"I’m Thinking of Ending Things".. هل تخفي الذاكرة أرشيف الزمن وآلامنا التي استبدت بها الوحدة؟

يُحدِّق جايك في أطلال ماضيه وحياته الممتدة، في الوحدة التي لازمته كظل حتى أصبح التنصُّل منها ضربا من المحال. يتحاشى التطلُّع مباشرة إلى الموت، يراوغه بمحاولة القبض على أمل وحيد وإن كان سرابا، لعله بهذا يُعوِّض كل الاحتمالات اللا متناهية التي تاق إلى أبسطها طوال حياته، لعله يتجاوز مساحات من الألم والخذلان ويتحرّر أخيرا من ذلك الظل. لهذا، يلوذ إلى الخيال، عالم الضد الذي التمس فيه ما افتقده وتلهّف إليه في واقع حياته، يُعوِّل عليه للمرة الأخيرة في رحلة يخوضها داخل عقله.

  "تعيش الحيوانات في الوقت الحاضر. أما البشر فلا يستطيعون؛ لهذا ابتدعوا الأمل".

يأتي فيلم نتفليكس الأخير "أفكر في إنهاء الأمور" (I’m Thinking of Ending Things) للكاتب والمخرج السينمائي تشارلي كوفمان من رواية إيان ريد التي تحمل الاسم ذاته على خلاف أفلامه التي تطغى فيها ثيمة التواصل الإنساني، ففي هذا الفيلم، لا توجد شخصيات تُدفَع إلى العالم في محاولة للتواصل، وإنما مَن يعي أن ذلك يفوق استطاعته، ويَعلق في مساحة الظل التي تنطوي على نبذ اجتماعي.

تقوم حبكة الفيلم على قصة ظاهرية بسيطة ذات أبعاد مركبة، يمضي فيها جايك/جيسي بليمونز مع حبيبته لوسي/جيسي باكلي في رحلة في طقس ثلجي عاصف إلى مزرعة والديه لتقديمها إليهم. الرحلة إلى المزرعة النائية هي مجرد الهيكل السردي الذي علّق عليه كوفمان فيلمه، تسترسل في أفكارها في مونولوج داخلي ويلحّ عليها هاجس الانفصال عن جايك، تُردِّد منذ البداية ما عنونه الفيلم بـ "أفكر في إنهاء الأمور". ينتبه جايك إلى استغراقها، يسألها عما قالته، فيبدو جليًّا كما لو أنه كان قادرا على سماع أفكارها. لكن ما طبيعة تلك النهاية التي تريد البطلة تسطيرها؟ هل هي نهاية العلاقة مع جايك، أم نهاية للطريقة التي ترى بها العالم؟ أم هي نهاية الحياة التي يرغب البطل في وضع حدٍّ لها؟

 

يتحكّم كوفمان بخيوط المكان والزمان، يُصوِّر مشاهد في السيارة بين جايك وصديقته من الخارج تُطمس فيها وجوههم بالثلج ويتناهى إلى آذاننا صوت الرياح، يصبحان أقل وضوحا وأقرب إلى الغموض. يتبدّل اسمها عدة مرات خلال الفيلم، نتبيّن ذلك في كل مرة يناديها جايك، ليرنّ هاتفها بالاسم ذاته (1). تصبح لدينا نسخ متعددة من هوية واحدة، لوسي، لويز، لوسيان، بوظائف مختلفة؛ من عالمة في الفيزياء إلى شاعرة إلى نادلة في مطعم، فتتصدّع موثوقية ما نعاينه شيئا فشيئا، يدعم ذلك الفكرة التي يُصرِّح بها جايك للوسي بداية: "لهذا السبب أحب الرحلات البرية، من الجيد أن تُذكِّر نفسك بأن العالم أكبر مما هو عليه داخل رأسك"، ومن ثم يُصِرّ على سماع أجدد ما كتبته لوسي، فتُلقي عليه قصيدة حزينة تُجسِّد عقلية جايك ومشاعره تماما (2).

يُمرِّر كوفمان هذا التساؤل في أفلامه مرارا وتكرارا، يتساءل حول كوننا حقيقيين مع بعضنا بعضا أم أن كل واحد منا يعرض رغباته الداخلية ومخاوفه إلى الخارج، مما يحوّل وجوه ومشاعر العشاق والزملاء وأفراد عائلتنا إلى مرايا نرجسية؟ (3)

 

إحدى ثيمات فيلم "أفكر في إنهاء الأمور" (I’m Thinking of Ending Things) الواضحة هي الشك، الشك فيما تعتقد أنك تعرفه، وما الذي تعلمته، الشك في طبيعة أفكارنا على أنها أصيلة. يتساءل الفيلم مرات عديدة عن مصدر أفكارنا وآرائنا، يطعن في مصداقيتها، مشيرا إلى إمكانية أن تكون مقلدة أو أنها نسخ مزروعة سلفا ومُطعّمة بثقافة المجتمع المنتمي إليه، مدلِّلا على مثال الأفلام والقصائد والروايات أو حتى مراجعات الأفلام (4)، مُلمحا أن ما نقوله ونفعله ما هو إلا مجرد أصداء لما قرأناه وشاهدناه بالفعل.

فالحقيقة أن العديد من الأشياء التي تتفوّه بها شخصية لوسي وتتوهّم تملُّكها هي في الواقع اقتباسات من أعمال أخرى، مثل قصيدة للكاتبة الكندية إيفا إتش من كتابها "Rotten Perfect Mouth"، أو لاحقا في مراجعتها لفيلم "A Woman Under the Influence" التي كتبتها الناقدة السينمائية بولين كايل وحُفظ في إحدى المجلدات التي تجمع مقالات لها كتبتها خلال سنوات من عملها في نيويوركر. في طريق العودة، انخرطت لوسي وجايك في نقاش طويل ومتعرّج مليء بالمراجع العالية، من كتاب جاي ديبورد بعنوان "المجتمع كمنظار" إلى نظرية جوته للألوان ومقال ديفيد فوستر والاس من مجموعة "من المفترض أن يكون الشيء الممتع الأول" لن أفعل ذلك مرة أخرى"(5).

بلوغ جايك ولوسي مزرعة والديه هو أحد التصاعدات الدرامية في الفيلم. فعلى مدار الأمسية يخضع والدا جايك لسلسلة من التغييرات الجسدية الدراماتيكية، تعاينها لوسي فتبصرهما في منتصف العمر والشباب والكهولة والخرف، يوجد جايك خلال المراحل العديدة من حياة والديه، مما يُعقِّد من فكرة إحضار لوسي إلى المنزل، وإلى أي إطار زمني سيجعلها جايك تنتمي؟ في الحقيقة، هو غير قادر على إيجاد اللحظة المثالية لأنها غير موجودة، بقدر ما يريد البقاء في المنزل معها، لكنهم يغادرون في النهاية بإصرار منها.

 

تتجوّل لوسي أثناء وجودها في منزل جايك في غرفة نوم طفولته، تمتلئ الغرفة بأكوام من الأفلام والروايات والمسرحيات والشعر والكتب المنوّعة، تُبصر كتاب الشاعرة إيفا إتش مُشرعا على القصيدة التي سبق وألقتها لوسي، وكتاب بولين كايل. هكذا، ملأ جايك دخيلته بالفن كما فعل مع غرفته، آملا أن يكون مصدر عزاء له في حياته. عاش لحظات كاملة بين طياته، لكن الوحدة والعجز عن التواصل مع الآخرين ومشاركتهم قضت على كل بادرة تعزية له، فهو لم يلقَ تفهُّما من والديه، تنمر عليه زملاؤه، ولم يكن له أصدقاء. هكذا هوت صروح عديدة في خياله بينما استمر في ابتداع أخرى، فأمست ذكريات مهشمة، والسير في ذاكرته يجعله يواجه كل تلك الأجزاء الصغيرة والرقيقة المتناثرة، جعلت منه ما هو عليه اليوم، مجروحا ممتلئا بالحنق على كل شخص وكل شيء.

لهذا عاد جايك بالذاكرة، أوقف الزمن في خياله عند لحظة ولّت كان قد قابل فيها فتاة، وتقابلت نظراتهما التي تنطق بإعجاب متبادل. مع ذلك، لم يتجرأ على طلب رقمها حينئذ، لكنه فعلها هذه المرة في خياله، ومضى في علاقته بها أن اصطحبها إلى منزل والديه. تبدُّل اسمها كل مرة من لوسي إلى أسماء أخرى يعطي إيحاء بأن تلك المرأة تُجسِّد فرصا فائتة لعديدات مررن على ذاكرته بشكل عابر، وتصوّر جايك في تلك العلاقة تداويا له من إحدى شظايا الماضي التي علقت به، وودّ لو تحل محل ظلّه الذي يتبعه قابضا على عباءة الوحدة، لو أنها تمدّه بالطمأنينة التي ضلّت طريقها إلى قلبه، لو أنها تُعاونه على تقبُّل ذاته وتزيح الخوف من ثكناته نهائيا، لكن تخفق قصة حبه في تحقيق آماله، لأن كل تلك المخاوف والوحدة وعدم تقبًّل الذات ترسبت إلى أعماق ذاته مع الزمن حتى استحالت جزءا منها.

في زيارة لوسي أيضا، تُعلن لوالدَيْ جايك أنها رسامة، يتبع ذلك نقاش حول التجريد والواقعية والشخصيات والمناظر الطبيعية، وتعرض صور رسوماتها على أبويه، تهبط بعدها إلى القبو لتكتشف أن لوحاتها هي في الحقيقة لوحات الفنان الواقعي رالف ألبرت بلاكلوك، مذيّلة بتوقيع جايك، تنظر إلى هاتفها فلا تجد أثرا لصور رسوماتها. في وقت باكر، يُريها جايك صورة له لطفولته، فتُبهت وتُعلِّق أنها لا يمكن أن تكون صورته، لأنها ببساطة صورتها هي. يُخفي كل ذلك علامات تنتشر في أرجاء الفيلم كبصمات الأصابع في أماكن مختلفة، تُشير جميعها إلى فرد واحد وحقيقة واحدة، موجزها أن جايك ولوسي ليسا سوى شخص واحد، وأنه ما من وجود حقيقي للوسي؛ فهي محض صنيع عقل جايك الباطني من الكتب والأفلام واللقاءات العابرة.

تظل لوسي مُتمتِّعة بسلطة تمثيلية محددة. في مرحلة ما يبدأ جايك في التصالح مع استحالة وهمه، يسأل لوسي عما إذا كانت قد قرأت رواية "الجليد" لآنا كافان، وتدور أحداث تلك الرواية في أرض قاحلة ما بعد نهاية العالم، وهي في ذلك لا تختلف عن الأماكن الخارجية الكئيبة التي تحيط بهما في الفيلم، أماكن توحي بشيء من الغموض، وهو الذي يتعمّد كوفمان استحضاره في أفلامه (6)، وقد سبق وعبّر عن ذلك في إحدى المقابلات له حين قال: "لست عظيما حقا في شرح ماهية الأشياء.. أترك الناس لتجاربهم، لذلك ليس لديّ توقُّعات حقا حول ما سيُفكِّر فيه الناس. أنا حقا أؤيد تفسير أي شخص"، مضيفا في أحد لقاءاته: "لقد أحببت حقا فكرة أنه حتى في خياله لا يمكنه الحصول على ما يريد. سيتخيّل هذا الشيء، ولكن بعد ذلك سيتخيّل أيضا كيف لن ينجح، وكيف سيضجر منه، وكيف يتخلى عن الاعتقاد بأنه مثير للاهتمام بما فيه الكفاية".

في لمحات خاطفة من الفيلم، نرى رجلا مُتقدِّما في السن يُنظِّف ممرات مدرسة. في أحد تلك المشاهد يجلس ليشاهد المشهد الأخير من قصة حب من إخراج روبرت زيميكيس، في تضمين لمخرج فيلم داخل فيلم. لا يُفصَح عن هوية ذلك الكهل إلا مع حلول النهاية. ومع الاتجاه الذي يسير فيه الفيلم، من مغادرة جايك ولوسي المزرعة وشقّهما طريق العودة إلى المدينة، يوقف جايك سيارته عند المدرسة الثانوية، يوشك على تقبيل لوسي، ويتملّكه غضب من شعور أن ثمة أحدا يراقبهم من بعيد، يذهب باحثا عن ذلك الشخص بدواعي الشجار معه، تلاحقه لوسي بعد دقائق، يدور بينها وبين ذلك العامل المسن حديث دافئ، لا يبتعد عن الإشارة إلى جايك، مما يشير إلى أن الأخير قد قَبِل أخيرا حتمية التخلي عن خياله. بعد ذلك، تقف لوسي وجايك في مواجهة بعضهما بعضا في الردهة، يُستبدلان بزوج من راقصي الباليه يرتديان الملابس ذاتها، وينخرطان في الرقص معا على مقطوعة ورقصة طبق الأصل من المسرحية الموسيقية "أوكلاهوما".

في وقت سابق من الفيلم، يقرأ عامل نظافة المدرسة مسرحية مدرسية تتضمّن تسلسلا موسعا لـ "حلم الباليه" الذي يُجسِّده الراقصان، وفيه فتاة تتوسّط شجارا بين خاطبين، يموت أحدهما كناية عن جايك واستحالة حبه، عن هذا قال كوفمان: "هناك بعض الأشياء في "أوكلاهوما" التي شعرت أنها كانت في الحقيقة متوازية من حيث الموضوع مع القصة التي كنا نرويها في الفيلم"، تحديدا إلى تسلسل الأحلام: "لقد كنت دائما مفتونا به، لأنه مخيف جدا، وقد أحببت فكرة الجانب الشبيه فيه". بعبارة أوضح، كان جايك يتظاهر بأنه شخص آخر، ويستخدم الإطار السردي لمسرحية "أوكلاهوما" للقضاء على هذا الوهم.

 

مع اقتراب نهاية الفيلم، يقبل جايك جائزة يتسلّمها أمام جمهور ليسوا إلا كل مَن قابلهم وقلة ممن رافقهم في الحياة. تكسو التجاعيد جميع الأوجه، يقرأ الخطاب العاطفي الذي ألقاه العالم الاقتصادي جون ناش (راسل كرو) في نهاية فيلم المخرج رون هوارد "عقل جميل" الحائز على جائزة الأوسكار. في الواقع، أُنشِئ التسلسل بأكمله ليُشبه خاتمة فيلم، وهو شيء اكتشفه كوفمان خلال فيلمه السينمائي، "عقل جميل" يضع نهاية سعيدة لهذا الموضوع، أما في فيلم "أفكر في إنهاء الأمور" (I’m Thinking of Ending Things) فالصراع لا ينتهي أبدا (7).

بعد إلقاء جايك للخطاب تتجلّى نسخة مصغرة من غرفة نومه على المسرح، يُقدِّم عرضا حزينا تحت اسم "غرفة وحيدة"، وهو بذلك لا يخرج عن نطاق مسرحية أوكلاهوما التي يُعلن فيها الشاب عن نيته الزواج من الفتاة التي يحبها، تتضمّن الأغنية سطرا معبرا عن الفيلم يقول: "أحصل على امرأة للاتصال بنفسي". هكذا يجلس جايك على مجموعة مبنية من الأجزاء التي تميز حياته، ليصبح بطل قصته وفي الوقت نفسه محصورا بها.

أما عامل النظافة المُسِن فهو جايك أيضا. أتت قصة رواها للوسي في الفيلم عن خنازير أكلها الديدان مجازا على الوحدة التي التهمته (8). نخلص إلى أن جايك العامل العجوز هو ذاته الشاب ولوسي، وتُشير الصورة النهائية لسيارة عامل نظافة المدرسة المغطاة بالثلوج بشكل أساسي إلى أن جايك مات هناك في جوف الليل (9). إنها قصة مأساوية عن الذاكرة والزمن والوحدة والشيخوخة، عن رجل حمل شوقا يائسا ليُقْبَل ويُتَقَبَّل، رجل تفانى طوال حياته ولم يكن مرئيا، فاستحق أن يُحتفى به ولو في الخيال فقط.

_________________________________________________

المصادر

  1. “I’m Thinking of Ending Things,” Reviewed: Charlie Kaufman’s Showy Quest for Sympathy
  2. ‘I'm Thinking of Ending Things' Review: Charlie Kaufman's Trouble in Mind
  3. ‘I’m Thinking of Ending Things’ Review: Where to Begin? 
  4. ‘I’m Thinking Of Ending Things’ Review: The Haunting New Charlie Kaufman Film On Netflix
  5. Charlie Kaufman’s Guide to ‘I’m Thinking of Ending Things’: The Director Explains Its Mysteries
  6. Charlie Kaufman’s new Netflix film is brilliant. Here’s a guide to a truly innovative filmmaker.
  7. Charlie Kaufman’s Guide to ‘I’m Thinking of Ending Things’: The Director Explains Its Mysteries
  8. مراجعة وشرح فيلم نتفيلكس وتشارلي كوفمان الأخير.. I’m Thinking of Ending Things
  9. I'm Thinking of Ending Things May Be Based on a Novel, But It's All About Charlie Kaufman

حول هذه القصة

يُصوِّر عالم كارفر القصصي معاناة الإنسان، عالم واقعي من أجل محاولة التطهُّر من زيف عالم الأبطال الخارقين، وكأنه في محاولته هذه يبحث عن بقايا الإنسان تحت قناع البطل الخارق محاولا إعادته للحياة من جديد.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة