق للقطة السينمائية. بصريا، يبني فيلمه على التناقض بين النبرة المتشائمة لصوره وعالمه الغارق في الوحدة والألوان الوردية والبراقة التي تشي بعالم مثالي.

  

خراب الروح الإنسانية

يفتتح المخرج البريطاني ستيف ماكوين فيلمه "عار" (shame) بلقطة من زاوية علوية لبراندون نصف عارٍ في سريره الذي يحتل كامل اللقطة. تعكس هذه اللقطة وحدة الشخصية وعزلتها والتي يعززها اللون الأزرق البارد لغطاء براندون. في لقطة كهذه عادة ما يظهر مكان شاغر للرفيق المشتهى، لكن الكادر لا يعطي أي مساحة لشخص آخر، ربما ليدلل على أن هذه الوحدة يفرضها براندون على نفسه. هذا الاكتشاف الأولي يعززه السرد الفيلمي فيما بعد، السرد الذي يستعير عيني براندون، ليصير كل شيء مرئيا من وجهة نظره، على رصيف المترو، في طريقه إلى العمل نلمس وحدته في المسافة بينه وبين بقية الناس، ثم وجودهم المضبب خارج الوضوح البؤري (out of focus).

   

 فيلم (shame) (مواقع التواصل)

   

بطل ماكوين هو "براندون/مايكل فاسبندر"، شاب ثلاثيني يعيش في مدينة نيويورك، يمتلك حياة وظيفية براقة، لكن حياته الخاصة خربة تماما، يعاني من إدمان الجنس ممارسة ومشاهدة، لكن هذا النشاط الجنسي الهائل لبراندون يدور في الفراغ، لا يُفضي إلى أي حميمية أو تواصل حقيقي مع الآخر. في محاولة منه لمواجهة إدمانه المتفاقم، يقرر مواعدة ماريانا زميلته بالعمل والتي يشعر نحوها بانجذاب ما، وهنا تأتي المفارقة الساخرة والمريرة حين يعجز عن إقامة علاقة جنسية معها، ثم نراه في المشهد التالي في قمة نشاطه الجنسي وهو يضاجع عاهرة. تتبدى هنا نفس براندون كأرض خربة لا تُنبت شيئا، أرض مسورة بعزلة لا نهائية.

  

تتجلى نيويورك هنا في فيلم ماكوين كمدينة لا مبالية، باردة وبعيدة دائما داخل المشهد ولا يوجد بها ما هو حميمي أو خاص. شوارعها الخلفية الغارقة في الظلام والواجهات الزجاجية لبناياتها الشاهقة تكشف حتى أكثر لحظات الإنسان حميمية وخصوصية، مثل المشهد الجنسي الذي يتسمر أمامه براندون بإحدى البنايات أثناء سيره بأحد الشوارع. هنا تصير المدينة مزيجا متناقضا من الوحدة والانكشاف. كاميرا ماكوين تعزز حس التلصص هذا داخل الفيلم، ففي مشهد المواعدة داخل أحد المطاعم بنيويورك، بين براندون وماريانا، نجد الكاميرا تتموضع خارج المطعم وكأن هناك شخصا ما يتلصص على هذه اللحظة الخاصة بينهما.

  

الخطة اللونية للفيلم أيضا تفصح بالكثير، فاللون السائد هو الأزرق البارد لون العزلة والوحدة، مع غلبة الظلام في خلفيات الصورة الذي يشير إلى ما هو خفي في روح البطل والمدينة. مع نغمات الأصفر الذهبي في مشاهد قليلة، وهو لون دافئ ومعبر عن الرغبة نجده مثلا في المشاهد التي يكشف فيها براندون شيئا من جانبه العاطفي مثل مشهد غناء سيسي أو لقائه بماريان، نجده أيضا في لون شعر وملبس فتاة المترو التي تظهر مع بداية الفيلم وختامه والتي تمثل له موضوع انجذاب ورغبة.

  

حين تبتسم الآلهة لكائنين وحيدين

هناك أغنية صينية قديمة تقول: "باستطاعتك -إذا ابتسمت الآلهة- أن تحلم أحلام شخص آخر". هكذا تفتتح المخرجة المجرية الديكو اينيدي فيلمها "عن الجسد والروح" (On the body and soul)، إذ ترينا زوجا من الغزلان يهيم وحيدا في برية الحلم. يقترب الذكر فيهما كي يريح رأسه على عنق الأنثى لكنها تتركه وتبتعد، هكذا تشفر اينيدي في حلم بطليها المشترك الرغبة الملحة في التواصل والحميمية، ثم وجود ما يعوق هذا التواصل، قبل أن تصور وحدتهما المضنية في مدينة بودابست. بطلا اينيدي يعملان في مجزر آلي، أندره المدير المالي للمكان وماريا مسؤولة الجودة.

    

فيلم (on the body and soul) (مواقع التواصل)

   

يعاني كلاهما من الوحدة والاغتراب، أندره لديه إعاقة خاصة في ذراعه الأيسر، وماريا مصابة بدرجة من درجات التوحد تمنعها من فهم مشاعر الآخرين والتواصل معهم، محاولات التواصل الأولي بينهما تبوء بالفشل. الإعاقة الظاهرية للبطلين، الجسدية في حالة أندره، والنفسية في حالة ماريا، هي تجسيد مادي لعجزهما عن الاندماج في المجموع، وإحساسهما العميق بالنبذ والوحدة. الواقع اليومي الخانق والقاسي للبطلين يبدو نقيضا للحلم الذي يجمعهما ببراحه وشاعريته. سينماتوغرافيا اينيدي تحاكي في تكويناتها لوحات إدوارد هوبر المثقلة بالوحدة والعزلة. هوبر هو رسام الوحدة في المدينة الحديثة، العزلة والحنين إلى التواصل الإنساني يسكنان كل لوحاته. أبطاله خلف حواجز زجاجية، وحيدون حتى داخل غرفهم الخاصة، يتطلعون دائما إلى البعيد وكأنهما في انتظار دائم لشيء ما، وزاوية الرؤية في لوحاته دائما تحمل شيئا من التلصص.

   

ما تصوره اينيدي هنا هو العزلة البشرية الصاخبة في المدن الحديثة، وعدم قدرتنا على اختراق الآخرين وفهم حقيقة مشاعرهم، وهنا تأتي وظيفة الحلم في فيلم اينيدي، إنها تكشف لبطليها حقيقة مشاعرهم، لذلك حين يلتقيان في الواقع يختفيان من فضاء الحلم. تختتم اينيدي فيلمها بفضاء الحلم خاليا، ربما في انتظار زوج آخر من الوحيدين، يتشاركان الحلم نفسه.

  

الإنسان الحديث كطفل وحيد في مواجهة عالم غريب

ربما يُمثّل فيلم "تحت الجلد" (under the skin) للمخرج "جوناثان جليزر" المجاز الأقسى عن الوحدة في العقد الأخير من عمر السينما. بداية من حبكته التي تحكي حكاية كائن فضائي في جلد أنثوي (سكارلت جوهانسن)، تغوي الوحيدين، تجذبهم إلى مسكنها الخاص، لتغرقهم في ماء مظلم، حيث تتحلل أجسادهم البشرية تماما، إذ يبدو أن الكائنات الغريبة تتغذى على هذا الرفات الآدمي للوحيدين. لفترة طويلة من فيلم جليزر لا نستمع إلى أي حوار، مجرد ضجيج صادر عن الجموع البشرية، يصور جليزر طرقات خالية وجموعا وحيدة. واحد من أكثر المشاهد تأثيرا في فيلم جليزر، وهو مشهد بإمكانه وحده أن يحمل مجاز فيلمه كاملا، نشاهد المرأة الغريبة تتجول على الشاطئ، تحاول أن تغوي أحد الرجال، تغرق امرأة وزوجها بينما يتركان رضيعهما وحيدا على الشاطئ، تقتل المرأة الرجل الذي حاولت إغواءه، ويخلي جليزر المشهد سوى من صراخ هذا الطفل المتروك وحيدا أمام هذه القسوة الغريبة للعالم.

   

   

يتشابه الوحيدون مثلما تتشابه المدن الوحيدة، تتبدى الوحدة في هذا الكولاج السينمائي الذي قدمناه كمدينة هائلة تتشاركها أرواح الوحيدين.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة