الشمس خلف القمر.. أفلام تحكي لك عن أفغانستان وكفاحها وشعبها

ترزح أفغانستان تحت سنوات من الانقلابات والحروب وتاريخ مُتعاقِب من اللا طمأنينة. وبسبب موقعها الجغرافي المتاخم لمناطق نفوذ الأقطاب الاستعمارية (1)، كانت البلاد دوما محل شد وجذب بين الدول الكبرى منذ القرن التاسع عشر، فكان لهذا المناخ السياسي المُتقلِّب عميق الأثر في عرقلة حركة الإنتاج الثقافي والسينمائي وجعله شحيحا.

على جانب آخر، تتناقض الأوجه السردية حول أفغانستان في السينما العالمية. ففي فترة الحكم الشيوعي صدَّر الاتحاد السوفيتي صورة نمطية ضيقة تُظهِر النساء ملتحفات باللون الأزرق والرجال بالزي الشعبي التقليدي. وما هي إلا سنوات حتى أنزلت الولايات المتحدة الأفغان منزلة الأعداء، وتلوَّنت بين ذلك الموقف وبين حرصها على تلميع صورة الجندي الأميركي الذي ينقذ الأفغانيين من نوائب الدهر. أما شرائط السينما المحلية فكانت دوما عُرضة للتلف والحرق، خاصة بعد صدور فتاوى طالبان بتحريم الأفلام والصور والأغاني والعمل على تدميرها. وبعد عام 2001 عادت السينما الأفغانية من بين الأموات (2) (3).

 

الأرض والرماد

"كانت الحقيقة عند الروحانيين الفرس بمنزلة مرآة مهشَّمة، كل إنسان يمرّ من أمامها يستل منها قطعة يؤمن أنها تحوي الحقيقة كلها. أفغانستان التي كانت فيما مضى وحتى عهد قريب أرض الصوفيين والروحانيين تبدو اليوم مثل هذه المرآة".

(عتيق رحيمي)

استحدث الكاتب والمخرج الأفغاني عتيق رحيمي من روايته القصيرة "أرض ورماد" مادة فيلمه الذي يحمل العنوان ذاته سنة 2004. رُشِّح الفيلم لجائزة "نظرة ما" في مهرجان "كان" الدولي، وحصد جائزة أفضل مخرج في مهرجان "سان جان دولوز" السينمائي الدولي في العام نفسه، وقيل إنه إهداء من رحيمي إلى أخيه الذي قُتل ولم تُعلمه عائلته بالخبر إلا بعد مرور عامين.

يُفتتح الفيلم بأرض جرداء وخلاء، وعلى امتداد البصر نرى شاحنة قادمة من بعيد يترجَّل منها جد وحفيده ياسين. يُسقِط الجد صُرته الحمراء أرضا، فتشغل مساحة الكادر لثوانٍ كافية لبيان مركزيتها في الأحداث، والتكهُّن أنها ربما كل ما لهما من متاع.

تلا رحيمي ذلك بلقطة شاملة ثم حركة أفقية للكاميرا "Pan"، حيث تدور فيها آلة التصوير إلى اليمين بينما تظل قاعدتها في مكان ثابت. هكذا نتابع خطواتهما على جسر مُهدَّم، لنجد بحيرة جفت. نرصد حارسا سيئ المزاج، وتاجرا يُفكِّر بالعالم يجلس خلف كوة في كوخ صُنع من ثلاثة جدران من التراب المدكوك.

يتحرَّر الوقت في الفيلم من تشبُّثه بأبعاد محددة ليرتبط بنفسية بطليه. تمر الساعات ثقيلة والجد منحني الظهر انعكاسا للمشاق التي يحملها على كاهله. إيقاع الفيلم بطيء يُصوِّر الجد ذاهلا، وعاجزا عن الإلمام بمُصابه بالكلمات، وعن إغلاق جفنيه والتمتع بالنوم دون رؤية مَن فقدهم يصرخون في ساعاتهم الأخيرة.

تنقلب الضوضاء والأصوات إلى موسيقى، ثم تتحوَّل هذه الموسيقى إلى ضوضاء (4). يكتسب الضجيج أهمية أقل مقارنة بالصمت حين ننتقل إلى عالم ياسين، بوصفه طفلا ناجيا من مجزرة ارتكبها الجيش السوفيتي بحق قريته. أصابه دوي القنابل بالصمم، فاعتقد بأن القنبلة جلبت الصمت على الكون وسلبت أصوات الجميع.

عمل رحيمي إذن هو عن الآلام الحية لمَن يبقون على قيد الحياة. شعب يسري الرعب والهول في شريان كل لحظة من لحظات حياته. حكاية ثلاثة أجيال ضحايا، جد يُمثِّل ماضي أفغانستان، بتمسُّكه بالتقاليد وقانون الشرف، وابنه مراد بوصفه أحد الرجال الذين جنت عليهم الظروف، والطفل مُمثِّلا مستقبل البلاد الذي أدركه العجز، في ظل حرب تدور لأسباب لا يمكن لأحد أن يفهمها.

يبوح الجد للتاجر بسبب رحلته الحقيقي، إذ يرغب العجوز في إخبار ابنه عن مصرع والدته وزوجته وأخيه وعاهة ابنه وحقيقة أن بيتهم استحال قبرا. يعقُب رحيمي المشهد بتركيز على لوحة يُعلِّقها التاجر وراءه يتخذ فيها مجاز القتل صورة ملحمية.

لقطة من الفيلم للوحة التي يُعلقها التاجر

تُظهِر اللوحة مقتطفا بصريا من أهم الأعمال الأدبية الفارسية "الشاهنامة"، وهي قصيدة تتكوَّن من نحو 60 ألف بيت. من أبرز حكايات الملحمة مأساة رستم (محارب جبار في الفولكلور الإيراني) وابنه سهراب. لم يكن رستم يعلم أن لديه ابنا يُسمى سهراب من الأميرة تحمينة، إذ تخلَّف رستم عن رؤية الأميرة لسنوات عديدة. يحين اليوم الذي يلتقي فيه الأب بابنه في ساحة المعركة وهما يجهلان بعضهما، ورغم شكوك سهراب في أن رستم قد يكون والده فإنهما يتقاتلان.

يطعن رستم سهراب، وبينما كان الأخير يحتضر، تذكَّر كيف أن حبه لوالده الذي لم يعرفه هو ما حمله في المقام الأول على أن يصبح مقاتلا، وأدرك رستم الحقيقة برعب حينما ميَّز سوارا في يد سهراب كان قد أهداه للأميرة قبل سنوات، وقدَّمته هي لسهراب قبيل المعركة على أمل أن يحميه، ليدرك بعد فوات الأوان أنه قتل ابنه.

 

عدّاء الطائرة الورقية "سلاطنة كابول"

تستمر معنا مأساة رستم وسهراب لتُشكِّل الخطوط الدقيقة لفيلم "عداء الطائرة الورقية" (The Kite Runner). يستقي المنتج والمخرج الألماني "مارك فورستر" الفيلم من رواية الكاتب الأفغاني "خالد حسيني" التي تربَّعت على قائمة الكتب الأكثر مبيعا في التايمز لثماني سنوات. يُقدِّم "فورستر" الشخصيتين الرئيسيتين: "أمير" المنتمي إلى قبيلة البشتون من الطبقة العليا، و"حسّان" المفترض أنه من الطبقة الدنيا "الهزارة" (مَن هم على المذهب الشيعي، بحسب الأفغانيين) وهو صديق أمير وخادمه.

عُدت "الشاهنامة" كتاب حسّان المفضل، وتحديدا حكاية "رستم وسهراب" في مفارقة مذهلة. أنصت الأخير إلى أمير وهو يروي إصابة رستم بجروح قاتلة واكتشاف سهراب لابنه المفقود منذ زمن طويل، وكلمات ابنه الأخيرة: "إذا كنت حقا أبي، فقد لطخت سيفك بدم ابنك. لقد توسَّلت إليك باسمك، لأنني تمنيت أن أرى فيك الرموز التي روتها والدتي، لكنني ناشدت قلبك عبثا".

جاء في نص الرواية: "كان حسّان يقول: اقرأها مجددا، من فضلك، أمير أغا. أحيانا كانت الدموع تتساقط في عيني حسّان وأنا أقرأ له هذا المقطع، وكنت أتساءل دائما: مَن يبكي، رستم المنكوب بالحزن الذي يمزق ملابسه ويغطي رأسه بالرماد، أم سهراب المحتضر الذي كان يتوق إلى حب والده فقط؟ أنا شخصيا لم أستطع رؤية المأساة في مصير رستم، بعد كل شيء". (5).

في استهلالات الفيلم نبصر أميرا في حجرته متكئا على مكتبه قبالة نافذة مفتوحة على مصراعيها، موليا ظهره للباب. يأتي صديق والده ليُحادثه، فلا يُحرِّك أمير ساكنا ولا يلتفت، فيما تشي جلسته وسكناته بأن ذهنه موجَّه نحو فكرة لا يستطيع إزاحتها عن ذهنه أو تجاهلها، إلى أن ينطق بها أخيرا. يحافظ على الجلسة والمسافة ذاتها، مؤكِّدا الفجوة التي تتسع عندما يقف والده لاحقا متحدِّثا حول منظوره للحلال والحرام.

تتحدَّد علاقة أمير وحسّان من خلال رمزية شجرة الرمان والكتب والطائرات الورقية. سينمائيا، غالبا ما تظهر ثمرة الرمان في سياق اللحظات الحاسمة، مصحوبة بمرور أبطال الفيلم إلى مرحلة البلوغ أو الزواج أو الرحلة أو الموت (6). في هذه الحالة تعتبر شجرة الرمان رمزا للصداقة وتطور علاقة أمير وحسّان. بعد حادث الاعتداء على حسّان وجبن أمير عن مساعدته يتغير معنى شجرة الرمان وأهميتها. وللتعاطي مع الندم، يلجأ أمير إلى إعادة حسّان إلى المكان الذي ازدهرت فيه صداقتهما ذات يوم.

يرشقه بالرمان حتى يرد، لكن حسّان يمتنع عن الرد، ينعته أمير بالجبان. تمنُّع حسّان هو تأكيد ضلوع أمير في الحادث من خلال تخاذله عن مساندة صديقه، وتصرُّف أمير ما هو إلا حيلة نفسية رغب فيها بإلقاء اللوم على حسّان فيما حدث له، والتنصل من جُبنه هو وتعليقه على صديقه.

يدس فورستر في فيلمه إسقاطا عن أفغانستان من خلال كلمات عارضة قيلت في سياق حماسي. ففي وقت مبكر، يتحاور الصديقان عن مشاهدة فيلم "العظماء السبعة" (The Magnificent Seven)، أحد أفلام الغرب الأميركية. يحكي الفيلم عن قرية زراعية مكسيكية صغيرة يغير عليها قطاع الطرق كل عام، وينهبون ما ادخرته القرية من طعام، يجتمع شيوخ القرية ويُقرِّرون الحصول على السلاح لرد عدوان تلك العصابة، يرسلون ثلاثة من الفلاحين المزارعين إلى الولايات المتحدة للبحث عن السلاح ليدافعوا عن أنفسهم، ويتمكَّنون من تجنيد ستة من المسلحين اختلفت أسباب موافقتهم على المهمة، ويكتمل العدد بسابع. يتوجَّه الجميع إلى القرية ويضعون خطة لتأمينها، ويُعلِّمون المزارعين كيفية الدفاع عن أنفسهم. وعندما تجيء العصابة المكوَّنة من 40 مسلحا يجدون في النهاية أن القرويين قد تعلَّموا حماية أنفسهم.

حين يشب أمير ويعود إلى أفغانستان تحت حكم طالبان يجد بلادا أخرى غير التي يعرفها وترعرع فيها، الأماكن والظروف تغيرت، لكن جذع شجرة الرمان المحفور عليه اسمه هو وحسّان لا يزال هناك، في دلالة على الصلة التي كانت أعمق من أن تندثر، وعلى أن الماضي لا يمكن اجتنابه إلا بمواجهته. لكن أمير في سيره وتقريبا طوال الفيلم لا يرى امرأة أفغانية واحدة، فأين ذهبت السيدات؟

اللآلئ التي كُسرت محاراتها

في عصر أعلن صرامته مع النساء، جاء حكم طالبان من 1996 إلى 2001 ليُلزم المرأة منزلها ويفرض عليها قائمة من المحظورات، تحايلت الفتيات على بعضها بممارسات ثقافية تلجأ إليها شعوب أفغانستان وباكستان مثل "الباشا بوش"، وهي كلمة فارسية تعني ارتداء الفتاة لثياب الذكور، وقص شعرها واتخاذ اسم آخر لها (7) (8). عبَّرت الكاتبة الأميركية ذات الأصول الأفغانية "نادية هاشمي" عن جانب من تلك الثقافة في روايتها "اللؤلؤة التي كسرت محارتها" بتناولها كفاح النساء الأفغانيات، والضغوط التي يواجهها الرجال والتهديد بالعار الذي سيلحق بهم حال لم ينجبوا ابنا ذكرا.

في السياق ذاته، أمضت الكاتبة والناشطة الكندية "ديبورا إليس" في نهاية التسعينيات وقتا في إجراء مقابلات مع فتيات ونساء في مخيمات اللاجئين في باكستان (8). خرجت من هناك بسلسلة روايات من ضمنها "المُعيلة" (The Breadwinner) التي تروي حكاية أم وابنتها التقت بهما في المخيم. تحوَّل العمل إلى فيلم رسوم متحركة حرص صانعوه، المخرجة الأيرلندية نورا توماي والمنتج المنفذ للفيلم "أنجلينا جولي"، خلاله على الإبقاء على روح الأصالة الثقافية لكتاب إليس مع توسيع السرد بإضفاء جو من المغامرة وتضمين التاريخ المحفوظ لأفغانستان.

يعرض فيلم "المُعيلة" (The Breadwinner) حكاية بارفانا البالغة من العمر 11 عاما، التي تساعد أباها نور الله في بيع بضائعهم الضئيلة في كابول. والدها هو مُعلم فقد ساقه في الحرب الروسية، يحث بناته سرا على معرفة تاريخ أرضهم ويحاول غرس أهمية سرد القصص من حيث هي طريقة لتشتيت الانتباه عن أهوال العالم الخارجي وربما بوصفها عامل تغيير، يردد: "القصص تظل محفورة في قلوبنا، حتى عندما يرحل كل شيء". بعد ذلك يُقتحم بيتهم ويُقتاد الأب إلى السجن، ليترك بارفانا وبقية أفراد عائلتها من أم مريضة وأخت أكبر وأخ صغير فريسة لقانون لا يُخوِّل لهن حتى التعامل مع التجار وشراء الطعام.

تتنقل الحكاية بين الماضي الأسطوري والحاضر الواقعي، بين الشياطين الخيالية إلى الألغام الأرضية الحقيقية للغاية والضرب الوحشي، لكنها تحافظ على خط من الفكاهة يُخفِّف من حِدَّة الحكاية، وتمتزج موسيقى مايكل وجيف دانا الغنائية للآلات الشرقية مع الفِرَق الموسيقية الغربية منتقلة من مقطوعات تردد صدى أصوات الشوارع في كابول إلى استحضار أكثر اتساعا لعالم القصص المسحور (9).

للشخصيات في حكايتنا أيضا وجوه بليغة. خط واحد تحت العين قد يُشير إلى التعب أو القلق أو الغضب (10)، وتُستحضر الطقوس المنزلية مثيرة جوا من الحميمية حول الوجبات الجماعية المكونة من الأرز والزبيب، مع ترديد عبارات مثل: "ستشعر بتحسُّن عندما يكون بطنك ممتلئا"، مما يكشف عن ديناميات الأسرة المعقدة من خلال تفاصيل صغيرة.

في المشهد الذي تتخفى فيه برفانا بثياب صبي وتحاول البيع في السوق، يطلب منها رجل قراءة خطاب، يُهمل الكادر وجه الرجل ويُركِّز على نقل انفعالاته عبر لغة جسده أثناء تقشير تفاحة بسكين على مهل. نتابع وقع كلماتها من خلال الكاميرا المثبتة على يديه وهو يقطع، التمهل وهي تقول "أخبارا سيئة"، التوقف عندما تقرأ خبر وفاة زوجته، التفاحة الساقطة، ثم محاولة الاتزان والوقوف فالرحيل.

 

حكاية صامتة تحت المطر 

في ظروف مواتية، كان من الممكن لـ "بارفانا" أن تتقابل مع "باران" بطلة الفيلم الإيراني الذي يحمل اسمها للمخرج الإيراني "مجيد مجيدي". فرَّت باران مع أبيها إلى إيران، لتدور أحداث الفيلم في إحدى المنشآت قيد البناء حيث يعمل الشاب الإيراني "لطيف" على إعداد الطعام والشاي للعمال، شأنه شأن أغلب العاملين الأفغان الذين هربوا من بلادهم ويعيشون في إيران بشكل غير شرعي، لذا يعملون في أشق المهن بمقابل زهيد. يوشك لطيف أن يدخل في عراك مع العمال، لكنه يكتشف أنها فتاة تُدعى "باران" دفعتها الحاجة إلى التنكر في زي صبي.

يتبع مجيدي التحوُّل التدريجي للفتى الذي ينضج إلى رجل يتفنَّن في إنكار ذاته من أجل الحب. معالجة واقعية تقول إن الحب قد لا يُفضي في كثير من الأحيان إلى نهاية سعيدة، لأننا لا نحيا في عالم القصص الخيالية، فسياسات إيران المحيطة باللاجئين الأفغان، ومحن الأفغان المستمرة بفعل الصراعات الناشبة، تجعل آمال لطيف في أن يكون مع باران مهما بذل نفسه ضئيلة.

تُضفي اللقطات الطويلة والطقس المُمطر أسًى وشاعرية، ويُعبِّر عنوان الفيلم -الذي يعني المطر- عن اليأس المنسوج طوال الفيلم، شخصية باران نفسها صامتة تماما، تُركِّز الكاميرا على وجهها لكنه يميل إلى أن يكون خاليا من أي نوع من المشاعر القوية. هل يرمز صمت باران إلى الأصوات الصامتة والمهمشة للاجئات؟ نعم، واللاجئون الأفغان من الذكور يعانون أيضا من شعور بالتمييز لكنهم ما زالوا يتمتعون بصوت مسموع، وحق في الشكوى من أوضاعهم، وليسوا في حاجة إلى إخفاء هويتهم من الأساس (11).

في ختام روايته الرائعة "ألف شمس ساطعة" كتب خالد حسيني (12): "لثلاثة عقود الآن، ما زالت أزمة اللاجئين الأفغان واحدة من أعنف الأزمات حول الأرض. الجوع، انعدام الدولة، الاضطهاد، أجبر ملايين الأشخاص على أن يتخلوا عن منازلهم واستقروا في الجوار الباكستاني والإيراني. في أكبر الهجرات الجماعية، يعيش أكثر من ثمانين مليون أفغاني في الخارج بوصفهم لاجئين اليوم" (كان هذا التقدير في 2007).

 

في الساعة الخامسة بعد الظهر

بعد أعوام، ترحل طالبان عام 2001، ويُسمح للفتيات باستئناف تعليمهن، تُقرِّر صبية في عمر باران وبارفانا تقريبا العمل مساعدة لوالدها في الإخراج وهي دون الخامسة عشرة. ليست تلك الفتاة سوى المخرجة الإيرانية "سميرة مخملباف"، التي استوحت اسم فيلمها الثالث من قصيدة للشاعر الإسباني "فيديريكو غارثيا لوركا"، وهو أول فيلم يُصوَّر في أفغانستان بعد سقوط نظام طالبان.

تعتمد سينما "سميرة مخملباف" على ميزتين رئيسيتين (13)، الأولى هي التصوير الخارجي في الشوارع والأسواق والتجمعات السكنية الفقيرة بصورة تقرب إلى الأفلام الوثائقية، والميزة الثانية هي الاستعانة بممثلين غير محترفين للقيام بالأدوار الرئيسية في أفلامها. تشبه أعمال سميرة مخملباف الأفلام الإيطالية بعد الحرب (14)، حيث يكافح اللاجئون والناجون للعثور على الطعام والمأوى بين المباني المدمَّرة، ويُتيح هذا النهج لسميرة على حد قولها تمثيل "روح الشعب الأفغاني".

تُعبِّر المخرجة عن تأثُّرها بقولها: "اخترت شخصيات الفيلم من بين الناس العاديين، وحصلت على تفاصيل الفيلم من حياتهم، التقطت الكثير من الحوارات أثناء البحث عن ممثلين ومواقع ومما سمعته من الناس العاديين في الشوارع أو الأسواق وأعدت تمثيلهم في الفيلم. لم أحاول إلقاء اللوم على طالبان في كل المشكلات، ولم أحذ حذو الريبورتاج الأميركي، الذي صوَّر رفاهية غير موجودة بعد غزو رامبو (فيلم) لأفغانستان" (15) (16).

تحمل بطلة الفيلم دلوين من الماء، إسقاطا على طموحاتها بأن تصير رئيسا للبلاد وأسئلتها التي لا تجد جوابا. تقف في مفترق طرق بين جيلين، حيث تصارع والدها الذي يرفض التعليم ونهمها هي إلى المعرفة. تحاول طوال الفيلم التوازن، سواء حينما تأخذ الدلوين أو تذهب إلى المدرسة. تعيش صراعا بين نظرها المصوَّب إلى الأمام وواقعها الذي يشدها إلى الخلف، ويُعبَّر عن تلك الازدواجية بتبديل حذائها إلى زوج من الأحذية ذات الكعب الأبيض الممنوع أثناء مغادرتها المنزل، وتغييرها وضعية غطائها الأزرق إلى الوراء رغم أنه يُلبس إلى الأمام.

يدعم الصوت جماليات الكادر. فتاتان تجريان عبر أرض قاحلة، أو البطلة تحمل الماء في نفق مظلم، حذاء بكعب عالٍ ممنوع ينقر بصدى، عربة مشتعلة في بهيم الليل، مونولوجات طويلة لفتاة باتت تخشى من صوتها، وأب يذوب حزنا ويسترسل في التعبير بالشعر، وسلسلة من اللقطات المقربة الجنائزية. ينتهي الفيلم -كما في الافتتاح- في الصحراء عندما تختفي العائلة على منحدر تلال، وتتابع مسيرتها. وعلى نقيض فيلم "أرض ورماد"، يدفنون الحفيدة الرضيعة التي تُمثِّل المستقبل، لا نعلم إن كان ذلك انعكاسا للأوضاع السياسية الآخذة في التردي عموما، أم أن هناك ارتباطا بين كونها أنثى وبين وأد الأحلام.

 

الشمس خلف القمر 

على الرمال الساخنة في الصحاري الشاسعة تسير الشابة في الفيلم السابق برفقة أبيها، ينظر إليها أمير من بعيد بعد أن شب، لنرى مدى خصبا يتحوَّل إلى رماد. نُدرك أن كل قرار بالرحيل يتطلَّب بشكل مضاد قرارا حتميا بالعودة. بهذا تنضم إلى القافلة بطلة الفيلم الإيراني المُنتَج عام 2001 من إخراج محسن مخملباف، ويُترجم عنوانه من الفارسية بـ "رحلة إلى قندهار" أو "رحلة قندهار"، ويُعرف أيضا باسم "الشمس خلف القمر" (17).

يروي الفيلم رحلة تقوم بها صحافية تُدعى نيفاس إلى بلدة قندهار الأفغانية، في محاولة لإنقاذ شقيقتها التي هدَّدت بالانتحار. يستند الفيلم إلى قصة حقيقية عاشتها الصحافية التي تقوم بدور نيفاس في الفيلم وتُدعى "نيلوفير بازيرا"، التي حاولت بالفعل إنقاذ صديقة لها انقطعت بها السبل في قندهار مقر حركة طالبان. لكن الفيلم لا يُركِّز فقط على قصة الصحافية، بل تتفرَّع روايته لتشمل العديد من القصص التي تُعطي فكرة عن الحياة في تلك البلدة الأفغانية، ولتُشير إلى أن العدو الحقيقي ليس سوى الحرب ذاتها (18).

تدفع لتاجر متُجوِّل لإدخالها البلاد باعتبارها إحدى زوجاته، ترتدي البرقع الأزرق، ويُصوِّر مخملباف والمصور السينمائي إبراهيم غفوري هذه الأرض الساحرة والمُحرمة، صنوف من طبقات المجتمع والنفوس البشرية، الدناءة والسماحة، وطبيب يقول إن "الأسلحة هي الشيء الوحيد الحديث في أفغانستان".

بقدر ما تعكس الأفلام عن المأساة، فإنها في الوقت نفسه تحمل بصيص أمل لا ينتهي كالرمال التي على مدّ البصر. قصص شعب يتوق إلى الخلاص، وبقايا قلاع قامت على أنقاض المعذَّبين في الأرض وسحقت ظلال مَن بقوا منهم ومَن رحلوا، الأصوات التي تخاف من أن تخنق، التاريخ في الوجوه والرمال التي لا نعلم أين تنتهي، لكننا على يقين من الآثار الغائرة فيها. وكما قال الشاعر الفارسي صائب التبريزي في قصيدة "كابول": "مَن يعرف عدد الأقمار على سُطُوحِ دارك، فهناك ألفُ شمسٍ مشرقة، متوارية خلفَ كُلِّ جدار".

________________________________________________________________

المصادر:

  1. السينما الأفغانية.. نهضة ابنة الحروب من تحت الركام
  2. The Reemergence of Afghan Cinema
  3. "EARTH AND ASHES" – FRANCESCO RUSSO – KHALED ARMAN
  4. عداء الطائرة الورقية.. خالد حسيني
  5. Significance Of The Pomegranate Tree In The Kite Runner
  6. The underground girls of kabul
  7. The Afghan girls who live as boys
  8. The Breadwinner
  9. The Breadwinner review – a girl’s courage on the streets of Kabul
  10. Iran films review
  11. ألف شمس ساطعة، خالد حسيني (2007)
  12. At Five in the Afternoon
  13. Beyond words
  14. At Five in the Afternoon (Iran/France 2003)
  15. At Five In The Afternoon
  16. Kandahar
  17. قندهار: فيلم يحاكم الحرب
المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة