كثيب (Dune).. الدراما الدينية التي سحرت العالم

كثيب (Dune).. الدراما الدينية التي سحرت العالم

في حفل توزيع جوائز الأوسكار الرابع والتسعين، وعلى مسرح "دولبي" في هوليود، حصل فيلم "Dune" أو "كثيب" للمخرج "دَنيس فيلنوف" على 6 من جوائز الأوسكار الذهبية. ورغم أن الفيلم كلَّف حوالي 165 مليون دولار، فإنه الآن ثاني أنجح أفلام الخيال العلمي في حفل توزيع جوائز الأوسكار بعد فيلم "Mad Max: Fury Road" الذي صدر عام 2015. إن فيلم "كثيب" الذي يحكي عن حروب ومؤامرات بين الكواكب والبيوتات الملكية، والديدان العملاقة الغريبة، وأسطورة الرجل المُختار الذي يقود شعب الصحراء الغامض المُسمَّى بالرجال الأحرار (Freemen) نحو النصر في المستقبل البعيد، هو فيلم مُقتَبَس من رواية بالاسم نفسه للروائي الأميركي "فرانك هِربِرت"، الذي كتب روايته عام 1965 وباتت من كلاسيكيات أدب الخيال العلمي والمستقبليات.

رواية

لكن من يقرأ رواية "كثيب" لا يلحظ فقط الإسقاطات التاريخية والسياسية والثقافية على عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، بل يلحظ أيضا تأثُّر عالم الرواية بالثقافة الإسلامية، حتى إن مُترجِم رواية "كثيب" إلى العربية "نادر أسامة" وضع في نهاية الرواية "مسرد المُصطلحات المُستَخدَمة في الإمبراطورية"، وأغلبها مُستَمَد من الثقافة الإسلامية، مثل أدب (ADAB) وعَماس (AUMAS) وآيات (AYAT) وإعجاز (IJAZ)، وغيرها الكثير. بل إن اسم الكوكب الذي يدور فيه الصراع، "أرَّاكيس (ARRAKIS)"، هو اسم عربي مُحرَّف لنجم "الراقص". ورغم هذه الإسقاطات الواضحة والاقتباس الذي لا تخطئه عين، ظلت الحبكة الدرامية التي قدَّمتها الرواية منتشرة في عالم الدراما الغربية لحوالي نصف قرن، حتى كُلِّلَت بفيلم من إخراج "فيلنوف"، الأمر الذي يطرح سؤالا: لماذا سحرت دراما "كثيب" العالم؟

 

دراما الرجل المختار وأصولها الإسلامية

لم يكن فيلم "كثيب" العمل الدرامي الأول المقتبس من رواية "هِربِرت"، فقد صدرت ثلاثة أعمال على الأقل مقتبسة مباشرة من الرواية، وهي: فيلم "الكثبان" من إخراج "ديفيد لينش" عام 1984، والمسلسلان التلفزيونيان القصيران "الكثبان" و"أطفال الكثبان"، ويمكن أن يضاف إلى القائمة المسلسل الشهير "حرب النجوم (Star Wars)". غير أن الثيمة الدرامية للرواية والعالم المستقبلي البعيد الذي صوَّرته، بإسقاطاته السياسية والثقافية، امتد إلى الكثير من الأعمال الدرامية طيلة خمسين عاما تقريبا.

 

تدور قصة "كثيب" باختصار حول إمبراطور يحكم نظاما عالميا من الكواكب التي سكنتها عائلات إقطاعية لها ثقل سياسي، وهو نظام فضائي يقوم على تجارة ما يُسمَّى "التوابل"، التي بدونها يستحيل السفر بين الكواكب ويتوقَّف نظام التجارة الكوني كله. وتوجد هذه التوابل في كوكب "أرَّاكيس"، وهو كوكب صحراوي على هامش الحضارة، سُكَّانه مهزومون وضعفاء، ومحكومون بواسطة جيوش من كواكب أخرى أقوى منهم هي التي تضمن تدفُّق التوابل نحو مركز النظام الكوني. وهُنا بالطبع تبدو الإسقاطات السياسية واضحة بالرواية، حيث تصوِّر الصراع بين القوى العظمى على الشرق الأوسط الذي يمتلك النفط وبدونه تتوقف التجارة العالمية.

تبدأ القصة بتولي بيت "أترَيديس" القوي ذي المكانة السياسية الثقيلة بالإمبراطورية مسؤولية كوكب "أرَّاكيس"، بعد أن حكمه بيت "الهاركانِن". بيد أن "ليتو أترَيديس" يتعرَّض للخيانة ويُقتل ويُترك ابنه للصحراء كي تبتلعه. ولا تكتمل الرواية إلا بعودة الابن "بول أترَيديس" مرة أخرى قائدا لشعب الصحراء، فيهدم الإمبراطورية كلها ويُخرِّب نظامها القائم. هذه الثيمة الدرامية التي تتكوَّن من الخيانة والاستبعاد، ثم عودة البطل مصبوغا بصبغة "الرجل المختار" صاحب القدرات الاستثنائية ليهزم النظام القديم، امتدت إلى كثير من الأعمال الدرامية، منها "ماتريكس (Matrix)" مثلا، كما يمكننا أن نرى ثيمة العودة في فيلم الرسوم المُتحرِّكة الشهير "الأسد الملك"، الذي يحكي قصة ملك يتعرَّض للخيانة ويُقتل، ويهرب ابنه إلى الصحراء، ثم يعود وينهي حكم عمه "سكار" المتحالف مع الضباع، ويستعيد مجد "أرض العزة".

matrix

نجد كذلك أن ثيمة عودة المُخلِّص ذي القدرات الأسطورية ليُدمِّر النظام القائم قد تكرَّرت في المسلسل الشهير "لُعبة العروش" الذي احتوى على قصة رواية كثيب نفسها بالضبط بعد دمجها مع تاريخ حروب الوردتين. ففي المسلسل كذلك بيوتات سياسية تحكُم 7 ممالك، ويستدعي الملك دوق أرض الشمال ليكون مساعده؛ فيتعرَّض للخيانة وتُباد أسرته، حتى يعود "جون سنو" المُخلِّص ملك ملوك الشمال، ويتحد مع ابنة الملك المجنون ليدمِّروا النظام القديم للإمبراطورية كلها وينتصروا على ملك الموتى ويعم السلام.

 

غير أن تحريف قصة كثيب ودمجها بالتاريخ المحلي، مع الاحتفاظ بثيمة الخيانة والعودة والانتقام ذاتها، وردت في عدة أعمال فنية غير أميركية، وتحديدا في عالم الأنمي الياباني. وأشهر مسلسلين استخدما ثيمة "كثيب" هما "كود غيس (Code Geass)" و"الهجوم على العمالقة (Attack on Titan)"، ففي "كود غيس" يعود "لولوش" ابن الإمبراطور الذي نُفي منذ الصغر إلى المستعمرة البريطانية 11 المعروفة باليابان، ليقود المقاومة اليابانية ويُدمِّر الإمبراطورية البريطانية، كما يعود "إيرين" ابن الطبيب ذو الدم الملكي في "الهجوم على العمالقة"، الذي وُلد في جزيرة "برادايس" كي يُدمِّر البشرية كلها.

"كود غيس (Code Geass)"

لكن، من أين أتى "فرانك هربرت" بفكرة المُخلص أو الرجل المختار التي انتشرت في الدراما الغربية وغير الغربية؟ بالعودة إلى رواية "كثيب"، نجد أن أهل كوكب "أرَّاكيس" ذوي الثقافة الإسلامية الواضحة، قد أطلقوا لقب "المهدي" بالنطق العربي نفسه على "بول أترَيديس". وبتمعُّن أكثر أثناء قراءة الرواية، نجد أن الرواية مبنية بالأساس على قصة "المهدي المنتظر" الإسلامية، الرجل الذي سيظهر ليُدمِّر النظام القائم و"يملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما مُلئَت ظلما وجورا". بيد أن فرانك جعل هذا المهدي الذي سيقود سكان الصحراء لتدمير النظام الكوني مجرد ابن لدوق غربي، أي سليل عائلة إقطاعية بالنظام الإمبراطوري.

 

الخيال العلمي.. هل هو صورة أخرى للسياسة؟

"لم أشعر أن ديفيد لينش أخذ رواية كثيب على محمل الجد. هذا هو مربط الفرس. بالنسبة لي، أنا أتعامل مع الخيال العلمي بمنتهى الجدية"

– "دِنيس فيلنوف"، مخرج فيلم "كثيب"

قلَّما يمكننا أن نجد دراما خيال علمي من إنتاج بلدان غير غربية، والسبب في ذلك، إلى جانب الميزانيات الضخمة والإمكانيات التكنولوجية الضرورية، يعود إلى طبيعة الخيال العلمي نفسه، إذ إنه ابن الثقافة الغربية بالأساس، فهي الثقافة الأولى التي تم تنظيمها حول التكنولوجيا، أي إنها الثقافة التي ترعرعت عبر تحويل الطبيعة والعالم كله إلى مورد يمكن توظيفه والتحكُّم به من خلال العقل. وتحوي التكنولوجيا معنى أبعد من مجموع أدواتها وتقنياتها المُعقَّدة، فهي تشير بالأساس إلى إمكانية التعامل مع العالم كأداة، أو ما أسماه المُفكِّر "عبد الوهاب المسيري" بالعقل الأداتي، وهو العقل الذي يُبشِّر بإمكانية إنهاء جميع المشكلات الإنسانية والاجتماعية والسياسية عبر تحويلها إلى مجموعة خطوات تقنية وبرتوكولات فنية أو حلول خوارزمية.

 

بهذا الشكل يجري التعامل مع أي مشكلة تخص مجموعة من البشر بتحويلهم إلى مادة يمكن نقلها أو تقليل كتلتها أو حتى إبادتها بالكامل. وبالمثل، يمكن التغلُّب على أي مشكلة سياسية بتحويلها إلى صورة من صور الإدارة، حيث تُسخَّر الموارد لإيجاد حلول متزنة للصراعات. فالالتقاء بين التكنولوجيا والإنسانية يُهيِّئ ظروف احتمالية الخيال العلمي، الذي يظهر من خلال استكشاف المساحة بين التكنولوجيا والسياسية.

 

إذا كان "السياسي" -حسب تعريف "كارل شميت"- هو كل سياق يمكن فيه التمييز بين أصدقاء وأعداء، وإذا كان الخيال العلمي يؤسس عبر دمج التكنولوجيا بالسياسة للتفكير في العلاقة بين الواقع وترويضه أو إعادة ترتيبه، فإن هذا يجعلنا نتساءل عن نوع النظرية السياسية التي تطرحها رواية "كثيب" والفيلم الأخير المقتبس عنها. إذ يُقدِّم عالم كثيب تصوُّرا لكون مستقبلي تطغى عليه مظاهر الثقافة الإسلامية، فأغلب المصطلحات العلمية والتقنية المستخدمة في هذه الإمبراطورية المستقبلية تعود لأصول إسلامية، كما أن الكوكب ذا الأهمية العُظمى في تلك الإمبراطورية كلها هو كوكب "أرَّاكيس" الذي يسكنه سكان الصحراء ويمتلكون "التوابل".

dune

إضافة إلى ذلك كله، دمج "فرانك هِربِرت" بين عالم الصحراء الساحر وتاريخه الثقافي المُدهِش، والنزعة المشيحانية (المهووسة بقدوم المهدي) والجَبرية، مع قليل من التعصُّب وصفات الخضوع و"الدروشة"، بوصفها جميعا صفات مُتأصِّلة في العالم الإسلامي حسب الرؤية الغربية؛ ما جعل سكان الصحراء يعطون "بول أتريديس" ابن الدوق الغربي صفة "المهدي" وفقا لأسطورتهم القديمة التي تُبشِّر بظهور رجل من خارج عالمهم يجلب لهم النصر ويُحقِّق العدل. ولكن على عكس كل الصفات والرُتَب الغربية، لا يشير لقب "المهدي" إلى صاحب السلطة أو الجاه، بل يشير حسب الثقافة الإسلامية إلى فسخ النظام الموجود، وإنهاء الامتيازات والظلم والقسوة، ومن ثم فإن المهدي هو المُعطِّل لجميع الهرميات إلا تلك المبنية على الفضيلة.

 

يَبرز "المهدي" في الثقافة الإسلامية بوصفه شخصية تظهر آخر الزمان، فهو يَؤم المسلمين ويُنهِي الظلم والجور وينشر القسط والعدل. ورغم أن صفاته تتباين في الروايات السُنِّية والشيعية، فإن جميع المذاهب الإسلامية تتفق على دلالته التي تشير إلى تجاوز التصنيفات الاجتماعية والسياسية الدنيوية، حتى إن كثيرا من الخلفاء اتخذوا لقب المهدي كجزء من أسمائهم الملكية أو السياسية، كما فعل الزعيم السوداني "محمد أحمد المهدي"، مؤسِّس الدولة المهدية بالسودان في نهاية القرن التاسع عشر. ولذا فإن لقب المهدي يسمو فوق أي لقب أو نظام، بل هو لقب خارق للنظام.

الزعيم السوداني "محمد أحمد المهدي"، مؤسِّس الدولة المهدية بالسودان
الزعيم السوداني "محمد أحمد المهدي"، مؤسِّس الدولة المهدية بالسودان

في المقابل، فإن لقب الدوق مُشتَق من كلمة "دوكس" اللاتينية، التي كانت رتبة كبار ضباط الجيش الروماني المتأخر، وكانوا مسؤولين عن مقاطعات على ثغور الإمبراطورية. ومع سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية بات لقب الدوق مُدرَجا ضمن نظام النبلاء الأوروبي، فصار الدوق ثاني أعلى رتبة، ولا تعلوه سوى الألقاب المَلَكية. وكثيرا ما مارس الدوقات سلطات سيادية، حيث يدل لقب الدوق ضمنيا على نظام إقطاعي وراسخ من الامتيازات تغلب عليه القيم الوراثية بدلا من القيم الأخلاقية.

 

في روايته، يضع فرانك اللقبين أحدهما أمام الآخر. فظهور شخصية المهدي ضمن الكثبان يهدم كل تصورات العالم الغربي عن العالم الإسلامي والعربي الذي يملؤوه الجمود والاستبداد، إذ تعود الثقافة الإسلامية مرة أخرى ناهضة لتتصل بتاريخها الذي انقطعت عنه وأمَّمته الإمبراطورية لصالحها. وبذلك لا تُقدِّم الرواية الثقافة الإسلامية كجزء من تاريخ المستقبل، بل كشيء أهم من ذلك بوسعه أن يقلب الطاولة. أما الهرمية التي بُني عليها الغرب ليكون مُعارِضا للإسلام ومتعاليا على بقية العالم، فتصبح مقلوبة، حيث إن المستقبل يمكن أن يحمل للغرب محض دور ثانوي أمام السيادة الإسلامية. والدوق، اللقب ذو التراتبية الإقطاعية، لا يمكنه بحال من الأحوال أن يُقارَن بالمهدي، اللقب الذي يتسامى فوق أي تراتبية إلا تراتبية الأخلاق الفاضلة. فكيف يمكن للخيال العلمي أن يتعامل مع هذا المستقبل الذي يُهدِّد عرش تفوُّق وسيادة الحضارة الغربية؟

 

كثيب.. هل هو استشراف استشراقي؟

dune

"الاستشراق في نهاية الأمر عبارة عن نظام من الاستشهادات المتكررة من الأعمال السابقة"

– إدوارد سعيد، كتاب الاستشراق

أوضح إدوارد سعيد في كتابه كيفية اعتماد الخطاب الغربي على "الاستشراق" لتصوير الإسلام، إذ يوفِّر الاستشراق قوالب جاهزة للتعبير عن الثقافة الإسلامية والظواهر المرتبطة بها، التي يمكن تنظيمها حول 3 موضوعات رئيسة: أولا أن هناك اختلافات أنطولوجية ونظامية وثابتة بين الإسلام والغرب، وثانيا أن عالم الإسلام صورة مضادة للتمثيلات الذاتية للغرب، حيث يُعَد عالم الإسلام ثابتا ومُتجانسا في العموم وصورة معكوسة لكل ما هو غربي، وثالثا أن عالم الإسلام متشابك وغامض فلا بد من الخوف منه أو قهره. ولأن عالم الإسلام كما يصوِّره الاستشراق غامض ويصعب فك شفرته، فعلى الخيال العلمي أن يتدخل هنا ليستكشف هذا العالم، كما يفعل مع العوالم المعادية للغرب مثل عالم الفضائيين الذين يريدون غزو الأرض.

 

أما "فرانك هربرت"، فرغم أنه بنى مستقبلا تم تحديده من قبل الثقافة الإسلامية، فإنه لم يخرج عن الخط الاستشراقي العام. فالرجل الغربي ما زال متفوقا وقادرا على أن يتنكَّر في هيئة السكان الأصليين ويهزم أحد مقاتلي الصحراء بسهولة رغم حداثة سنِّه، وما زالت الجماهير المُسلِمة ذات طبيعة بدائية بسيطة تؤمن بالخرافات والأساطير وتجد في الرجل الأبيض مُمثَّلا في "بول أتريديس" مُنقِذها ومُخلِّصها بل والمهدي الخاص بها. ولكن على عكس أفلام الخيال العلمي التي كثيرا ما صوَّرت غير الغربيين في كينونات غير بشرية مثل الفضائيين، بث فرانك الثقافة الإسلامية في المستقبل بكثافة، ثم جعل سكان الصحراء "الأحرار (Freemen)" أشباه مُسلِمين يعيشون في ماضي هذا المستقبل على أطراف العالم المُتحضِّر في حياة بائسة داخل بيئة صحراوية قاسية، وهي صورة مُعاكِسة تماما لصورة العائلات الإقطاعية بالإمبراطورية التي يعيش أبناؤها في مركز الحضارة داخل قصورهم الشتوية الفخمة.

dune

من خلال هذه الثنائية المتضادة، أسّس فرانك للعلاقة الصِّفرية بين الإسلام والحضارة الغربية، فلا توجد الثقافة الغربية والإسلام في إطار واحد إلا بوجود إحداهما على حساب الآخر، كما لا يمكن أن يستمر حضور سكان كوكب "أرَّاكيس" داخل القصور إلا بوصفه حضورا مؤقتا، مثله مثل حضور الشخصيات الغربية في الصحراء الذي سرعان ما ينتهي. فعالم الحضارة والإمبراطورية لا يمكن أن يتعايش مع عالم القبائل والهمجية، وحتى إن وُجِد المُسلِمون في المستقبل، فقد وضعهم فرانك في خانة التابع ولو كان هذا المستقبل مبنيا على الثقافة الإسلامية. ويسمح ذلك بإدراج التاريخ والماضي بكل إنجازاته ضمن الإرث المشترك دون دفع أي تعويضات أخلاقية، بل يسمح باستمرار عمليات النهب، فالأعطية التي تأتي من أرض بلا هوية سياسية حق للأمم القوية.

 

غير أن التهديد الذي يحيط بهذه الإمبراطورية ونظامها الكوني هو تحرُّك هؤلاء البؤساء من سكان الصحراء، والأخطر أن تحرُّكهم لا يحدث وفق أي معجم سياسي مُشتَق من تاريخ الغرب. فليست شعارات الثورة الفرنسية ولا الروسية هي ما فتح الباب أما اقتحام رجال الصحراء الأحرار قصور الإمبراطورية، بل عودة المهدي الذي يمثل فسخا للنظام القائم كله. ويجعل ذلك من رواية "كثيب" والأفلام المُشتَقة عنها مغايرة لنمط الخيال العلمي الشائع، إذ يُقدِّم فرانك نبوءة لانتهاء السياسة بصفتها لعبة يلتزم خلالها الخصوم بالقواعد مثل الشطرنج، ويُبشِّر بـ"السياسي"، السياق الذي يظهر فيه بجلاء أصدقاء وأعداء مع التفرقة بينهم، فتنشب معركة ضد أعداء تجب هزيمتهم بأي وسيلة ولو أدت لانهيار النظام العالمي كله. وظهور المهدي في "كثيب" هو الخطر الذي هدَّد عالم بيوت النبلاء داخل الإمبراطورية وهدمها بالكامل بعدما أعاد إدماج عالم الكثبان في سياقه السياسي الذي انقطعت عنه.

 

هذا الخطر الشديد الذي تُبشِّر به "كثيب" لا يمكن تجنُّبه إلا عبر شخصية المهدي نفسه، شخصية "بول أتريديس" ابن الدوق، الفتى الصغير السن الذي أتى مع والدته إلى كوكب "أرَّاكيس"، وهربا معا إلى الصحراء ليلة اغتيال الدوق "ليتو أتريديس". وبعدما تزداد شهرة الفتى ويذيع خبره بين قبائل سكان الصحراء على أنه "المهدي المنتظر"، ويحتشد مريدوه في ليلة مُظلِمة تحت ضوء القمر، يرفع "بول" يده لإسكات الحشد، ويرتدي خاتم والده، ثم يعلن قائلا: "أنتم تقولون إنني المهدي، وأنا أقول إنني دوقكم".

dune
"بول أتريديس"

هذا التنازل الذي أعلن عنه "بول" لا يُقرِّر فقط أولوية المعجم السياسي الغربي، بل يغير هوية "بول" جذريا، من المهدي المحارب لإقامة العدل إلى الثائر المطالب بأحقيته في السلطة ضمن التصنيفات الغربية، وبذلك تقدم القصة مخرجا للحضارة الغربية من الخطر الذي يهددها مستقبلا، حيث إن اللقب السلطوي الأدنى درجة مثل "الدوق" أفضل من لقب أخروي لا غربي مثل "المهدي". أما ما جعل "بول" يتفوَّق على بارونات النظام القديم وإمبراطورها، فهو قدراته الشخصية وتجربته السياسية مع رجال الصحراء، ونجاحه على إخضاعهم وقيادتهم، ولذا كان الاختيار الطبيعي لبول هو تفضيل الامتياز السلطوي على التغيير الثوري، فهو ووالدته وحتى أخته الصغيرة ليسوا إلا استثناء أو طفرة داخل هذا النظام، وقدرتهم على تدميره هو ما يعطيهم أحقية قيادة الإمبراطورية وإعادة ترتيبها من الداخل.

 

يطرح "كثيب" مستقبلا مختلفا لعالم مُهدَّد بخطر الأفول السياسي الذي قد يُدمِّر نظامه القائم، وذلك عبر تحرُّك المسلمين أو من على شاكلتهم من أغيار غير غربيين وفق معجم سياسي غير غربي، إلا أنها تعيد تكريس الإطار الاستشراقي والاستعماري الغربي عبر بثِّ التفوُّق الغربي المبني على الامتيازات وهرمية السلطة، مقابل المعجم السياسي الإسلامي الأخروي المبني على الفضيلة، وما شابهه من معاجم سياسية مستوحاة من الأديان الشرقية يُنظَر لها بوصفها أدنى منزلة من النظام السياسي الغربي.

————————————————————————-

المصادر والمراجع:

  1. ‘Dune’ wins 6 Oscars at Academy Awards
  2. Dune Is Epic, but That’s Not Why It’s Great
  3. The Blockbuster That Hollywood Was Afraid to Make
  4. ‘Dune’ Review: A Hero in the Making, on Shifting Sands
  5. سلمان سيد، استعادة الخلافة: تفكيك الاستعمار والنظام العالمي.
  6. إدوارد سعيد، الاستشراق، ترجمة محمد عناني.
المصدر : الجزيرة