كيف يبدو العالم الافتراضي؟ أفلام ممتعة تنبأت بتفاصيل الحياة في الميتافيرس

Ready player one

في استطلاع للرأي أجرته منصة التسويق العالمية "كلافيو (Klaviyo)" في الولايات المتحدة في فبراير/شباط 2022، استهدفت فيه عينة عشوائية من ألف شخص، ووجهت لهم سؤال: ما الميتافيرس (Metaverse)؟ وما رأيهم فيه؟ كانت النتيجة المدهشة هو أن 49% من الذين أُجري عليهم الاستطلاع لا يعرفون أصلا ما الميتافيرس.

 

والمدهش في هذا الاستطلاع هو أنه أُجري أساسا على فئة عمرية ما بين 18 إلى 24 عاما، وهي فئة الشباب الذين عادة ما يكونون أكثر اهتماما بالتقنيات الجديدة. والمدهش أكثر هو أن الـ50% الأخرى من العيّنة التي أجري عليها الاستطلاع، الذين يعرفون ما الميتافيرس، قال 78% منهم إنهم يعتقدون أن الميتافيرس ما هو إلا فقاعة (Bubble)، أي أنها ظاهرة تقنية مؤقتة تنال بعض الاهتمام ثم ستختفي بعد أن يثبت عدم جدواها( 1 ).

 

منذ الإعلان عن مشروع الميتافيرس الذي تقوده شركة فيسبوك في أكتوبر من العام 2021، لا يزال الكثيرون حول العالم يجهلون بالفعل ما الميتافيرس، ولا يستوعبون أبعاده ومغزاه وأهميته وتأثيره المحتمل في المستقبل. لحسن الحظ، وكعادة السينما في التنبؤ بتقنيات المستقبل، لدينا عدد من الأفلام الممتعة التي جسّدت الواقع الافتراضي، بعضها بصورة متفائلة، وكثير منها بصورة قاتمة.

 

اللاعب (Gamer).. سادة وعبيد في الميتافيرس

gamer film

فيلم جيمر (Gamer) من إنتاج العام 2009، وبطولة النجم جيرارد باتلر وأمبر فليتان، واعتُبِر واحدا من الأفلام المبكرة نسبيا التي تسلط الضوء على الجانب المُظلم من تكنولوجيا العالم الافتراضي التي بدأت إرهاصاتها في نهاية العقد الأول من الألفية، مع التقدم الملحوظ في ألعاب الفيديو والبدء في انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وبناء عدة منصات للألعاب الافتراضية التي كانت شهيرة آنذاك مثل منصة "Second Life".

 

تدور أحداث الفيلم في المستقبل القريب، العام 2034 تحديدا، حيث ينجح الملياردير "كين كاسل" في بناء منظومة افتراضية كاملة من تصميمه، يمكنه التحكم من خلالها في المشتركين بواسطة تقنيات التحكم في العقول. قسّم كاسل عالمه الافتراضي إلى فئتين من البشر: من يملك ومن لا يملك، أي مجتمع أقرب إلى السادة والعبيد، من يملك المال هو المتحكم، ومن لا يملك هو المنفذ. وبالطبع، تتيح اللعبة للفئة الأولى (الذين يملكون) التحكم الكامل في الفئة الثانية (الذين لا يملكون).

 

الفيلم يعتمد على مشاهد الإثارة في معظمه؛ ما يجعله أقرب إلى فيلم أكشن يدور على خلفية من الخيال العلمي، وليس خيالا علميا محضا. حقق الفيلم إيرادات جيدة، ولكنها لم تصل إلى تغطية الميزانية التي أنفقت عليه والتي قُدّرت بخمسين مليون دولار، ومع ذلك يُذكر دائما بوصفه واحدا من الأفلام المبكرة التي تنبأت بظهور العوالم الافتراضية في المستقبل القريب، ورسمت له سيناريو كئيبا يستحضر النظام الطبقي نفسه الذي يُعاش على أرض الواقع، وربما بصورة أكثر قتامة.

 

ريدي بلاير وان (Ready Player one).. الميتافيرس بعيون سبيلبيرغ

نحن هنا نتحدث عن واحد من أهم أفلام الخيال العلمي التي قدّمت فكرة مطابقة تماما تقريبا لفكـرة عالم الميتافيرس قبل إطلاقه بواسطة فيسبوك بثلاث سنوات، والأهم من ذلك أن هذا العالم جاء من خلال رؤية المخرج الأميركي المبدع "ستيفن سبيلبرغ" الذي قدم مسيرة سينمائية متكاملة من أفلام الخيال العلمي، على رأسها أفلام الحديقة الجوراسية والفك المفترس وقائمة شندلر وغيرها.

 

فيلم "ريدي بلاير وان (Ready Player One)" مبني على رواية تحمل الاسم نفسه، وتدور أحداثه في العام 2045، حيث يعيش مجموعة من الشبان في منطقة مكتظة بالسكان ومليئة بالواقع المأساوي والحياة الكئيبة في إحدى مدن ولاية أوهايو، لذلك يلجأ هؤلاء الشبان للهروب من واقعهم والدخول إلى العالم الافتراضي من خلال منصة يُطلق عليه اسم "الواحة (Oasis)" التي تتيح للجميع فرصة قضاء وقت ممتع مليء بالترفيه والتسلية، وتقمص شخصيات مختلفة والذهاب إلى أي مكان وفعل أي شيء.

 

ثم يحدث أن يتوفى الملياردير مؤسس العالم الافتراضي، تاركا وراءه مقطع فيديو مُسجَّلا يعلن فيه أنه أخفى لغزا ضمن برمجة اللعبة، وأنه يتنازل عن ثروته وأصول هذه الشبكة الافتراضية الضخمة لأول متسابق يستطيع أن يحل هذا اللغز. يبدأ مجموعة من الشبان في البحث عن هذه الأصول المشفّرة، ليصطدموا بشخصيات افتراضية شريرة تبني جيشا من المجرمين، وتُدار بواسطة شركة عملاقة تسعى وراء الوصول لحل هذا اللغز لتصبح وريثة إمبراطورية الواقع الافتراضي لتتحكم فيه وفي مستخدميه.

 

الفيلم من إنتاج عام 2018، وحصد تقييما نقديا إيجابيا مرتفعا من المشاهدين والنقاد انعكس على هيئة إيرادات هائلة بحوالي 580 مليون دولار مقابل ميزانية إنتاج قدرت بحوالي 155 مليون دولار، وترشح لعدد كبير من جوائز المهرجانات الكبرى، ونال بالفعل عدة جوائز، خصوصا في فئة المؤثرات البصرية.

 

شاب حر (Free Guy).. هل تعيش في عالم واقعي بالفعل؟

 

أحدث أفلام هذه القائمة، من إنتاج عام 2021، فيلم "شاب حر (Free Guy)" هو فيلم خيال علمي في إطار كوميدي من بطولة "ريان رينولدز" الذي يظهر عادة في هذه النوعية من الأفلام، ومثّلت بجانبه هذه المرة الممثلة البريطانية "جودي كومر". حقق الفيلم إيرادات كبيرة في السينما قُدّرت بحوالي 331 مليون دولار في مقابل ميزانية إنتاج تقدر بحوالي 100 مليون دولار.

 

يعمل "غاي" موظف صراف في أحد البنوك، يستيقظ كل يوم صباحا، يرتدي الملابس نفسها ذات القميص الأزرق، يشرب المشروب الصباحي نفسه، ويذهب إلى المصرف ليمارس العمل نفسه. بمرور الوقت، يبدأ غاي في الاكتشاف بأنه لا يعيش في عالم حقيقي، وإنما هو "لاعب غير مؤثر" في لعبة افتراضية ضخمة، يتعرّض فيها مصرفه إلى محاولات للسرقة. لاحقا يتضح أن هذا العالم الافتراضي يضم لاعبين غير مؤثرين يعيشون في المدن بلا أهمية تُذكر مثل غاي، ولاعبين مؤثرين هم الذين يمكنهم التأثير وتغيير مجريات الأحداث.

 

يتعرف غاي على فتاة مؤثّرة تدعى ميلي، ويقرر أن يتحول من كونه لاعبا غير مؤثر في اللعبة إلى التعاون مع ميلي التي تعمل على إفشال مخططات شريرة تستهدف سرقة أكواد خاصة باللعبة للسيطرة عليها. الفيلم رغم أنه غارق في أحداثه حول أحداث خيالية مرتبطة بفكرة الواقع الافتراضي، فإنه يقدم أيضا رسائل فلسفية عميقة، مع تحوّل غاي من شخص هامشي عادي إلى شخص مؤثر في لعبة افتراضية كبيرة يسعى لإنقاذها من الانهيار، وأيضا يقدم إطارا دراميا وكوميديا للأحداث جعلته يحصد إعجاب المشاهدين والنقاد، ويحصل على تقييمات نقدية إيجابية مرتفعة.

 

رالف المدمر (Wreck it Ralph).. إرادة الخير لشخصية افتراضية

رالف المدمر ( Wreck it Ralph )

واحد من أفضل أفلام "والت ديزني" لعام 2012 فيلم الرسوم المتحركة الأنيميشن "رالف المدمر (wreck it ralph)"، والذي حقق نجاحا مدويا على المستوى الجماهيري والنقدي انعكس على إيراداته الضخمة التي قاربت نصف مليار دولار انطلاقا من ميزانية تقدر بحوالي 165 مليون دولار. لعب الأداء الصوتي للشخصية الرئيسية للفيلم الممثل الأميركي جون سي ريلي، إلى جانب مجموعة من النجوم بأدوار مختلفة.

 

رالف هو الشخصية الشريرة في إحدى ألعاب الفيديو، ينمو بداخله وعي ذاتي في مرحلة ما يدرك من خلاله أن الناس لا يحبون أدوار الشر، وأنه يطمح لأن يكون شخصية محبوبة، فيقرر التوقف عن أداء دور الشرير في ألعاب الفيديو. يحاول رالف أن يذهب إلى إحدى الحفلات التي تجتمع فيها شخصيات ألعاب الفيديو المتعددة، إلا أن الجميع ينبذه، فيقرر رالف أن يطوف على كل ألعاب الفيديو بنفسه ليحصل على الميدالية التي تعني أنه شخصية طيّبة مُسالمة، فيجلب الخراب لجميع الألعاب الأخرى التي يقتحمها.

 

في عام 2018، صدر الجزء الثاني من فيلم "رالف المدمر" بعنوان "رالف يدمر الإنترنت"، ليحقق هو الآخر إيرادات ضخمة قاربت الـ530 مليون دولار، ويتصدر شباك التذاكر عدة أسابيع. ترشّح الفيلم بجزئيه إلى عدد كبير من الجوائز العالمية، واستطاع أن يقتنص عددا كبيرا منها أيضا، خصوصا في مجالات الرسوميات والتمثيل الصوتي.

 

الفيلم مناسب لكل الأعمار، ويقدم فكرة جديدة ومختلفة: ماذا لو ملكت الشخصيات الافتراضية التي نراها في ألعاب الفيديو وعيا مستقلا يجعلها تدرك أنها في واقع غير حقيقي، وأن لديها إرادة حرة للاختيار بين شخصيات الخير والشر؟ على الرغم من أن الفيلم يستهدف التسلية بالأساس، إلا أنه يتضمن في مشاهده الكثير من المشاهد الفلسفية العميقة التي لفتت أنظار المشاهدين والنقاد بوصفه واحدا من أهم الأفلام التي قدمت نموذج الواقع الافتراضي بمعالجة مختلفة وجذابة للغاية.

 

المصفوفة (The Matrix).. أول تحذير

 

بالتأكيد هذا الفيلم هو أشهر أفلام هذه القائمة وأكثرها نجاحا. سلسلة أفلام "المصفوفة (Matrix)"، التي صدر الجزء الأول منها في عام 1999، وحصدت إيرادات ضخمة بأجزائها الثلاثة، لتصبح واحدة من أكثر سلاسل الأفلام في التاريخ جذبا للإيرادات، إلى جانب تقييم نقدي إيجابي، تفاوتت قليلا في نجاحها ولكن في المحصلة كانت محل إقبال جماهيري كبير.

 

قصة الفيلم الجوهرية التي تدور حولها جميع أجزائه هي شبكة افتراضية عثر عليها قرصان إنترنت تسمى "ماتريكس"، ليجد المبرمج "توماس أندرسون" نفسه متورطا في أحداث لم يضعها في حُسبانه داخل شبكة محاكاة كاملة للعالم الحقيقي التي يتضح له أنها من صناعة آلات ذات ذكاء اصطناعي خارق تستهدف استخدام البشر بوصفهم مصدر طاقة لها بعد أن دمّر البشر مصادر طاقتها الأساسية في المستقبل.

 

العامل المشترك في هذه السلسلة من الأفلام وعالم الميتافيرس الذي بدأنا نشهده اليوم هو الجمع بين الواقع الحقيقي والافتراضي من خلال جلوس المستخدم على المقعد الخاص بالمحاكاة وارتداء الخوذة المصممة للدخول للعالم الافتراضي، لينام في عالم الواقع ويبدأ رحلته اليقظة في العالم الافتراضي. هذا التصور يشبه كثيرا عالم الميتافيرس في طريقة التعامل معه اليوم، وإن كان الدخول إلى عالم الميتافيرس الآن لا يتطلب أن يكون مستخدمه نائما.

 

وعلى الرغم من أن الجزء الأول من الفيلم نال أكبر قدر من الشهرة، فإن الأجزاء الثلاثة كانت مثار جدل استمر طويلا حتى الآن بين المشاهدين والنقاد، خصوصا أنها تقدم فيضا من الألغاز والرموز التي تبدو للكثيرين غير مفهومة في سياقها، وتمتلئ برموز تاريخية ودينية وماسونية تحيط بحبكة الفيلم الأساسية في الصراع بين ما هو واقعي وما هو افتراضي؛ ما جعل الفيلم منهلا لمعتنقي نظريات المؤامرة أو الذين يميلون لأحداث ما وراء الطبيعة عموما.

 

حروب الصيف (Summer Wars).. ميتافيرس غير ودّي

في الدقائق الأولى من الفيلم، تظن أنه فيلم رومانسي تماما عندما تتعرف على "كينجي"، الشاب الخجول العبقري في الرياضيات، والذي يخفي مشاعره الداخلية تجاه طالبة صديقة له. تعرض عليه الطالبة أن تصطحبه إلى الريف -حيث تقيم أسرتها- للحصول على فرصة عمل صيفية، فيوافق الشاب، ليكتشف الأصول النبيلة لعائلة صديقته.

 

تمضي الأحداث العادية الرومانسية للفيلم حتى تصل للطالب رسالة بمسألة رياضية، ولأنه محب للرياضيات يستطيع حل المسألة، ليفتح أمامه عالم افتراضي غريب يقلب أحداث الفيلم ومجرياته تماما، حيث يكتشف أنه بحلّه لهذه الرسالة نجح في اختراق مؤسسة تتحكم في عالم افتراضي كامل يُدعى "أوز" طُوّر بواسطة نظام ذكاء اصطناعي ذي نزعة سادية، يُطلق عليه "آلة الحب"، وأنها تتسبب في إحداث فوضى عارمة في العالم، حيث يمكن أن يسهم تغيير بعض إشارات المرور إلى موت الأبرياء.

 

فيلم الأنيميشن الياباني "حروب الصيف (Summer Wars)" من إنتاج عام 2009، ويعتبر من الأفلام المهمة في العقد الأول من الألفية التي تناولت تصوّرا للحياة في عالم افتراضي، وتأثير هذا العالم على العالم الواقعي. حقق الفيلم نجاحا جيدا بين الجمهور والنقاد، حيث جمع إيرادات تقدر بحوالي 18 مليون دولار، ورُشّح لعدد من الجوائز في اليابان وحول العالم.

 

في النهاية، بالتأكيد فكرة الواقع الافتراضي ليست جديدة، وظهرت بالفعل ربما مع ظهور الإنترنت في نهاية الثمانينيات، واستهلكتها الروايات والأفلام في حبكات عديدة تتصور مستقبلها، لكن الجديد هنا هو أن البشرية تشهد دخول الفكرة إلى حيّز التنفيذ بالفعل، وأن السنوات المقبلة ستكون شاهدة على ظهور نوعية جديدة من العوالم الافتراضية تخلق واقعا موازيا لم تعايشه البشرية من قبل، إلا في خيالهم المحض!

———————————————————————————————–

المصادر:

1- هل الميتافيرس "فقاعة"؟.. ارقام مفاجئة لاستطلاع بين الشباب في أميركا

  • الأفلام المذكورة في القائمة ضمن مشاهدات الكاتب الشخصية، وكل المعلومات الواردة في التقرير مُستمَدَّة من وصف الأفلام ذاتها.
المصدر : الجزيرة