فيلم كريستوفر نولان الجديد "Tenet".. عندما ينقلب السحر على الساحر!

توالت الانتقادات للمخرج والكاتب السينمائي كريستوفر نولان منذ صدور آخر أفلامه "عقيدة" (Tenet) الذي كان صدوره في صالات السينما مُرتقبا باعتباره عملية إنعاش لتجارة مُهدَّدة في صميمها من خدمات البث عند الطلب. البعض رأى أن الفيلم هو تمادٍ في التعقيد أتى على حساب جوانب فنية أخرى؛ إذ بات واضحا للعيان أن نولان يُهمِل البناء الدرامي لشخصياته، فتخرج من رحم العدم إلى حيث نراها سطحية يعوزها الاكتمال وحبكة شبه مقفرة مقارنة بالاهتمام المنصب على التجربة السينمائية، فهل حاد نولان عن السينما ذاتها، بكل ما تحمله من ثُقل وخقة، مؤثرا التعقيد، أم أن في قول ذلك ضربا من المغالاة؟

 

نصَّب نولان لنفسه مكانة سينمائية بأسلوبه الذي أسّست له حِيَله السينمائية التي ارتكزت بشكل رئيسي على الأساليب والمؤثرات اليدوية واعتماده بشكل أقل على الـ "CGI" أو المشاهد المُنتجة حاسوبيا، بداية من فيلم "تذكار" (Memento)، لينطلق بعدها في أفلام كـ "ابتداء" (Inception)، و"بين النجوم" (Interstellar)، وأخيرا وليس آخرا "دونكيرك" (Dunkirk)، وصولا إلى "عقيدة" (Tenet) أحدث أفلامه. هكذا مضى في تشييد قوالب زمنية مبتكرة في ذاتها حد أن احتكرت جوهر العمل السينمائي، وباتت قصدا مجردا من أي حبكة درامية ذات معنى (1).

 

تحت أنقاض مدينة بومبي، وفي فرنسا وسوريا وعدة دول أخرى، اكتشف علماء الآثار جدارية ساتور، وهي أقرب إلى حجر متناظر؛ يُمكن قراءتها من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين، ومن أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى، نُحِتت الأحرف عليه باللغة اللاتينية، وتكوّنت من خمس كلمات تُعَدُّ مدخلا إلى الفيلم الذي نتناوله. من عنوان الفيلم "عقيدة" (TENET)، إلى ساتور، وهو اسم شخصية البطل الشرير في الفيلم، و"ROTAS" شركة ساتور والكلمة التي ترتبط أيضا بالآلات العاكسة، وقد تعني عجلة، أو الآلات التي تتخذ أشكال أبواب دوارة التي يصبح المرء بفضلها معكوسا، وأوبرا وهي مكان وقوع أحداث المشهد الافتتاحي للفيلم، وانعكاسها أريبو (2).

بتلك الكلمتين المجتزأتين في سطرين فقط على صفحة بيضاء من حوار فيلم "بين النجوم" (Interstellar) أوجز نولان سيناريو الفيلم لصديقه الموسيقار الألماني هانز زيمر الذي لحّن موسيقى أعظم أفلامه، احتوت تلك الورقة على خلاصة شعور نولان عن فيلمه سابق الذكر، في قصة أب يتحتم عليه ترك طفليه للذهاب في مهمة كونه رائد فضاء في رحلة لإيجاد كوكب جديد. نولان في ذلك لا يتوانى عن إحاطة سيناريوهات أفلامه بسرية وهي في طور الإعداد، مقاربا أفلامه مع هدايا عيد الميلاد التي يتوق الجميع لفضّها باكرا (3). لم تُكلَّل مساعي السرية المطلقة بالنجاح التام في ثلاثيته الرائعة "فارس الظلام" (The Dark Knight Trilogy)، لكنه حجب أفكاره بشكل مثالي في فيلمه "عقيدة" (Tenet). لم يكن أحد يعلم حبكة الفيلم كاملة؛ حتى إن الممثلين أنفسهم لم يقرؤوا سوى أدوارهم فحسب، كما أكّد روبرت باتينسون في أحد اللقاءات "أن نولان قد أوصد بابا عليه ومنحه وقتا لقراءة دوره في الفيلم" (4). يرجع الفضل جزئيا إلى الشركة المنتجة للفيلم "وارنر بروس" في حفظ تلك السرية، وإن لم يكن ذلك متعمدا كليا؛ فالحقيقة أن الشركة المنتجة لم تستطع العثور على مُسوِّق قادر على فهم ما يكفي لعمل دعاية جديرة بأفلام نولان (5).

 

استحوذت الصيغ والنظريات العلمية والأزمنة والوقت على البنية الدرامية لأفلام نولان، تلك الحدود الصارمة شكّلت رادعا من العواطف والشفقة. مشاعر قليلة وجدت منفذا لها وشقّت طريقها في أفلامه لتُعبِّر أحيانا عن تعقيدات التجربة الإنسانية، كمشاعر الندم والرغبة في عقد صلح مع الماضي في واحدة من أكثر اللحظات العاطفية في فيلم "بين النجوم" (Interstellar) لأب أراد لقاء أبنائه مرة أخيرة، والتي يضع فيها نولان الحب بوصفه قوةً قابلةً للقياس مثل الوقت أو الجاذبية. تلك المشاعر ربما تكون قد ضلّت طريقها في فيلم "عقيدة" (Tenet)، أو بتعبير آخر؛ لم تُفصح عن نفسها كما يجب.

 

في فيلم "عقيدة" (Tenet) تحاول الشخصيات الرئيسية إنقاذ العالم من الإبادة الكاملة، يسافر عميل سري في وكالة المخابرات المركزية، ويخوض ملحمة جاسوسية عبر الزمن يُكلَّف بها من قِبل منظمة تسعى إلى ردع حرب عالمية ثالثة، متسلحا بكلمة واحدة فقط "عقيدة". يستهل الفيلم قصته بمهمة في إحدى دُور الأوبرا بأوكرانيا، يكاد أن يفقد فيها البطل (جون ديفيد واشنطن) حياته، حيث يقع في أيدي عصابة تحاول انتزاع معلومات منه. لا يتوانى البطل (The Protagonist) عن تناول حبة سامة عوضا عن الوشاية برفاقه، ويُفيق بعدها ليجد نفسه على متن سفينة مع رئيسه الغامض الذي يُخبره أن ما فعله يجعل منه العميل المثالي، ويُطلَق على البطل هنا اسم "بطل الرواية". يزيح ذلك النقاب عن عنوان الفيلم لتعلم أنه اسم المنظمة التي يدخل بطل الرواية فيها، وينطلق الأخير في مهمة لإسقاط تاجر الأسلحة أندريه ساتور بالتعاون مع نيل (روبرت باتينسون) بمساعدة زوجة تاجر الأسلحة كات (إليزابيث ديبيكي).

ينعكس مسار الزمن بطريقة ما، فقد اكتُشف في المستقبل كيفية إعادة إرسال الأشياء مرة أخرى إلى الماضي. على سبيل المثال، الرصاصة المقلوبة زمنيا لم تعد تنطلق إلى الأمام؛ وإنما ترتد مرة أخرى إلى البندقية. لذا يجب على بطل الرواية معرفة كيفية تجنُّب هذه الحرب القادمة، والتي تتضمَّن إيقاف ساتور. مع ذلك، لا يمكن اغتيال ساتور، ببساطة لأنه يحمل أسرار كيفية حدوث انعكاس الوقت بالضبط، وهذه العلاقة الغريبة مع المستقبل البعيد، إضافة إلى أنه قد كوَّن رابطةً مع المفجر تجعل من موته إبادة للبشرية جمعاء. مع الأخذ في الاعتبار أن ساتور مصاب بمرض عضال وينتظره موت محدق، وقد يتناهى إلى إدراكنا أنه يريد أن يأخذ العالم معه إلى الفناء.

 

يسرد نولان قصته سردا متناوبا، وهو نمط سردي يعتمد على دمج مجموعة من القصص معا (6). بدأ فيه نولان قصته بحدث ما، قبل انتقاله إلى حدث في قصة أخرى، ومن ثم يعود إلى حدث في القصة السابقة، وهكذا حتى يربط في النهاية القصص معا من خلال تشابه الشخصيات، أو المواقف التي تربطهم معا، لكن الحبكة لا تلقى دعما على المنوال. ويدعم سكوت مندلسون، وهو ناقد في مجلة فوربس، تلك النظرية بقوله في مراجعته للفيلم: "لا يمكن للاستعراضات المرئية الرائعة والباهرة أن تعوّض الشخصيات المهمشة والحبكة المعقدة بلا داعٍ…"، أشاد مندلسون مثل النقاد الآخرين بالتأثيرات المرئية التي شوهدت في الفيلم، لكنها وإن عُدَّت مثيرة للإعجاب لا تهم حقا على المستوى العاطفي أو حتى السرد. بعبارة أخرى  لقد كان غرضها هو الإبهار وليس تعزيز الحبكة.

 

يكمن جزء من تعقيد الحبكة في الانتقالات الزمنية المفاجئة والتي لم يتم غالبا إعداد المُشاهد لها، لكن الانتقالات الزمنية لا يمكنها بالضرورة أن تنبئ عن أن الفيلم يدور في فلك التحكم بالزمن. تلك هي الفكرة التي أُكِّدت بحزم (7). وفي مرات قليلة تتساءل الشخصيات في الفيلم عما يحدث، وتحاول استيعاب ما تشرحه شخصية أخرى بلا جدوى في كل مرة يتم إخبارهم أنه لا بأس إذا لم يفهموا الأمر تماما، وبصريح العبارة: "لا تحاول أن تفهم الأمر" (8).

يتصل ذلك بالذاكرة، إحدى بصمات نولان الحاضرة في أفلامه. تستحضر الوهم، وتتميز الشخصيات بطمسها للخط الفاصل بين الخير والشر. ربما يرمي نولان إلى أنه إذا كانت الفضيلة سهلة، فلن تكون مقنعة أو حقيقية، لذا تعمل قوى الوقت والذاكرة والأخلاق على إفساد الشخصيات، كبروس واين في "ثلاثية نولان"، حين كافح باتمان من أجل البقاء صلبا حتى بدون ردائه الذي تفرّد به. لكن كفاح الأبطال هو في أحد جوانبه كفاح من أجل عدم تمكُّن غواية الشر منهم. هل يكون فيلم "عقيدة" (Tenet) حول شخص يتمتع بإمكانية إنقاذ عالم غير متوازن يتمكّن فيه الشر ممّن حوله؟

 

في الذاكرة قد يتحرر الزمن، فتمر خمس ساعات من الوقت الحقيقي لتُمثِّل خمسين ساعة في عالم الأحلام؛ فتُروى القصة في فيلم "دونكيرك" من خلال ثلاث فترات زمنية مختلفة: أسبوع على الشاطئ، ويوم في البحر، وساعة في الهواء، وفي فيلم "تذكار" (Memento)، يُعيدنا نولان بشكل متكرر لمدة عشر دقائق إلى الوراء في الوقت المناسب لتقليد فقدان الذاكرة على المدى القصير للبطل. هنا في "عقيدة" (Tenet) لدينا شخص بإمكانه التواصل مع المستقبل.

 

يحدث ذلك التواصل عبر الانعكاس، وهو ما يعني مشاهدة الأحداث قبل حدوثها، كما لو كنت تراقب المستقبل. وبالرجوع إلى الماضي تبدو القوارب وكأنها تبحر إلى الخلف لا إلى الأمام، وتنقلب السيارة في الاتجاه المعاكس. وأيضا حين تحمل مسدسا فأنت لا تطلق الرصاص، بل تلتقطه. هناك أيضا نظرية مفادها أن اللقطة التي يرتدي فيها واشنطن قناعا واقيا من الغازات صُوِّرت من زاوية منخفضة، حتى تصل إلينا مشقة العمل حينما يكون الوقت معكوسا.

 

لا ينحني الانعكاس كثيرا في الوقت الذي يقلبه رأسا على عقب، كما تم التلميح عندما أظهر الإعلان التشويقي الأول للفيلم كلمة "عقيدة" (Tenet) بطريقة متناظرة من الأمام للخلف (Palindrome)، قبل أن يقوم نولان بالتراجع عن التصميم الابتدائي في الدعاية اللاحقة للفيلم بعد أن اكتشف أن شركة لصناعة الدراجات الخفيفة تحمل تصميما مقاربا (9). هناك أيضا تلميحات ونظريات تُشير إلى أن شخصيات باتينسون وواشنطن هما بطلا الرواية، لكنهما يعملان في أُطُر زمنية متباعدة. يمكن أن يكون هناك اثنان من كل شخصية، كما يتناسب ذلك مع ملصق الفيلم والذي يُظهِر نسختين من واشنطن متضامنتين في المركز، وكما تم التلميح في المقطع الدعائي للفيلم عندما ظهرت نسختين من شخصية كات (إليزابيث ديبيكي). وقد قارب العديدون بين "بطل الرواية" في فيلم "عقيدة" (Tenet) وبين الجاسوس الإنجليزي المخضرم "جيمس بوند"، وعن ذلك قال نولان: "إن لبطله حضورا كبيرا في قلب الفيلم؛ وهو على نقيض بوند، يتمتع بإمكانية وصول للجماهير" (10)(11).

View this post on Instagram

𝟱/𝟮𝟱/𝟮𝟬 𝗨𝗣𝗗𝗔𝗧𝗘: 𝗔𝗽𝗽𝗮𝗿𝗲𝗻𝘁𝗹𝘆 𝗜 𝗻𝗲𝗲𝗱 𝘁𝗼 𝗵𝗶𝗴𝗵𝗹𝗶𝗴𝗵𝘁 𝘁𝗵𝗮𝘁 𝘁𝗵𝗶𝘀 𝗽𝗼𝘀𝘁 𝗶𝘀 𝗻𝗲𝗮𝗿𝗹𝘆 𝟲 𝗺𝗼𝗻𝘁𝗵𝘀 𝗼𝗹𝗱. 𝗦𝗶𝗻𝗰𝗲 𝗽𝗼𝘀𝘁𝗶𝗻𝗴 𝘁𝗵𝗶𝘀 𝗠𝗿. 𝗡𝗼𝗹𝗮𝗻 𝗮𝗻𝗱 𝗪𝗕 𝗵𝗮𝘀 𝗯𝗲𝗲𝗻 𝗶𝗻 𝗰𝗼𝗻𝘁𝗮𝗰𝘁 𝘄𝗶𝘁𝗵 𝘂𝘀 𝗿𝗲𝗴𝗮𝗿𝗱𝗶𝗻𝗴 𝘁𝗵𝗲 𝘀𝗶𝘁𝘂𝗮𝘁𝗶𝗼𝗻. 𝗜𝗳 𝘆𝗼𝘂 𝘄𝗼𝘂𝗹𝗱 𝗹𝗶𝗸𝗲 𝘁𝗼 𝗿𝗲𝗮𝗱 𝗠𝗿. 𝗡𝗼𝗹𝗮𝗻’𝘀 𝗲𝗺𝗮𝗶𝗹 𝗮𝘀 𝘄𝗲𝗹𝗹 𝗮𝘀 𝗼𝘂𝗿 𝗿𝗲𝗽𝗹𝘆 𝗶𝗻 𝘁𝗵𝗲𝗶𝗿 𝗲𝗻𝘁𝗶𝗿𝗲𝘁𝘆 𝘄𝗲 𝗵𝗮𝘃𝗲 𝗽𝗼𝘀𝘁𝗲𝗱 𝘁𝗵𝗲𝗺 𝗼𝗻 𝗼𝘂𝗿 𝘄𝗲𝗯𝘀𝗶𝘁𝗲. • ORIGINAL POST FROM 2019 -> No, despite the striking similarities, we are not making a movie with Christopher Nolan. Maybe it was a coincidence, or maybe Nolan was inspired by our branding; regardless the apparent negligence is frustrating to say the least. Thank you to all the people that have reached out in support of Tenet (the bike brand). When we became aware of this, our biggest fear was that many of our peers who haven’t heard of Tenet (the bike brand, shit this is going to get old quick) might think WE stole the logo from Nolan, when in reality, we launched long before this movie was announced. If you would like to share this post to help spread the word, it would be greatly appreciated. I’m sure one day we’ll all look back on this and shake our heads in disbelief. #supportriderowned #damntheman

A post shared by TENET COMPONENTS ™️ (@ride_tenet) on

تبقى الشخصيات في جوهرها سقطة غير مسبوقة لنولان في مسيرته السينمائية التي امتدت على مدار عشرين عاما. تظل الشخوص مُبهمة، وعلاقاتهم ببعضهم بعضا غير منطقية. نتساءل طوال الفيلم: لِمَ لا ينفك البطل ينقذ كات من الموت؟ ما حقيقة الرابطة التي تجمع بينهما؟ وما دافعه؟ وما حقيقته ومبادؤه؟ ولَّد عدم اكتراث نولان لعمق شخصياته وبنائها في فيلمنا هذا انطباعا أنه لم يعد يكترث بالوعي العام لدى المتلقي؛ إذ بات ينظر إليهم كالدمى التي يحركها هو كيفما وأينما شاء. يفاقم ذلك من المسافة التي تفصل المتفرج عن الأبطال، وكأننا لا نرى سوى ظاهر وقمة جبل جليدي خالٍ من البُعد، فنعجز عن التعمق فيه وتكوين رابطة عاطفية. لكن فيما مضى، لم يتلقَّ نولان هذا الكم من النقد على شخوصه، فما الذي حدث؟

 

قد يعود أحد الأسباب إلى أن أخاه جوناثان نولان لم يشترك معه في كتابة سيناريو "عقيدة" (Tenet)، فمن بين أفلام كريستوفر نولان، تعاون معه جوناثان في كتابة الأكثرية الناجحة منها؛ مثل ثلاثية "فارس الظلام"، وهو تحفة كريستوفر نولان المقتبسة من قصص الكوميكس المصورة. كما أن فيلم "تذكار" (Memento) لنولان والذي لقي نجاحا باهرا كان مستندا إلى قصة قصيرة كتبها جوناثان نولان تدعى: "تذكر أنك ستموت" (12). وقبل فيلم "عقيدة" (Tenet) صنع "دونكريك" (Dunkirk) الذي عُدَّ إحدى روائعه. في ذلك الفيلم أيضا تجاهل نولان إلى حدٍّ كبير الشخصيات، لكنه نجح لأنه أخبرنا عن الأحداث الحقيقية، فلم نكن بحاجة إلى معرفة حياة الجنود بشكل فردي، لأننا كنا نشاركهم خوفهم وانكساراتهم ونضالهم من أجل البقاء. نخلص إلى أن "عقيدة" (Tenet) لا يفتقر إلى عمق الشخصيات فحسب، وإنما أيضا إلى الحقيقة.

 

بينا تُتَّهم أفلام نولان بأنها تفتقر إلى المشاعر الواقعية، نجد مثلا في ثلاثية "فارس الظلام" بروس واين مسكونا بذكرى وفاة والديه. نولان هنا يعي أن الذاكرة مرتبطة بمشاعرنا. بعد إصداره لـ "ابتداء" (Inception) قال: "أردت التعامل مع عالم الأحلام، وأدركت أنه كان عليَّ حقا أن أُقدِّم للجمهور سردا أكثر عاطفية، وهو الشيء الذي يُمثِّل العالم العاطفي لعقل شخص ما؛ لذلك يجب أن تستند قصة البطل والسرقة نفسها إلى مفاهيم أكثر عاطفية" (13).

 

في "دونكيرك" (Dunkirk)، دور الذاكرة أكثر رقة مما هو عليه في أفلامه السابقة. نجد أن ذكريات المعارك التي يبدو أنها استقرت في أجساد الجنود أكثر من عقولهم الواعية تؤثر بالتأكيد على كيفية تصرفهم تحت الحصار؛ كيف يتجنبون قنبلة أو لماذا قد يتفاعلون في الأماكن المغلقة؟ في الحقيقة علاقة دونكيرك بالذاكرة تكمن في مصدرها المادي، فهي تتخذ أساسا حدثا يُمثِّل جزءا من تاريخنا الأكبر، ثم تقوم بتعديل تلك الذاكرة بشكل طفيف (14).

فيلم كريستوفر نولان "دونكيرك" (Dunkirk)

لم يغفل نولان عن استحضار الهوية في أفلامه من حيث صلتها بمفاهيم كالوقت والحقيقة؛ بحيث عندما نرى التسلسل الزمني العكسي لفيلم مثل "تذكار" (Memento)، فإن هذا ليس وسيلة للتحايل، ولكن طريقة للدخول إلى عقل بطل الرواية الذي لا يمتلك ذاكرة قصيرة المدى. نولان مفتون أيضا بكيف يمكن أن تكون الأسئلة الأخلاقية جزءا من التجربة الرائجة. لا يتعلق فيلم "تذكار" (Memento) برجل يعاني من فقدان الذاكرة فحسب، وإنما أيضا بأخلاق الانتقام. "فارس الظلام" (The Dark Knight) ليس فقط عن باتمان، وإنما يتعلق بالخط الضبابي الفاصل بين العنف العشوائي واليقظة. "العظمة" (The Prestige) ليس مجرد خدعة سحرية أنيقة، بل يتعلق الأمر بالمنافسة والهوس والعلم مقابل السحر والحرب الطبقية. "دونكيرك" (Dunkirk) ليس مجرد حرب، بل يتعلق الأمر بما يتطلبه النضال والانتصار.

 

يُعرَف نولان بصناعته لأفلام صاخبة جدا يمكن أن تطغى على حوار الفيلم، فبعد إصداره فيلم "بين النجوم" (Interstellar)، كان على دور السينما وضع لافتات لإعلام الجمهور أن معداتهم الصوتية تعمل بشكل جيد، وإذا كانت لديهم شكاوى بشأن وجود مشكلة في فهم الحوار من شدة ارتفاع الصوت فيجب عليهم تناولها مع نولان. وفي ذلك رد نولان قائلا إنه قد اعتاد توظيف الموسيقى الصاخبة في أفلامه عن قصد: "استخدم العديد من صانعي الأفلام الذين أُعجِبت بهم على مر السنين الصوتَ بطرقٍ جريئة ومغامرة. أنا لا أتفق مع فكرة أنه لا يمكنك تحقيق الوضوح إلا من خلال الحوار. على سبيل المثال، لدينا وضوح القصة ووضوح العواطف. أحاول تحقيق ذلك بطريقة متعددة الطبقات باستخدام كل الأشياء المختلفة المتاحة لي؛ الصورة والصوت بالتحديد".

بالنسبة إلى نولان، يُعَدُّ الحوار الممزوج بالمؤثرات الصوتية والموسيقى وسيلةً لجعل المشاهدين يستوعبون كل ما يحدث في الفيلم بدلا من التركيز فقط على ما يقوله الناس. تصبح جودة الصوت جزءا من رواية القصص، وليس مجرد إضافة لها.

 

تتعامل شركة "وارنر بروس" بالثقة المطلقة عندما يتعلق الأمر بإنتاج أفلام لكريستوفر نولان، فقد كسر فيلمه الأخير حاجز إنتاج يبلغ مئتي مليون دولار، ابتاع نولان فيه طائرة ليفجرها برغم إجماع النقاد أن مشهد تفجير الطائرة لم يُشكِّل إضافة إلى الفيلم، وأنه كان بالإمكان التخلي عنه. ربما يكون نولان أحد المخرجين القلائل الذين تكون وارنر على أتم استعداد لكتابة "شيك على بياض"؛ وهو ما لم يستطع أن يصل إليه مخرجون كُثر. ربما يكون ذلك قد عزَّز من غرور نولان، فهل بدأت تتملك منه المادة، حتى إن الأسئلة الوجودية وجدلية الخير والشر وكل ما شكَّل روح أفلامه سيستمر في الاضمحلال حتى يأتي يوم لا يكون لنولان موطأ قدم بين تلاميذه من المخرجين الجدد أنفسهم؟

_________________________________________________

المصادر

  1. Christopher Nolan’s new film ‘Tenet’: release date, plot details, cast and everything we know so far
  2. The ancient palindrome that explains Christopher Nolan’s Tenet
  3. How Christopher Nolan keeps his secrets
  4. Imagine If Christopher Nolan Turned Up at Your Door with a New Script — It Happened on ‘Tenet’
  5. ‘Tenet’ review: Christopher Nolan’s most confusing movie ever
  6. Tenet review – supremely ambitious race against time makes for superb cinema
  7. ‘Tenet’ Spoiler Review: Why This Is Christopher Nolan’s Worst Movie
  8. Tenet Review
  9. Christopher Nolan forced to back-pedal on Tenet movie logo
  10. ‘Tenet’ Review: Christopher Nolan’s Knockout Arrives Right on Time
  11. Tenet review: Christopher Nolan time-twister isn't as clever as it thinks
  12. In appreciation of Jonathan Nolan: The mind behind the madness
  13. The films of Christopher Nolan, explained
  14. Christopher Nolan has revealed the meaning of film title ‘Tenet'

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة