فيلم "Birdman".. هوليوود على مسرح "إيناريتو"

قبل الشروع في تصوير فيلمه "الرجل الطائر" (Birdman)، الحائز على أربع جوائز أوسكار، عرض المخرج المكسيكي "أليخاندرو جونزاليس إيناريتو" على طاقم عمله مقطعا مُصوَّرا للاعب الأكروبات الفرنسي "فيليب بيتوي" أثناء قيامه بالمشي على حبل مشدود بين سقفَيْ بُرجَيْ مركز التجارة العالمي بمدينة نيويورك، يقول إيناريتو في حوار معه: "أردت أن أشارك طاقم عملي هذه اللحظة، لأنني كنت أعرف أنني إذا سقطت أو سقط واحد منهم أثناء التصوير فسيسقط كل شيء".

 

يُعبِّر المخرج هنا عن قلقه من المخاطرة المقبل عليها، بعد خياره التقني بتصوير فيلمه ليبدو كلقطة واحدة ممتدة دون قطع مونتاجي. تتطلّب هذه المهمة من الجميع دقة أشبه بدقة وبراعة المشي على حبل مشدود، إذ يُهدِّد أقل خطأ هنا بسقوط كل شيء. يُعبِّر ذلك أيضا على نحو ما عن حقيقة ما يقوم به بطل فيلمه، وبطل إيناريتو هنا هو الممثل ريجان طومسون/مايكل كيتون الذي لمع نجمه في هوليوود بعد أدائه لدور أحد الأبطال الخارقين والمسمى بالرجل الطائر في سلسلة أفلام تحمل الاسم ذاته.

 

تهجره الأضواء بعد أن يرفض استكمال سلسلة أفلام "الرجل الطائر" شديدة الجماهيرية، يعيش ريجان الآن على بقايا مجده القديم، وفي محاولة منه لاستعادة نفسه من براثن النسيان وتصحيح المسار الذي اتخذته مسيرته الفنية يقوم بمسرحة إحدى قصص ريموند كارفر في تجربة قد تُشكِّل خلاصه من شخصية "الرجل الطائر" التي دمغت مسيرته الفنية.

ما يفعله ريجان هنا أقرب للسير على هذا الحبل المشدود فوق هاوية، وفي النهاية سيُصفِّق له الجميع وعلى وجوههم الافتتان والدهشة أو سيسقط سقوطا مدويا ونهائيا، لذلك قرب النهاية يقف أمام ناقدة النيويورك تايمز "تابيثا ديكسون" معلقا على مراجعتها لإحدى المسرحيات ومدافعا عن عمله قبيل ليلة الافتتاح: "في النهاية أنت ناقدة، لا شيء من هذا كلّفك أي شيء، لم تُخاطري بأي شيء، بينما أنا ممثل لعين، كلّفتني هذه المسرحية كل شيء".

 

في تتابعات البداية نشاهد، وحتى قبل أن نرى طومسون، لقطتين عابرتين لشاطئ بحر وقناديل بحر عملاقة ميتة، وصورة أخرى لشهاب محترق في طريقه إلى الأرض. تتكرّر اللقطتان مرة ثانية قُرب النهاية بعد الذروة الدامية على خشبة المسرح ليلة افتتاح المسرحية. بالنسبة للقطة قناديل البحر الميتة فسنعود لدلالتها بعد قليل، أما الشهاب المحترق فهو يُجسِّد كابوس السقوط، وشبح النهاية الوشيكة، مع رغبة يائسة للتوهج ولو لمرة أخيرة. لكن ما الذي يدفع بطل إيناريتو لمثل هذه المخاطرة اليائسة بكل شيء؟

في كتابه "فن الرواية"، يقول ميلان كونديرا: "إن إحدى سبل فهم شخصية ما يكون عبر إدراك جوهر أزمتها الوجودية، وهذا الإدراك يتم عبر كلمات ما تتكرر خلال متن الرواية ويمنحها هذا التكرار ثقلا ما، يسميها هو بالرمز الوجودي للشخصية". هذه الكلمات في عالم السينما قد تتحوّل إلى صور تتكرر (موتيفات بصرية)، أو تظل أيضا كلمات تتردد عبر حوار الفيلم. في فيلم إيناريتو هناك بعض الكلمات والصور التي تتكرر، والتي نجد أنها تساعد كثيرا في فهم بطل إيناريتو وإدراك دوافعه، هذه الرموز هي: الحب، ريموند كارفر، التحليق، القناع والسوبر هيروز/الأبطال الخارقون.

 

"وهل حصلت على ما تريده من الحياة رغم كل شيء؟

– نعم.

وماذا كنت تريد؟

– أن أكون محبوبا، أن أشعر بكوني محبوبا على هذه الأرض".

(ريموند كارفر)

يفتتح إيناريتو فيلمه "الرجل الطائر" (Birdman) بهذا المقطع الشعري للشاعر وكاتب القصة الأميركي ريموند كارفر، وهي نفسها الكلمات المنقوشة على شاهد قبر الأخير. يختار بطل إيناريتو إحدى قصص كارفر وعنوانها "عما نتحدث حين نتحدث عن الحب" أساسا لعمله المسرحي. هذه ليست المرة الأخيرة التي سيرد ذكر كارفر في فيلم إيناريتو، هو المتيم بكتاباته، فكارفر أيضا هو الذي دفع تومسون ليصير ممثلا في الأساس.

 

يتماهى بطل إيناريتو وبطل قصة كارفر بحيث يصيران واحدا في النهاية. تتحدث شخصيات حكاية كارفر الأربعة عن شخصية خامسة تُدعى "إيدي" والذي كان حبيبا سابقا لإحدى الشخصيات، وأنه كان مستعدا للقتل أو الموت من أجل حبها، يقول زوجها الحالي: "لا أعرف كيف تُسمّين ذلك حبا، في الحب أنت لا تحاول أن تقتل الناس".

 

في مشهد تالٍ من الفيلم يسأل ريجان زوجته السابقة عن سبب انفصالهما فتجيبه: "لقد قذفتني بسكين المطبخ وبعدها بساعة كنت تخبرني عن مدى حبك لي". يتشارك ريجان وإيدي إذن مثل هذا النوع الخطر من الحب، بحيث تصير الرغبة لدى كليهما في أن يكون محبوبا هي شرط وجوده الإنساني.

 

يتماهى ريجان بعد فشل زواجه وعلاقته مع ابنته سام/إيما ستون التي تفتقد إلى أي تواصل حقيقي مع شكوكه المعذبة في نجاح مسرحيته، هو الذي طالما خلط بين الإعجاب بفنه والحب، مع بطل المسرحية الذي يُفجِّر رأسه يأسا أمام الجميع بعد أن تركته المرأة الوحيدة التي أحبها وهو يُردِّد: "أنا لست موجودا، أنا لست هنا".

 

يُعَدُّ كارفر -وهو إحدى الكلمات المفتاحية للدخول إلى عالم ريجان/إيناريتو- أحد روّاد ما يسمى بتيار الواقعية القذرة (*) في الأدب الأميركي. يُصوِّر عالم كارفر القصصي معاناة الإنسان العادي في حياته اليومية، واقعية قاسية ومتشائمة تلامس الأفق الوحشي للحياة، تراجيديات تدور في أماكن رخيصة، أبطاله ليسوا بطوليين، بل هم مضللون وضائعون تحت ثقل خيبات الحياة والحب. عالم كارفر إذن هو النقيض من عالم الأبطال الخارقين الذي يرغب بطل إيناريتو الخروج عليه، وبالتالي هو عالم مثالي من أجل محاولة التطهُّر من زيف عالم الأبطال الخارقين، وكأنه في محاولته هذه يبحث عن بقايا الإنسان تحت قناع البطل الخارق محاولا إعادته للحياة من جديد.

 

تتخذ حياة ريجان عند النقطة التي يبدأ منها فيلم إيناريتو (قبل أيام من بداية العرض الافتتاحي لمسرحيته) منحى تراجيديا، فهو في صراع قاسٍ مع ما هو خارج عن سيطرته وإرادته سواء على مستوى الداخل أو الخارج.

 

المرة الأولى التي نشاهد فيها ريجان نجده معلقا في جلسة تأمل في هواء غرفته بأحد مسارح برودواي، ثوانٍ من هدوء ما قبل العاصفة، إذ يعاوده من جديد صوته الداخلي، صوت شكوكه ومخاوفه، صوت الرجل الطائر الذي يحاول أن يُعيده مرة أخرى إلى بذّة الأبطال الخارقين، يعده من جديد بمفاتيح مملكة هوليوود: "كيف انتهى بنا الحال هنا؟ هذا المكان فظيع. إننا لا ننتمي لهذا المكان"، ثم صوت الواقع الخارجي المحبط حيث يصله اتصال من مساعدته وابنته سام/إيما ستون تخبره عن فشلها في العثور على نوع الورود التي يطلبها. محاولة التحليق الأولى بعيدا عن إحباط الواقع وصوته الداخلي المتشكك في نجاحه تبوء بالفشل.

 

نشاهده عبر لقطة في المرآة محاصرا بين انعكاسه داخل المرآة وانعكاس لملصق الرجل الطائر المُعلَّق في الغرفة قبل أن تدور الكاميرا كاشفة عن وجهه الحقيقي أمام المرآة، وكأنه محاصر بين رؤيته لنفسه ورؤية الآخرين له، هناك ورقة صغيرة مُلصقة على المرآة مكتوب عليها: "الشيء هو ذاته لا ما يقوله الآخرون عن هذا الشيء"، تُمثِّل هذه الجملة مدخلا مناسبا للدخول إلى الفيلم، فالمسافة بين الشيء في ذاته ورؤية الآخرين له، بين ما هو حقيقي وزائف، هي مدار فيلم إيناريتو.

ريجان يحاول من خلال عمله المسرحي أن يصل إلى الصيغة الأكثر حقيقية وصدقا للتعبير عن الذات، أن يكشف عن وجهه الحقيقي خلف قناع الرجل الطائر (يُمثِّل النسخة المزيفة أو المشوهة من ريجان)، منذ هذه اللحظة وعبر نفس إخراجي واحد فيما يبدو كلقطة واحدة متصلة يضعنا إيناريتو عبر وجهة نظر ذاتية تحكم السرد داخل شخصيته الرئيسية في مواجهة شياطينه في رحلة محكومة بالسقوط.

 

يرى عالم النفس كارل يونج أننا لا نستطيع مواجهة العالم بحقيقتنا، بوجهنا الحقيقي، لذا نلجأ إلى ما أسماه "البرسونا" والتي تُشير إلى القناع الذي كان يرتديه ممثلو المسرح اليوناني القديم. يرى يونج أننا جميعا نرتدي هذا القناع رغبة في أن ننال رضا ومحبة الآخرين وخوفا من فقدان هذه المحبة إذا اكتشفت حقيقتنا/ضعفنا. تبدأ المشكلة حين نتوحّد كلية مع هذا القناع، ونتماهى تماما مع الدور الذي نلعبه أمام الآخرين. هذا بالضبط هو مأزق شخصية ريجان في رحلتة نحو استعادة وجهه الحقيقي وإثبات أنه أكثر من مهرج هوليوودي بقناع الرجل الطائر، يواجه ريجان صراعا عنيفا على مستويات عدة يبدو معه كما لو كان مُعلَّقا على حافة الجنون.

 

يحاول الجميع، الجمهور والنقاد، تثبيت ريجان بشكل نهائي تحت قناع الرجل الطائر وكأنه وجهه الحقيقي، يصير كل شيء حوله مهددا ومنذرا بالفشل، فصراعه مع مايك شاينر/إدوارد نورتون بالكاريزما التي يمتلكها وجماهيريته يُشعِر ريجان بالتهديد، إذ يخشى أن يستحوذ على عرضه الخاص، وتأتي الناقدة التي بالغ إيناريتو في كاريكاتوريتها من أجل أن تُمثِّل كل مخاوفه مجسّدة في شخص واحد، شخص قادر على تدميره تماما، كأحد الوحوش الأسطورية التي تواجه البطل في رحلته إلى مبتغاه مثل قدر محتوم، تقول له الناقدة بعد حوار محتدم قبيل عرضه الافتتاحي: "سأقتل مسرحيتك".

 

يظل الصراع الأكثر ضراوة الذي يواجهه ريجان هو صراعه مع صوته الداخلي، صوت الرجل الطائر، وهو صوت متغطرس يُمثِّل كل ما هو زائف ومُضلِّل، صوت يُغذِّي نرجسية ريجان وأوهامه عن الذات ويُغريه دائما بمجده القديم/نجوميته الآفلة.

 

بعد إطلاق ريجان الرصاص على رأسه على المسرح، تُصيب الرصاصة أنفه فقط، نشاهده في المستشفى بينما تشبه الضمادات حول وجهه شكل قناع آخر، وكأنه لن يُفلت أبدا من البرسونا/القناع المفروض من الخارج، فالمديح النقدي الذي ناله بعد إطلاق الرصاص على نفسه جاء مُوجَّها لنوع من العنف الزائد وغير المبرر في الأداء، وكأن هذا الفعل الذي ارتكبه في لحظة يائسة وتحت تأثير اختلاله النفسي سيضعه من جديد تحت قناع آخر لا يُعبِّر عن ذاته الحقيقية.

 

"أعتقد أنه ليس من الخطأ أبدا التعلُّق بأفلام الأبطال الخارقين حين يكون عمرك سبع سنوات، لكني أجد أن التوقف عند هذا العمر نوعا من المرض، فهذه الافلام بحبكاتها وانفجاراتها وهرائها لا تمنحنا أي شيء عن الخبرة الحقيقية لكونك إنسانا في هذا العالم".

(المخرج أليخاندرو إيناريتو) (1)

يصف أيضا إيناريتو أفلام الأبطال الخارقين على لسان شخصية مايك شاينر أنها نوع من الإبادة الثقافية الجماعية. تُقدِّم هذه الأفلام حسب إيناريتو واقعا زائفا، بطولة وهمية وتمثلات مضللة للطبيعة البشرية. بطل إيناريتو هنا هو البطل الضد، بطل ممزق بالشك والقلق، يتعذب من أجل أن يكون محبوبا، يصارع من أجل حقيقته وأن يظل وفيا لطبيعته.

 

يُمثِّل ريجان هنا في سعيه الدؤوب نحو تقديم حكاية واقعية عن بشر عاديين على المسرح نمط السينما التي يُمثِّلها إيناريتو، الذي يرى نفسه طفل شوارع حقيقيا علّم نفسه بنفسه، ويرى السينما بعيدة تماما عن قاعات الدرس، هناك في قلب الحياة الواقعية.

 

إيناريتو المهووس بالطعم الحقيقي للأشياء، بداية من لقطات مصارعة الكلاب في فيلمه الأول "أموريس بيروس" (Amores perros)، وهي لقطات شديدة الواقعية لكلاب شوارع حقيقية شرسة يمكنها أن تنهش بسهولة النسيج المخملي الناعم والبراق للسينما الهوليودية وصولا لفيلمه الأحدث "العائد" (The Revenant) والذي أصر على تصويره في برية حقيقية، حيث ذهب إلى براري البرتا في كندا ليُصوِّر فيلمه في ظروف طبيعية شديدة القسوة.

 

يأتي لجوء إيناريتو هنا إلى تصوير فيلمه كما لو كان لقطة واحدة جزءا من هذه الواقعية الممتدة أيضا في خياراته الأخرى، كالتصوير بكاميرا محمولة باليد في أغلب الوقت وبإضاءة طبيعية. فالحياة بالنسبة لإيناريتو لقطة متصلة دون قطع مونتاجي، بالإضافة إلى أن هذا الخيار الأسلوبي نابع أيضا من طبيعية الشخصية وصراعها الدرامي، فريجان في صراع مع زمن مطّرد يسير في اتجاه واحد دون توقف منذ بداية الفيلم وصولا إلى ليلة الافتتاح، بالإضافة إلى أنه يخدم التوتر الدرامي فيجعلك تعايش التجربة التي يختبرها البطل وكأنك محاصر معه داخل كابوسه. اللقطة المتصلة أيضا هي الأكثر قدرة على أسر الزمن الطبيعي للحدث. ما يقوم به ريجان في النهاية هو أشبه بفعل/حركة أخيرة يائسة من أجل إثبات ذاته.

 

في المشاهد التي يبدو فيها ريجان قادرا على إتيان ما هو خارق لقانون الطبيعة مثل تحريكه الأشياء عن بُعد، أو التحليق في الهواء، فإن إيناريتو يتبع المشهد بمشهد يُظهِر أن ما شاهدناه للتو هو محض خيال تُعزِّزه بارانويا البطل (جنون العظمة). فمثلا في مشهد وصوله للمسرح طائرا صباح ليلة العرض الافتتاحي لمسرحيته، نشاهد في المشهد الذي يليه سائق التاكسي الذي وصل فيه مسرعا في أثره ومطالبا بأجرته.

 

يظل هناك تحليقان في الفيلم لا يتبعهما إيناريتو بمشاهد تُبطل حقيقيتهما، تحليق جلسة اليوغا التأملية بداية الفيلم، والتحليق المفترض في نهاية الفيلم من نافذة غرفته في المستشفى، وهما تحليقان يقعان في منطقة المجاز، فعبر جلسة اليوغا يحاول ريجان أن يُحلِّق بعيدا عن واقعه المحبط والمؤلم، لكن هذه اللحظات تنقضي سريعا بعد عودة صوت قلقه الداخلي/الرجل الطائر وورود اتصال من ابنته.

 

والتحليق في مشهد النهاية الذي لا نراه ولكن نفترضه من ردة الفعل المرتسمة على وجه الابنة هو أيضا نوع من المجاز، فقد نجح أخيرا في التخلص من قناعه، صار حرا على نحو ما. نراه قبيل فعل التحليق ينزع ضمادات وجهه الأشبه بالقناع (قناعه الجديد) ويودع الرجل الطائر الجالس في الحمام (قناعه القديم): "الوداع، عليك اللعنة"، قبل أن يفتح النافذة ويتنفس هواء طبيعيا ويشاهد الطيور تُحلِّق في السماء وعلى وجهه ترتسم علامات الارتياح والسعادة.

 

الفارق بين كلا التحليقين هو ما يخبرنا به ميلان كونديرا عبر تساؤلاته عن الثنائي الأكثر التباسا بين كل الثنائيات: "لكن هل الثقل حقا فظيع وجميلة هي الخفة؟ إن أكثر الأحمال ثقلا يسحقنا، يلوينا تحت وطأته ويشدنا نحو الأرض. كلما كان الحمل ثقيلا كانت حياتنا أقرب للأرض، وكانت واقعية وحقيقية أكثر، وفي المقابل يصير الكائن الإنساني عن الغياب التام أكثر خفة من الهواء، وبقدر ما تصير حركاته حرة تصبح تافهة أيضا". (2)

 

تحليق الرجل الطائر أو الأبطال الخارقين هو تحليق تافه لأنه يُغرِّب هذه الشخصيات عن الطبيعة الإنسانية، إذ يفترض أن قدرة التحليق طبيعة مهداة لهذه الشخصيات دون جهد أو صراع، بينما تحليق اليوغا القريب من الأرض والتحليق المجازي عند النهاية هو أكثر إنسانية، لأنه تحليق يحمل معه شبح الثقل الإنساني وصراع الإنسان مع مخاوفه وواقعه، وبالتالي هو تحليق أكثر جمالا وإنسانية.

 

كانت النهاية الأولى المقترحة للفيلم قبل أن تتغير للنهاية الحالية تُصوِّر جوني ديب يجلس أمام مرآة في غرفته بأحد المسارح وعلى الحائط ملصق مُعلَّق لشخصيته في سلسلة قراصنة الكاريبي (3). تأتي هذه النهاية امتدادا لنقد إيناريتو لسينما الأبطال الخارقين، وكأننا أمام ممثلين مطاردين بأقنعتهم الزائفة وفي محاولة للتخلص من أسرها.

 

يُفضِّل إيناريتو أن يُنهي فيلمه نهاية مربكة تتركنا في حيرة من حقيقة ما جرى، فبينما تهرع الابنة سام نحو نافذة حجرة والدها الخالية في المستشفى لتعرف ماذا جرى له، نسمع دون أن نرى ضجة في الأسفل وصوت سيارة إسعاف كإشارة ربما إلى سقوط الأب، بينما تتطلع سام إلى أعلى في ابتهاج بما يُوحي بتحليق الأب. هل مات ريجان أم لا؟

 

بعد أن يُطلق ريجان رصاصة حقيقية تجاه رأسه على خشبة المسرح متماهيا تماما مع بطل مسرحيته، تعود من جديد صورة قناديل البحر على الشاطئ، وصورة الشهاب الساقط نحو الأرض، وكأن ظهورها الأول كان مجرد (flash forward) لما سيحدث في النهاية، خاصة أن وجود صورة قناديل البحر يربط بين محاولة انتحار ريجان الأخيرة ومحاولة انتحار أولى بإغراق نفسه في البحر، لم يُنجه منها سوى لدغ قناديل البحر، أو ربما يبدأ الفيلم من لحظة النهاية وكل ما يحدث هو ما عبر مخيلة الرجل بعد إطلاق الرصاص على رأسه، خاصة أن الصورتين سابقتَيْ الذكر تُظهِران بعض أبيات كارفر المنقوشة على شاهد قبره، وكأن ريجان يواجه هو الآخر السؤال نفسه في لحظة النهاية: "وهل حصلت على ما تريده من الحياة رغم كل شيء؟".

 

تأتي إجابة السؤال في المشهد الأخير والذي يبدو فيه أن ما حلم به قد تحقّق: صار محبوبا من الجماهير والنقاد وعاد للأضواء من جديد، تحسّنت علاقته بزوجته ويظفر بلحظة تواصل حقيقية مع ابنته، لكن ما حدث عند نهاية الفيلم هو أكثر ما أراده ريجان إلحاحا، هذه النظرة في عينَيْ ابنته وهي تشاهده من نافذة المستشفى فيما يفترض أنه تحليق حقيقي.

في مشهد لريجان مع زوجته في غرفته بالمسرح يخبرها عن رغبته في استخدام بيته في ماليبو من أجل دعم المسرحية ماديا، وهو آخر ما تبقى من ثروته، وحين تسأله عن السبب وراء ذلك يبدأ في سرد هذه الحكاية عن الطائرة التي استقلّها مع جورج كلوني والتي كادت أن تسقط إثر عبورها عاصفة ما، وبينما بدأ الناس يُصلّون ويبكون، كان كل ما يُفكِّر فيه ريجان هو ابنته حين تُطالع صحف الصباح لتجد وجه كلوني هو الذي يتصدّر غلافها وليس هو، وهو ما يُثبت أن تلك النظرة على وجه ابنته هي واحدة من أكثر رغباته عمقا وإلحاحا، أن تراه عظيما واستثنائيا وكأنه يُحلِّق فعلا في الهواء.

 

لكن هل مات حقا أم أن هذا مجرد خيال؟ هذا لا يهم في الحقيقة، فإيناريتو منذ بداية الفيلم وهو يضعنا داخل وجهة النظر الذاتية لريجان، ما نراه على الشاشة هو واقعه الداخلي ورؤيته الذاتية، وهو الأهم لأنه كل ما نستطيع إدراكه، فلا شيء يوجد خارج إدراكنا الذاتي للأشياء. أيًّا كان ما حدث، سواء انتحر ريجان أم حلّق في الهواء، فقد نال ما يرغب فيه: أن يكون محبوبا.

____________________________________________________________

هامش

* أطلق بيل بو فورد، رئيس التحرير السابق لمجلة "جرانتا"، هذا المصطلح في مقدمته الشهيرة للعدد الثامن من هذه المجلة، والتي قام فيها وعبر أقل من صفحتين بتعريف القارئ بالاصطلاح وبالتيار وبالكتاب المدرجين في إطاره، وهم كُتّاب القصة من جيل الثمانينيات في أميركا مثل تشارلز بوكوفسكي وريموند كارفر وريتشارد فورد الذين يكتبون عن الحياة اليومية لبشر عاديين، يكتبون عن الزوج المهجور والأم غير المرغوب فيها، عن لصوص السيارات ومدمني المخدرات، كتابة ساخرة وقاسية لكن متعاطفة دائما.

المصادر

  1. Alejandro G. Iñárritu And ‘Birdman’ Scribes On Hollywood’s Superhero Fixation: ‘Poison, Cultural Genocide’ – Q&A
  2. رواية كائن لا تحتمل خفته لميلان كونديرا.
  3. The Original Ending of Birdman Was Completely Different

حول هذه القصة

لم تكن رواية "High-rise" هي الوحيدة التي تضمّنت تنبؤات بالارد. فالرجل الذي يُوصَف بأنه عملاق الجغرافيا الأدبية، تنبّأ في أعماله الأخرى بأمور صار من المذهل أنها تحقّقت، فهل نرى واقعنا الآن في الفيلم؟

جاء مارلون براندو ورحل لكنه لم يكن أبدا غير نفسه.. فهل كان مِثل عبقري يقاتل بحماس بالغ ضد عبقريته؟ ربما، لكن ما هو أكيد أن مارلون كان أحد أكثر الممثلين بتاريخ السينما غموضا، وجموحا، وإبداعا، وتقلُّبا.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة