صناعة مهترئة لشعب ممزق.. كيف قضى النظام على الحلم بوجود "سينما سورية"؟

"قدرت عن طريق أفلام اشتغلت فيها إني أشوف سورية كلها، وهدا الشيء خلاني لما طلعت منها أحملها كلها جواتي.. طلعت مو بإرادتي، واخترت ما بعّد عن الشام وأسكن ببيروت، حتى صار الهوا تقيل، واضطريت اتحول للاجئ".

(الفوز طنجور)

تختصر كلمات الفوز طنجور كثيرا من حكايات صانعي أفلام سوريين لم يُسعفهم الوضع المتردي في سوريا ما بعد الثورة للبقاء، وربما لم يحملوا جميعهم "سوريا كلها جواتهم" كما أُتيح للفوز خلال سنوات طويلة قضاها في صناعة السينما قبل اندلاع الثورة، إلا أن أفلامهم التي غزت صالات السينما العالمية ما بعد 2011، وما زالت، قد نقلت سوريا كلها إلى العالم، ومعها نقلت حكايات مخرجين ومنتجين وصانعي أفلام سوريين لم يكن نظام الأسد ليمنحهم فرصة أو حرية تصويرها ونقلها بكل ما تحويه من ظلم قائم منذ عقود، وأوضاع اجتماعية واقتصادية منحدرة، وانتقاد علني ومبطّن للنظام القائم.

حاور "ميدان" مجموعة من صانعي الأفلام السوريين، بعضهم لا يزال مقيما في سوريا وبعضهم يعيش حياة لجوء خارجها، وخلالها اطلعت على تفاصيل عن حياتهم الآن ومشاريعهم الماضية والقائمة، وكيف تتأثر سينماهم بالأوضاع الحالية في الداخل السوري وفي الشتات، وكيف ولماذا يستمرون للحظة في صناعة أفلام لا تنفصل عن واقع مأساة مستمرة لملايين السوريين الذين لا يدرون بعد هل سيكون لهم مرة أخرى وطن واحد يجتمعون فيه، أم ستستمر مأساتهم إلى الأبد في تجاهل من العالم كله لما اعتبره وليام هيغ، وزير الخارجية البريطاني الأسبق، أكبر كارثة إنسانية في القرن الحالي.

 

كنت لأصبح في طريقي إلى إحدى دول الخليج الآن، ذاهبا أو عائدا ربما منها بعد إنهاء دراستي في هندسة الحاسب الآلي، وحفظ بعض المال لبدء حياة جديدة في الوطن، سوريا. هكذا يتخيل سراج الباشا حياته لو لم تقم الثورة وتنتهي الكثير من الأحلام لتبدأ أخرى غير متوقعة، فلم يكن في مخيلة سراج أن يبدأ عملا ميدانيا في الصحافة اضطر إليه لغياب الخبرة التقنية المطلوبة بين عناصر المقاومة أو السوريين عامة الذين تحولوا خلال الفترة الأولى من الثورة إلى مراسلي حرب، وبمرور الوقت أخذته هذه الخبرة إلى طريق جديد عنوانه العريض: صناعة الأفلام.

 

تخصّص سراج في هندسة البرمجيات، ودراسته إياها التي توقفت في 2011 مع اندلاع الثورة منحته بعض الأفضلية غير المتوقعة أو المنتظرة، فبدأ مع الكثير من الثوار في تصوير المظاهرات وانتهاكات النظام في حق شعبه، وبشكل شخصي اتجه سراج لدراسة المونتاج على الإنترنت بحثا عن طريق لتطوير مهاراته في صناعة التقارير الصحافية وتوثيق الواقع وتطوراته التي ذهبت سريعا في طريق حرب أهلية قسمت سوريا بين مؤيد للنظام ومعارض له أو ثائر عليه، وفي الصف الأخير كان سراج ورفاقه في "FishEye 4Media"، وهي شركة إنتاج إعلامي سورية ساهم في تأسيسها مع مجموعة من الإعلاميين وصناع الأفلام السوريين، وتخصصت منذ 2012 في إنتاج أفلام وثائقية ومواد فيلمية وإخبارية، وتقديم التدريبات المتخصصة لإعلاميي الثورة وناشطيها.

انتقل سراج من صناعة التقارير الصحافية لعالم الأفلام الوثائقية الواسع، وبخبرة تصل الآن إلى تسع سنوات تقريبا من العمل في واحدة من أخطر المناطق عالميا؛ إدلب، تحمل جعبته الكثير من القصص والمواقف إلى جانب الأفلام الوثائقية الطويلة والقصيرة أو الأفلام التجريبية التي شارك فيها تارة بالمونتاج وأخرى بإدارة المونتاج أو التصوير أو المساعدة في الإخراج أو الإخراج. لكن عندما يتعلق الأمر بالأثر والإرث الذي يرغب في تركه فثمة واحد فقط؛ توثيق ونقل حكايات وقصص هؤلاء الذين يُظلمون بتجاهل العالم في سوريا، ولا يمتلكون سبيلا لإسماع أصواتهم.

 

يتذكّر سراج هذا على خلفية أحداث الثمانينيات في سوريا، وعندما أباد نظام الأسد الأب مدينة حماة دون علم أحد، ولم يُعرف إلا بعد سنوات حقيقة ما حدث. الآن بإمكاننا نقل الصورة كاملة، يُتابع، وإن كان لهذا الأثر أن يظهر بعد سنوات أو عقود من الآن، فإنه من حق الأجيال القادمة أن تعرف حقيقة ما يحدث الآن دون مبالغة أو تشويه أو إجحاف.

 

ليس ثمة وجه واحد لأي شيء. تبدو هذه هي رسالة سراج الأهم، فحين خسر دراسته في علوم الحاسب اكتسب بديلا عنها مسارا في صناعة الأفلام، وبعد أن أخرج "لغز السقوط" الذي يحكي عن سقوط حلب في يد جيش النظام بعد أن كانت أحد أركان الثورة، ساهم مع رفاقه في صناعة "ابتسامة حرب" يقصّون فيه الوجه الآخر لحياة السوريين، وفيه مكان لا يزال للضحك واللعب وممارسة الحياة وكأنه ليس هناك موت يرافقها في كل لحظة. وبعد أن أخرج فيلم "كنت هناك.. اغتيال رائد الفارس وحمود جنيد"، ليُقدم حياة اثنين من أصدقائه الذين استشهدوا بعد ذلك في ساحات المعارك، والذي أثّر فيه بشكل كبير كما يروي، وإن لم يمنعه الموت من المشاركة في إخراج مجموعة حلقات من برنامج "قصة إنسان" مع "+AJ"، وفيه يحكي حياة بعض هؤلاء الذين نجوا من الحرب وبدؤوا حياة جديدة في مكان آخر بعيدا عن الحرب في الوطن.

 

تجربة أخرى مميزة شارك فيها سراج كما يحكي كانت "ذاكرة باللون الخاكي"، ليس فقط باعتباره واحدا من أوائل الأفلام التي عمل عليها بعد قيام الثورة مع فريق فيش آي ميديا واكتسب معه أولى خبراته في صناعة الأفلام الوثائقية الطويلة وكذلك في الترحال دخولا وخروجا من مدينة حلب، وكانت وقتها لا تزال محاصرة من جيش النظام، لكن كذلك لأن الفيلم مَثَّل حينها نمطا جديدا من التصوير الذي لم يكن معروفا له، وأضاف له خبرة فنية مميزة كما يروي. ومع الفوز طنجور، مخرج الفيلم، كان لـ "ميدان" حديث آخر.

 

لم تدخل السينما حياة الفوز طنجور مصادفة، بل تصاعد مشواره معها مبتدئا في جامعة مولدافيا حيث درس، جامعة فقيرة لدولة منقسمة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا التي كانت سابقا جزءا منها قبل انقسام الاتحاد السوفيتي، ولإمكانياتها المحدودة اضطر الفوز كمَن درسوا معه للإبداع في استغلال الموارد المتاحة أمامهم لتعلُّم الإخراج السينمائي كما أخبر في حديث سابق مع التلفزيون العربي.

 

ساعد تحدي الجامعة الفوز بعد عودته لسوريا الأسد، وحين كانت المؤسسة العامة للسينما هي صاحبة اليد الطولى للنظام في إحكام السيطرة على صناعة السينما، وللفوز معها تجربة يحكيها لـ "ميدان"، فبعد إخراج فيلم "شمس صغيرة" عام 2007 للمؤسسة العامة، تعرّض لرقابة شديدة منعته أي فرصة لصناعة السينما، أو بكلمات أخرى منعته صناعة الأفلام الروائية التي كان يطمح أن تكون بداية تجربته السينمائية في الوطن معها، ومضطرا توجَّه لعالم الوثائقيات ليخرج للعالم وللسينما السورية بأفلام منها "سينما بدون سينما"، و"جسر الكولا"، و"الحجر الأسود"، وقائمة طويلة أخرى تضم أكثر من 20 فيلما تسجيليا طويلا أو قصيرا توّجها "ذاكرة باللون الخاكي" عام 2016 بحصول الفوز على جائزة أفضل مخرج من مهرجان مالمو للسينما العربية.

ذاكرة باللون الخاكي (مواقع التواصل)

السينما السورية مظلومة، يقول الفوز متابعا حديثه عن سطوة النظام ممثلا في قواه الأمنية إلى جانب المؤسسة العامة، الأمر الذي يجعل الحديث عن صناعة سينما سورية أمرا معقدا من وجهة نظره، خاصة مع حالة الحرب الآن، وإذا ما انتهت، فسيجب الانتظار بعض الوقت قبل أن يظهر فن سوري ناهيك بصناعة سينما كاملة، وبما يشمل بناء بيئة حاضنة للسينما تشمل ضمن ما تشمل إقامة صالات عرض وجذب للجمهور الذي كان غائبا عنها عندما كان هناك نظام قائم لدولة موحدة ولو ظاهريا.

 

لم تمتلك سوريا يوما صناعة سينما، لكنها تمتلك الآن أصواتا مختلفة خاصة أولئك الذين احترفوا صناعة السينما أو الناشطين والإعلاميين الذين أخرجتهم الثورة وصقلتهم ليدخلوا عالم السينما محمّلين بتجربة طويلة ومريرة من رصد الواقع وتوثيقه للإعلام أو ضمن صناعة الأفلام التي خرجت في إطار الثورة لتقصّ حقيقة ما يحدث بالداخل. وعلى الرغم من أن الفيلم التسجيلي كان النموذج الأكثر قابلية للتنفيذ في خضم صعوبة التحرك على الأرض ونقص التمويل والمعدات وهجرة الكثير من صناع الأفلام السوريين للخارج وكذا ضمن الحاجة إلى توثيق ونقل الوقائع، فإن مرحلة نقل الحرب قد انتهت كما يرى الفوز، وهناك مرحلة جديدة قادمة ستختلف تبعا للتجربة الشخصية لكل فرد.

 

قادته تجربته الشخصية بداية لدخول عالم الفيلم التسجيلي، وكان غريبا عليه، كما يحكي الفوز، لكنه كذلك منحه خلاصة ما يقارب العقدين من الزمن في صناعة الوثائقيات بظروف صعبة، ولم يكن مستغربا خلال ذلك أن تكون أدواته في صناعة أفلامه التسجيلية هي أدوات خاصة بالسينما الروائية. أما الآن، وكسوري لاجئ يعيش في النمسا وعلى بُعد عام واحد من الحصول على جنسيتها، وفي ظل مجتمع أوروبي يميل لليمين المتطرف المعادي للمهاجرين، فتجربته الشخصية تأخذه الآن إلى هناك حيث يعكف على صناعة فيلمه الروائي الطويل الأول عن علاقة اللاجئ بالمجتمع.

 

لا أمتلك الأدوات الآن للتعبير عن سوريا الأم، فهو كمخرج يحب أن توجد حيث توجد كاميرته، في المكان والزمان؛ يستكشف معها باحثا عن الزاوية المناسبة للحكاية، وهو ما لا يمكن فعله الآن عندما يتعلق الأمر بالوطن في سوريا، وفي النهاية فإن التجربة السينمائية تكون صادقة بقدر صدق الواقع الذي تُعبِّر عنه، وواقعه الآن في الشتات، على الأقل حتى تتغير المعطيات على الأرض، فيكون حديث آخر عن تغير الحالة السينمائية.

 

 

دلير يوسف (مواقع التواصل)

"الحكاية اللي ما بتنحكى بتموت"، يردد دلير يوسف، الشاب وصانع الأفلام السوري المنتمي لأكثر من حكاية ومدينة، بين أم عراقية شيوعية هي خديجة السعدي، خرجت من بلدها للاتحاد السوفيتي هربا من نظام صدام حسين، قبل أن تتجه لدمشق التي هربت منها هي الأخرى لاجئة إلى فرنسا. وبين ميلاده لأب كردي، ودراسته العلوم البيئية في دمشق، ثم انقطاعه عنها لأسباب أمنية، واهتمامه الشخصي ودخوله لعالم الكتابة في صحف إلكترونية عدة منذ عام 2008، ودون أن يتوقف مساره عند دخوله عالم السينما عام 2010 بفيلمه القصير "بيتان وحكاية".

 

أحاول ألا أتخلى عن حريتي في الكتابة وفي تشكيل الصورة، يقول دلير لـ "ميدان"، متابعا أن الثورة السورية علمتني أن أكون حرا، وهو ما لن أتخلى عنه ما دمت حيا. لكن دلير الحر في ألمانيا لا يزال عالقا بطين الأرض التي سار عليها يوما في سوريا زائرا أهله أو منزلقا فيه هربا من رصاص قناص، لذا فإن الحرية بالنسبة إليه تتجاوز حدود الفردية إلى السينما والفن عامة؛ تجردا من الرغبة في مطاردة قبول النقاد والمهرجانات ولجان تحكيم المسابقات، ورغبة في الدفاع عن قيم العدالة والكرامة وحقوق المستضعفين.

تأخذ أفلام دلير من معاناته الشخصية وترد إليها، ويحمل "أمراء النحل"، واحد من أشهر أفلامه، جانبا من هذه المعاناة، فقد استكمل هو الفيلم بعد مقتل صديقه ومخرج الفيلم الأصلي "باسل شحادة" على يد النظام خلال قصف لمدينة حمص نهايات مايو/أيار لعام 2012، وفيه يستعرض مشاركة الأقليات السورية في الثورة، وعلى رأسهم الطائفة العلوية التي ينتمي إليها رأس النظام السوري.

 

يحمل دلير ثقل ماضيه وحاضره معا، وأتت جائحة "كوفيد-19" لتؤجل بعض الشيء محاولاته تحويل عشرات الأفكار التي تراوده عن نفسه إلى قصص وواقع سينمائي شيئا فشيئا، لكن هذا لا يمنعه من العمل الآن على فيلم يحكي فيه عن علاقات الأم والابن، وضمنيا عن علاقته هو نفسه بوالدته وإعادة اكتشافه لشخصيتها كشاعرة وشيوعية ولاجئة ترتبط حياتها وهويتها بالشرق الأوسط والأحداث في العراق وسوريا، وكيف ساهم كل هذا في تشكيل شخصيته هو منفصلة عنها.

 

أخيرا وليس آخرا، فإن ثورات الربيع العربي والثورة السورية قد حررت المخيلة الإبداعية للأجيال الشابة وأطلقت طاقات جديدة ومغايرة ألهمت العديد من صناع الأفلام السوريين لإخراج أفلام وصلت للعالمية ونالت جوائز كبرى، كما يقول لـ "ميدان" "محمد علي الأتاسي"، محمد على الأتاسي، المخرج ومؤسس ومدير مؤسسة “بدايات للفنون السمعية البصرية، مُتابعا بأنه وإن كان حجم المأساة السورية قد تجاوز الحدود وفتح بابا للتعاطف الدولي أعطى السينما الوثائقية السورية خاصة فرصة لم تكن متاحة لها من قبل، فإن التحدي الآن، ومع عودة الهزائم والقمع والإحباطات، يكمن في قدرة هذه الطاقات الجديدة والشابة أن تُعبِّر إبداعيا وفنيا عن واقعها الجديد من دون أن تتخلى أو تتنازل عن سويتها الفنية والسينمائية.

____________________________________________

هامش

* "بعيد قريب من تخوم الوطن" هو عنوان وثائقي أخرجه الفوز طنجور عام 2014.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة