فيلم "سواق الأتوبيس".. عن الحلم المسروق في حياة المصريين

جيلنا الذي سار جسدا وروحا في ركاب الثورة، الذي منّى نفسه بأحلام أُرديت، لم يبقَ له سوى المراثي والتطلُّع بعيدا. فالحلم الذي خرج من رحم الثورة قد مسنا ذات مرة، وأشعل أبعادا ومعاني ماثلة في أرواحنا ما حيينا. مع ذلك، خرج بعضنا ليستشعر أن بين زحام الحاضرين شخص عزيز غائب، وبين تناوب الأيام نوقن أن شيئا ما من يقيننا بالثوابت قد ذهب، وشيئا أكبر قد نُسي، لا ندرك كُنهه لكنه مفقود، نتفقّد جيوبنا عسى ذلك الشيء أن يَبين، لكنه شيء أكبر من أن يسعه جيب المدينة أو زاوية في القلب. حلم اتسع يوما للجميع، فنُهِب وضاق الزمان بهم، وهو ذاته تقريبا الذي وقع أيضا من جيل السبعينيات في مصر في الماضي، فيتماس كلانا بوصفنا جيلين في الوطن الذي سُلب وهوامشه التي نُدفع إليها دفعا، كلانا خاض تجربة خطَّت نهايتها الخيبة. أتى فيلم "سواق الأتوبيس" ليكون أحد أعظم الأفلام المصرية التي لم تغفل عن ذلك الواقع، ولم تغض الطرف عنه، وإنما تمعنت في التغيير الطارئ فيه، ليُقدِّم الطيب مرثية لروح العبور، واحتجاجا على تغيير هوية شعب يسحقه الانفتاح، وكما قيل على لسان كاتبه بشير الديك:

"الفيلم مرثية لزمن جميل، استطاع فيه المجتمع أن يحلم ويأمل".

روى السيناريست بشير الديك في لقاء تلفزيوني أن المخرج القدير محمد خان هو مَن وضع أرضا لفيلم "سواق الأتوبيس" وبنى عليها بشير معالجته. حدّث محمد خان بشير الديك عن فيلم يتمحور حول سائق أجرة، يصحبه زبون في المقعد الخلفي، لا يتوقف الزبون عن الثرثرة، فيوقف سائق سيارة الأجرة جانبا، ويترجل من السيارة ويُضرم النيران فيها. لماذا يُقدِم على فعل شيء كهذا؟ هذا ما يورده الفيلم. أنصت بشير الديك إلى محمد خان باهتمام، وعاد إلى منزله ليكتب معالجته الخاصة للفيلم البعيدة عن رؤية محمد خان، وإن لم تَحِد عن كونها مُستَلهمة منها. فيما بعد، منح خان المعالجة لعاطف الطيب ليقوم الأخير بإخراج الفيلم (1)، ليُكوِّن ثلاثتهم في الثمانينيات جماعة سينمائية سُمّيت بـ "جماعة أفلام الصحبة"، تضم أصدقاء آخرين هم: نادية شكري (المونتيرة والتي قامت بدور سحر في مسرحية العيال كبرت)، وكُلٌّ من المُخرجين داود عبد السيد وخيري بشارة، ومدير التصوير الفذ سعيد شيمي. وقد عنون بشير الديك الفيلم في الأساس "حطمت قيودي" قبل أن يقترح نور الشريف ونبيلة السيد تغييره إلى الاسم الحالي، بعد أن ارتأى الجميع أن ذلك العنوان لا يُلائم قيمته.

ولد الفيلم في أوائل الثمانينيات ليدور في رحى السبعينيات، رحيل الرئيس المصري عبد الناصر ومَقدَم محمد أنور السادات، اندلاع حرب أكتوبر وما بعدها، حين فرض السادات سياسة الانفتاح الاقتصادي في مصر، وأعلن تغير توجُّه مصر من كونها دولة اشتراكية إلى الرأسمالية التي أسس لها. تبدَّلت ملامح الدولة المصرية حينئذ من شعب مترابط ذي تطلعات وطنية وقيم وعادات وتقاليد أصيلة حارب من أجلها، إلى شعب مغاير بعد تلك الحرب، متفكك الأواصر. بدّلت سياسة السادات الجديدة من ملامح مصر المألوفة، وأحالت أناسها إلى أشخاص لا هَمَّ لهم إلا المال والتجارة. ذلك جوهر الصراع المضاد الذي يخوضه حسن بطل الفيلم.

 

كما بسطت العديد من الأفلام والكتابات نقدا لتلك السياسة، أبرزها رواية نجيب محفوظ "يوم قُتل الزعيم" (1980)، وفيها قدم "محفوظ" نقدا شديدا للانفتاح الاستهلاكي الذي شكّل إمبراطورية من اللصوص، وتسبَّب في انحدار أحوال الطبقة الوسطى، ويصب شخوص الرواية لعناتهم على بطل الحرب والسلام الزائف، فيشير نجيب محفوظ في أحد مقاطع الرواية مُلَمِّحا إلى السادات:

 

"نحن قوم نرتاح للهزيمة أكثر من النصر، فمن طول الهزائم وكثرتها ترسبت نغمة الأسى في أعماقنا، فأحببنا الغناء الشجي والمسرحية المفجعة والبطل الشهيد. جميع زعمائنا شهداء: مصطفى كامل شهيد الجهاد والمرض، محمد فريد شهيد المنفى، سعد زغلول شهيد المنفى أيضا، مصطفى النحاس شهيد الاضطهاد، جمال شهيد 5 يونيو. أما هذا المنتصر المعجباني فقد شذ عن القاعدة، تحدّانا بنصره. ألقى في قلوبنا أحاسيس وعواطف جديده لم نتهيأ لها، وطالبنا بتغيير النغمة التي ألفناها جيلا بعد جيل. فاستحق منا اللعنة والحقد، ثم غالى بالنصر لنفسه تاركا لنا بانفتاحه الفقر والفساد، هذه هي العقدة" (2).

 

في أول مشاهد فيلم "سواق الأتوبيس" تتعرض سيدة في الأتوبيس الذي يقوده حسن/نور الشريف للسرقة. يتردد حسن في ملاحقته، ولا يُحرِّك ساكنا، يسير بالأتوبيس حتى يصل إلى حبكة الفيلم، وهي ورشة والده المعلم سلطان/عماد حمدي التي تراكمت عليها أموال ضرائب غير مستحقة خلال عشر سنوات، ووصلت إلى حافة منحدرة لا مناص من تجنُّب الهُويّ فيها إلا بسداد عشرين ألف جنيه. ويلي ذلك زيارة حسن لوالديه، وقبل أن يطأ البيت، يُركز عاطف الطيب على صورة عائلية تبدو مترابطة سرعان ما ستكون مقدمة لإبصار مدى ما آلت إليه من تفكك.

 

يسعى حسن طوال الفيلم لتحصيل نصف المبلغ، بعد أن وافقت هيئة الضرائب على التقسيط شريطة دفع نصف المبلغ أولا. يُعرِّج على شقيقاته بالتتابع، فيسافر إلى بورسعيد ملتمسا مساعدة مالية من شقيقته سميحة (نبيلة السيد) وزوجها البرنس (وحيد سيف). وهناك، في المدينة التي كانت في السابق مقرا أوليا للتصدي لأي احتلال ومعاداة الاستعمار، يجلس حسن معهم على مائدة عامرة بالروبيان الذي كان يصعب العثور عليه في تلك الفترة ويحتسي البيبسي. صهره هو تاجر نموذجي يعبر عن تلك الحقبة، جمع ثروة من سياسات التجارة الحرة الجديدة، يصب كأسا من الخمر حد أن يفيض بكثرة، في دلالة على الاستهلاك والمادية التي لا يمكن السيطرة عليهما. ويتطلع حسن في أرجاء البيت فيجده يعج بالبضائع، لكن البرنس يرفض مساعدة حسن، فقد استحوذت التجارة والمال على مدينة بورسعيد وملكت عليهم زمام قراراتهم (3).

 

كلما ابتعد حسن متجها إلى عاصمة أخرى في مصر يتضاءل مستوى الإحساس حوله تدريجيا. في زيارة حسن لشقيقته وعائلتها في دمياط، نعي أن مستوى الإحساس لديهم هامد، فشقيقته الحاجة فوزية متزوجة من رجل أعمال متدين يمتنع عن مد يد العون لحسن ويزايد على الرفض بتقديم اقتراحات تنم عن انفتاحه على الحصول على فائدة كبيرة أو جني الأرباح من بلايا الآخرين. يثور حسن مذكرا إياهم بأفضال والده عليهم، يجيبه صهره (علي الغندور) بهدوء أنه لن يقدم مساعدة ما لم يحصل في المقابل على استفادة، وأنه مستعد لشراء الورشة، ومن ثم ينصرف إلى الصلاة. في تقديم عاطف الطيب لشخصيتين متناقضتين لأزواج أخوات حسن هنا، من تاجر الشارع الذي يقدم الكونياك المستورد لأبنائه على الغداء ورجل الأعمال المتدين الذي يترك المناقشة للصلاة، لا يخجل الطيب من التلميح إلى أن الشخصيات الرجعية والأنانية تتنكر في قوالب عديدة.

 

صراع حسن للحفاظ على الورشة يُنبِّئنا أن قيمتها المعنوية تفوق قيمتها المادية. ذهب النقاد إلى أن الورشة ما هي إلا تمثيل لمصر، عوني الذي سرق خيراتها لسنوات كثيرة، وكل مَن يلاقيهم حسن ويريدون تقاسمها ابتداء من أزواج أخواته، ما هم إلا تجسيد للصوص الذين ينهبون أموال الدولة، يقتنصون حقوق المحاربين العائدين من الحرب في السبعينيات كما يفعلون في كل عصر لكل الفئات دون تمييز، ويأخذ حسن على عاتقه حماية الورشة صونا للكبرياء والكرامة، الكبرياء الذي بدونه يموت المعلم سلطان (عماد حمدي).

 

إحدى الشخصيات التي لا تسلم من التغيير هي ميرفت (ميرفت أمين)، زوجة حسن. لا تصمد قصة حبهما التي انتهت بزواجهما طويلا، ذلك الحب الذي كان مرسى لحسن كلما ضاقت به الحياة. تلوح بداية تغييرها في تعلمها الإنجليزية، وفي لقطة تُبيِّن الاصطدام بين محو الهوية والحفاظ عليها، تسأل حسن عن حاله بالإنجليزية فيرد عليها بالعربية. ومع توتر علاقتهما ورفضها بيع سيارة الأجرة التي يعمل عليها ليلا، لتجميع المال المستحق للضرائب، يُظهِر عاطف الطيب صورتهما المؤطرة مع طفلهما التي تُبيّن عائلة سعيدة (4)، مما يُضفي إيحاء بالصدع الذي على وشك أن يمزقها. في ذلك المشهد، تكون الكاميرا ثابتة، وهي بذلك تُجاري ثبات الحوار، ونبرة صوت حسن/نور الشريف. تتحول الكاميرا قليلا إلى المرآة، ننظر إلى انعكساهما فيها ويخيل إلينا أنهما شخصان آخران يتحدثان، وكأنه حوار بين المال والهوية. تهدده بالطلاق إن باع سيارة الأجرة، فيرد بكبرياء بأنها طالق سواء باعها أم لم يبعها، خرجت كلمة الطلاق بسهولة منه وكأنه شيء هيّن أمام الورشة والحفاظ على هوية الإنسان. كسر ذلك المشهد حينها كل الأنماط المتعارف عليها في مشاهد الطلاق في السينما المصرية، مدعما بالموسيقى التي تغطي حالة الشجن.

 

ينتقي عاطف الطيب لأبطاله أسماء تبدو كأنها كِسوة لدخيلتهم ولا تبعد من أن تُسيّرهم، من "حسن" إلى "وفاء" شقيقته التي تعمل في الخليج وتأتي لزيارتهم في مصر، لا تتردد هي وزوجها صديق حسن "رزق" في التخلي عن حلم شراء شقة ووضع كل مدخراتهم لمساعدة حسن، وهي بذلك تُعرِب عن المعاني التي تبطن اسمها. وفي فيلم "الهروب" يختار الطيب لبطله اسم "منتصر"، وفي اسمه انتصار للقيم ولذاته التي لم يفقدها، مُؤْثِرا مواجهة السجن والمطاردة لرفضه المشاركة في الاحتيال على الآخرين. وفي "ليلة ساخنة" يُدعى البطل "سيد"، وهو سائق أجرة كادح أخلاقياته التي يتمسك بها تجعل منه سيدا ولو عاين ذلك شخص واحد. وفي "ضد الحكومة" مصطفى خلف (أحمد زكي) اسمه الذي يُعبِّر عنه بإقدامه على الوقوف وحده والتطهر أمام الجموع من الفساد، في مرافعة تاريخية معبرة أتى فيها: "أنا ابن لهذه المرحلة والمراحل التي سبقتها، تفتح وعيي مع التجربة الناصرية، آمنت بها ودافعت عنها، فرحت بانتصاراتها وتجرعت مرارة هزائمها وانكساراتها. هُنت عندما هان كل شيء، وسقطت كما سقط الجميع في بئر سحيق من اللا مبالاة والإحساس بالعجز وقلة الحيلة. أدركت قانون السبعينيات ولعبت عليه وتفوقت، تاجرت في كل شيء في القانون والأخلاق والشرف.. كلنا فاسدون، لا أستثني أحدا، حتى بالصمت العاجز الموافق قليل الحيل".

 

تُثقل حسن الهموم، ويقترح رزق عليه الخروج برفقة أصدقائهم القدامى، يحضران مرافعة صديقهم الذي يعمل في النيابة العامة، في ذلك المشهد الذي يبلور لُب القضية التي يطرحها الفيلم، نبصر على غير العادة النائب يدافع عن متهم عوضا عن مهاجمته، فهو يقول: "النيابة في هذه القضية تضع يدها على المتهم الحقيقي، مقدمة الأدلة والبراهين على براءة ذلك المسكين الماثل أمام عدالتكم، والذي لم يكن سوى كبش فداء لمجرم خطير أعتى وأكثر خطورة ما زال حرا طليقا. ولهذا النيابة تطالب بإعادة فتح ملف القضية وإعادة استجواب شهود الإثبات والنفي على ضوء مذكرة النيابة المقدمة في هذا الشأن".

 

ربما لا تكون تلك المرافعة إلا إسقاطا مباشرا على محور القضية التي يطرحها الفيلم حول المعلم سلطان وورشته، وعوني (حسن حسني) الذي كان يعمل معه ومحل ثقته، فهو المجرم الحقيقي الذي وضع يده خفية على أمواله واختلس منها طيلة سنوات تهرب فيها من الضرائب، وبتلك الأموال أقام ورشته الخاصة وتخلى في النهاية عن المعلم سلطان الذي كان كبش فداء له. وهكذا يأخذ أصدقاء حسن صفه، وهم مَن يُشكِّلون شلة القروانة، إلى جانب شقيقته وفاء ومساعدة ضيف، فلا يعود وحيدا تماما في الكفاح.

 

عندما يستذكر حسن الأيام الخوالي يضمحل الواقع ويُمسي محبا وحالما، حينها يعانق زوجته مسترجعين قصة حبهما (قبل انفصالهما) ويسترسل في الحديث مع إخوانه السابقين في السلاح عند الأهرامات، مستعيدين الليالي التي أمضوها معا في الخنادق بانتظار عبور القناة. هذه الجدلية بين العنف والرومانسية مصحوبة بموسيقى تصويرية رائعة من تلحين "كمال بكير" الذي لحّن شعور حسن بالحزن، واستياء المحارب المخضرم الذي خاض حربا تلو حرب ولم يترك الجبهة إلا منتصرا، ليواجه بعدها معارك الشوارع وتعقيدات الواقع (5). انتقال الموسيقى تدريجيا من النشيد الوطني لمصر إلى تلك الحزينة هي نقلة جيل من الستينيات إلى السبعينيات حدث وأن سحبت منه هويته تدريجيا حتى بهتت.

 

مع تدهور حالة الأب الصحية وحسرته وشعور حسن بالعجز، يخرج حسن من بيت عائلته هابطا الدرج، تجتاحه الذكريات، يغيم الحاضر ويحضر الماضي، يستعيد لمحة من طفولته ولهوه برفقة شقيقاته، ولدمج الحاضر بالماضي استعان سعيد شيمي بلوح زجاجي قام بنثر سائل رش عليه، ووضع اللوح الزجاجي برقة على عدسة الكاميرا لاستحضار الماضي ومن ثم أزاله، لينزل حسن بعدها مباشرة في الحاضر (6). فيما بعد، تتجمع عائلة حسن كلها، يزايدون على بيت وورشة المعلم سلطان، في لقطة عين الإله لهم نُبصِر منظورا كليا ندرك فيه ما لا يدركه أبطال القصة أو ما لا يستطيعون استيعابه من زاويتهم المحدودة؛ أن حسن هو صوت الضمير، وهم من يُمثِّلون المنتفعين بالأوضاع المتردية لمصر.

تمرُّد حسن على التغيير المجتمعي هو صفة لصيقة لأبطال عاطف الطيب، كما تفرض الحرب نفسها في أفلامه لأنه خاضها، كما عاين وعايش كثيرا مما قصّته أفلامه، مما يجعل أبطاله قريبين منه، فحسن في "سواق الأتوبيس" هو شخص خاض الحروب كلها في تلك الفترة. وقد أطلق نجيب محفوظ على عاطف الطيب "عميد الخط الواقعي في السينما المصرية الحديثة"، إذ تعامل مع هموم الطبقة الوسطى واضعا لمسة من اليأس في أفلامه ولمحة من الرومانسية المتجهة في اتجاه محبط. يسير السرد في أفلامه في خط مستقيم وببساطة، وتُشكِّل العائلة ثقلا مهما في جميع أفلامه، مما يوحي بأن العائلة هي مجتمع مصغر، يتجلى أثرها على الفرد الواحد، ويتشارك أبطاله بأن جميعهم خرجوا من أسر متماسكة، حملوا همومها وتعرضوا لظلم اجتماعي، مما يؤدي بهم إلى الانفجار في النهاية. وتتجلّى المضامين التي اختارها طوال عمله كونه مخرجا سينمائيا، والتي تتناول قضايا الإنسان المعاصر وتنوعت بين الفقر والمشكلات الاجتماعية والظلم والديكتاتورية وأحلام البسطاء (7)، كما برز المضمون السياسي ومحاكاته للوضع السياسي كالقمع. كانت رسالته الأبرز في أفلامه أن الإنسان حر، وأنه ولد ليُحلِّق لا ليُستعبد، لا تَستعبده سُلطة أو مال أو حتى امرأة.

 

ويتراءى أثر فيلم "العزيمة" (إنتاج 1939) الذي اعتبره النقاد أفضل فيلم مصري في السينما المصرية على فيلم "سواق الأتوبيس"، فبعض المشاهد تكاد تكون متقاربة، وهو ما حدا بالمونتير والمؤرخ السينمائي "د. مجدي عبد الرحمن" إلى القول: "إن الفيلم يعتبر العزيمة 2 لأهميته"، وهو ما يتواءم مع نظرة الناقدة "أمل الجمل" في قولها بما معناه إنه إذا كان فيلم "العزيمة" يدعو للفردية باعتبارها حلا للتغيير، فإن فيلم "سواق الأتوبيس" على النقيض يحتفي بالتكاتف الأسري والمجتمعي لتحقيق تغيير نحو الأفضل (8). وفي الفيلم يقف الجيل الحالي بعد أعوام من ثورة يناير في مواجهة التساؤلات نفسها التي واجهها الآباء في حقبة السبعينيات، وما تبعها من مشاعر.

 

واصل عاطف الطيب هجاءه لزمن ما بعد الاستعمار، فقدَّم لنا في فيلمه "الزمار" جانبا من حياة الزمار حسن (نور الشريف)، الشاب المطارد والمتنقل من قرية إلى قرية من قرى الصعيد ناشدا الأمان والاستقرار، هناك حيث لا حيلة للفقراء، يُعلِّقون آمالا على مشروع تحلية المياه الذي يقترحه حسن. ينكشف تواطؤ السلطة مع الأثرياء الذي يريدون الاستحواذ على كل شيء، ولأنه حيثما يستشري الفساد تُقتل البراءة، لذا فإن نهاية الفيلم اغتيال للأحلام البسيطة وللزمار وحتى مزماره.

مساعد عاطف الطيب في الإخراج كان محمد النجار الذي قام بإخراج أول أفلامه التي سارت على درب انتقاد زمن الانفتاح وهو زمن "حاتم زهران"، وفيه جسّد نور الشريف شخصية الشاب الانتهازي الذي يتهرّب من أداء الخدمة العسكرية ويرتحل إلى أميركا، وتأتي شخصيته الانتهازية نقيضا لشخصية أخيه يحيى الوطني الذي استشهد في حرب أكتوبر. في الفيلم صيحة مُبطنة عن الوضاعة التي وصل إليها الانفتاحيون الجدد بمحاولة حطهم من كل القيم الأصيلة بحثا عن الثروة والمجد.

 

وقبيل صناعة فيلم "سواق الأتوبيس" بعام يتبنّى المخرج الكبير علي بدرخان الفكرة ذاتها، ليُخرِج فيلم "أهل القمة" المأخوذ من المجموعة القصصية لنجيب محفوظ "الحب فوق هضبة الهرم"، ويقوم ببطولته نور الشريف وسعاد حسني. يحكي الفيلم عن أثر الانفتاح الاقتصادي على المجتمع المصري من خلال ثراء أحد النشالين عن طريق الانفتاح الاقتصادي وتهريب البضائع من الجمارك، والذي يتعرَّف على سهام (سعاد حسني) شقيقة ضابط المباحث (عزت العلايلي) ويربط الحب بينهما، ويرفض الضابط زواجهما. لا تحتل قصة الحب خطا رئيسيا في الفيلم بقدر التغيير الحادث في شخص بطله.

 

بالعودة إلى "سواق الأتوبيس"، فقد فضَّل المصور السينمائي سعيد الشيمي وعاطف الطيب الاستعانة بكاميرا متحركة متحررة تنقل البيئة الفوضوية لركوب الحافلة العشوائية في شوارع القاهرة. وفي بعض الأحيان، لا تلتقط الكاميرا المهتزة الحوار والتفاعل وتكتفي بنقل تعبيرات الوجه. باستخدام العدسة الواسعة يتجمع أكبر قدر ممكن من التفاصيل: من اندفاع الركاب للدخول إلى الحافلة والحصول على مقعد، والطبيعة الفوضوية للشارع والسوق في بورسعيد، وتدفق البضائع المستوردة وأحاديث الناس عن السفر إلى الخليج، والوجوه العائلية المختلفة.

 

وفي تتابعات النهاية في الفيلم يتمكّن حسن بعد عناء من تدبير المبلغ المطلوب، يذهب إلى والده فَرِحا ليجده قد فارق الحياة، يُعيدنا الطيب بعدها إلى المشهد الافتتاحي للفيلم، فالنهاية كما البداية تحدث داخل الأتوبيس، تتعرض سيدة إلى النشل وتصيح، يهرب النشال عبر النافذة، لا يتردد حسن هذه المرة في الركض خلفه، مما يُوضِّح التغيُّر في شخصيته، وينهال على السارق ضربا صارخا: "يا أولاد الكلب". يرمز النشال إلى كل اللصوص الذين سرقوا أحلامه وأحلام المصريين بأجيالهم المتعاقبة، لكل الذين نهبوا خيرات البلد ونشروا فيها الفساد فقلبوا موازينها وأخلاقياتها. لا يُنهي عاطف الطيب فيلمه بمقتل النشال أو سقوطه أرضا عندما يُوسِعه حسن ضربا، لكنه يكتفي بتثبيت الكادر عليه وهو لا يزال يقف في حركة تراجع للوراء عقب قبضات وضربات حسن المتتالية له، في نهاية تبتعد عن التفاؤل وتشي بوضوح بأن هذا النشال الذي يُمثِّل كبار اللصوص ما زالوا يمارسون سرقتهم المادية والمعنوية ولم يُقضَ عليهم بعد.

المصادر

  1. بالفيديو.. في ذكري ميلاد عاطف الطيب بشير الديك يحكي قصة فيلم «سواق الأتوبيس»
  2. رواية يوم قتل الزعيم، نجيب محفوظ
  3. Egypt’s cinematic gems: Bus Driver
  4. شرح وتحليل فيلم سواق الأتوبيس | من عنيا
  5. Egypt’s cinematic gems: Bus Driver
  6. الستات مايعرفوش يكدبوا | سعيد شيمي يحكي كواليس تصوير فيلم "سواق الاتوبيس
  7. المخرج عاطف الطيب ومراجعة ل فيلم سواق الأتوبيس
  8. "سواق الأتوبيس".. أنشودة في رثاء مصر

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة