فيلم لوكا (Luca): لماذا نحب أفلام بيكسار إلى هذا الحد؟

كم هو صعب أن يسلك الإنسان رحلة خاصة داخل ذاته، حتى يقبلها في النهاية، أو أن يكون نفسه دون مواربة، أن يرى في اختلافه تفردا، بلا حاجة لتحويل نفسه إلى نسخة مكررة للتواكب مع المجتمع! ربما لهذا قال الفيلسوف المتشائم "آرثر شوبنهاور" ذات مرة: "إننا نضحي بثلاث أرباع ذواتنا لنصبح كالآخرين، الحب في أفضل حالاته هو طريقنا لاسترجاع هذه الأجزاء الضائعة، تلك الحرية التي فقدناها في مكان ما عندما كنا أطفالا".

على الجانب الآخر من الواقع، رجلان على زورق تشبه إنارته من بعيد نجمة سقطت على صفحة محيط. أحدهما يتملكه الجزع ولا ينفك يتحدث عن وحوش البحر، بينما يردد الآخر: إنها محض حكايات. نلمح من يراقبهما، يمد يده محاولا سلب أي غرض يقع في متناوله، قبل أن يثب عاليا أمام أعينهما التي تحدق فيه برهبة، يرتج الزورق لتهوي عدة أغراض إلى قاع المياه.

بهذا المشهد يضعنا المخرج "إنريكو كاساروزا" في قلب "لوكا"، أحدث أفلام بيكسار. يتخذ الفيلم اسمه من اسم بطله، وهو فتى من وحوش البحر يبلغ من العمر 13 عاما، ولديه القدرة على الظهور بمظهر الإنسان أثناء وجوده على الأرض. يرعى لوكا قطيع أسماك في أعماق المحيط بين الأعشاب البحرية الخضراء النابتة عند مفاصل الصخور. يرنو بسأمٍ إلى الأعلى متصورا الحياة هناك.

تقوض والدته من فضوله الدائم الذي يظهر في أسئلته، تطعمه الخوف وتوصيه بأخذ الحيطة والاختباء دوما. لكن العالم الجاف يأبى إلا أن يتعثر لوكا بالأشياء التي سبق أن سقطت، من ساعة منبه، إلى أوراق اللعب. من شأن ذلك أن يجرفه بعيدا دون أن يدري من تلك المساحة الآمنة المحدودة المفروضة عليه، خاصة عندما التقى بفتى آخر يدعى "ألبرتو".

"ألبرتو" هو صبي يعيش بمفرده في برج رمادي مهدّم على الشاطئ، يلقن "لوكا" أسطورته الخاصة التي تقول إن النجوم هي في الواقع أسماك تسبح في محيط أسود شاسع، وفلسفته التي تزعم أن التعليم ليس ضرورة، وأن عليه تجاهل "برونو"، الصوت الخافت المرتجف داخل رأسه، والذي يطالبه بالتراجع دوما.(1)

على اليابسة تنشأ بينهما صداقة قوامها التطلع لامتلاك دراجة نارية (فيسبا) والسفر معا حول العالم. لكن والدة لوكا تكشف أمره، ويهدده والداه بإرساله إلى الأعماق السحيقة ليعيش مع عمه أوغو، فيهرب مع "ألبرتو" إلى قرية قريبة تصطاد كلا من الأسماك ووحوش البحر، وهناك يتصادقان مع "جوليا"، وهي فتاة بشعر مائل إلى الحمرة، تأمل في الفوز على "أركول"، ونيل كأس مسابقة الترياتلون السنوية التقليدية الإيطالية، يسجل الصبيان في السباق مع "جوليا"، في محاولة لكسب ما يكفي من المال لشراء فيسبا، ومن هنا تبدأ المغامرة.(2)

الفيسبا عند "كاساروزا" هي رمز للحرية والانعتاق من قيود البر والبحر، فواقعهما يجعل من المحتم عليهما إخفاء هويتهما كوحشي بحر والادعاء أنهما طفلان عاديان(3). يوجه المخرج ثقل حكايته صوب موضوع يقلق مضجعنا عدة مرات في العمر، وهو الهوية، والخوف من عدم التقبل وسوء الفهم، فالمخلوقات المائية تطلق على البشر وحوش البر، ويرتعد الناس من الكائنات البحرية ويطلقون عليهم وحوش البحر، وهي مسميات ناتجة من الجهل المتبادل، نوعان لم يلتق أي منهما بالآخر.

يعالج الكاتب "كيث بيكر" هذا الخوف في قصته الموجهة للأطفال: "مَن الوحش؟"، يتأمل أبعاد الكلمة وجوهرها، مثيرا فكرة الاختلاف وتصور "الآخر"، فبرأيه يعدّ فهم الخوف وآثاره على الفرد هو الخطوة الأولى لفهم الذات، وبالتبعية، المجتمع، لأن الذعر غالبا ما يكون الدافع الرئيسي وراء تضخيم الاختلافات.

الخوف هو رد فعل طبيعي تجاه المجهول، عادة ما ينظر إلى غير المألوف على أنه تهديد، ومن ثم عدو، الأمر لا يكون دائما عرضة للمنطق والحجة العقلانية، فالخوف عاطفة، والعاطفة تكره المنطق، وما إن يرخي الخوف موقفه الدفاعي حتى يكون الفرد منفتحا على رؤية العالم من جديد بمنظور أكثر تفهما.

الفيلم في أحد جوانبه إعادة سرد موجزة لطفولة المخرج، يصف "كاساروزا" نفسه في الماضي بوصفه فتى خجولا متورد الوجنتين، يجسده "لوكا". صديقه المقرب في الواقع كان يدعى "ألبرتو"، وصنع الفيلم استنادا إلى تلك العلاقة الوطيدة، تحديدا ذلك الصيف الذي أمضياه معا على الساحل في "جنوة"، وهي بلدة وميناء بحري شمال إيطاليا، ترعرعا فيها، كل التفاصيل المتعلقة بتلك الرحلة تظهر في الفيلم: المرافئ وقوارب الصيادين التي تعود إلى العصر الروماني، والموسيقى ومعالم الخمسينات والستينات من السيارات والدراجات البخارية القديمة.(3)

لخلق العمل، اجتذب "كاساروزا" أيضا طرفا من كل أسطورة استهوته، مثل مدينة تقع بجوار لا سبيتسيا، في الجزء الشمالي الغربي من إيطاليا، قيل إن أخطبوطا بها قرع جرس الكنيسة عندما أوشك القراصنة على الاقتراب منها. وكذلك تاريخ تنانين البحر المتفشي في سان فروتوس والتي تضم ديرا شهيرا يُحكى أن تنينا اتخذه منزلا.(4)

كما أن هناك تأثرا طفيفا أيضا بأستديوهات جيبلي، وهو أستديو رسوم متحركة ياباني تأسس عام 1985 على يد أعظم منتجي الأنمي باليابان هاياو ميازاكي، وإيزاو تاكاهاتا، حيث تزعم إحدى الأساطير اليابانية أن البشر عاشوا في وئام مع الثعالب الحمراء، التي ما إن تتخطى المئة عام حتى تكتسب القدرة على التحول إلى هيئة بشرية، نساء جميلات أو أطفال(5)(6)، وهي القدرة التي استنسخها الفيلم لدى لوكا وألبيرتو.

تأمل "لوكا" يقودنا إلى "بيكسار"، فهي تتبع -في هذا الفيلم وغيره- نمط أفلام مبتكرا، لا يعد وسيلة جديدة لرواية القصص فحسب، بل ارتقى بها إلى مستوى أعمال تعيد تعريف الرسوم المتحركة الجيدة، إذ طوّع التكنولوجيا لإنتاج روائع خالصة، فيخبرنا المدير الإبداعي السابق لبيكسار وأحد مؤسسيها "جون ليستر": "هناك فنان يستخدم الكمبيوتر مثلما نفعل نحن، وآخر يتعاطى مع الورق مثل ديزني".(7)

تولي بيكسار اهتماما للقصة والأبطال، وتتقيد في ذلك بـ22 قاعدة تهب كل واحدة منها لمسة فريدة للحكاية، يمكن اعتبار خَمس منها أساسا لفهم ما الذي يجعل أفلامهم خلّاقة، فهناك مثلا أن جميع الأفلام تُصمَّم بطريقة واحدة، بداية: تقدم إلينا الشخصيات ونراهم في حياتهم الروتينية، مثلما أبصرنا "لوكا" يرعى السمك، وفي لحظة ما، بشكل غير متوقع، يُخترق هذا الأمان.

يتجلى هذا في فيلم "البحث عن نيمو" كما نراه في "لوكا"، كلا البطلين آتٍ من بيئة واحدة، مُسيّج بهلع أحد الأبوين وحمايته المفرطة، يتمردان، فيقع "نيمو" في شباك أحد الصيادين، وينتهي إلى حوض لأسماك الزينة، بينما يحتج "لوكا" على قرار والديه بترحيله. في الدقائق التالية من أفلام بيكسار نرى البطل يكافح ضد هذا الحدث الطارئ، لا يستسلم حتى يغترف منفعة من التجربة.

من جهة أخرى، فإن قصص بيكسار كافة تحكي عن التغيير. في الجزء الثاني من فيلم "حياة لعبة" الذي أخرجه "ليستر"، نلحظ ذلك في مَقدَم لعبة جديدة وهي "باز يطير". وفي فيلم "إنسايد أوت" الذي يدور داخل رأس فتاة تنتقل لمدينة جديدة مع عائلتها حيث تتحكم بها خمسة مشاعر تقود حياتها، وهي: الفرح والحزن والغضب والاشمئزاز والخوف، يكون هذا الانتقال هو التغيير. وفي فيلم "Up" يكون موت الزوجة. وفي فيلم الروح (Soul) يكون وفاة البطل.(7)

تشتبك أحداث الأفلام بالتغييرات محاولةً تقبلها أو التأقلم معها، وتبرع بيكسار في أن تخلق منها فرصة للنضج والتعلم، وهذا ما لا يعيه الأبطال في مراحل رفضهم الأولى، هنا تتضح صراعات الشخوص الرئيسية لنا نحن المشاهدين، حيث تقدم لنا القصة وقتا كافيا لنفهمهم، كما أنها تسبغ عليهم واقعية وتعقيدا لأن الكاتب يزودهم برأي، ليس ضروريا أن يكون مقبولا أو مستساغا ما دام أنه منطقي ومفهوم.(7) أهمية الرأي تكمن في إثارة مشاعر حقيقية، وذلك ما تعول عليه بيكسار لجلب الحياة إلى أبطالها.

تغفل شخصية "الفرح" أو "Joy" في "إنسايد أوت" عن أهمية المشاعر السلبية، وفي "حياة لعبة 2" تسيطر الغيرة على "وودي" من "باز يطير" الذي يحظى بكامل الاهتمام، ويود وودي عودة الأمور لمجاريها. تلك الأفكار والمشاعر ليست بغريبة عنا، إذ يمكن أن تنتاب أي إنسان في مراحله العمرية، سلبيتها هي موطن صدقها، لكنها لا تخلو من جوانب بغيضة ينبغي السيطرة عليها، ففي "حياة لعبة 2″، ندرك أن الشرير في الحقيقة هو "وودي" الذي تدفعه الغيرة للتسبب في الأزمة، وفي "إنسايد أوت" ربما لم تكن الأشياء السيئة لتحدث لو أن البطلة "Joy" تقبلت حقيقة أن هناك مشاعر أخرى مهمة بقدرها.(7)

بمقاومة هؤلاء الأبطال عادة للتغيير، تلقي الحبكة في وجههم بتحدٍ جديد أو عدة مصادفات، بعضها بريء مثل الطفلة الصغيرة التي تتسلل إلى مؤسسة الوحوش في فيلم شركة المرعبين المحدودة، أو ماكينة فليك التي ارتطمت بالصخرة فأوقعت كل الغذاء المقدم للجراد. عادة ما تستخدم المصادفة، في الكتابة السيئة، لتنقذ البطل، لكنها هنا تدفعه إلى لب الأحداث ومحركها، حيث تضعه في مواقف تجبرهم فيها على التصالح مع التغيير دون تدخل أو إعانة.(8)

وفي خلال المحنة، تحول بيكسار انتباهها إلى من يشاركهم البطل التجربة، وعلى الشرير، وهو نقيض البطل، بوصفه أداة تعين على فهم الشخصية المحورية وإبراز مواطن نبلها. نعي أخيرا الدرس المستفاد، وهو أننا نستمد المعرفة من الآخرين ومن آرائهم المختلفة عنا، تفهم "الفرح" مغزى المشاعر الأخرى وتقدر أهمية الحزن، وفي "Up" يتمكن البطل من تخطي حزنه الطاغي على رحيل زوجته بفضل رحلته مع الفتى الذي يتمتع بشخصية مغايرة عنه.

في كل تحد، لا يجد الأبطال بدا من النضوج والتعلم من بعضهم بعضا، ليلامس البطل أخيرا لب التجربة. في كل رحلة لبيكسار يتعلم الأبطال الدرس مثلنا، بشكل صعب وغير متوقع بعد إخفاق مستمر، ما يحدث هنا هو أننا نتعلم مع الشخصيات عوضا أن نتعلم منها، وسواء كانت القصة عن عائلة خارقة أو دمى وألعاب أو طفلين من وحوش البحر، فسيبقى فيها ما يعبر عنا.(8)

يتحقق هذا كله في "لوكا"، الذي يدور في أغلبه حول الأبوة والأمومة وطفل يختبر كثيرا من الأشياء للمرة الأولى(9) وآخر يحب اكتشاف العالم، كل هذا التعارض في وجهات النظر يخلق عالما "خياليا" لكنه "يتسم بالواقعية"، ويقودنا مثل البطل للتعلم عن ذواتنا، عن الاختلاف، وأن يجرؤ المرء على أن يكون على طبيعته، وأن يدرك أنه على الرغم من كل القيود التي أحاطت به طوال حياته فسوف يجد دوما من يحبه ويدعمه.

يدور الفيلم أيضا حول الصداقة والطعام والثقافة الإيطالية، أو كما عبر مخرجه حينما قال إنها رسالة حب لموطنه، وتكريم لـ"فيديريكو فيلليني" وغيره من رواد صناعة السينما الإيطالية، مع تأثر خاص بالمخرج الياباني العظيم "هاياو ميازاكي"(10)، ليخرج لنا مزيجا يشبه شعاع شمس نافذا إلى أعماق أرواحنا والمحيط.

__________________________________________________________

المصادر:

  1. Luca is ‘personal and charming’ – BBC Culture
  2. Luca movie review & film summary (2021) | Roger Ebert
  3. INTERVIEW | ‘Luca’ is my love letter to Italy, says Director Enrico Casarosa – Acti World
  4. Luca Release Date, Cast, And Plot – What We Know So Far
  5. Kitsune – Nine-Tailed Fox Of Japanese Mythology – Symbol Sage
  6. Kitsune: The Foxy Side of Japanese Mythology | Tokyo Creative Trave
  7. Pixar’s Secret Formula For Making Perfect Films | The Art Of Film – YouTube
  8. المصدر السابق
  9. Luca is a Pixar fable about sea monsters, friendship, and pasta
  10. Luca Sea Monsters Explained by Director Enrico Casarosa (collider.com)
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تشبث آن بالخيال وغرقها في الفانتازيا هما وسيلتها للنجاة من صدمات الطفولة، آلية دفاعية ضد هجمات ذاكرة طفل مصدوم حيث تجد في خيالاتها تعويضا عن المحبة والرعاية المفقودة في واقعها.

4/11/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة