فيلم "Life is Beautiful".. الحياة تراجيديا نُغالبها بابتسامة

"لا يوجد فن ينفذ إلى وعينا ووجداننا مباشرة وإلى أعماق الغرف المظلمة في أرواحنا ماسًّا مشاعرنا كالأفلام".

(إنجمار بيرجمان)

العالم مكان قاسٍ، يحيا فيه الإنسان بقلب شبيه بآلة موسيقية جوفاء لا تُصدر ألحانا. عندما يحل الحب، تمتلئ الآلة بألحان جياشة لا تنضب موسيقاها العذبة في القلب طالما لم يتوقف عن الخفقان. ليس فيلم "الحياة جميلة" (Life is Beautiful) الذي أخرجه روبيرتو بينيني وشارك في كتابته وبطولته مجسدا شخصية "غيدو أورفيتشي" إلا استحضارا دائما لحب يتحدّى الموت. روح البطل الإنسانية التي تتسلح بالضحك في مواجهة الألم تتمسك ببهجة مخبوءة في الذكريات، وفي رفقة الآخرين، في وجه طفله، وفي أغنية قد تصل إلى مسمع المرأة التي يهواها. الحب في الفيلم مادة تتشكّل منها الابتسامات، تُثير ضبابا رقيقا ساعد في تشكيله الخيال، يحمي به غيدو طفله من إدراك قسوة الواقع، مُطوِّقا أعزّاءه بحب هو بمنزلة تهويدة مطمئنة تبعد عنهم هواجسهم وتُحوِّلها إلى رماد.

 

ينقسم فيلم "الحياة جميلة" (Life is Beautiful) إلى شقين، النصف الأول منه هو مزيج كوميدي ورومانسي، بينما النصف الثاني ميلودراما. نجد ذلك التماوج في الموسيقى أيضا، حيث تنقلب الألحان المرحة إلى معزوفة شجية على أيدي الموسيقار الإيطالي الشهير "نيكولاس بيوفاني" (1). تتغير الألوان والإضاءة كذلك من ألوان دافئة تعكس حياة جميلة إلى ألوان باردة منطفئة توحي بحياة قاتمة يُهدِّدها الموت. في بداية الفيلم، يتجلّى ريف أخضر ينبض بالحياة مترع بالألوان الساطعة حيث الشمس المشرقة تتوسط سماء زرقاء. يبرز الانتقال الحقيقي في الإضاءة عندما يبدأ الجنود النازيون في التجول في أنحاء المدينة، تتحوّل المباني لتكون أكثر رمادية ويقل الناس في الشوارع مما يؤكد أن الحياة أصبحت أكثر قتامة وأن الموت بات على الأبواب. في النهاية عندما يجتمع الطفل بوالدته من جديد في حقل عشبي أخضر ينقشع الظلام وتعود إليهم الحياة (2).

استُلهم الفيلم من مذكرات اليهودي الإيطالي "روبينو روميو سالموني" التي أطلق عليها: "لقد هزمت هتلر" ووصف فيها إقامته في معسكرات الإبادة أو الموت في ألمانيا في الحرب العالمية الثانية (3). لا يتناول الفيلم الجوانب السياسية للنازية أو الفاشية، وإنما هو تعبير عن ضياع الروح الإنسانية. في اللقطة الافتتاحية تتبدى شخصية تكافح من خلال الضباب الكثيف، في تباين حاد مع المشهد البهيج الصاخب الذي يليه، والذي يُصوِّر غيدو (روبيرتو بينيني) وصديقه فيروتشيو في سيارة مسرعة على طريق ريفي في الهواء الطلق. يرمز الضباب في المشهد الأول إلى التعقيد الحقيقي للحياة وإن بدت جميلة، إلى الجانب المظلم الذي يتراءى بعد ذلك. يصحب المشهد تعليق صوتي يقول: "هذه قصة بسيطة ولكنها ليست سهلة الرواية، مثل قصص الخرافة هناك أحزان، ومثل الخرافة فهي مليئة بالأعجوبة والسعادة".

 

تلوح لمحات خفية من الجانب المظلم طوال النصف الأول من الفيلم؛ بداية عندما يقوم غيدو بإيماءات يستحث فيها الجمهور المزدحم على الطريق والمترقب لوصول الملك بالابتعاد عن الطريق لأن مكابح السيارة لا تعمل. يُفسِّر الجمهور انفعالاته على أنها تحية فاشية ويستجيبون لها بشغف. في مشهد آخر، يسأل غيدو عمه إليسيو عن سبب عدم استغاثته عندما تعرّض للهجوم من قِبل أشخاص معادين لليهود، ليجيب الأخير: "الصمت هو أقوى صرخة". تُمهِّد تلك العبارة للنصف الثاني من الفيلم، النصف الذي يكون فيه غيدو صامتا سياسيا (وإن استخدم مكبر صوت في مشهد ليُطمئن زوجته على طفلهما في المعسكر).

يسعى غيدو إلى وظيفة أولا، وإلى اكتساب قلب دورا (نيكوليتا براشي)، وهي زوجة روبيرتو بينيني الحقيقية، ثانيا. في عمله نادلا في فندق، تُقام إحدى حفلات الزفاف، يُصاب غيدو بصدمة حين يرى أنها خطبة دورا، ويستبد به حزن يسعى لإنكاره في اللا وعي. تسقط الأواني التي كان بصدد تقديمها، ويتعثر بكرسي ويقع أرضا. يعكس ذلك تدهور حالته النفسية وانحدار معنوياته التي يحاول رفعها كعادته برفع كل ما يقع منه أرضا. في تلك الليلة وفي المرة الثانية التي يُوقِع فيها غيدو ما يحمله، تلاحظ دورا أن غيدو قد سقط على ركبتيه تحت المائدة لينظف الفوضى وليختبئ. تأتي اللحظة التي تستسلم فيها دورا أخيرا لمطاردة غيدو السابقة، تهبط تحت الطاولة لتنضم إليه، يقترب الاثنان من بعضهما بعضا، دون انتباه الضيوف المشغولين بتناول الطعام فوقهما، هكذا انضمت دورا إلى عالم غيدو، واتحد عالمان تحت حياة المجتمع المرهقة التي نشأت دورا فيها (4).

 

دأب غيدو على تحويل التجارب المؤلمة إلى تجارب إيجابية. يُلطِّخ بعض النازيين حصان عمه باللون الأخضر ويكتبون عليه عبارات موجهة مسيئة، يمتطي الحصان ويخترق به الحفل ليصحب معه دورا بعيدا إلى عالمه المناقض لعالمها، يصل دورا وغيدو إلى منزل عمه. يُعبِّر الفجر عن بداية جديدة، ماضٍ يغيب ومستقبل آتٍ. توحي جودة الإضاءة بلحظة ساحرة، في إشارة إلى أن دورا وغيدو توغّلا إلى مكان آخر من العالم، في إذعان باقتراب نهاية النصف الأول من الفيلم. من البقعة ذاتها، يبدأ النصف الثاني من الفيلم، بعيد ميلاد طفلهما ذي الخمسة أعوام، يأخذه الفاشيون هو وغيدو ليتم ترحيلهما على قطار مكدس بالأشخاص متوجّه إلى معسكر نازي. قرار دورا باتباع زوجها وابنها وركوب القطار، لارتباطها القوي بعائلتها الصغيرة، هو تطور ملحوظ في شخصيتها. استحالت الفتاة المدللة امرأة شجاعة صلبة الإرادة، تخاطر بحياتها بإصرارها على ركوب القطار دون اضطرارها لذلك؛ لأنها ليست يهودية. يكشف تصميمها إصرارا على توجيه دفة حياتها، ورفضها التخلي عن مستقبلها والسماح للفاشيين بفصلها عن عائلتها. قرارها ركوب القطار هو إعلان حب وبيان حول قدرة الشخص على التحكم في مصيره.

لا يتخلّى غيدو عن حماسه، يبذل قصارى جهده لإقناع ابنه أن المعسكر ليس سوى لعبة، يُشتِّت انتباهه إلى أنهم بحاجة إلى الفوز بألف نقطة لينالوا الجائزة الأولى، يستغل ولع الطفل بالدبابات ويُخبره أن الجائزة هي دبابة حقيقية، وكلما أوشك الطفل على كشف الحقيقة أخبره الأب أن اللعبة تزداد إثارة وأنهم اقتربوا من الفوز. يُخفي غيدو قلقه وألمه خالقا أملا في أكثر الظروف القمعية والمخيفة. تتوافق إستراتيجية غيدو في اللجوء إلى الخيال مع ما أثبتته دراسات علمية حديثة، إذ أظهرت عمليات مسح الدماغ أن الخيال يمكن أن يكون أداة من شأنها أن تُخفِّف من شدة الأوقات الصعبة وتساعدنا على حل المشكلات التي تواجهنا وخلق مسارات جديدة. يمنحنا الخيال القدرة على النظر في سيناريوهات مختلفة، وهو جوهر ما يجعل البشر مختلفين عن الحيوانات.

 

تخلص الدراسات إلى أن ما نتخيله يمكن أن يؤثر في الواقع على عقولنا وأجسادنا بطرق ملموسة تؤثر على تعاطينا مع الواقع. على سبيل المثال، وجدت دراسة نشرتها مجلة "علم النفس" عام 2009 أنه عندما نتخيل القيام بشيء ما، فإن عقولنا وأجسادنا تتوقع الفعل المتخيل كما لو كان فعلا حقيقيا، وتُشير نتائج دراسة أخرى ظهرت في "Current Biology" في عام 2013 إلى أن تخيل أننا نسمع أصواتا معينة أو نرى أشكالا معينة يمكن أن يُغيِّر كيفية إدراكنا للعالم في الوقت الفعلي، كما شرح باحثون في ورقة بحثية، ظهرت في مجلة "Neuron"، أن من الممكن تسخير "القوى السحرية" لخيالنا لمساعدتنا في التغلب على مخاوفنا (5).

لا يغيب الحب عن قلب غيدو الذي يَسَع الكثير. في أحد المشاهد التي تقترب من النهاية، في أمسية يخدم فيها غيدو ضباطا نازيين، يتنقل في القاعة مثقلا، يحاول التواصل مع زوجته القابعة في معسكر السيدات والتعبير عن اشتياقه لها، يضع أسطوانة كلاسيكية من تلحين الموسيقار الفرنسي جاك أوفنباخ مُوجِّها الجرامافون نحو النافذة، لتجمعها الموسيقى في لحظات آسرة تنتشلهما من قسوة الواقع، لحظة تُعيد ربطهما معا من جديد وإن باعدت بينهما المسافات.

يؤمن غيدو بطريقة "شوبنهاور" السحرية التي يكررها طوال الفيلم، تلك الطريقة التي استندت إلى رؤية الفيلسوف الألماني شوبنهاور والتي ذكرها في كتابه "العالم إرادة وتمثُّلا"، إذ رأى شوبنهاور أن الإرادة هي جوهر المعاناة والحياة والوجود، وتتمثّل الإرادة في واقعنا الداخلي؛ في رؤية التمثيلات الخارجية للأشياء والأشخاص مع الإدراك الداخلي لرغباتنا ومشاعرنا وأفكارنا الذاتية. فالعالم في ظاهره هو ما يبدو مُتمثِّلا لنا؛ أي كموضوع لمعرفتنا. في الفيلم تكمن الطريقة في تحريك غيدو لأصابعه وترديد ما يريده مرارا حتى يتحقق، حيث تكون قوة الإرادة كافية للمرء في التلاعب بمحيطه وواقعه. في كل مرة يلجأ إليها غيدو تخدمه المصادفات ويرى أثرها، يتضح افتتانه الطفولي بطريقة شوبنهاور باعتبارها مزية استثنائية، وبسبب اعتقاده بها، يجب أن تحدث أشياء سحرية. يحاول بينيني إيصال أنه على المرء التصديق بإمكانية حصول أشياء ساحرة إن كان يريد أن يرى الإمكانيات الهائلة التي توفرها الحياة. لكن شوبنهاور نظر إلى الحياة على أنها مؤلمة وبلا هدف، وأن الإرادة قد تخلق التعاسة. فمن المفارقات إذن أن يستخدم غيدو طريقة شوبنهاور بمثالية وأمل، فقد لجأ إليها لجعل دورا تنظر إليه عندما تودد إليها، ولإنقاذ ابنه من الموت في معسكر الاعتقال. لكن بعض النقاد عزوا ذلك إلى أن فلسفات شوبنهاور كانت جزءا من إلهام النظام الفاشي، مما يجعل استخدام جيدو لطريقة شوبنهاور لمحاربة الفاشية خطوة ساخرة من النظام.

 

ويتقاطع فيلم "الحياة جميلة" (Life is Beautiful) مع فيلم "الديكتاتور العظيم"، وهو فيلم كوميدي وسياسي، من إنتاج وإخراج وتأليف وبطولة تشارلي تشابلن، والفيلم هجاء ساخر لأدولف هتلر والنازية. تدور أحداث الفيلم حول حلاق يهودي فقير يعيش في دولة تومانيا (ألمانيا) يشارك في الحرب العالمية الأولى، يصاب ويدخل في غيبوبة يخرج منها فاقدا للذاكرة. يصعد أدنويت هنكل (أدولف هتلر) للسلطة، لا يعلم الحلاق بأمر اضطهاد هنكل لليهود، ويُفاجأ بجنود فرق العاصفة يُغلقون محله ويدخل معهم في مطاردات مضحكة (6). أخيرا، يتخفّى الحلاق في زيٍّ عسكري، ونظرا للشبه الكبير بينه وبين هنكل الدكتاتور يُخطئ جنود الحراسة ويُحيّون الحلاق التحية العسكرية، ويأخذونه إلى احتفال عسكري ليُلقي خطبة، وهنا يتجاوز تشابلن شخصية الحلاق ويُلقي خطبة محذرا فيها من أخطار الدكتاتورية (7). أوضح تشابلن أنه لم يبتدع عملا كوميديا عن المحرقة، بل صنع فيلما عن شخصية كوميدية تعايش الهولوكوست، وهو ما فعله بينيني أيضا في فيلمه، إذ صرّح بينيني في إحدى المقابلات التلفزيونية بأن فيلمه تراجيديا قاسية تجمع ما بين الضحك والبكاء.

 

يُعمِّق بينيني من استجابتنا العاطفية للفيلم باعتماده اللقطات الطويلة والواسعة، وتخلق اللقطات القريبة وتلك التي في غاية القرب مشاعر مختلطة (8). في النهاية تنتهي الحرب العالمية الثانية وتعم الفوضى في المعسكر، نرى غيدو يُخبِّئ طفله داخل صندوق الهاتف، ويذهب متنكرا على هيئة امرأة للبحث عن دورا. يقع في قبضة ضابط نازي، وتؤكد زاوية التصوير المنخفضة على سلطة مفروضة، يسير غيدو أمام الضابط الذي يُصوّب إليه بندقية، يمر بالصندوق فيُخفي هلعه بمسيرة مضحكة ويُتبعها بغمزة نبصرها من خلال عينَيْ ابنه الضاحكتين اللتين تُشاهدانه من الصندوق. يغيب غيدو والضابط خلف جدار ونسمع طلقات الرصاص، يموت غيدو، وفي اليوم التالي يخرج الطفل فيُبصر بفرح دبابة لجندي أميركي يصحبه معه على متنها إلى أن يُبصر والدته.

وظّف بينيني الاستعارات والرموز في الفيلم بأكمله، الكوميديا ​​نفسها رمز لأب متفانٍ استطاع أن يُشكِّل بها درعا يحارب به الألم، سلاحا وحيدا لإنسان أعزل أراد حماية ابنه وطمأنة زوجته، شخص رهن حياته للحب، باذلا روحه كي تظل الحياة جميلة في عينَيْ طفله الوحيد.

______________________________________________

المصادر

  1. Analysis of the film: Life is Beautiful(1997) Directed by Roberto Benigni
  2. Life is Beautiful (Roberto Benigni, 1997) – Perspective and Life
  3. LAUGHING THROUGH THE PAIN: A LOOK INTO LIFE IS BEAUTIFUL
  4. Life is Beautiful Summary and Analysis of Part V
  5. How your imagination can help you overcome your fears
  6. Life is Beautiful The Great Dictator: Benigni, Chaplin, and the Holocaust
  7. شارلي شابلن: السينما والنقد الاجتماعي
  8. Life is Beautiful Summary and Analysis of Part V

حول هذه القصة

لم تكن رواية "High-rise" هي الوحيدة التي تضمّنت تنبؤات بالارد. فالرجل الذي يُوصَف بأنه عملاق الجغرافيا الأدبية، تنبّأ في أعماله الأخرى بأمور صار من المذهل أنها تحقّقت، فهل نرى واقعنا الآن في الفيلم؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة