لأن الشبه بين الهروب من جلبوع والهروب من شاوشانك أكبر من مجرد فتحة في الجدار

خارج أسوار سجن "جلبوع" الكائن في جنوب غرب بحر الجليل (1)، وقف ستة أسرى فلسطينيون قبالة نفق، ينفضون ما علق بهم من شقاء الأسر، مُنتزعين حريتهم التي سُلِبت عنوة لزمن طويل. حدث ذلك في نحو الساعة الواحدة والنصف من فجر يوم الاثنين السابع من سبتمبر/أيلول 2021. سبق تلك اللحظة زمن غير معلوم على وجه الدقة، عزم الأسرى خلاله وسط محبسهم على أن يلوذوا بالفرار من خلال فتحة نقبوها في أسفل مرحاض السجن، ليعبروا في اليوم الموعود خط الصرف الصحي المجاور لزنزانتهم (2)(3). وحين خرجوا من جوف الأرض وجدوا أنفسهم صوب المنطقة الجنوبية من السجن المؤدية إلى الأحراش.

فرار 6 أسرى فلسطينيين عبر نفق أسفل سجن جلبوع شديد التحصين

لطالما شغلت فكرة الهروب من السجن أذهان سجناء الواقع والأدبيات والسينمائيات وملكت عليهم أفكارهم، ليتوحَّد مشهد هروب الفلسطينيين الأسرى مع مشهد آخر في فيلم "الخلاص من شاوشانك" (The Shawshank Redemption)، الذي كتبه وأخرجه فرانك دارابونت استنادا إلى رواية قصيرة تُدعى "ريتا هيوارث والخلاص من شاوشانك" للروائي الأميركي ستيفن كينغ.

بشكل خاص، تأثَّر الجميع بمشهد لآمر السجن في فيلم شاوشانك، حينما وقف أمام الفتحة التي صنعها آندي دوفرين (تيم روبنز) في الجدار ليهرب، التي تشابهت إلى حدٍّ ما مع الفتحة التي وجدتها سلطات الاحتلال قُرب سجن جلبوع، وكلتاهما كانت علامة على فشل المنظومة الظالمة من ناحية، وإشارة إلى الحرية من ناحية أخرى.

من فيلم "شاوشانك"

خلف أسوار شاوشانك

في الفيلم، تُلصق بالمصرفي دوفرين تهمة قتل زوجته وخليلها. يُحتجز بحق ذنب لم يُقدِم عليه في إصلاحية شاوشانك، ويُحكَم عليه بالسجن مدى الحياة. يدلف إلى المكان فيتملَّكه إحساس بالانقباض، وكأن القضبان تستقر من علوها الشاهق على المسجونين مُسبِّبة غصّة عميقة. في الداخل تخضب الألوان الشاحبة الزوايا والأشخاص، تُكبَّل الشمس فلا ينفذ من أشعتها شيء إلا خلسة، فيما يُهمين الظلام الذي يرمز إلى النحيب والأوجاع.

يخلق السجن سياق الفيلم ويتحكَّم به كما يفعل بنازليه، ويقع اختياره على آندي ليُركِّز عليه أكثر من أي سجين آخر طوال الحكاية. تقع الأحداث كالقتل، لإيصال رسالة أن كل الأشياء باعثة على اليأس. لكننا نُدرِك أملا خفيا يروضه البعض خفية، مثل العجوز بروكس الذي يحمل في جيبه فرخ غراب صغيرا.

آندي رجل هادئ مسور بهالة من الغموض، نراه بمعية صديقه أليس ريد (مورجان فريمان) الذي يتكفَّل بتهريب أي شيء وكان قد أمضى عشرين عاما حين التقيا، لكننا نعجز عن الولوج لدخيلة آندي. حينما تُكال له الضربات والمكائد ويُحبس منفردا، لا تُركِّز الكاميرا على جروحه أو كدماته مثل باقي زملائه السجناء، لكنها تفرد له مساحة للتنفيس عنها بلا صوت أحيانا، ليتحوَّل الألم الهائل إلى معنى عميق.

 

السجن ومعنى الحياة

الطبيب النمساوي "فيكتور فرانكل"، مؤسِّس مدرسة العلاج بالمعنى

يرى الطبيب النمساوي "فيكتور فرانكل"، مؤسِّس مدرسة العلاج بالمعنى، أن تمسُّك الإنسان بخاطرة أو ذكرى أو حب جارف قد يعطيه معنى لحياته يدفعه للاستمرار، يُحرِّك مشاعره حتى لا تتبلَّد، يقول فرانكل: "هذا المعنى المُضاف على الحياة هو الذي يجعل الإنسان قادرا على مواجهة آلامه التي لا يستطيع لدفعها سبيلا، فحينما يجد الإنسان أن مصيره المعاناة، فإن عليه أن يتقبَّل آلامه ومعاناته كما لو أنها مهمة مفروضة عليه، وهي مهمة فريدة ومتميزة". ويُضيف: "في الحقيقة عليه أن يعترف بأنه وحيد وفريد في هذا الكون حتى في معاناته تلك، ولا يستطيع أحد أن يُخلِّصه من مُعاناته أو أن يُعاني بدلا منه، وتكمن فرصته في الطريقة التي يتحمَّل بها أعباءه ومتاعبه" (4)(5).

أُودع فرانكل في معسكرات الاعتقال النازية، وفي مكان وزمان آخر، تأسَّى به آندي، وفي مكان وزمان ثالث يمكن أن نرى سداسي سجن جلبوع ورفاقهم. كانت لدى الجميع رؤاهم البعيدة التي تعتمل بالحرية، تصوَّر آندي أنه سيأتي يوم وينصب فندقا على شاطئ المحيط، نستشف تصميمه، وربما نلمح إرهاصات ما يعقد العزم عليه، إن دقَّقنا في مشهد له وسط مكتبة السجن وأدركنا أن رواية "الكونت دي مونت كريستو" للكاتب الفرنسي "ألكسندر دوماس" هي تقريبا الرواية الوحيدة التي أوجزها لأصدقائه، يُخبرهم أنها رواية عن الهروب من السجن، وحينما يلقون دعابات، يحتفظ وجهه بسِمات الجدية.

رواية "الكونت دي مونت كريستو" للكاتب الفرنسي "ألكسندر دوماس"

تتناص الشخصيات في الفيلم مع لوحة الفنان الهولندي فينسنت فان جوخ "تدريب السجناء". استمد "فان جوخ" لوحته من عمل الرسام الفرنسي غوستاف دوري "ساحة تدريب سجن نيوجيت" (6). في لوحة "فان جوخ" سجناء يسيرون ببطء في دائرة، يراقب الحارس السجناء، مما يعني أنه لا سبيل لحلّ هذه الدائرة أو الانعتاق منها. يظهر شخصان يبدوان غير مُبالين بما يحدث، إلى حد أن أحدهما قد أدار ظهره بعيدا. تُعطي اللوحة لمحة عن حياة السجن وجدرانه الداكنة التي لا حد لارتفاعها، ليُخيَّل إليك أنها تخرق عباب السحاب، وتضيق المساحة ولا تتسع، ليمدك العمل بشعور أن الجدران ستطبق عليهم، وأن التكرار دائم والعذاب أبدي.

لوحة "تدريب السجناء" للفنان الهولندي فينسنت فان جوخ

ربما تُمثِّل تلك الدائرة صورة أخرى لصخرة "سيزيف"، البطل الأسطوري الذي ساقته أقداره إلى دحرجة صخرة إلى قمة جبل إلى الأبد، جزاء لما اقترفه من خداع للآلهة. فإذا كان أبطال الفيلم أبعد ما يكونون عن المثالية، وأغلبيتهم الساحقة قد أذنبوا بلا ريب، فهل تغدو السجون بالنسبة لهم وكأنها مُخصَّصة لتحميلهم أوزار الندم يوميا في صورة تلك الصخور التي يعكفون على حملها؟ ربما يكون ذلك هو الندم الذي أقرَّ به ريد ساخطا في النهاية في الجلسة الثالثة للجنة الإفراج المشروط.

أغنية الخلاص

قاوم آندي بضراوة طيلة فترة حبسه، قَبِل حصته من حصوات حجر سيزيف المحمولة، لكنه لم يتوقَّف عن محاولاته التحرُّر سرا. ولكي لا يخسر نفسه، كان يتمسَّك بعلاقة بالعالم الخارجي، لهذا داوم لسنوات على كتابة خطابات إلى مجلس شيوخ الولاية من أجل تخصيص كمية من المال لمكتبة السجن، ولهذا أيضا أغرق نفسه في سُبل شتى، ولم يتوقَّف عن ممارسة هوايته في صقل الأحجار.

أتى الخلاص في الفيلم على هيئة دقائق قليلة، حيث انتهز آندي وجود الضابط في المرحاض، فأوصد عليه الباب، ووضع على الفونوغراف أسطوانة أوبرا "زواج فيجارو" لموزارت بصوت أنثوي قبل أن يذيعها على مكبرات الصوت، في استخدام مباشر للسلطة ضد السجان (7)(8).

في تلك اللحظة بالتحديد، توقَّف الزمن ذاهلا وكفَّ عن جريانه، أُصيب الجميع بالجمود بعد أن باغتهم الجمال، كما يهبط شلال ماء على نبع ناضب، بعثت الأنغام أثرا ساحرا على عقول السجناء وأرواحهم، خاصة أولئك الذين لم يروا العالم خارج أسوار السجن منذ زمن طويل. يحكي ريد: "ليس لدي أي فكرة حتى يومنا هذا عما كانت هاتان السيدتان الإيطاليتان تغنيان عنه. الحقيقة هي أنني لا أريد أن أعرف، من الأفضل ترك بعض الأشياء دون قول. أود أن أعتقد أنهم كانوا يغنون عن شيء عذب لا يمكن التعبير عنه بالكلمات، شيء يجعل قلبك يتألم بسببه. أقول لكم هذه الأصوات ارتفعت أعلى وأبعد مما يجرؤ أي شخص في مكان رمادي على الحلم. بدا الأمر وكأن بعض الطيور البديعة ترفرف في قفصنا الصغير الرتيب، وللحظات قصيرة، شعر كل رجل آخر في شاوشانك بالحرية".

في ذلك المقطع، تحدَّثت الأوبرا عن خطة ومكيدة تُدبِّرها الكونتيسة روزينا وخادمتها سوزانا لخداع الكونت، وهو ما يوشك أن يفعله آندي مع آمر السجن، فقد عمد الأخير إلى تصفية صديقه تومي ودليل براءته الوحيد، حتى يظل ممسكا بحسابات الآمر نورتن. يأخذ الفيلم بعدئذ منحنى التشبُّث بما تحدَّث عنه آندي لاحقا: "هناك شيء بداخلك لا يمكنهم الوصول إليه، لا يمكنهم لمسه. إنه الأمل"، الأمل الذي يترافق مع الحرية (9).

الهروب من الحرية وإليها

على الجانب الآخر، نرى السجين العجوز بروكس خائفا وحزينا بعد إصدار أمر بإطلاق سراحه، بل ويكاد أن يقتل صديقه حتى يتسنَّى له البقاء في السجن. لقد اقتطع السجن خمسين عاما من عمره، وحينما يخرج مُكرَها نجده يفكر في كيفية العودة، وهو تماما ما يغزو عقل ريد بعد إطلاق سراحه في تتابعات النهاية.

يُعلِّل شعورهما عالِم النفس والفيلسوف الإنساني إيريك فروم في كتابه "الهروب من الحرية"، فيقول إن الحرية تجتذبنا عندما نشعر أنها بعيدة المنال، لكنَّنا ما إن نرتشفها حتى ندرك أنها مسؤولية. يُساوِرنا خوف مما هو قادم، وقلق يُجانبه عدم يقين، في حين أنَّ افتقادنا إلى الحرية يجعلنا ننعم باليقين والراحة. لهذا يتخذ العديدون خيارات لاقتلاع هذا القلق.

كتاب الهروب من الحرية لـ "إيريك فروم"

يُلخِّص فروم هذه الخيارات في التسلُّط، فسواء في حالة السيطرة أو الخضوع، فإنَّ الهيكل الاستبدادي يُزيل الاختيارات والحرية عن الفرد ويُخفِّف من القلق. وكذلك يتحدَّث فروم عن التطابق الآلي، الذي يحدث في حالة عدم وجود نظام استبدادي، حيث يلتزم الأفراد بمعايير المجموعة، وتصبح هذه هي السلطة الجديدة للفرد التي تُخفِّف من القلق المرتبط بالحرية. يُخبرنا فروم كذلك عن لجوء بعض الأشخاص الذين ليس لديهم نظام استبدادي أو قاعدة جماعية إلى التدمير الذاتي في كثير من الأحيان، ويمكن أن يتجلَّى هذا في تدني احترام الذات أو سلوكيات أكثر تطرُّفا مثل الجريمة أو الإدمان أو حتى الانتحار (10)، وهو ما أقدم عليه العجوز، وربما كان يجول في ذهن ريد أيضا، لكنَّ وعدا قطعه سابقا لآندي هو ما حال بينه وبين الجنون.

ينتهي الفيلم بلقطة واسعة على المحيط، يلتقي فيها الصديقان بعد فرار آندي من السجن، استغرق الأمر عشرين عاما حفر خلالها بمطرقة صخور نفقا خارج زنزانته، وقطع أميالا سائرا داخل الصرف الصحي، مثلما فعل الأسرى الستة الفلسطينيون.

لكن الأمر يتخطَّى مجرد التشابه في حالة الهروب وفتحة المجاري، حيث كان لدى هؤلاء الستة، مثل آندي، قضية حقيقية، فهو لم يفعل جُرما ليستحق السجن، وهم يجدون في الدفاع عن وطنهم وتحريره من المحتل شرفا لا يستحق السجن، ومن تلك النقطة المركزية نقع في حب آندي، ونقع في حب الأسرى الستة بالطريقة نفسها. لو كان أحدهم قاتلا هرب من سجنه ربما لم نكن لنحبه بهذه الطريقة، لأن شيئا ما في داخلنا يميل إلى العدالة، ويشعر بالحماس حين تُنتزع بطريقة غير متوقَّعة.

إن علّة إعجابنا بتلك الحكايات أنها، بطريقة أو بأخرى، تضم حياتنا بأكملها، لتسرّ إليك أنه مهما كان شكل سجنك، من وظيفة تمقتها، أو علاقة تستنفد طاقتك وتُهدرها، ومهما كانت هيئة سجَّانك، فإن الحرية ستبقى بداخلك، وفي نقطة ما في حياتك، ستصل أخيرا إلى ذلك الشاطئ ذي النسمات العليلة. قد يحتاج هذا إلى بعض الوقت، لكنك ستصل يوما ما.

_____________________________________________________________

المصادر:

  1. Manhunt Underway After 6 Palestinians Escape Israeli Prison
  2. Israeli officials admit prison design ‘failure’ after six Palestinians break out in Shawshank Redemption-style escape by crawling through pre-made tunnel they found under a sink
  3. Israel searches for 6 Palestinians after rare prison break
  4. "العلاج بالمعنى".. هل يمكن للإنسان أن يجد خلاصه في أخطائه؟ 
  5. الإنسان والبحث عن المعنى، التسامي بالذات كظاهرة إنسانية، فيكتور إيميل فرانكل. ترجمة: عبد المقصود عبد الكريم
  6. Prisoners Exercising
  7. Classical music: opera song in “The Shawshank Redemption” movie
  8. Opera Meets Film: What the Iconic Scene From ‘The Shawshank Redemption’ Says About Opera’s Greatest Power
  9. ?Who composed the opera song that Andy DuFresne plays over the loud speakers in the film "The Shawshank Redemption"
  10. مراجعة كتاب (الخوف من الحرية): الإنسان المعاصر بين وهم الحرية وقلق الفردانية
  11. الهروب من الحرية، إريك فروم
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

لدولة الاحتلال تاريخ طويل من الشقاق بين الأعراق والطوائف، فإمّا صراعات طائفية ومذهبية، وإمّا عرقية وطبقية كالصراع الأبدي بين الأشكناز والسفارديم، وحديثا بين الأشكناز والفلاشا.. إليكم القصة.

Published On 4/9/2021

يستعرض التقرير أدوات حكومة الاحتلال في توسيع المساحات الاستيطانية عبر الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. فما هي الإستراتيجيات الإسرائيلية لتحقيق مآربها، وما الأدوات المستخدمة لابتلاع المزيد من الأراضي؟

Published On 2/5/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة