مسلسل "البحث عن علا".. هل كنا نبحث عن علا حقا أم عن نتفليكس؟

البحث عن علا

إذا لم تكن قد سمعت به، وهذا مُستبعَد على كل حال، فدعنا نخبرك أن "البحث عن عُلا" هو مسلسل من ست حلقات أذاعته شبكة "نتفليكس"، وهو يُعَدُّ الجزء الثاني من مسلسل "عايزة أتجوز" الذي عُرض خلال شهر رمضان عام 2010. كان الجزء الأول من المسلسل يسرد قصصا منفصلة متصلة عن "عُلا عبد الصبور"، فتاة في أواخر العشرينيات من عُمرها، ترغب في الزواج، وتسرد حلقات المسلسل قصصها مع الأشخاص المُتقدمين لخطبتها، الذين يجمعهم على اختلاف شخصياتهم شيء واحد، وهو أنهم لا يعرفونها سابقا ويجلسون في صالون بيتها بهدف الزواج منها، فيما يُطلَق عليه مجتمعيا "زواج الصالونات". في نهاية الجزء الأول من المسلسل تجد "عُلا" شابا، هو هشام الطبيب النفسي، ويتبادلان الإعجاب ويُقرِّران الزواج.

 

بعد نحو 12 عاما من عرض "عايزة أتجوز"، تُذاع حلقات "البحث عن عُلا" مُسلِّطة الضوء على حال عُلا وهشام بعد 12 عاما من الزواج، وبعد إنجاب طفلين. يُقرِّر هشام أنه لا يرغب في أن تستمر حياته بهذا النمط، فبعدما أُصيب بأزمة قلبية وهو في الخامسة والأربعين من عمره، يُقرِّر أنه لا بد أن ينفصل عن زوجته ويبدأ في البحث عن سعادته وسنوات عمره المفقودة. في الوقت نفسه، تجد عُلا أيضا أنها لم تكن نفسها طوال سنوات الزواج، هي فقط كانت النسخة التي يرغب هشام بها، قاطعت صديقتها الوحيدة، تنازلت عن عملها، فقط لأنه يرغب في هذا. بعد الطلاق قرَّرت عُلا أن تعود إلى العمل، أن تبحث عمّا فاتها هي أيضا من سعادة وانطلاق فقدته بسبب الواجبات الأسرية ورغبات الزوج.

 

وفي القلب من أحداث مسلسل "عايزة أتجوز"، والجزء الثاني منه أو امتداده "البحث عن عُلا"، أو ربما على هامشهما إن توخينا الدقة، كانت هناك السيدات "المطلقات" اللاتي يُشاهدن من وراء الشاشات تلك الحلقات التي تسرد لهن حالة امرأة بعد طلاقها، وبحثها عن "نفسها". فكيف كان شعورهن بعد مشاهدة المسلسل؟ وهل عبَّر عنهن حقا؟

 

أحمد الله أن أمي لن تشاهد هذه الحلقات

"بعد طلاقي من زوجي، وجدت نفسي أضع المزيد من القيود على نفسي تلقائيا، شملت القيود التي أجبرت نفسي عليها تحديد علاقاتي، وإضافة المزيد من الصرامة على طريقة تحدُّثي، حتى نبرة صوتي أحاول أن أجعلها دوما أخشن من طبيعتها". هكذا بدأت سميرة.ع، المرأة الثلاثينية، حديثها مع "ميدان" مُتحدِّثة عن القيود التي فرضتها على نفسها، أو بالأحرى فُرضت عليها بعد الطلاق، التي شملت إلغاء أي مقرر يتعلق بالترفيه أو التنزه مع الأصدقاء من حياتها.

 

سألناها: "لِمَ فعلتِ هذا؟"، فأجابتنا: "لأن جميع مَن حولي، بمَن فيهم والدَيّ وإخوتي وصديقاتي، لديهم نظرة مُحددة عن المطلقات، نظرة نمطية سلبية أعرفها جيدا، ولا أريد أن أُقْدِم على تصرُّف أو أتفوَّه بكلمة تُعزِّز هذه النظرة السائدة عن المطلقات. هل تريدين أن تعرفي ما تلك النظرة؟".

 

سميرة هي سيدة في نهاية الثلاثينيات من عمرها، حصلت على درجة الماجستير في تخصُّصِها من إحدى الدول الأوروبية، وتُجهِّز حاليا للحصول على الدكتوراة بالمراسلة. تقول سميرة إنها لاحظت بعد طلاقها الذي حدث منذ نحو أربع سنوات أن كل شيء يتغير حولها، صديقاتها يبتعدن، رُبما تتصل بهن فيتهرَّبن من التحدث إليها أو الرد عليها، وحينما يتكلَّمن يبدأن في موجة من الشكوى المتصلة من حياتهن وأزواجهن وأولادهن، ولا يتحدَّثن عن أي شيء آخر سوى الجوانب السلبية في حيواتهن، مع الوقت أدركت سميرة أنهن يفعلن هذا خشية أن تحسدهن، فهي في نظرهن المرأة التي أصبحت الآن، بعد تجربة زواج استمرت نحو خمس سنوات، دون زوج أو طفل لأنها لم تُنجب من زواجها. لكن هناك جانب آخر لهذا الأمر، فبعض الصديقات خشين على أزواجهن منها بعد أن أصبحت مطلقة، وكأنهن لا يعرفنها منذ سنوات طويلة، ولا يعرفن طبيعة أخلاقها وقيمها.

 

تقول سميرة: "لقد سافرت وأنا فتاة في العشرينيات من عمري أوروبا بمفردي، تعلَّمت ودرست وحصلت على الماجستير، أما الآن، وأنا امرأة في الثلاثينيات من عمري، لا ترغب أمي في أن أذهب بمفردي إلى مطلع الشارع، فقط لأنني أصبحت مُطلقة".

 

بالنسبة لسميرة وغيرها ممَّن يواجهن درجة التنميط نفسها، ويُنظر إليهن فقط بوصفهن "مطلقات يبحثن عن رجال"، فإن عملا دراميا مثل "البحث عن عُلا" يفرض عليهن المزيد من القيود. تقول عن هذا: "الواقع يقول إن جزءا كبيرا من آراء الناس، خاصة البسطاء منهم، تُكوِّنها الأعمال الدرامية. المسلسل الذي يعرض امرأة مطلقة تخوض في فترة قصيرة للغاية أكثر من علاقة متتالية، وتميل إلى شاب يصغرها بثمانية أعوام، وتوافق على طلب صديقتها بمحاولة "اصطياد" رجل من المتسوقين بمتجر بقالة، وتذهب إلى مقابلة رجال تعرَّفت إليهم من خلال موقع مواعدة (مواقع المواعدة هي مواقع تسعى لتعريف الأشخاص الراغبين في الارتباط ببعض وفقا لمدى التوافق بينهم)، كل هذا يُعزِّز نظرة صديقاتي اللاتي ابتعدن عني لأنهن يخشين على أزواجهن".

البحث عن علا

ربما أراد المسلسل إبراز التخبُّط الذي قد تمر به المرأة في هذه المرحلة، أو ربما يحاول إقناعها أن الطلاق ليس نهاية كل شيء، وأن عليها أن تستأنف حياتها، أليس كذلك؟ هذا بالفعل ضروري، ومهم، حيث تواجه النساء في مجتمعاتنا ظلما واضحا في قضايا كتلك، فالرجل يُطلِّق ويتزوج في العادة، بينما تُهمل المرأة وكأنها سلعة انتهت صلاحيتها. لكن ما فعله المسلسل أنه زاد من الوصم المجتمعي للمطلقات، تقول سميرة: "أنا أحمد الله أن أمي لن تشاهد هذه الحلقات".

 

تعرض سميرة مشكلة أعمق، فعلى الرغم من أن أهداف العمل الدرامي قد تكون أخلاقية في ظاهرها، فإن التطبيق على الشاشة قد يخرج على العكس تماما، لسبب رئيسي هو أن أحدهم لم يبحث بما فيه الكفاية على أرض الواقع. في الحقيقة، "البحث عن عُلا" اختار منذ اللحظة الأولى إطارا لا يُمثِّل 98% مثلا من المجتمع المصري، بل كنّا نسأل منذ اللحظة الأولى: أين عُلا ابنة الطبقة المتوسطة، الصيدلانية في مستشفى حكومي؟ نفهم أن المسلسل يود تغيير وجهة نظر الفتاة من أولوية "البحث عن عريس" في عُلا 2010 إلى أولوية أخرى هي "البحث عن الذات" في عُلا 2022، لكن أي ذات تلك التي لا تُمثِّل في ملبسها ومأكلها ومنزلها وحياتها الاجتماعية سوى طبقة قليلة جدا من الناس؟

 

لقد أحسن المسلسل اختيار موضوعه، لكنه أساء معالجته إساءة بالغة، رغم أنه كان يمتلك فرصة للتعبير عن شريحة واسعة لا تجد بالفعل مَن يتحدَّث عنها. على سبيل المثال، تُشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر إلى أن إجمالي عدد حالات الطلاق بلغ 222,036 حالة عام 2020، بعدما وصل إلى 237,748 حالة عام 2019. يعني ذلك عشرات الآلاف من المطلقات سنويا يحتجن إلى مَن يُمثِّلهن ويتحدَّث بصوتهن، ليس في مصر فقط، ولكن في جميع الدول العربية. (1)

 

ترف البحث عن الذات

البحث عن علا

"نحن نبحث عن فرص عمل إضافية إلى جوار عملنا الثابت لتحقيق المزيد من الدخل لكي نتمكَّن من الإنفاق على أبنائنا، نبحث عن مدرسة جيدة تقبل أطفالنا دون أن تُخبرنا بتوجُّسها من تأثير الطلاق على الطفل، وأن الطفل قد يكون غير مستقر نفسيا، نبحث عن مُحامٍ يتمكَّن من تقنين أوضاعنا خاصة إذا لم يتم الطلاق ودّيا، ويستطيع الحصول على حكم قضائي بنفقة للأطفال من والدهم. البحث عن كل ما سبق يستهلك أعصابنا وطاقتنا كلها، ورُبما مواردنا المادية، فليس لدينا ترف البحث عن أنفسنا أو سعادتنا أو تعويض سنوات عمرنا الضائعة". هكذا بدأت منار.ع، المرأة الأربعينية، حديثها مع "ميدان".

 

انفصلت منار عن زوجها منذ نحو أربعة أعوام، بعد زواج استمر لستة أعوام، لديها طفل يبلغ من العمر الآن 7 أعوام. قضت منار جُلَّ رحلتها خلال السنوات الأربع التي تلت الانفصال في أروقة المحاكم، وبين مكاتب المحامين، لتتمكَّن فقط من حسم ثلاثة أمور: حصولها على الطلاق لأن زوجها رفض أن يُطلقها ولو بالخلع والتنازل عن حقوقها كاملة، ونفقة طفلها لأن والده رفض الإنفاق عليه طيلة هذه السنوات، وأخيرا ولايتها التعليمية على طفلها.

 

حينما شاهدت منار حلقات "البحث عن عُلا" حدَّثت نفسها بهدوء أن المسلسل يتحدَّث عن غيرها، لكنه يَصِمها هي، تقول منار: "المسلسل يتحدَّث عن زوج يرغب في الرحيل فيُطلِّق زوجته بهدوء، دون أن يتركها مُعلقة أو يُلجئها للمحاكم، ينفق على أطفاله ويحرص على رؤيتهم والتواصل معهم. هذا نموذج تقريبا لم أتعرَّض له في حياتي"، وتُضيف: "ليس ذلك فقط، بل يدعم المسلسل توقعات البعض بأن أولوياتي في الحياة هي الحصول على زوج أو الدخول في علاقة، وأنني قد لا أُمانع من اصطياد زوج من البقالة، كما صوَّر المسلسل. بينما الواقع هو أنني أنني لا أقوى حتى على فتح عيني بعد نحو 12 ساعة من العمل، وعلى الأقل 6 ساعات من تلبية احتياجات طفلي وبيتي. لا أقوى على التفكير في الغد، ليس لدي طاقة للخوف من الوحدة، وأولويتي الأولى التي تستهلك تفكيري كله هي أن أفتح عيني لأجد ابني أصبح رجلا يقوى على إعالة نفسه".

 

في المسلسل نجد واقعا مختلفا تماما، فعلى الرغم من أن مشكلة عُلا كانت واضحة، وهي مشكلة كل امرأة مطلقة أو انفصلت عن زوجها: البحث عن دخل، فإن المسلسل ببساطة أوقعها فورا في حلول تلك المشكلات خلال حلقتين إلى ثلاث، قارِن ذلك مثلا بما واجهته أليكس راسل التي لعبت دورها "مارجريت كوالي" في مسلسل "Maid"، حيث حُلَّت مشكلات راسل الاقتصادية على مدى حلقات المسلسل ببطء وواقعية. بينما بدا أن مشكلات عُلا الاقتصادية، التي كانت لتصبح أساسية في سياق المجتمع المصري، قضية هامشية بالنسبة إلى صُنَّاع العمل، الذي بدا لوهلة أنه يريد أن يقترب من قضايا حقيقية كتلك، لكنه في النهاية لم يفعل!

 

هل الطلاق أسهل الحلول؟

البحث عن علا

على النقيض، يبدو أن المسلسل قد تعامل مع كل القضايا الشائكة بدرجة من السهولة الغريبة، بينما أفرد حلقاته لنقطة واحدة فقط وهي كيفية بحث عُلا عن ذاتها ضمن إطار طبقة اجتماعية أنيقة ومُترفة، تجعل رحلة البحث عن الذات تلك سهلة وسطحية ومُنبَتَّة الصلة عن الواقع، تماما كما كانت واقعة الطلاق نفسها.

 

ترى نيرمين.م، الباحثة الاجتماعية الثلاثينية، أن مسلسل "البحث عن عُلا"، وبخلاف ما أثاره من غضب بعض المطلقات بسبب معالجته غير الواقعية، فإنه من ناحية أخرى عزَّز فكرة أن الطلاق هو الحل الأسهل دوما. بالفعل تُثير حلقات المسلسل بعض الأسئلة: هل يتعارض البحث عن الذات مع منظومة الزواج والأسرة؟ هل يكون الطلاق هو أول باب يطرقه الأزواج للتخلُّص من الضغوط؟ فقد أظهر المسلسل أن الزوج الذي يتعرَّض لضغوط نفسية يُمكنه بسهولة أن يفتح باب منزله ويخرج بلا عودة، وإذا كان جيدا عليه فقط أن يُنفق على أطفاله ويحرص على رؤيتهم، ثم يُمكنه الذهاب للبحث عن سعادته كما يحلو له.

 

تقول نيرمين: "المسلسل لم يُظهِر الطلاق حلا سهلا فقط، بل أظهر أن المرأة المطلقة يُمكنها التخلُّص من قيود الزواج لتحقيق النجاح الباهر السريع في عملها، وهو أمر غير واقعي، فالواقع أن النساء اللاتي يعشن هذه الحالة يحفرن في الصخر لتوفير احتياجاتهن، والنجاح لا يكون سريعا ولا قريبا، قد يستغرق سنوات من العمل الشاق، بالإضافة إلى الكثير من التعثُّر إذا كُنَّ يرعين أطفالا". فلماذا تُبرز الدراما "الطلاق" حلا سهلا لمُجرد أن طرفا ما في العلاقة غير سعيد؟

البحث عن علا

مرة أخرى، على الرغم من أن المسلسل كان واضحا في تبيان أن الزوجة تخضع لعلاج الاكتئاب، وأن الزوج واجه مشكلة طبية خطيرة جدا، فإن ذلك لا يُبرِّر الطلاق الذي مرَّرته الدراما بصورة "بسيطة" أقرب إلى الكوميديا، خاصة حينما قرَّر البطل أن يخاطب زوجته بأنه يود الطلاق قائلا: "أنا مش مبسوط"، في جملة غريبة لا تتناسب مع التعقيدات المرتبطة بالطلاق غالبا، لذلك بدا وكأن المسلسل ببساطة يقول: "الطلاق أسهل الحلول، تطلَّقوا!".

 

ألم يكن من الممكن أن تُناقَش مشكلات عُلا بعد الطلاق في إطار أكثر واقعية؟ أو على الأقل أكثر تركيزا على قضايا مهمة تواجه المطلقات في مجتمعاتنا والعالم أجمع؟ نحن نفهم جيدا الدواعي الدرامية للتبسيط، لكن ماذا لو تحوَّل التبسيط إلى اختزال مُخِل وجاء بنتيجة عكسية؟ فقط لأنه قرَّر أن يقول إن الطلاق حدث "عادي" وإن الترفيه يأتي قبل كل شيء.

———————————————————————————

المصادر

  1. إحصاءات عقود الزواج والطلاق في مصر خلال 2020
المصدر : الجزيرة