ما وراء الخير والشر.. لماذا أحببنا والتر وايت ولم نكرهه؟

"لا توجد علامات إرشادية مُتاحة في هذا العالم، ولا يمكن لأي سلطة مرجعية أن تُخفِّف عنك عبء الحرية، لا يوجد مسار موصوف يهدي الإنسان إلى خلاصه، بل عليه اختراع مساره دائما، وأن يخترع مساره معناه أنه حر مسؤول، ولا أعذار في ذلك".

(جان بول سارتر)

تمنح كثير من المعتقدات على اختلافها إجابة شافية للإنسان عن الأسئلة التي تتماس مع وجوده، من أين جاء؟ وأين سيذهب؟ وماذا يجب أن يفعل خلال إقامته القصيرة ضيفا على دراما العالم؟ حيث يُخبرنا عالم النفس الألماني "إريك فروم" أن المرء مفطور على طلب إطار للعبادة، يُحدد أفعاله وطاقاته ويعمل على ترسيم حدوده. لكن بخلاف الأُطر العقائدية، تُقدِّم الفلسفة الوجودية نفسها للإنسان بوصفها فلسفة عملية تبدأ مع المرء من نقطة حضوره للعالم، فالوجود -بالنسبة لها- هو الحقيقة الأولى، نحن نوجد لا خلاف، أما أسباب هذا الوجود ومُستقبله فهو معنى على الإنسان أن يُسطِّره وحده.

 

يؤمن الفلاسفة الوجوديون مثل نيتشه وكامو وكيركجارد وسارتر أن الوجود يسبق الماهية، يعني ذلك أننا موجودون أولا في العالم، أما لماذا وُجِدنا وماذا يفعل كل امرئ بقصته ومعضلة الوجود الخاصة به فهذا ليس سؤالا عاما، وإنما سؤال شخصي على كل فرد الإجابة عنه وحده دون أن يغش بنقل الإجابة من لسان كاهن أو توجيه مجتمع وسلطة، أيًّا كان نوعها، أو كما يُعبِّر سورين كيركجارد: "المسألة هي إيجاد حقيقة صحيحة في نظري، إيجاد الفكرة التي يُمكنني أن أعيش وأموت من أجلها". (1) تبعا لتلك الرؤية لا توجد إجابة صحيحة وأُخرى خاطئة يختارها الواحد منا ليحيا وفقها، إنما الفضيلة الأساسية للوجوديين هي صدق كل فرد في التزامه بالطريق الخاص الذي اختاره لنفسه، أيًّا كان ذلك الطريق.

 

لا يضيق منظور الوجودية ليصير مُرادفا للإلحاد، فكثير من الوجوديين مؤمنون، إنما هي فلسفة تنحاز للإنسان وخصوصية المعنى الذي يُقرِّره كل فرد على حِدَة لحياته ورحلة وجوده، فمثلا اختار "كيركجارد" أن يكون خلاصه في قفزة إيمان يختار فيها الإله بعيدا عن ضيق مفاهيم الكنيسة، كذلك اختار "جابرييل مارسيل" -الذي يسميه الكثيرون الوجودي الأول قبل سارتر- تيارا وجوديا دينيا يؤمن أن الله مانح المرء حريته وأن دورنا هو الولاء الإبداعي لحريتنا تلك دون أن نختار مرجعية تختار لنا وتتحمل عبء حريتنا، لأن في ذلك إهدارا للميزة التي ميّزنا الله بها عن الحيوان وهي حريتنا.

جان بول سارتر

 

يُقرِّر "ألبير كامو" أن الحقيقة في الوجودية هي مسألة "قرار" وليست اكتشافا، لا توجد حقيقة في العالم مُختبِئة تنتظر منا النبش بحثا عنها، لذا سعادة كل فرد رهينة اتساقه مع المعنى الذي قرّره لنفسه، وزيفه وشقاؤه ينبع من أن يحيا حياة لا تُعبِّر عن هذا المعنى الذي قرَّره لروحه، وهذا يجعل السعادة والشقاء والمعنى رهانات شخصية جدا لا تمنحها لنا أو تسلبها منا سلطة أو قبول مجتمعي أو مرجعية خارجنا.

 

يتخذ كامو من أسطورة "سيزيف" وجها بطوليا لفلسفته، سيزيف حسب الميثولوجيا الإغريقية استطاع خداع "ثاناتوس" إله الموت مرة تلو الأخرى، حتى ضاق "زيوس" كبير الآلِهة ذرعا وعاقب سيزيف برفع صخرة ثقيلة لقمة جبل، وكلما وصل القمة تدحرجت الصخرة لأسفل، فيعود سيزيف لجلبها في دورة لا نهائية من التكرار، يخبرنا كامو أن عبثية عقاب سيزيف الجهنمية يمكن أن تُحتمل فقط لو كان هذا هو المعنى الذي اختاره سيزيف لنفسه، سيزيف وفق تلك الفلسفة اختار التحدي مواجها مصيره ببطولة مُتعمدة وليس باستسلام بليد، ولهذا في لمحة ما، ومن زاوية بعيدة، ومن نافذة وجودية، يمكننا أن نرى سيزيف سعيدا لأنه عاش وفق المبدأ الذي قرّره لنفسه حتى لو كانت نهايته مأساوية لنا(2).

كامو وأسطورة سيزيف للفنان فيدران ستيماك

في عام 2008، قدَّم "فينس غيليغان" واحدة من أجمل التحف التلفزيونية وهي مسلسل "بريكنغ باد" (breaking bad) الذي استمر مُتربعا على عرش التقييمات طوال خمسة مواسم، تاركا بعد انتهائه مكانة أسطورية تُنازع أحدث الإنتاجات التلفزيونية حتى الآن، يتحدث المسلسل عن "والتر وايت"، مدرس كيمياء على مشارف الخمسين يعمل في وظيفتين ليعول ابنه وطفلته، تنقلب حياته رأسا على عقب عندما يُشخَّص بالسرطان، ليتجه في انحراف حاد لاستغلال براعته في الكيمياء لصنع أجود أنواع الميث المُخدر بغرض ترك مال كافٍ لعائلته قبل رحيله.

 

على عكس ما يوحي به عنوان المسلسل بأنها قصة كلاسيكية عن التردي الأخلاقي وانحراف شخص عن المسار المستقيم، يُقدِّم الكاتب بطله "والتر وايت" بوصفه بطلا وجوديا بامتياز، اختار حقيقة لنفسه وعاش وفقها، وتحقّق، وبقدر ما رأينا مصير سيزيف عبثيا بقدر ما كان وفقا لزاوية بعينها سيزيف سعيدا، فيُمكننا أن نُقارب والتر برؤية وجودية، لنرى أنه تحقّق وكان سعيدا، كان بطلا مخلصا للمعنى الذي قرّره لنفسه وإن كان خيارا مذموما وفق كل السرديات المقبولة دينيا ومجتمعيا.

مسلسل "بريكنغ باد" (breaking bad)

 

لماذا تعلق ملايين المشاهدين حول العالم بشخصية والتر وايت وأحبوها، على الرغم من كونها شخصية مأساوية انتقلت من السلبية الكاملة للشر الكامل، وخلال رحلتها تركت خلفها حُطام أشخاص على كل جوانب الطريق؟ يصوغ السؤال مرة أخرى "جيسي بينكمان"، شريك والتر الشاب الذي يسأله كيف لرجل يحتفل بعيد ميلاده الخمسين أن يتحول بقرار بسيط إلى طباخ ميث؟ وعضو ضالع بحماس في مافيا المخدرات، فيُخبره والتر بكلمة واحدة:

"أنا يقظ، أنا في صحوتي".

يُداعب والتر وايت مخاوفنا أننا نعيش حياتنا بأكملها وفق إملاءات وتلقينات، لا يهم صحتها أو خطؤها، ما يهم أننا لم نخترها من الأساس، إنما نحيا وفقها لننال القبول المجتمعي، لنصير محبوبين في نظر أقراننا، لنصير مواطنين صالحين في نظر حكومتنا، لنصير أفرادا مُبتسمين في كادر صورة عائلية، لا يهم هل هذا ما اخترناه لأنفسنا أو لا؟ يُشبه الأمر حلما لطيفا يشاهده الفرد من الخارج، لا يملك إرادة للتدخل فيه، إنما يشاهده وحسب كأنه مُنفصل عنه، باقتراب أكثر من عالم والتر قبل السرطان نجد الآتي:

 

والتر وايت المدرس الذي ترك شركته التي أسّسها بطموحه تحت ضغوط الماديات ومتطلبات العائلة رضخ لوظيفة مدرس كيمياء عادي لا تُميِّزه عندما تراه، وفي المساء يعمل في مغسلة لدى رب عمل مُتسلط، وفي الأمسيات العائلية يرى زوج أخت زوجته "هانك" الذي يُمثِّل نقيض والتر في كل شيء، رجل ذو ذكورة مفرطة يمتهن المهنة الأكثر إمتاعا والأقل مللا من مهنة مدرس كيمياء وعامل مغسلة، رجل شرطة يُعانق الخطر يوميا بينما والتر ترتعد يداه عندما منحه هانك مسدسا ليلتقطه وحسب.

 

يبدو والتر مثل رجل مستسلم لقدره، يحتاج إليه رب عمله بوصفه نقيضا ضعيفا يمارس عليه تسلطه، فهو صاحب المال، وإن كان والتر الأكثر نبوغا فلن يشفع له ذلك في أن ينحني ويغسل الإطارات بنفسه، يحتاج إليه نسيبه ليستعرض رجولته من خلال مُسالمة والتر وارتعاده، يكدح والتر لأجل ولده بينما في الأمسيات تتعلق عين الابن بحكايات هانك عن بطولاته في مكافحة المخدرات والجريمة، يبدو والتر مثل مادة مُعدَّة بالأساس لتلميع الجميع، مشجب عملاق يُعلق عليه الجميع قصتهم لتظهر أكثر، بينما المشجب لا قصة له.

 

في مبتدأ الخمسين يصاب والتر للمفارقة القدرية بسرطان قاتل في الرئة، يختار له القدر نوع السرطان الذي يصيب مَن يحيا حياة جامحة، المدخنين بإفراط، الذين لا يستمعون بخضوع لنصائح الأطباء والتلفاز، كان والتر الأكثر خضوعا ونال في جُعبته السرطان الأكثر جموحا المُخصص للمتمردين. بينما تبدو تلك نهاية حزينة لقصة مملة، يجعلها "فينس غيليغان" بداية قوية لقصة ملحمية، حيث يبدأ والتر حكايته من نقطة القاع، ومن خلاله سوف نُلامس أشد المخاوف التي نخشى أن نُمرِّر عبرها قصتنا لنسأل أنفسنا، هل امتلكنا الجرأة أن نحيا كما نُريد أم لا؟

 

يخبرنا الكاتب "جوستافو رازيتي" أن معضلة الإنسان هي كونه مخلوقا مُسلحا بكل المهارات اللازمة للتكيف والبقاء، ومع ذلك هو مخلوق مُطيع لبرمجته التي تُرهبه من التغيير، الالتزام بروتين عيش هي آلية نجاة في الغابة وفي حياة البرية، أما في الحياة الحديثة ربما تكون وصفة مثالية للهلاك، وعلى مستوى التحقق النفسي هي مقبرة للعيش، ما يُخيف المرء أكثر من غيره هو إدراكه التغيير بوصفه مبدأ كونيا، وإدراكه حريته في مقابل إدراكه اللا يقين على الضفة الأخرى بنتائج التغيير الذي سيختاره عندما يمارس تلك الحرية الخاصة به (3).

 

أشد العقبات التي تجعل الكثير منا مثل والتر، عالقين في الحكاية الآمنة عن أنفسنا دون أن نختبر كل الممكنات في قصتنا، دون أن ندفع قصتنا أبعد من حدود السردية التي اختارها آخرون لنا هي:

 

  • اللا يقين المصاحب لكل خطوة نتمنى أن نخطوها، لا توجد ضمانة واحدة لأن ننجح لو خالفنا المربع الآمن.
  • التغيير، لا أحد يحب التغيير والتحول والذبول ثم الانبعاث في صورة جديدة.
  • الحرية، عكس كل الأناشيد الحماسية، لا أحد يحب الحرية، لا أحد يحب أن يُصدِّق أنه امتلك الحرية في أغلب المواقف لأنه بالتبعية سوف يواجه حقيقة أنه اختار الخيارات الخاطئة وأنه يتحمل مسؤوليتها، المجبرون يملكون مُعافاة من الندم، أما المخيرون بحريتهم فيتحملون تبعات مصيرهم.

 

منح السرطان والتر الانعتاق أخيرا ليتحرك بنزق في قصته محطما المخاوف الثلاثة، ليستكشف إمكاناته خارج المربع الآمن، خارج السردية المقبولة مجتمعيا ودينيا وأخلاقيا، صارت الحدود الثلاثة التي تحد لكلٍّ منا قصته فيبقى في مثلث المعتاد هي المبادئ الثلاثة التي تمرّد بها والتر على حكايته وصنع قدره الخاص، وبقدر ما تبدو دوافع الحبكة اضطرارية في البداية، مثل رجل يتحرك بقوة القصور الذاتي، بجاذبية الهاوية للساقطين، تجده في النهاية رجلا يتحرك عن عمد ونية واضحة نحو قدره، لينتزع تحققه واعتراف التفوق ويسترد سرديته من ألسنة الآخرين، مثل مشجب تمرد فأسقط كل مَن يعولوا عليه، مثل رجل فرَّ من هوامش كادر صورة جماعية ليصنع بورتريه متفردا يليق به وحده.

 

عندما قرّر وايت ارتداء قبعة سوداء والدخول بهوية جديدة إلى عوالم العصابات، قرّر أن تكون هويته باسم "هايزنبرج"، وخلفية والتر بوصفه عبقريا وعالما ضلّ الطريق لحياة متواضعة يجعله شديد المعرفة بالعالم الألماني وأحد رموز ميكانيكا الكم "فيرنر هايزنبرج" الذي صاغ مبدأ "اللا يقين":

"لا يُمكنك تحديد خاصيتين للجسيم بدقة متناهية في وقت واحد، فلو عيّنت سرعة الجسيم بدقة فستخسر دقة موضعه والعكس، دوما ستبقى مساحة من عدم التأكد".

فيرنر هايزنبرغ

لو حططت كذبابة قلقة على عوالم والتر وايت، في لحظة ما قد تجده رجلا مُهملا في صورة عائلية، لا يعبأ به أحد، بينما الأنظار مُتعلقة بنسيبه وهو يروي واحدة من بطولاته في غارات رجال الشرطة على المجرمين، وفي لحظة أخرى قد تحط الذبابة على عبقري مجنون في معمل تحت الأرض يُعِدُّ خلطة خاصة سيسيل لها لعاب المجرمين في الأميركتين، وسوف يقتل لأجلها المدمنين في كل مكان، وسيُصفِّق الكيميائيون لنقائها الآسر.

 

يهمس لنا والتر وايت باختياره اللافت لهوية هايزنبرج، لتلك الفُرجة، المساحة الخفية من عدم التأكد التي تسري في قصتك التي اخترتها عن نفسك، أنت مثل جسيم لو حددت لك مستقبلك بدقة فستبقى مساحة كاملة من عدم التأكد يمكن عبرها أن تقلب قصتك رأسا على عقب، فإن كنت جسيما سهل القراءة، فلست أبديا في خواصك، بل مُتغير، واللحظة التي تظن فيها أنك سجنت أحدهم في إطار حكايته هي اللحظة التي يتغير فيها ليصير آخرَ. على مشارف الخمسين، في سن تُشارف فيه حكاية المرء على التحجر، على أن تبرد بعد تشكُّل دام نصف قرن، وتضمر فيها كل الممكنات، يبدو والتر جسيما عجوزا نال استقراره، لكنه إخلاصا إلى مبدأ هايزنبرج يغترف ممكنات أخرى ويصير نقيض كل ما ظنناه عنه.

 

"المرء حر بشكل تراجيدي مأساوي ومفزع، لا يمكنه تحمُّل عبء حريته الهائلة، لذا يُحوِّل كثيرا من قراراته على المدى البعيد إلى قيود، إلى صيغ إجبار مثل جرس المنبه، عندي موعد ليلا مع بيير، لا بد أن أرد على سايمون، لم يعد لدي الحق في حجب الحقيقة عن كلود، صياغات كتلك تجعلنا نُعامل قدر حريتنا الهائل بالتظاهر أننا لسنا أحرارا، ومتى أنكر المرء حريته يقع في الإيمان الفاسد ووهم التظاهر بأنه حر". (4)

(سارتر)

يقول والتر إنه قضى خمسين عاما من حياته خائفا، مما يمكن أن يحدث، ومما قد يحدث، خوفا كان يجعله يقظا حتى الثالثة صباحا، لكنه منذ تشخيصه صار ينام قرير العين. كان خوفه عدوه الحقيقي، يخبر نسيبه أن كل ما عليه فعله أن ينظر للخوف في قلب عينيه ويضربه في أسنانه، عندها سوف يتحرر. ما فعله والتر ببساطة الوجوديين هو أنه اعتنق حريته بكل قوته، لم يعد يراها عبئا، ولم يعد الخوف من المستقبل يهم أو مساءلة ماضيه تهمه، فقد وضع السرطان تاريخ انتهاء صلاحية فوق جبهته، وصار صراعه وتوقه لكل لحظة مُستقبلية يمكن أن يسبق فيها موته، يتفق ذلك مع ادعاء سارتر المُستمر أن الوجودية فلسفة معنية بالمُستقبل، بالمرء بوصفه مشروعا متطورا للأمام باستمرار.

 

نرى والتر الهادئ الخاضع لرئيسه ذي اللكنة الثقيلة، نراه يضرب بقبضته طاولة العمل ويسب رب عمله وحاجبيه الكثيفين المُنسدلين على روحه لا عينيه، ثم يعود بعد حين ويشتري المغسلة كاملة إمعانا في إذلاله وغسل أمواله عبرها. نرى والتر المُسالم وهو يُقاتل صِبية تنمروا على ولده حتى يفروا هلعا من نوبة جنونه. لم يعد والتر مقيدا بضرورة الخضوع في عمله، أو الاستيقاظ باكرا له، أو تقبل إهانات الغير، منحه السرطان حرية العيش في اللحظة الراهنة، لم يعد يتعلق بأمل الشفاء أو التقبل، كل ذلك هراء ألقاه في سلة المهملات، ما فتنه هو أمل التحقق بما يريد ولو كان في سن الخمسين.

 

"الكيمياء هي دراسة المادة، لكني أُفضِّل أن أراها دراسة التغير، الإلكترونات تغير مستويات الطاقة الخاصة بها، الجزيئات تغير روابطها، العناصر تجتمع وتتحوّل إلى مركب، هذا هو جوهر الحياة، دورتها، إنها النمو، ثم التلاشي، ثم التحول".

في أول حلقة يُقدِّم "فينس غيليغان" فلسفة الشخصية كاملة، من خلال شرح والتر البديع لجوهر الكيمياء، كل شيء يخضع لدورته، يوجد، يتغير، ينمو، يتحول، ينبعث من جديد في صورة أو أخرى، بينما تلمع عينا والتر وهو يشرح جوهر الحياة، يتابعه فصل بليد، حيث مراهق يداعب صديقته وآخرون نصف منتبهين ونصف غارقين في ملهاتهم، منذ اللحظة الأولى، يبدو والتر مؤديا بارعا دون جمهور، قصة تريد أن تُروى على حقيقتها بينما لا أحد يريد أن يستمع لها. يُحقِّق والتر مخلصا مبادئ الكيمياء الأثيرة، يتوق إلى مستويات أخرى من الحضور، يتغير، ينمو، يتحول، ويصل إلى ذروته بعد الخمول.

 

"لسنا صادقين تماما إلا في أحلامنا".

(نيتشه)

يبدو والتر مثل القصة التي تتخيلها في أحلام يقظتك عنك، أشد خيالاتك نزقا ونشوة، القصة التي كان من المُمكن اعتناقها لو كنت أقل خوفا، وأقل حرجا، القصة التي ربما تُعبِّر عنك بصدق أكثر من كل ما تُظهره، يرى نيتشه أن بطولة المرء ليست في كونه أخلاقيا أو مُنحلا، إنما في كونه أصيلا في حكايته، أنه اختار ما يريد ولم يُملَ عليه ذلك من كنيسة أو منظومة أخلاق بعينها، لذا التحقُّق لديه هو وراء الخير والشر، خارج الأبيض والأسود بالأساس، لون هو نسيج في ذاته، هو تلبية المرء لندائه الخاص حتى لو كان مُخيفا ومأساويا بقدر طريقة والتر في التحقق، لذا والتر بطل نيتشوي بامتياز، لأنه هدم أكاذيب حياته السعيدة بالمطرقة ولبّى نداءه الخاص، بقدر استهجان كل مَن حوله له، تراه يشبه قول نيتشه: "كلما ارتفعنا أكثر بدونا أصغر حجما لأولئك الذين لا يُجيدون الطيران"(5).

 

لا يحق لأحد في نظر والتر أن يحكم عليه، لأنه لا أحد يملك شجاعته لتلبية نداء قصته الأكثر نشوة والأكثر رعبا على الإطلاق، وهذا ما يجعل والتر شخصية مُثيرة للافتتان خارج حبها أو كراهيتها، هي تملك شجاعة آسرة لخوض ما وراء الأبيض والأسود.

 

"ألا تعلم أن الليل عندما ينتصف يخلع الجميع أقنعتهم، لقد رأيت رجالا في الحياة الواقعية لطالما خدعوا الآخرين حتى إن طبيعتهم الحقيقية في النهاية لا تستطيع أن تكشف عن نفسها، هل يمكنك أن تُفكر في شيء أكثر ترويعا من أن تصبح طبيعتك متعددة، أنك قد تصبح حقا أكثر من واحد، تصبح حشدا".

(كيركجارد)

يحاول الوجوديون مُصالحتنا على رعب ظرفنا الإنساني، باعتبارنا أشخاصا هبطوا للعالم وعليهم اختراع دليل العيش الخاص بهم دون اختلاس نظرة ونقل إجابات لا تخصهم من كراسات قديمة، أو كما تعبر سيمون دي بوفوار: "ظرفنا الإنساني ملتبس في جوهره، ومهمتنا هي تعلم إدارة حركة وجودنا وعدم يقينه، ونمارس حريتنا وسط الإكراهات المحيطة بنا، ونتغير خارج قوالبنا".

 

حقّق والتر شعبيته الهائلة لأنه يداعب رغبتنا في قلب قصتنا رأسا على عقب والقيام بقفزات في الفراغ، أملا أن نصل إلى ما نريده، اعتناق حريتنا كاملة، بكل احتمالات التردي والسقوط، وقبول التغيير، قبول احتمال أن نودع نسخة منا وأن نتطور لأخرى، أن نتحول ونتغير مثل جسيم لا يهدأ بحثا عن استقراره، وبقدر ما وجد والتر خلاصه في طريق شرير، وبقدر ما قدم تبريرات على مدار الحكاية، لا تنتهي عند كونه فعل ما فعل لأجل عائلته، ندرك بنشوة أن والتر قام باختياره لأجل نفسه، لأجل أن يكون، لأجل أن ينتزع من الجميع اعتراف عبقريته وتفوقه.

 

أجمل لحظات والتر عندما يستشعر قوة كينونته، عندما يقف ندًّا لزوجته ويُخبرها أنه ليس المقتول في قصته، بل القاتل، وليس التابع في حكايته، بل المُهيمن، ينتشي باستعراض عبقريته مهما بدت قاسية، تلمح النشوة في عينيه حتى مع انكشافه، والغضب في وجهه عندما ينسبون لغيره كل شروره، يبدو وقتها كإله غاضب من العهد القديم، يريد أن يؤخذ على محمل الجد من رعيته ولو بطوفان جارف، ولو بمذبحة، الآلهة دوما تحب أن تُرى في ذكائها وجمالها وجبروتها.

وحتى في لحظات الانهيار والسقوط، صوّره "غيليغان" كما يُصوِّر الآلهة في سقوطها، فشبّهه بـ "أوزيماندياس" الملك العظيم الذي كتب عنه بيرسي شيلي قصيدته "أوزيماندياس".

 

وعلى القاعدة نُقشِت هذه الكلمات:

اسمي أوزيماندياس، ملك الملوك

انظر إلى مُنجزاتي أيها الجبار، وليُصبك اليأس

لا شيء في الجوار، وحول الأطلال

ثمة رمال مستوية، عزلاء جرداء

تمتد وتمتد في المدى البعيد.

لو مات والتر قبل وقت قليل من مُغامرته لظلّت كل مُمكناته دفينة نفسه، لظل مدرس ثانوية ودودا قليلا وجبانا قليلا لا أكثر ولا أقل، لكان أطيب ذكرا وأجمل سردا في قلوب الجميع، لكنه سيموت ناقصا.

 

والتر قصة تحقُّق امرئ مارس مُمكناته كاملة، لذا يبدو موته في النهاية ونظرته الحنونة لمعمل الطبخ وداعا دمويا، وتوقيعا شخصيا أثيرا لن يُشاركه فيه أحد، واعترافا لم ينتزعه من حب زوجته وابنه، ولا من احترام المجتمع، ولا من رب عمله وتلامذته، احترام كان مودعا لدى تاجر مُخدرات في غيب ما سيهمس له والتر "اذكر اسمي"، تلك لحظة التحقق المُثلى لوالتر، هو ينتمي إلى اسم هايزنبرج أكثر، مذكورا بقشعريرة، ومُعترفا به كاملا.

هو قصة تحقُّق شريرة، مثل عود ثقاب أدى رسالته بتمام احتراقه، وكان جسيما لا يتكرر في معزوفة الكون، يُمكن أن تكون مدرسا لطيفا، أو عاملا خاضعا، أو زوجا ينتقد زوجته باستمرار قدرته على الإعالة، أو أبا سلبيا، أو صديقا جبانا، مفردات وأدوار مُكررة، أتى السرطان ليمحوها هباء، بينما حقيقة هايزنبرج هي حقيقة عابرة للموت، بصمة مُتفردة، زرقاء بنسبة نقاوة تبلغ تسعة وتسعين فاصلة تسعة في المئة، حتى لو كان جمهور التفرد مُدمنين في شتى البقاع لا يدرون شيئا.

 

تُخيفك بسمة والتر في النهاية وتُخبرك باستمرار أننا لسنا بصدد قصة وعظ أخلاقي، إنما بصدد قصة تحقُّق سعيدة، ومُخيفة، ومُستفزة لقصتنا الآمنة، قصة امرئ مارس حريته كاملة وإن كانت شرًّا.

لأن الصدق هو فضيلة الوجوديين الأساسية، يخبر والتر زوجته أخيرا ويخبرنا بحقيقته العارية:

"لقد فعلتها لأجلي، وكنت.. كنت حيًّا".

———————————————————————————————

المصادر

  1. الوجودية مقدمة قصيرة جدا
  2. أسطورة سيزيف، ألبير كامو
  3. How to overcome the fear of change, gustavo razzeti, psychologytoday.com
  4. على مقهى الوجودية، سارة بيكويل
  5. هكذا تكلم زرادشت، نيتشه
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

عبقرية مكاي أنه استطاع عبر الوصول إلى قصص حقيقية لبعض الشخصيات الرئيسية في عالم المال تقديم فيلم يُقدِّم شرحا شاملا للأزمة الاقتصادية برمّتها، في قالب من الكوميديا الخفيفة والدراما الإنسانية.

4/1/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة