لحظات من التأمل الصافي.. لماذا نقع في حب الأفلام القصيرة؟

حسنا، لنفترض أننا -عبر آلة زمن حديثة- تمكنّا من الانتقال إلى أربعة عقود خلت، سنشاهد رجلا على مشارف الموت، هو الشاعر الياباني "ماتسوو باشو"، وهو يخط على ورقة شجر كلماته الأخيرة التي تقول: "مريض وقت ترحالي.. وأحلامي تتجول طافية.. في الحقول الذابلة". تنتمي ألفاظ باشو تلك إلى فرع شعري كبير يدعى "الهايكو"، ويمثل عصارة تأملات الإنسان في الطبيعة، والتأمل كما تعرف هو شعور جارف بطبيعته، لكنه في حالتنا يحتاج إلى صياغته بأكبر قدر ممكن من البساطة، في ثلاثة أسطر(1). ينطبق الأمر ذاته على الأفلام القصيرة.

 

أربعون ألف عام مضت على الحيرة التي تلبست الناس حينما حدقوا في رسومات بدائية تُظهر حيوانات تعدو على جدار أحد الكهوف في فرنسا، وهي نفسها الحيرة التي تلبّست الفنان الفرنسي "جان لويس إرنست ميسونييه" الذي أحب تضمين الأحصنة في لوحاته، حيث جاهر الجميع بجهلهم كيفية رسم تلك الحيوانات المتحركة(2). قبل قرنين من الزمن، يهتم ليلان ستانفورد (الذي أسس مع زوجته جامعة ستانفورد) أيضا بحركة الخيل، تحديدا بلحظة هرولة الحصان حين لا تعد حوافره الأربعة ملامسة للأرض،(3) ويعيّن مصورا طويلا نحيفا يدعى "إدوارد مويبريدج" لالتقاط هذه اللحظة.

 

قُدّر لـ"مويبريدج" أن يكون الرجل الذي جعل السينما ممكنة(4) حينما استخدم اثنتي عشرة كاميرا لالتقاط أول صورة متحركة للحصان أثناء العدو، لم تمض عشرة أعوام حتى تحسست السينما نتوءات حائط كهفها الصخري وعبرت إلى العالم. في البداية، لم يتعد الأمر لحظات خاطفة مثلما حدث حين كشف الفنان والمخترع الفرنسي "لويس لو برينس" عن عرض مدته ثانيتان لأربعة أشخاص يتجولون في منتزه(5)، يسمى "مشهد حديقة روانداي (Roundhay Garden Scene)".

حصان مويبريدج الذي يجري

بعد وقت قصير، سطع نجم "جورج ميليه" بعمله رحلة إلى القمر عام 1902(6)، تبعته أفلام المخرج الأميركي "ديفيد غريفث" الذي نسب إليه الفضل في استخدام أسلوب الفلاش باك والتقريب والتشويق وتحريك الكاميرا، كما أنه صاحب فكرة المونتاج المتوازي(7)، أي الانتقال من مشهد إلى مشهد آخر مواز له وبالمكان والاتجاه أنفسهما. بنهاية العقد الأول من القرن الفائت، وصل طول الفيلم إلى ما يقارب الخمس عشرة دقيقة(8)، ولم تلبث السينما الإيطالية أن تخطت هذا الحد عندما ظهر فيلم "إلى أين أنت ذاهب؟" عام 1913، المستمد من رواية حائزة على نوبل للكاتب البولندي "هنريك سينكيفيتش" عن قصة حب مستحيلة في مدينة روما تحت حكم الإمبراطور نيرون(9).

بدأت الأفلام قصيرة، لكن سرعان ما اضمحلت شعبية الأفلام القصيرة خلال عشرينيات وأوائل ثلاثينيات القرن العشرين، حيث كان الجمهور يطمح إلى شخصيات وأحداث أكثر تعقدا، تشارلي تشابلن نفسه صنع فيلمه القصير الأخير في عام 1923 ثم انتقل إلى إنتاج الأفلام الطويلة. لكن العديد من المخرجين لم يتوقفوا عن إنتاج الأفلام القصيرة رغم ذلك، فازدهرت -مثلا- الرسوم المتحركة وأفلام ديزني القصيرة(10)، وما فتئت الديكتاتوريات والحكومات أن سخّرتها أداةَ دعايةٍ لها في الحرب، فوفقا لرئيس مكتب معلومات الحرب، الأميركي إلمر ديفيز، فإن أسهل طريقة لضخ فكرة دعاية في أذهان معظم الناس هي السماح لها بالمرور عبر وسط الصورة الترفيهية دون أن يعوا ذلك.(11)

 

آل ازدهار الموسيقى والتلفاز خلال الثمانينيات إلى عودة الأموال إلى الأفلام القصيرة. ولم يمض وقت طويل قبل أن يستعين نجوم مثل مايكل جاكسون بمخرجين من الدرجة الأولى في هوليود لتصوير أفلامهم القصيرة(12)، التي استضافتها المهرجانات الدولية وشملتها حفلات توزيع الجوائز لتعود للواجهة مرة أخرى، حيث بات بوسعنا اليوم صناعتها ومشاهدتها عبر يوتيوب.

 

يُعرف "ريتشارد راسكين"، الأستاذ في جامعة آرهوس في الدنمارك، بأنّه أحد ألمع مُنظّري الأفلام القصيرة في العالم. ينتج "راسكين" الأفلام القصيرة ويتجه لتعليمها والتحدث عنها في مؤتمرات، كما يقوم أيضا بتحرير مجلة أكاديمية حول الأفلام القصيرة تدعى "دراسات الأفلام القصيرة بالشكل المناسب (Appropriately, Short Film Studies)".

 

يقر راسكين أن الأمر قد استلزم منه سنوات حتى أدرك أن الفيلم القصير ليس نسخة مختصرة، وإنما شكل سردي مختلف تماما(13)، حيث تتسم سيناريوهات الأفلام القصيرة بالإيجاز، نص ثري مكثف وعقدة محكمة، لا تتطلب حوارا أو بناء للشخصية ونضوجها ببطء كالأفلام الطويلة، ولا يشترط حتى الصراع الذي يتفق كتاب السيناريو -بحسب راسكين- على أنه قلب الدراما.

"ريتشارد راسكين" Richard Raskin

من تلك الوجهة، فإن محور الأفلام القصيرة هو قصص بسيطة لا تحتوي على حبكات متعددة وتركز على حدث واحد، يتراءى لنا فيها فصل قصير من قصة أحد الأبطال. في برهة وعن كثب، نقتطع لحظة واحدة تتخذ فيها الشخصيات خيارات حاسمة، في تلك الحالة يكون موقعنا من تلك الحكايات أقرب إلى عابر سبيل، تلتحم دنياه بشخوص تلك الأفلام لجزء يسير من الزمن.

 

تصوغ "سينثيا فيلاندو"، الحاصلة على الدكتوراه في الدراسات النقدية من مدرسة المسرح والسينما والتلفزيون في جامعة كاليفورنيا، حديث راسكين في كتابها "اكتشاف الأفلام القصيرة: تاريخ وأسلوب أفلام الخيال الحيّة القصيرة"(15). تكتب "فيلاندو" أن ما يعنيه راسكين بحديثه هو الفيلم الذي عادة ما يستمر أقل من عشر دقائق، ويصل في شكله الأطول إلى أربعين دقيقة أو ستين دقيقة، وهو التنسيق المفضل لأفلام التخرج في معظم مدارس السينما.

 

في حديثه مع ميدان، يقول حسام وليد، صانع الأفلام القصيرة وأحد خريجي مدرسة سينما الجزويت بالقاهرة: "بالطبع أقوم بإخراج الأفلام القصيرة لأنها هي المتاح، لكنني أيضا شغوف بها، المميز فيها أنها تخترق لب الموضوع مباشرة، دون مقدمات، على خلاف الأفلام الطويلة التي ستجد نفسك مضطرا للتمهيد للأحداث والتأسيس للشخصية"، ويضيف قائلا: "هناك حكايات يكفي رواياتها في دقائق وأخرى لا بد لها من مساحة زمنية أوسع، لكن كل لقطة في الفيلم القصير يجب أن تحظى بنصيبها في رواية الحكاية".

 

في خلال ذلك، يستعين السردُ بتقنيات كالصوت والموسيقى والإضاءة وزوايا الكاميرا والمونتاج(16)(17)، فيظهر الفيلم بسببها كأنه خريطة متعددة الأخاديد والينابيع والشطآن، هذه التركيبة الصغيرة في المساحة، والإستراتيجية جدا في استخدام أدواتها، تكون غائرة الأثر. عند تلك النقطة، دعنا من التوصيف والتنظير المجرد، ولنبدأ في التعرف على هذا الأثر بشكل أقرب إلى الواقع.

 

 

"أنت كالفيضان الغامر. أنت النيل الذي يُكسب الحقول خضرة، ويخصب الأراضي القاحلة. اقضِ على السارق، احمِ التعيس. لا تكن كالسيل يجرف من يشكو، احذر، فإن الحياة الآخرة تدنو، واعمل بالمَثَل الذي يقول: إقامة العدل كالتنفس. هل يخطئ الميزان؟ هل يميل ذراعه إلى جانب؟ لا تخادع لأنك مسؤول، لا تستهن بأمر لأنك متزن، لا تخادع لأنك الميزان، لا تَحِد لأنك الحق، انظر فأنت حامي الموازين، إذا انحرفَت انحرفْت أنت، لسانك مثقال الميزان، وقلبك ثقله، وشفتاك ذراعه".

 

"شادي عبد السلام" هو أحد أكثر المخرجين المصريين استثنائية، يوظف الصوت في فيلمه القصير "شكاوى الفلاح الفصيح"، يمكن أن تلاحظ أنه كلما يلهج لسان البطل ببث شكواه في العراء، يتعالى صوت هبوب الرياح، ما يسرح بأذهاننا إلى تلك الصحاري لنكون طرفا في استجداءات الفلاح، وشهودا على صدقها. وفي استخدامه زاوية الكاميرا، جعلها عبد السلام متحركة في غالب مشاهد الفلاح، ربما كي نستشعر سعيه، بينما تكون ثابتة عند الملك تعبيرا عن جموده، وتتحول الكاميرا من لقطة كاملة إلى أخرى مقربة من وجههما في حوارهما معا، لنرى إن كان للكلمات أثر ونحاول أن نتوقع ردة فعل الحاكم.

 

في مجلة القاهرة العدد (159)، ذكر "محمد مرعي"، رئيس إذاعة صوت العرب، في مقاله "الحوار في سينما شادي عبد السلام" أنه في حقيقة الأمر ليس ثمة حوار في هذا الفيلم، ذلك أن الفلاح الفصيح ما هو سوى تجسيد سينمائي رائع وفريد من نوعه لنص مصري قديم تضمن شكاوى فلاح بسيط للوالي من ظلم وقع عليه من أحد أتباعه، اعتمد شادي كلية على ما أورده "جيمس بريستد" عالم الآثار الأميركي في كتابه الشهير "فجر الضمير" حول شكاوى الفلاح المترجمة عن البردية المصرية المحفوظة في متحف برلين(18).

 

يخبرنا "راسكين" أن إحدى أهم نقاط قوة الأفلام القصيرة هو التركيز على الشخصيات الرئيسية التي تصنع الأشياء التي تثير اهتمام المشاهد أكثر من الشخصيات التي تحدث لها الأشياء. بسبب ذلك، استحق المخرج والممثل الأميركي "آدم ديفيدسون" جائزة الأوسكار لأفضل فيلم حي قصير على عمله "The Lunch Date"، ففي عشر دقائق فقط يتجرأ على طرح ثيمة بسطها كبار المخرجين في ساعات، مستعينا بالعديد من الوسائط المختلفة، كزوايا التصوير السينمائي والإضاءة الطبيعية. في الفيلم، تُستخدم اللقطات الطويلة والعلوية في محطة "غراند سنترال" الكائنة في نيويورك لتتبع امرأة في عجلة من أمرها تُطرح محتويات حقيبتها أرضا، يقف رجل أسود محاولا مساعدتها فترتسم على وجهها سمات الجزع، لتفصح موسيقى السوينغ والجاز الأميركية الكلاسيكية عن حقبة زمنية كان فيها الفصل العنصري قائما.(19)(20)

يضفي ضجيج القطارات والزحام جوا من الواقعية تتناسب مع رسالة المخرج، وتتجه المرأة التي يفوتها القطار إلى مطعم. تطلب وجبة طعام، تغيب للحظة لتأتي وتجد رجلا أسود، ربما هو المتشرد الذي سبق ذكره، جالسا يتناول طعامها بتؤدة، ما يقودنا للاعتقاد بأن الرجل سرق طعامها وحقائبها أيضا، قبل أن يكسر المخرج في النهاية المفاهيم المسبقة عن كل تمييز أساسه العرق والطبقة.

 

التحيز في الحكم المسبق هو أيضا ثيمة أسس عليها المخرج "فابريس أو جوبيرت" فيلم الأنيميشن "مشاوي فرنسية (French roast)" الذي يدور في مقهى باريسي فاخر. يحتسي رجل أعمال قهوته، ناظرا بعجرفة إلى متسول أشعث يسير طالبا إحسانا قبل أن يدركه التوتر لنسيانه حافظة نقوده.

يتلاعب جوبيرت بالوسيط السينمائي ساردا القصة دون حوار، بالرسوم المتحركة والزاوية المركزة. في تصريح سابق له قال: "أعتقد أن الأمر بدأ بفكرة أن تكون إحدى الشخصيات في موقف محرج للغاية وتحاول التظاهر بأن كل شيء على ما يرام. يمكن إنشاء مادة كوميدية مع هذا الموقف، تشعر فيها بقلقه كمتفرج. وبناء عليه، حاولت حقا استكشاف موضوع المظاهر، وكم أن الأمور والأشخاص ليست كما تبدو عليها".(21)

 

في تجربته الأولى مع السينما القصيرة، حوَّل المخرج السوفيتي الشاعري "أندريه تاركوفسكي" قصة "القتلة" واسعة الشهرة لإرنست هيمنجواي إلى فيلم يحمل الاسم ذاته عام 1956 بالتعاون مع ماريكا بيكو وألكسندر جوردون في معهد الدولة للتصوير السينمائي في موسكو(22)(23). اتسم العمل بالكثير من العمق واللحظات المشحونة، لكن الأكثر إثارة للانتباه هو أنه عرض القصة كاملة دون التضحية بأي من التوترات الكامنة فيها.

في كتابه "الكتابة بالضوء في السينما، اتجاهات قضايا وأفلام"، يقول الكاتب والسيناريست "أمين صالح" إن "تاركوفسكي" يتميز بأسلوبه الخاص والمتفرد: إيقاع بطيء للغاية، مشاهد طويلة ساكنة ومركّبة، لقطات مُصاحَبة (Tracking) تتحرك فيها الكاميرا بتمهّل وعلى نحو متواصل، مشاهد ملوّنة وأخرى بالأسود والأبيض تتعاقب وفق رؤية تشكيلية مدروسة، صور ثرية مكتنزة بالشعر، تكوينات بصرية أخّاذة، تحطيم التقاليد والقواعد السينمائية المتعارف عليها، من أجل خلق نوع جديد من السينما. أفلامه لا تحتوي على حبكات واضحة، كما أنها تتجنب البنى التقليدية والسرد الكلاسيكي والمعايير المستهلكة.(24)

 

يجسد فيلم "The Killers" فكرة كثيرا ما أرقت مضجع "همنغواي"، وهي أن الرجل الحقيقي هو الشخص الذي يمكنه النظر في عين الموت دون وجل. يحكي عن قصة قاتلَين مأجورَين في حانة يخبران الساقي وصديقا له عن انتظارهما لرجل سويدي بغية قتله. بعد عدة أحداث يذهب ذلك الصديق لتحذير السويدي، لا يكترث الأخير ولا يهتم بسماع أي معلومة، كما أنه يرفض الفرار. يعود الشاب إلى الحانة قائلا إنه لا يحتمل التفكير في مصير صديقهما، لذا سيغادر البلدة، ليرد الساقي: "حسنا، من الأفضل ألا تفكر في الأمر".

في الفيلم نلحظ ما يؤكده الباحث المغربي "سعيد ناشيد" في مقاله "فن الاستسلام عند نيتشه" بقوله: "إن ما يعبر عنه فنّ الاستسلام هو وضعية في منتهى الدقة، يستسلم فيها المرء للضربات التي لا يمكنه مقاومتها أو اجتنابها، وأثناء ذلك ليس مطلوبا منه سوى أن يكون قادرا على تقدير الضربات التي لا يقدر على دفعها، أو لا يستطيع تفاديها".(25)(26)

 

اللون هو الأداة السردية التي تعيننا على فهم الحكاية. في "البالون الأحمر"، يقدم المخرج الفرنسي "ألبرت لاموريس" طفلا في دور البطولة، "باسكال"، ممسكا ببالون يخترق لونه الأحمر التكوين البصري الشاحب، يتبعه اللون أينما ذهب، ينتظره أمام مدرسته ونافذة غرفته. ما يسترعي الانتباه، ويثير حفيظة المارة وجدّته. يحاول الجميع التخلص من البالون أو انتزاعه منه، فهل يذكرهم بتفردهم الذي تخلوا عنه يوما ما وانضموا للقطيع؟ أم يزعجهم أن يبتعد أحدهم بخطوات واسعة عن الحشد؟ ما نعلمه أنه في النهاية لا يفلت من مطاردة أقرانه التي تهدف لقتل البالون وطمس اللون. 

جادل الناقد الأكاديمي والثقافي "نادر كاظم" في كتابه "خارج الجماعة" قائلا إن المرء قد يجد نفسه مضطرا للانخراط في صراعات قاسية من أجل انتزاع حرية الاختيار، ولا عزاء له في ذلك سوى الوعد بأن يربح نفسه في نهاية المطاف، وأن ينتزع إنسانيته من محاولات الاختزال والتقليص والقولبة التي تمارسها عليه الدولة أو جماعته أو الجماعات الأخرى. ويبدو أن هذا هو ما وهبته البالونات لباسكال في نهاية المطاف(27).

 

يستكمل اللون دوره في فيلم "Alike"، من إخراج "دانيال مارتينيز" و"لارا ورافا كانو مينديز"، اللذين انكبا على عملهما خمس سنوات حتى أتمّاه. في الفيلم، نشاهد علاقة أب وابنه، وسط مجتمع رمادي، وعمل رتيب يتغير فيه لون الأب إلى لون باهت، يتماثل فيه مع من حوله. نلاحظ أن لون ربطة عنق الأب هو اللون الطبيعي للطفل، ما قد يعني ارتكان الأب الكامل وارتباط سعادته بابنه.

 

يتعجل الأب انتهاء ساعاته حتى يعانق ابنه ويستمد لونه من جديد. لكنا على النقيض نتابع تحول الطفل البطيء وانطفاء وهجه في نظام تعليمي لا مكان فيه للإبداع أو الحرية العقلية. فهل سيعينه أبوه على استرجاع لونه من جديد؟

 

كيف لك أن تتطرق إلى إحدى شظايا واقع جاثم موجع، كالحرب الأهلية السورية، في أقل من سبع دقائق؟ هذا ما فعلته فنانة الأنيميشن التركية المقيمة في لندن "ميرف سيريس أوغلو كوتور" في فيلمها القصير والبسيط "الصندوق (THE BOX)". يُظهر الفيلم طفلا صغيرا يلهو بصندوق في غرفته، تصحبه قطته الأليفة، تنفجر الألعاب النارية في الخارج وتنقلب إلى انفجار متشظٍّ، يستيقظ الصغير ويخرج من صندوقه إلى مخيم للاجئين، محاطا بالفقر، فكيف تحولت مادة للّهو إلى مسكن؟! وكيف انقلب العالم على عقبيه في لحظات؟!

 

صاغت الطبيبة النفسية السويسرية الأميركية "إليزابيث كوبلر روس" نموذجا يعيننا على فهم الحزن في عام 1969، أطلقت عليه "مراحل الحزن الخمس"، وهي: الإنكار (عدم التصديق)، والغضب، والمساومة، والاكتئاب، والتقبل(28)، مشددة أن تجربة الحزن تتسم بطابع فردي للغاية، ولا يُمكن التعبير عنها بشكل جيد من خلال تسلسلها الثابت. قد لا يمر المرء بإحدى المراحل الخمس، وقد يختلف ترتيبها من شخص لآخر، فعند الشباب يأتي الشوق قبل الإنكار، ويحتمل أن يتناوب على الشخص الاكتئاب في أكثر من مرحلة. وقد تزداد هيمنة بعض المشاعر، وربما يتوقف تطور المراحل من الأساس.

 

تظهر بعض هذه المراحل بوضوح في بعض الأفلام القصيرة. عمل الرسامة والمخرجة إينيس سيدان "الرجل الذي نام" هو أبلغ دليل على هذا، يُفتتح العمل بغرفة بها رجل يغط في نوم عميق، بجانبه امرأة على محياها تعبير حزين، تجد الوحشة أينما ذهبت في أركان مسكنها، تتناول الطعام بمفردها، وتُطل من نافذتها بسأم. تتردد على السوق لشراء حاجياتها، حتى تلحظ عيناها موسيقارا يعزف مع فرقته في الشارع، فتفر عائدة، تهرع إلى زوجها، تحاول إيقاظه وللمرة الألف، تكلل مساعيها بالإخفاق، فتستسلم هي الأخرى للنوم. ولكن ما إن يتبادر الموسيقار إلى ذهنها حتى يتقلص الزوج النائم ليصبح في حجم قبضة اليد، لكنها لا تزال تتشبث به. يتعاظم حجمه ويتعملق، فلا تحاول إنقاذ نفسها من ثقله الرابض عليها. هل هي حكاية عن امرأة تتمسك بعلاقة لا رجاء منها؟ وهل ستصل يوما ما إلى مرحلة التقبّل؟

على جانب آخر، يظهر الإنكار في الفيلم البريطاني القصير "ثمانية" لـ"ستيفن دالدري". صبي يريد التصالح مع العيش في بلدة جديدة غريبة ومع حقيقة فقدان والده، يحاول استحضاره وتصوره بكل الطرق الممكنة(29). في المنزل، بمفرده مع كرة قدم، يعترف جوناثان أنه لم يعرف والده قط، توفي قبل ولادته وهو يشاهد مباراة كرة قدم. فهل يكون حب البطل الغامر لتلك الرياضة وتشجيعه لها، رغبة منه في الاقتراب من الفكرة المثلى التي تصورها حول والده؟ ينتهي الفيلم بجلوس جوناثان على الشاطئ مغنيا "لن تسير وحيدا أبدا"، بعدما عبر مراحل الحزن كافة حتى وصل أخيرا إلى التقبل.

 

 

أما فنان الأنيميشن الياباني "كونيو كاتو" فيبدع في إحاطة الوحدة بالعزاء في فيلم الرسوم المتحركة القصير "منزل من مكعبات صغيرة (La Maison en Petits Cubes)". يصور الفيلم عجوزا يسقط غليونه عرضا من نافذة منزله في قلب المحيط، فيرتدي بذلة غوص ويلقي بنفسه في الماء لاسترداده، وكلما تعمق داخل الماء اكتسبت ذكرياته نصاعة، وتساقطت سنوات عمره تباعا. هنا تعج الإضاءة -وسيلة كونيو الرئيسية- في سرد الحكاية.

 

لا يفتقد العمل العمق الذي يشير إليه راسكين، وفيه توظف الأشياء المادية المشحونة لتحمل أجزاء مهمة من القصة، وبذلك نتمكن من ربط التجربة الداخلية بالأشياء الخارجية، بل وقد تمكننا أجزاء من الديكور من معرفة ما تشعر به الشخصيات أو تفكر فيه. يتميز الفيلم كذلك بسلاسة حركات الكاميرا وبإيقاع بصري بطيء داخل الإطار، منسجم مع الموسيقى. الأشياء والموجودات في الفيلم هي عناصر لإثارة ذكريات الماضي ومساعدة الشخصية الرئيسية على استعادة لحظات ثرية من حياته وأحبائه.

 

من المفارقات التي اختبرها راسكين، أن الأفلام القصيرة التي تحكي قصصا بسيطة هي الأكثر احتمالا أن يراها المشاهدون على أنها عميقة، لأنها تترك مساحة صالحة للسكن في داخلهم وفرصة لبناء المعاني واستكشافها. على النقيض، قد تبدو الأفلام المليئة بالتحولات الذكية أو التفاصيل المفرطة سطحية، ما يُبقي المشاهد على مسافة كمراقب بدلا من مشاركته في القصة.(30)

 

ينطبق العمق على الأفلام سابقة الذكر، وأخيرا على فيلم الرسوم المتحركة "فايشا العمياء (Blind Vaysha)" من تأليف تيودور أوشيف، والمقتبس من قصة للشاعر والكاتب المسرحي البنغالي "غيورغي غوسيودينوف". لدى بطلة الفيلم فايشا عينان، واحدة تبصر الماضي، وأخرى المستقبل، ويمنعها استغراقها فيهما من العيش في الوقت الحاضر. يصور الفيلم نزوعا كامنا فينا إلى إضفاء مثالية على الماضي والقلق من المستقبل، انتقال بين حدودهما معا لا يلبث بعده الحاضر أن يتلاشى لنحيا منفيين، مضطربين ما بين المجهول والمعلوم الذي لن يعود.

حسنا، لا تقدم الأفلام القصيرة "سينما ولكنها قصيرة"، بل هي نوع خاص من الفن الذي يستحق أن نستمتع بوجوده ضمن قوائم مشاهداتنا المتنوعة بين مسلسلات وأفلام طويلة، لأنه فقط في هذه الجرعة الدسمة المكثفة من الفن السينمائي يمكن أن تلمس حالة خاصة من الإدراك، من التأمل الذي نحتاج إليه في حياتنا المتلهفة لكل ما هو سريع أو صارخ.

————————————————————————————

المصادر

  1. Haiku Japanese literature
  2. The Surprising Power of Stories That Are Shorter Than Short Stories
  3. The Man Who Stopped Time
  4. How a 19th-Century Photographer Made the First ‘GIF’ of a Galloping Horse
  5. First Movie Ever Made: The invention of moving pictures 
  6. A Trip to the Moon (and Five Other Free Films) by Georges Méliès, the Father of Special Effects
  7. D.W. Griffith American director
  8. Why movies went from 15 minutes to 2 hours
  9. THE MUSEUM OF MODERN ART
  10. A Short History of Short Films
  11. A Short History of Short Films
  12. المصدر السابق
  13. Dr. Richard Raskin: New Theories of the Short Film
  14. Cynthia Felando
  15. Discovering Short Films: The History and Style of Live-Action Fiction Shorts Book by Cynthia Felando
  16. 4. How Are the Characters Portrayed?
  17. The feature’s older but less celebrated brother
  18. عنوان المقالة: الحوار في سينما شادي عبد السلام
  19. Film Analysis of The Lunch Date
  20. The Lunch Date Film Analysis
  21. The Oscars: Joubert Talks ‘French Roast’
  22. GABRIEL GARCIA MARQUEZ MEETS ERNEST HEMINGWAY
  23. Andrei Tarkovsky’s Very First Films: Three Student Films, 1956-1960
  24. كتاب: الكتابة بالضوء في السينما، اتجاهات قضايا وأفلام، أمين صالح
  25. كتاب هذا هو الإنسان، منشورات الجمل، فريدريك نيتشه
  26. “فنّ الاستسلام عند “نيتشه
  27. كتاب خارج الجماعة، د نادر كاظم، دار سؤال
  28. The five stages of grief don’t come in fixed steps – everyone feels differently
  29. "Eight" – A short film by Stephen Daldry
  30. Dr. Richard Raskin: New Theories of the Short Film
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

الأطفال في السينما الإيرانية جزء أصيل من نسيجها البديع، حيث ننفذ خلالهم إلى عوالم صغرى لأطفال أبرياء، نستشعر فيها مآزقهم الطفولية وتساؤلاتهم ومشاعرهم، ونرى العالم بعيون الأطفال صافيا لم تلبده الغيوم.

Published On 25/6/2021

في كل رحلة لبيكسار نتعلم مع الشخصيات عوضا أن نتعلم منها، وسواء كانت القصة عن عائلة خارقة أو دمى وألعاب أو طفلين من وحوش البحر، فسيبقى فيها ما يعبر عنا.. فهل لهذا السبب نحب أفلامها إلى هذا الحد؟

Published On 26/6/2021

باتت الرقابة الصينية لا تقتصر على النطاق الجغرافي الصيني، لكنها آخذة بالتفشي بالولايات المتحدة الأميركية، عبر هوليوود ونتفليكس، والعديد من المنصات العصرية بحيث يلتزم محتواها برؤية الحزب الشيوعي للصين.

Published On 28/6/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة