"The Big short".. البطولة في عالم رأسمالي

كيف يمكن أن تصنع فيلما سينمائيا عن الأزمة الاقتصادية التي أثَّرت في حياة العديد من الناس؟ هذا السؤال الذي حاول الكثير من صانعي الأفلام على مدار السنين الأخيرة اللاحقة للأزمة تقديم إجابة مختلفة عنه. أبرز تلك الإجابات كانت حين قدّم المخرج والكاتب رامين بحراني (Ramin Bahrani) فيلما عن مأساة شخصية لإحدى ضحايا الأزمة المالية في فيلم "99 منزل" (99 Homes)، عن البطل الذي يخسر وظيفته ويضطر للعمل عند وسيط العقارات من أجل أن يضمن بقاء عائلته في المنزل، والإجابة المُماثلة في فيلم "مكالمة هامشية" (Margin call) بطولة كيفن سبيسي، الذي تدور أحداثه داخل بنك استثماري أميركي خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى للأزمة نفسها، ثم هناك الفيلم الوثائقي الاستقصائي الذي لاقى نجاحا نادرا "إنسايد جوب" (inside job)، ورغم الجودة الفنية العالية، والجهد المبذول في هذه الأعمال، فإنها نادرا ما جذبت اهتمام أحد خارج المهتمين بالأزمة الاقتصادية نفسها، هنا ربما تكمن أهم أسباب تميز فيلم "العجز الكبير" (The big short) للمخرج آدم مكاي.

 

استطاع آدم مكاي تقديم مقاربة سينمائية مختلفة للأزمة الاقتصادية لعام 2008 نقلت الفيلم من الفخ النخبوي الذي وقعت فيه الأفلام السابقة إلى جمهور أوسع من خلال مادة سينمائية مُمتعة، وعبقرية مكاي أنه استطاع عبر الوصول إلى قصص حقيقية لبعض الشخصيات الرئيسية في عالم المال تقديم فيلم يُقدِّم شرحا شاملا للأزمة الاقتصادية برمّتها، في قالب من الكوميديا الخفيفة والدراما الإنسانية قضت تماما على أي ملل محتمل قد يتسرب للمشاهد وهو يستمع لحوارات الخبراء الماليين ورجال الأعمال.

 

منذ البداية اعتمد مكاي على تقنية الراوي مُمثَّلا في شخصية "داني فينيت" (ريان غوسلينغ)، داني فينيت واحد من الذين توقّعوا حدوث الأزمة قبل وقوعها، ويشرح للمشاهد بشكل مباشر كيف غيّرت فكرة بسيطة في النظام المصرفي شكل العالم، ربما أكثر مما فعل يوتيوب وآي بود مُجتمعين، بدأ الأمر منذ نهاية السبعينيات في القرن الماضي، حينما اقترح المصرفي لويس رانييري تغيير نظام الرهن العقاري، القائم على الديون بضمان العقار أو المنزل، بجمع عدد ضخم من الرهون العقارية في سند واحد وطرحها للمستثمرين يشترونها من البنوك، حيث يضمن البنك الوفاء بالقروض أو يصبح المنزل من حق المستثمر.

 

نتعرف في بداية الفيلم على الشخصية الأهم ومُحرِّكة الأحداث الرئيسية في القصة كلها، شخصية "مايكل بوري" (Michael Burry) الذي لعب دوره كريستيان بيل، مدير أحد صناديق الاستثمار، وهو الانطوائي المُفتقر للمهارات الاجتماعية، والعبقري في الرياضيات ولغة الأرقام، تبدأ القصة بالتحديد حين يقوم مايكل بوري بتحليل محتوى وقيمة سندات الرهن العقاري وشبكة الديون والاستثمارات الضخمة المرتبطة بها، ليكتشف في عام 2005 أنها تحمل بداخلها قنبلة موقوتة، وأنها ستدمر ليس فقط النظام المصرفي نفسه، ولكن السوق العقاري كله، الذي اعتمد على تلك القروض في تقديم فائض واسع من العرض، عبر توسع ضخم وتاريخي في بناء العقارات والمدن الجديدة.

لمزيد من الشرح؛ تتوزّع تقنية الراوي على عدد أكبر من شخصيات الفيلم، مُحطّمين تماما الحائط الرابع الذي يفصل بين المشاهد وشخصيات الفيلم، ليدخل المُمثلون في حوار مباشر مع المشاهد بطريقة لم تخلُ من طرافة ومتعة بصرية، حيث تظهر مارجريت روبي في حمام فقاعات لتشرح حجم الفقاعة الضخمة التي اكتشفها مايكل بوري داخل السوق العقاري، وأن المصارف توسعت في إقراض عدد واسع من الناس من أجل شراء عقارات ضمن شروط غاية في السهولة، ثم قامت بتحويل تلك القروض إلى سندات وأوراق مالية وقامت ببيعها لمستثمرين، فأقبل الناس على الاقتراض لشراء العقارات، وأقبل المستثمرون على شراء تلك السندات/الديون، بالتالي؛ تحمست الشركات العقارية في بناء العقارات والمجمعات السكنية الجديدة لتغطية الطلب المتزايد، وأخذ يتوسع السوق العقاري بدعم من نظام الرهن والقروض المصرفية، لكن هذا ليس كل شيء.

 

ما تقوله مارجريت روبي في ظهورها المسرحي والوحيد طوال الفيلم إن المصارف توسعت في الإقراض بشروط متساهلة ومقابل ضمانات ضعيفة جدا، وسمحت بقروض عالية المخاطر بشكل مفرط، فقط من أجل خلق مزيد من السندات المدعومة بالرهن العقاري وبيعها للمستثمرين على أنها قروض مضمونة وبتقييمات أمان عالية، وهو ما نلاحظه في حوار مايكل بوري اللاحق مع أحد كبار المستثمرين لديه أن السندات أو الأوراق المالية تحمل بداخلها قروضا عالية المخاطر تُنذِر بانهيار سوق الأوراق المالية والسوق العقاري في وقت واحد، لكن كيف حدث هذا الخطأ؟ كيف تتصرف المصارف بمثل هذا التهور؟ هل هناك مَن يهتم بإجابة سؤال مثل هذا؟!

 

"ليس ما تعرفه هو ما يوقعك في المشكلات، بل ما تظن أنك تعرفه".

(مارك توين)

تتسارع الأحداث منذ اللحظة التي يصل فيها مايكل بوري إلى نيويورك، ليقوم بأغرب فعل في تاريخ وول ستريت، حيث ذهب إلى المصارف الكبرى في وول ستريت وقام بالرهان على انهيار سندات الرهن العقاري، وهو أمر نادر، حتى إن المصارف خلقت أداة جديدة عُرِفت بـ "مقايضات الائتمان لسندات الرهن العقاري" تُمكِّن المُستثمرين من المقايضة على السندات نفسها إذا كانت ستحقق الأرباح المرجوة منها للمستثمرين أم لا، ما راهن مايكل بوري عليه في عام 2005 أن تلك السندات ستفشل، وأن المستثمرين والبنوك سوف يخسرون أموالهم التي أقرضوها من أموال المودعين، وأن المقترضين سوف يخسرون منازلهم، بالتالي سيخسر المودعون العاديون، الذين هم خارج هذه اللعبة تماما، أموالهم التي أودعوها في البنوك، البنوك التي ستُفلس بدورها، وهو ما يعني في المحصلة النهائية كارثة اقتصادية ضخمة.

 

لا يقف آدم مكاي عند مايكل بوري ومجموعته فقط، حيث كان من الممكن أن يكتفي الفيلم بقصة صعوده على أطلال العالم المنهار، لكن آدم مكاي استطاع أن يصل إلى قصص مجموعتين أخريين على هوامش عالم المال التقطوا خبر تحركات مايكل بوري في وول ستريت، عبر مجموعة من المصادفات الطريفة ذات الطابع السينمائي، حتى قبل أن يقوم مكاي وفريق الفيلم بمعالجتها سينمائيا، سرعان ما اهتم مارك باوم (ستيف كاريل)، وهو الشخص ذو الحس الأخلاقي الساخط على العالم، وفريقه الغاضب المتشائم -الذي جمعه حوله بعناية- من النظام ووحشية وول ستريت بالمعلومة التي وصلته عن طريق المصادفة بالدخول في الشراكة مع جاريد فينيت (ريان جوسلينج) للرهان ضد سندات الرهن العقاري، ويتبعهم المستثمرون المبتدئون جيمي شيبلي (فين ويتروك) وتشارلي جيلر (جون ماغير) الذين يقودهم بن ريكرت غريب الأطوار (براد بيت)، حيث يتأرجح الفيلم بسلاسة بين هذه المجموعات الرئيسية الثلاث.

 

يقوم أفراد كل مجموعة منهم بتحليل خطوة مايكل بوري، التي يسخر منها الجميع في وول ستريت، يذهب مارك بوم وفريقه لمعاينة الأمر كله، بدءا من سوق العقارات نفسه، وطبيعة التعاقدات، وأنظمة التسليف والتمويل البنكي لمشاريع الإسكان، ومستوى دخل السكان الذين استلموا القروض واشتروا العقارات، ومدى قدرتهم على سداد تلك القروض، هنا تحديدا صعق مارك بوم وفريقه من أن توقعاتهم وحدسهم البدائي بفساد هذا العالم كانت أصدق مما تخيلوا.

(لحظة دخول فريق مارك بوم إلى العالم الحقيقي الذي شكّلته القروض البنكية)

منذ الوهلة الأولى التي وضع فيها مارك بوم وفريقه أقدامهم في المجمعات السكنية الجديدة شعروا أن الأمور لا تبدو كما هي عليه في الظاهر، فكل تلك المنازل الفارهة والشقق السكنية المترفة تُخفي وراءها شبكة واسعة من مُستغلِّي القروض من السماسرة والمستثمرين الصغار الذين اقترضوا بلا حدود بضمان العقارات، ومن ثم قاموا بتأجيرها بأسعار أعلى، وفي هذا السياق قامت شركات للوساطة العقارية بالوساطة بين البنوك وشركات العقارات وبين الناس العاديين الذين يحلمون بسكن جيد، وتسابقت لتقديم أكبر عدد ممكن من القروض دون ضوابط أو ضمانات تقريبا لكل مَن يحلم بسكن أميركي نموذجي دون أن يملك القدرة على تحمل تكلفة كتلك بمستوى عالٍ من المخاطر وأحيانا بلا ضمانات من دخل أو ملكية، ثم يقومون ببيعها للبنوك التي تشتريها منهم بأموال المودعين، ومن ثم تقوم البنوك بدورها ببيعها لمستثمرين وصناديق استثمارية في أنحاء أميركا والعالم على أنها سندات ورهون عقارية آمنة.

 

من ناحيتها استطاعت المجموعة الثالثة، المستثمرون المبتدئون جيمي شيبلي (فين ويتروك) وتشارلي جيلر (جون ماغير) الذين يقودهم بن ريكرت (براد بيت)، أن تصل إلى النتيجة نفسها، ولكن بمعاونة بن ريكيرت أدركوا أن الأزمة أكبر حتى من وجود عدد من القروض الكثيرة عالية المخاطر داخل السندات، بل إن القروض والرهونات ذات تقييمات الأمان العالية، التي من المفترض أن تدعم السند أو الرهن العقاري، هي أيضا عالية المخاطر، وتُباع من طرف البنوك إلى المستثمرين وصناديق الاستثمار على أن السند كله آمن بنسبة تتجاوز 90%.

 

هكذا يُصبح لدينا عالم كامل بُنِيَ على أساس من عدد مهول من القروض غير قابلة السداد، أو ما يُسمى في علم الاقتصاد بالفقاعة المالية، وهي الآن على وشك أن تنفجر وتكشف النظام كله، والآن لدينا قصة حقيقية عن ثلاث مجموعات علمت بحدوث كارثة اقتصادية ستُحطِّم الاقتصاد والمجتمع الأميركي الذي يعيشون فيه، فما الذي ينبغي فعله في لحظة خطيرة مثل تلك؟!

 

ظهرت شخصيات بن ريكرت ومايكل بوري ومارك بوم بوصفها شخصيات إما ساخطة وإما منعزلة، لا تحب أن تتعمق كثيرا في وول ستريت، مارك بوم وبن ريكرت لديهم حس سوداوي حول حجم الفساد الذي أصاب العالم، وأنه لم يعد هناك شيء حقيقي يُمكن فعله لإصلاحه وانتشاله من حجم الفساد والعفن الذي يغرق فيه، في الحقيقة طوال الفيلم يُحذِّرنا الاثنان من أن النظام كله مبني على الكذب والخداع، أما مايكل بوري العبقري الانطوائي فكانت مشكلاته أقل، هو فقط يفعل ما يجيده أكثر من أي شيء آخر، تحليل البيانات والأرقام ومحاولة البحث عن فرص للاستثمار، يفعل كل هذا وهو منعزل في عالم صغير بناه لنفسه بنفسه هربا من الحياة الاجتماعية التي يكرهها، فماذا فعل الجميع أمام تلك الكارثة القادمة؟

"الحقيقة مثل الشعر؛ والغالبية من الناس يكرهون الشعر".

(The Big Short)

تكمن المفارقة في الفيلم في أنه لا أحد اهتم بلعب دور المُنقذ أو النبي، هناك تأكيدات واضحة طوال العمل أن تلك الشخصيات جزء من النظام، وحتى وإن أبى بعضهم ذلك، مثل مارك بوم، حتى وهم يرون أن الانهيار قادم، فإن هدفهم هو جني الأموال وتحقيق الأرباح بدلا من تحذير العالم من هذا الانهيار، لكنهم بالمقارنة مع الرجال المتهورين والمستهترين في المصارف الكبرى، الذين دمروا الموارد المالية لعشرات الملايين حول العالم، فإنهم يبدون نموذجا للشرف والاستقامة، في عالم رأسمالي صِرْف لا يهتم إلا بالأرقام وتحقيق والأرباح، خاصة عندما تصبح مخططاتهم الرائعة أثقالا حول أعناقهم، بينما ينهار العالم من حولهم.

 

يظهر هذا بوضوح في الجزء الأخير من الفيلم، حينما يدرك مارك بوم وبن ريكرت خطورة الأزمة، في مؤتمر الأوراق المالية في لاس فيجاس قبل اندلاع الأزمة بأشهر قليلة، اكتشف الاثنان ما لم يدركه مايكل بوري، وهو أن تلك الفقاعة المالية التي خلقتها المصارف لن تهدم السوق العقارية والنظام البنكي فحسب، بل ربما ينهار الاقتصاد العالمي كله، بعد أن بلغ حجم الرهانات والتأمينات على سندات الرهن العقاري عشرين ضِعْف الحجم الفعلي لسوق الاستثمار العقاري الحقيقي، وهو ما يعني حتما انهيارا ماليا عالميا.

"مرحَى يا شباب، لقد قمنا برهان عظيم، ليس ضد النظام فقط، بل ضد العالم كله، أتعرفون ما المخيف؟ أننا قد نفوز بالرهان بالفعل".

(بن ريكرت، The Big Short)

في نهاية الفيلم يجلس مارك بوم في مقهى على أحد أسطح البنايات المطلة على وول ستريت، يرى بعين ذاهلة العدد الضخم من موظفي البنوك والشركات والمؤسسات المالية الذين سُرِّحوا من أعمالهم والصحافة التي تحاول ملاحقة الجميع، وسط كل هذه الفوضى يتصل به أحد مساعديه سائلا:

  • "* مارك، هل نبيع قيمة مقايضتنا الآن؟! مكتبنا سيحقق مليار دولار أرباحا، وأنت ستحصل على 200 مليون دولار صافي أرباح، مارك؟
  • مارك بوم: أتعرف أنه حالما نقوم بالبيع سنصبح مثل بقيتهم، أتعرف ذلك؟
    * إما الآن وإما أبدا يا مارك.
  • مارك بوم: حسنا، بع كل شيء".

 

حينما انقشع الغبار عن الانهيار، حقَّق كلٌّ من مايكل بوري ومايك بوم وبن ريكرت ومجموعاتهم أرباحا طائلة، لكن عشرات ملايين الناس حولهم خسروا وظائفهم ومدخراتهم وأموال تقاعدهم، وحتى منازلهم، وذلك في الولايات المتحدة فقط، دون الحديث عن غرب أوروبا والصين واليابان وشرق آسيا ودول الخليج. ترك بن ريكرت ومايكل بوري مجال التمويل بعد استلامهم أرباحهم، حيث اتجه مايكل للاستثمار في المياه، وبن ريكرت اتجه وهو زوجته للعيش في مزرعة كبيرة حيث يعيشون حياة نباتية اعتمادا على المنتجات الزراعية للمزرعة، أما مارك بوم فتحكي زوجته، سينثيا، أنه أصبح شخصا أكثر خفة وتصالحا مع نفسه ومع العالم، ولم يعد يتهم أي أحد بأي شيء، في الحقيقة، تقول سينثيا، لقد أصبح شخصا هادئا ولطيفا للغاية.

————————————————————————————-

المصادر

  1.  The big short.
  2. The Big Short Review.
  3. The economics of the Big Short, explained.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة