فيلم "The guilty".. الخلاص على الطريقة الأميركية

تشهد السينما العديد من محاولات إعادة الإنتاج للأعمال العالمية الشهيرة بشكل يناسب تقنيات الإنتاج الحديثة وثقافة المشاهدين المتغيرة، ولعل من أشهر هذه الاقتباسات في السينما العربية على سبيل المثال أفلاما مثل: "الإمبراطور"، و"شمس الزناتي"، و"أمير الظلام"، وكذلك بعض الأفلام الأجنبية مثل النسخة النيجيرية من فيلم "تايتانك" (Titanic)، والنسخة الهندية من فيلم "كبرياء وتحامل" (Pride and Prejudice).

بدت أغلب هذه المحاولات تكريما للإبداع الأصلي، وبعضها طرحت القصص من وجهات نظر جديدة ومختلفة، أو حتى قدَّمت معالجة صبغت الأحداث بصبغة ثقافية محلية. يجعلنا ذلك أحيانا نقف حائرين حول دوافع هذه الحاجة المُلِحَّة لدى السينما الأميركية لإعادة تقديم بعض الأفلام. لعل واحدا من أحدث هذه المحاولات هو فيلم "المُذنب" (The Guilty) الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي في سبتمبر/أيلول 2021، وأُطلق على منصة "نتفليكس" في أكتوبر/تشرين الأول 2021 ليتصدَّر قائمة العشرة الأوائل خلال أيام قليلة.

الفيلم الدانماركي "المُذنب" (The Guilty) – 2018

الفيلم من إخراج أنطوان فوكوا وسيناريو نيك بيزولاتو، ومن بطولة جيك جيلينهال مع أصوات إيثان هوك، ورايلي كيو، وإيلي جوري، وهو إعادة إنتاج لفيلم دانماركي حمل الاسم نفسه أُنتِج عام 2018 بإخراج جوستاف مولر، وبطولة جاكوب سيدرجرين، وأصوات جيسيكا ديناج، وعمر شرقاوي. يبدو الفيلم الأميركي نسخة مطابقة من الفيلم الدانماركي تتبع الحبكة والسيناريو والحوار نفسه، مع وجود تغييرات طفيفة. فهل أضاءت هذه التغييرات زاوية جديدة للرؤية أم أنها فضحت الفارق بين الفيلمين وعرّت هشاشة النسخة الهوليودية؟

الصوت يرسم الصورة

يعتمد الفيلم أساسا على الصوت لرسم الأحداث وإمدادنا بالمعلومات. ويُخبرنا مخرج النسخة الدانماركية جوستاف مولر في حوار له مع "No film school" كيف انبثقت الفكرة في رأسه بعد تعثُّره بمقطع صوتي على موقع يوتيوب يتضمَّن تسجيلا حقيقيا لمكالمة مع شرطة الطوارئ لامرأة مخطوفة تتحدَّث من موقع قريب من خاطفها. أدهشه كيف استطاع الصوت أن ينقل له حالتها دون مصاحبته بصور بصرية، وكيف شعر أنه قادر على رؤية المرأة والسيارة والطريق الذي تسير فيه، مدركا أن كل شخص يستمع لهذا التسجيل سيشاهد صورا مختلفة. فتنته فكرة الصوت وقدرته، أما البناء الدرامي فقد استوحاه من خلال استماعه إلى البودكاست الاستقصائي الشهير حول قضية مقتل الطالبة هاي مين لي في ماريلاند، وذكر أن بناء البودكاست اعتمد على تقديم معلومات جديدة ومحدودة في كل حلقة، بحيث تتغير وجهة نظره مرة تلو الأخرى.

القصة واحدة تقريبا في الفيلمين، نتابع في كلٍّ منهما شرطيا -جو بايلور في النسخة الأميركية، وأسجر هولم في النسخة الدانماركية- مُكلَّفا بتلقي المكالمات في وحدة الطوارئ (911)، وهي الوظيفة التي كُلِّف بها نتيجة لخطأ ما ارتكبه. افتتاحية الفيلم والدقائق الأولى منه ترسم لنا شخصا غاضبا يشعر بالإحباط، بل والاستخفاف تجاه العديد من المكالمات التي يتلقاها ولا تستحق تدخُّل الشرطة من وجهة نظره، وبالتوازي مع ذلك ينتظر بقلق محاكمة سيتحدَّد مصيره الوظيفي بناء عليها في اليوم التالي، إلى أن تصل إليه مكالمة تُغيِّر مسار الأحداث من امرأة تُحادثه وكأنها تحادث طفلها، وقبل أن يُغلق الخط يدرك أنها مختطفة، وأن الخاطف يجلس إلى جوارها.

على مدار الفيلم تستحوذ عليه مهمة إنقاذها، بعد مجموعة من المكالمات مع المرأة ثم مع طفلتها البالغة من العمر 6 سنوات، نستكشف معه بقية خيوط القصة. المرأة مخطوفة من قِبَل زوجها السابق في شاحنة لا تعرف إلى أين تتجه بها، وقد أجبرها على ترك طفليها في المنزل. يتدخَّل الشرطي محاوِلا إنقاذها بأي طريقة، ويرسل دورية شرطة للاطمئنان على طفلَيْ المرأة، ليُفاجأ بأن الرضيع قد طُعِن.

حسنا، كل هذه المعلومات التي تتكشَّف لنا وللشرطي في اللحظة ذاتها تنسج لنا شبكة عنكبوت يعلق داخلها الزوج مسبغا بذنب قتل ابنه وخطف زوجته السابقة، وهو ما يؤكده سجل الزوج الإجرامي الذي يتمكَّن الشرطي من الوصول إليه. هكذا يظن الشرطي ونظن معه أن الحقيقة واضحة وجلية، إلى أن نكتشف قُرب النهاية أننا نحن مَن علقنا في شبكة العنكبوت، وأن الأمور ليست دائما بالبساطة التي تبدو بها، وأن الحقيقة أقسى من أن ننظر إليها، وأن خيالنا الذي ملأ فراغات القصة المسموعة هو المذنب الحقيقي.

بهدوء تخبره المرأة (إيميلي/إيبن) على الهاتف أن الطفل لم يعد يبكي بعد أن مزَّقت بطنه لتُخلِّصه من الثعابين الموجودة داخلها، ليُدرك الشرطي وندرك معه الحقيقة المفجعة أن الأم قتلت طفلها في نوبة من نوبات المرض العقلي، وأن زوجها اصطحبها في شاحنته لإعادتها إلى مصحة الأمراض العقلية، ليُقرِّر الشرطي هو الآخر أن يُطلق اعترافه بأنه قتل شخصا قاصرا في عمر التاسعة عشرة، فقط لأنه يستطيع.

الخلاص على الطريقة الأميركية

"أحيانا ما يكون خير سبيل للدفاع عن النفس هو في الهجوم عليها، وأن الاعتراف بالذنب يُغري بالصفح بقدر ما يغري الدفاع عنه بالغضب".

(أولاد حارتنا، نجيب محفوظ)

تختلف النهاية في الفيلمين اختلافا طفيفا، لكنه يقول الكثير. بينما تنتهي النسخة الدانماركية باعتراف الشرطي، يستمع زملاؤه لهذا الاعتراف واجمين، ويخرج هو من المكان، لا نرى عواطفه بوضوح على وجهه، كل ما نلحظه هو طرفة عينيه، ولمعان العرق على صدغيه. أما النسخة الأميركية فهي لا تترك للمشاهد فسحة التفكير أو التساؤل، أداء جيك جيلينهال هنا يفضح ندمه، حيث اعتراف ممتزج بالبكاء والارتجاف حول جريمته.

تسأله إيميلي التي طعنت طفلها للتو معتقدة بوجود ثعابين في بطنه؛ لماذا قتلته؟ هل الثعابين هي السبب؟ وكأن في هذا إشارة إلى أن كلًّا منا يحمل ثعابينه بداخله، ثعابين تُعذِّبنا وتدفعنا لأقصى حدود الذنب والخطيئة، وصولا إلى القتل. ربما تكون الثعابين هي مرض إيميلي العقلي وقصور نظام الرعاية الصحية الذي حال بينها وبين العلاج، أو خوف زوجها من رجال الشرطة وعدم ثقته بهم، أو مشكلات جو بايلور مع التحكُّم في الغضب، أو حتى هذه الجملة المبتورة التي نطقها في خلال اعترافه قائلا: "أبي…" ودون أن يُكمل يبدأ في البكاء. ليدخل أبوه إلى دائرة الذنب، مبتدأ بلا خبر لكنه يكشف ويُفسِّر الكثير.

بعد هذا الاعتراف الصاخب، تبلغه زميلته أن الرضيع (الذي يموت في النسخة الدانماركية) قد أُنقِذ، وهو أمل في الخلاص تمنحه السينما الهوليودية لمشاهديها المخلصين للنهايات المشبعة بالأمل والخلاص، ولا تبخل في النهاية على هؤلاء المشاهدين بعبارة تصلح اقتباسا استهلاكيا مُعلَّبا وجاهزا للمشاركة، يأتي على لسان الزميلة نفسها قائلة: "الأشخاص المحطمون هم فقط مَن يستطيعون إنقاذ المحطمين مثلهم".

ينهار جو بايلور على أرضية الحمام، نراه محاصرا بجدران كابينته الضيقة، يبكي على الهاتف مع صديقه، متوسِّلا إليه ألا يكذب في المحكمة، بل ويتصل بالصحافة للاعتراف. وينتهي الفيلم بتعليق صوتي مُفصَّل يخبرنا أن جو بايلور أُدين بالقتل غير العمد بعد اعترافه في المحكمة، مُشيرا إلى أنها المرة الرابعة التي يُدان فيها ضابط شرطة في حادث مماثل، وهي إدانة واضحة لوحشية جهاز الشرطة.

لكن تلك الإدانة تبدو إدانة دخيلة على الحبكة الرئيسية، فعلى مدار الفيلم ارتكزت الأحداث على المعارك الداخلية لبايلور، ومشاعر الذنب والغضب والإحباط، دون الانشغال بأمر إدانته من عدمها. ولهذا بدا تسليط الضوء على قضية فساد الشرطة في دقائق الفيلم الأخيرة دخيلا مقحما، وكأنه مضطر لطرح القضايا التي ينتظرها الجمهور بشكل رديء لإرضاء حاجة المشاهد الاستهلاكي للشعور الزائف بالاستفادة الأخلاقية، وكأن الفن نفسه غير كافٍ دون وجود حمل أخلاقي على كاهله.

لعل الأداء التمثيلي كان واحدا من أهم الفروق الموجودة بين الفيلمين، فبينما نرى أداء جيلينهال المتطرف والصارخ بالمعنيين الحرفي والمجازي، حيث نراه يصرخ ويضرب بقبضتَيْه على المنضدة، وترتجف شفتاه وتبرز الشرايين في وجهه، جاء أداء جاكوب سيدرجرين من مدرسة تمثيلية مختلفة تكاد تكون مناقضة، تمنح الانفعالات بدقة محسوبة أقرب للبرود. البطولة هنا لأداء العيون بجدارة، حيث استطاع سيدرجرين أن يوصل للمشاهد إحباطه وغضبه المكبوت تحت السطح دون الاضطرار للصراخ، مما ضبط إيقاع الأداء، وعزَّز من قوة تأثير مشاهد نوبات الغضب القليلة التي انتابته خلال الفيلم. لذلك حتى في اللقطات التي يكون فيها الحوار متطابقا بين النسختين يمكننا أن نستشعر الفارق جليا من خلال الأداء.

13 يوما للتصوير وثمانية أسابيع لشريط الصوت!

في النسخة الدانماركية للفيلم، المخرج جوستاف مولر ومدير التصوير جاسبر سبانينج قسَّموا النص إلى ثمانية أجزاء يتراوح كلٌّ منها ما بين 5 إلى 35 دقيقة، مع تغيير الزوايا بينها لبناء التطور البصري للأحداث بحسب المشاعر المسيطرة، وهو ما حدث أيضا مع الإضاءة التي تتغير لتصبح أكثر ميلا للون الأحمر قُرب النهاية.

صُوِّر الفيلم باستخدام 3 كاميرات فقط لينتهي تصويره خلال 13 يوما، ولأن الفيلم يعتمد أساسا على الأصوات المسموعة فقد استغرق تحرير الصوت بعد الانتهاء من التصوير ثمانية أسابيع. طبقا لجوستاف مولر كان تعديل الصوت أشبه بتصوير الفيلم من جديد، وذلك في محاولة استحضار العناصر المرئية للمواقع على الطرف الآخر من المكالمة الهاتفية، كما أن بعض المشاهد أدَّى تحرير الصوت بها إلى ما يشبه إعادة كتابتها من جديد.

على سبيل المثال في المشهد الأخير، في المونولوج الذي يقوم به أسجر هولم، يؤكِّد المخرج أن المشهد لم يُصوَّر بهذه الطريقة، بل كانت الشخصية الأخرى على الهاتف تتفاعل معه وتطرح عليه أسئلة، لكنه رأى أن المشهد سيكون أقوى إذا أُزيلت أسئلة الطرف الآخر، ليبدو المشهد مونولوجا يشارك فيه أسجر ما بداخله.

على الجانب الآخر كانت النسخة الأميركية من الفيلم نموذجية للتصوير خلال جائحة "كوفيد-19″، حيث يُصوَّر في موقع تصوير واحد بوجود عدد محدود من الممثلين، دون احتكاك مباشر بينهم. صُوِّرت النسخة الأميركية في أكتوبر/تشرين الأول 2020، والطريف أن المخرج أنطوان فوكوا أعلن عن مخالطته لحالة "كوفيد-19" إيجابية قبل بداية التصوير بأيام، وهو ما اضطره لتصوير الفيلم بالكامل من وحدة متنقلة (van) على بُعد مربع سكني من موقع التصوير.

في النهاية، يخبرنا جوستاف مولر عن الدافع الرئيسي وراء صناعته للفيلم قائلا: "بعض العاملين في تطبيق القانون لديهم ميل لإطلاق الأحكام، ولا أعتقد أن ذلك يصدر بالضرورة عن سوء نية، فقد يكون ناتجا عن مواجهة العنف والظلام في كل يوم.. لهذا كنت مفتونا بالعمل على هذا الفيلم. عادة ما تطرح أفلام الجريمة والإثارة ثنائيات الخير/الشر، أو الخطأ/الصواب، ويفوز أحدهما في النهاية. لهذا كان من الرائع أن نروي قصة لا يوجد بها خير أو شر واضحين. في فيلم يطرح فرضيته ثم يُعيد تفكيكها". هكذا تُسرد القصة على المشاهد باللونين الأبيض والأسود، وما يلبث مع انكشافها أن يجد نفسه في منطقة رمادية. نعم، هي المنطقة غير الحاسمة نفسها التي يواجهها الإنسان الطبيعي في معظم المواقف التي يضطر إلى مواجهتها على مدار حياته.

المصدر : الجزيرة