10 أسباب تجعل البروفيسور "سيرجيو ماركينا" نموذجا مثاليا لرجل ألفا

يتربّع الذكر ألفا على القمة، يتبعه الذكور الآخرون ويطمحون إلى موقعه، وتسعى الإناث إلى الاقتراب منه، وله الأولوية في الطعام والجنس، هذا ما يخبرنا به علم الحيوان عن بعض الرئيسيات، ولكن ما علاقة هذا بالإنسان؟ وما كل هذا الولع بنموذج ألفا الرجالي؟ وهل النموذج الذي تحشد إليه جماعات المانوسفير هو ألفا حقيقي؟

 

ما رأيكم في رجل ألفا حقيقي يُخالف التنميط السائد حول المفهوم؟ ما نقترحه في تقريرنا هو أن البروفيسور سيرجيو ماركينا بطل مسلسل "بيت من ورق" (La Casa de Papel) يقف على النقيض من توصيات المجلات الرجالية الشهيرة، وسيل نصائح قنوات يوتيوب، وبيان جماعات "ريد بيل" (Red pill) على ريديت، فهو رجل منطوٍ خجول مُتعاطف لا يهتم بأن تتبعه النساء، ووفقا لألفارو مورتي -الذي قام بدور البروفيسور- فإنهم أرادوا أن يجعلوا له كاريزما من نوع خاص، وكأنها تأتي من "اللا شيء"، كاريزما تناسب شخصا خجولا ومتحفظا.[1] وقبل أن نتوسع في تحليل شخصية البروفيسور، دعونا نمر أولا على مفهوم "الألفا".

البروفيسور سيرجيو ماركينا

 

يأتي مفهوم الذكر ألفا والأنثى ألفا من عالم الحيوان، وقد ازداد الاهتمام بنوع التسلسلات الهرمية للحيوانات بشكل كبير في النصف الثاني من القرن العشرين، وتُشير النتائج على الباحث العلمي لغوغل (Google Scholar) إلى وجود 11 إشارة بحثية لـ "ذكر ألفا" بين عامي 1900-1950، ونحو 2220 للفترة بين عامي 1950-2000. افتتن الباحثون بالهياكل الاجتماعية المعقدة للشمبانزي والغوريلا، ووجود ترتيب طبيعي لصالح شخص واحد يفوز بالقيادة هو ذكر ألفا أو أنثى ألفا، وتتابعت الملاحظات حول ما يقوم به ذكر ألفا من استعراض جسدي مثل قيام الشمبانزي الألفا بتمزيق جذوع الأشجار من الأرض ضمن عروض مرعبة لفرض الهيمنة.

 

وظلت النقاشات حول الذكر ألفا مقصورة على السلوك الحيواني، ونادرا ما أُسقطت على البشر، حتى أصدر عالم الرئيسيات الهولندي فرانس دي فال كتابه "شمبانزي السياسة: القوة والجنس بين القردة" عام 1982، وروى فيه قصة السنوات الست التي قضاها في مراقبة مستعمرة للشمبانزي. حصل الكتاب -الذي أصبح من الأكثر مبيعا- على اهتمام كبير تعدّى نطاق الباحثين في الرئيسيات، إلى الساسة ورجال الأعمال وعلماء النفس الاجتماعي، الذين رأوا أن الكتاب يُقدِّم نظرة ثاقبة عن الاحتياجات والسلوكيات الإنسانية أيضا، وتصاعد الزخم الإعلامي المذهول من مدى تشابه حياة الشمبانزي مع حياة البشر، وخاصة فيما يتعلق بصراع الذكور على السلطة بالقرب من قمة التسلسل الهرمي[2].

 

كتاب "شمبانزي السياسة: القوة والجنس بين القردة"

 

انطلقت حملات لإحياء ذكورية الألفا بشكل جماعي عبر جماعات المانوسفير (mano-sphere) اليمينية المتطرفة، والتي وجدت في مجتمع "ريد بيل" (Red bill) على ريديت مجالا للحشد العاطفي ضد النساء، وتكوين تصورات مشوهة حول العلاقات، وازدادت سُميّة هذا التيار إلى الحد الذي بات يُشكّل تهديدا على القدرة الرقمية للنساء، وعلى أمان المرأة ومكتسباتها، نظرا لما يقومون به من تهديدات وجرائم على فضاء الإنترنت وخارجه[3]. لا يُشكِّل تيار المانوسفير تهديدا على النساء وحدهن، إذ يشنون هجومهم على الرجال الذين لا يتماشون مع صورة ألفا المزعومة لديهم، على سبيل المثال، فقد صرّح أحد أشهر مدوّنيهم مايك سيرنوفيتش أن خصومه هم "ذكور بيتا" ووصفهم بـ "الخاسرين والديوثين"!

 

هذا يعني أن التحفيز المتزايد نحو نمط "ألفا" المشوه يزيد من تعقيد حياة الرجال حول العالم، وليس النساء فقط، حيث يطالبهم بمستويات غريبة وغير منطقية من الثقة العبثية، واللا مبالاة بالآخرين، وعدم مراعاة مشاعر النساء، ما يوقعهم بكل تأكيد في المزيد من الصعاب. وبنظرة سريعة يمكننا أن نرى أن قناعات المانوسفير متأصلة في العالم العربي أيضا، حيث تختلط البطولة بالبلطجة، ويشيع الربط بين الرجولة وبين القسوة على المرأة واستبعادها للسيطرة عليها واستغلالها.

 

والمشكلة هنا ليست في وجود تيار متطرف عنصري، فهذا أمر لم تخلُ منه البشرية، ولكنها تكمن في تشويههم للألفا. دعا "فرانس دي فال" إلى عدم الربط بين نماذج القيادات البشرية التي تربط بين البلطجة والتنمر وبين ذكور الألفا في الشمبانزي "حتى لا نهين الشمبانزي"، وقال دي فال: "أتحمل جزءا من المسؤولية حيال مصطلح ذكر ألفا لأنني ألّفت كتاب سياسة القردة، والذي رشحه "نيوت غينغريتش" لأعضاء الكونغرس الجدد. لا أعلم ما الفائدة التي قدّمها، إلا أنه رشح ذلك الكتاب لهم، وبعد ذلك أصبح مصطلح ذكر ألفا شائعا جدا. ولكنني أعتقد أن استخداماته تشوّهت. استُعمل المصطلح بطريقة سطحية جدا بشكل لا يمت بصلة إلى المعنى الحقيقي للكلمة".

 

وأضاف: "علينا أن لا نُطلق تعبير ذكر ألفا على متنمر. إن شخصا ضخما وقويا ينشر الرعب ويحتقر الجميع بالتأكيد ليس ذكر ألفا. معظم نماذج ألفا التي لدينا في جماعات الشمبانزي لديهم قدرات قيادية ومندمجون مع مجتمعهم، محبوبون ومحترمون"[4]. والآن لنقترب من نموذج فريد من نوعه، ونتعرف على عشر سمات جعلت من البروفيسور نموذجا لرجل ألفا.

 

"لديّ مسدس في جيبي، ولكن الحقيقة هي أنني لا أُجيد العناية بنفسي مطلقا".

(راكيل موريو لسالفا مارتين)

المحققة راكيل موريو

تُجسِّد المحققة "راكيل موريو" الواقع الحالي المعقد للكثير من النساء في العالم، فالشرطية الذكية الخبيرة في علم الإجرام والمتحققة مهنيا، والتي تتعامل مع ضغوط فائقة، ويعمل تحت إدارتها العديد من الرجال في قطاع صعب للغاية وذكوري إلى حدٍّ كبير، تعاني من كسور نفسية عديدة وشعور قاسٍ بالوحدة بعد تعرضها للعنف المنزلي، والخيانة، ومنازعات حول حضانة طفلتها ورعايتها. التناقض في حياة راكيل لا ينبع من نقص ذاتي فيها، وإنما لحظها العاثر الذي أوقعها مع نمط ألفا المشوّه يُجسّده زوجها السابق ضابط الشرطة النافذ الذي أحاطها بالسيطرة والغيرة المفرطة ثم الإذلال والتعنيف.

 

تحتاج راكيل إلى الإيمان بالحب من جديد، تماما كما تتمنى لها والدتها: "عزيزتي، في النهاية الحب هو ما يجعلنا نرى الحياة بلون مختلف، ومؤخرا أنت رأيت الأشياء السوداء فحسب". غير أن راكيل مع احتياجها إلى الحب، فإنها بعد تعرُّضها للضرب والإهانة والخيانة من زوجها السابق تحتاج إلى الشعور بنوع من السيطرة، والطمأنينة النابعة من طبيعة الشخص نفسه وليس وعوده أو مشاعره تجاهها.

 

وفي لقطة معبرة تجمع البروفيسور أو سالفا مع راكيل، تخبره أنه يبدو مختلفا كثيرا بدون نظارته، ويشبه كلارك كينيت/سوبر مان، يفهم البروفيسور ويقول بابتسامة: "أُعجبك أكثر بالنظارة"، ويرتديها بهدوء متسائلا: "هل هذا أفضل؟"، فتبتسم. لا تحتاج راكيل إلى نموذج تقليدي لرجل ألفا مثل سوبر مان الذي ما زال يستمد بطولته من سمات سطحية خارقة، مثل القوة الجسدية، أو الوجاهة الاجتماعية، أو الشخصية المسيطرة، هي بحاجة إلى احتواء البروفيسور بوجهيه: سالفا الذي يغمرها بالاهتمام وتشعر معه بأنها مُسيطرة وقوية، وسيرجيو الذي يقود بهدوء وعاطفة وعبقرية لا حدود لها.

 

يعرف البروفيسور أنه "رجل محظوظ"، ولكن هل رأيته أبدا اعتمد على الحظ، أو اكتفى بخطة متقنة واحدة؟ يتميز الرجل ألفا بالجرأة والثقة والقدرة على الاقتحام، بخلاف بيتا الذي يُفضِّل أن يسير وراء غيره ويتبع القطيع، ولكن هذه الطبيعة الاقتحامية كثيرا ما تُترجم في الواقع وفي الدراما بصورة متهورة.

 

لا يعبث هرمون التستوستيرون بالبروفيسور كما يفعل بغيره من رجال ألفا، الذين لا يحسبون العواقب فيُوقعون أتباعهم وأسرهم وعاشقاتهم في سيل كارثي من العواقب، لأنه يجمع بين كونه رجل الصورة الكاملة ورجل التفاصيل، يطمح إلى الحد الذي لم يصل إليه خيال، ولكنه يُدقّق في كل هذه التفاصيل الكثيرة الصغيرة التي يكمن فيها الشيطان.

 

البروفيسور شخصية مغامرة إلى أبعد حد، لا يخاف من الأخطار إلى حد أنه دبّر ونفّذ أهم عمليتَيْ سطو في التاريخ، ووجّه خطابا علنيا إلى العالم وهو المطلوب رقم واحد، ولكنه لا يعتمد أبدا على شجاعته وحدها، ولا على ذكائه أو حظه، وإنما على خطة متقنة كاملة، لكل تفصيلة فيها بديل، كخطة مستوحاة من قصة زمار هاملين للخروج من بؤرة الخطر وتضليل الشرطة إذا تبعت مسارا صحيحا، وللخطة بأكملها مسار بديل في حال فشلت الأمور كخطة تشيرنوبل في عملية السطو الأولى للهرب من دار السك، وخطة باريس في عملية السطو الثانية لإنقاذه هو شخصيا أو راكيل في حال القبض على أيٍّ منهما، وهذا ما يجعله نموذجا لرجل ألفا في ريادة الأعمال وليس في الحب والقيادة الاجتماعية فحسب.

 

"باد بوي Bad Boy " نرجسي مثل برلين؟ أم منطوٍ خجول قليل الخبرة مثل البروفيسور؟ يخلط الكثيرون بين رجل ألفا وبين "باد بوي Bad Boy "، فكلاهما يتمتعان بالثقة والقوة والكاريزما وإعجاب كثير من النساء، ولكن هناك فروق جوهرية بين النمطين يمكن تطبيقها بسهولة على الأخين أندرياس وسيرجيو، وترجع في أغلبها إلى النضج النفسي والجوهر المتعاطف. أندرياس جريء في علاقاته، مُسيطر وذو كاريزما عالية، طلّق خمس مرات، بينما البروفيسور "رجل خام"، تعدى الأربعين ولم يدخل في علاقة حب حقيقية، وهو رجل خجول ولكن بشكل ساحر، تشعر معه الحبيبة أنها في موقع القيادة، بينما يدير هو المشهد بأكمله.

 

إذا بحثت عن أنماط الشخصية الشائعة لرجل ألفا على مؤشر مايرز بريغز للأنماط (Myers-Briggs Types Indicator – MBTI) فستجد الترجيحات كلها تبدأ بحرف E الذي يرمز إلى "Extrovert" (انبساطي)، إنها الصورة النمطية عن الرجل القيادي بأن عليه أن يكون اجتماعيا، حيث تربط بعض الدراسات بين ارتفاع هرمونَيْ التستوستيرون والدوبامين وبين كون الأشخاص أكثر اجتماعية، فيما توضح نتائج أدق أن مستويات الهرمونين ترتبط بمجموعة من العوامل المعقدة الأخرى، مثل: السمات الشخصية، وعوامل التنشئة، وطريقة استجابة شبكة المكافأة في الدماغ.

"لا يمكنك جرحي، في الحقيقة أنت ألطف رجل تعرفت إليه في حياتي".

(نيروبي للبروفيسور)

قيادية "الباد بوي Bad Boy " مشوبة باحتمالية تنمره على الآخرين، أو خلقه حالة من الإحباط، وهو ما لا يحدث مع ألفا ميل الذي يسعى دوما لخلق الأمل وبناء الروابط وتقدير الآخرين. في الحياة العاطفية كلا النمطين عاشق رائع، ولكن "الباد بوي Bad Boy " يتسلى كثيرا، فهو يتمحور حول المتعة، لذا فهو يُنمي مهارات الاقتناص ويفرح بكثرة النساء من حوله، ويجد صعوبة في ضبط نفسه أو الإخلاص لحبيبة مهما بلغ عشقه لها، بخلاف الرجل ألفا الذي لا يستهويه سجل المعجبات، ليس لضعف في ثقته، ولا لنقص في ذائقة الحب لديه، وإنما لأنه يمنح الطمأنينة، فالرجل الذي لا يُشعر حبيبته بالثقة والأمان لا يمكن أن يكون ألفا.

 

من الفروق المهمة بينهما أيضا أن "الباد بوي Bad Boy " أناني يمنح المتعة ويحفز الآخرين لمصلحته الشخصية، بينما يقوم ألفا ميل بالأمر ذاته حتى ولو لم يكن الأمر متعلقا بمجده الخاص. "الباد بوي Bad Boy " غالبا ما يعاني ويعاني محيطه من نرجسيته، التي تُشوِّه كاريزمته وتُحطِّم محبيه، لذا غالبا ما يهوى السيطرة على رفيقته، ويغار منها، ويحرص دوما على أن تظل تابعة له، ولكن الرجل ألفا لا يعاني من هذه المشكلات، فروح التنافسية لديه لا تأخذ هذا الشكل المَرَضي، ينافس الرجل ألفا معاييره هو ولا يغار أبدا من حبيبته، أو يسعى لعرقلة مسارها. "الباد بوي Bad Boy " هو النموذج الذي غالبا ما تلعن المرأة اليوم الذي التقت به فيه، رغم عشقها له، بعد فشلها في أن تجعله رجلا لطيفا، بينما ألفا ميل يظل خيالا ساحرا تمنحه كامل الحب والولاء[5].

 

من طفل حزين رهين فراش المستشفى، ومراهق يحيط به المرض والفقر واليُتم وتنصرف أحلام يقظته إلى ماكينة صناعة المال، إلى بروفيسور يضخ السيولة في أوساط البائسين. يقف البروفيسور أمام راكيل وهو يمسك بورقة مالية من فئة 50 يورو، بعدما اكتشفت حقيقته في مشهد عظيم من الموسم الأول، ويقول: "ما هذا؟ هذا لا شيء.. مجرد ورقة.. ورقة، هل تشاهدين؟"، ثم يقطعها ويُلقي بها مُردِّدا: "إنها ورقة.. مجرد ورقة"، ويُضيف: "أنا أيضا أقوم بضخ السيولة، ولكن ليس للبنوك، وإنما هنا في الاقتصاد الحقيقي، لجماعة من البؤساء، وهذا ما نحن جميعا عليه، لنهرب من كل هذا، ألا تريدين الهرب؟".

 

المال بالنسبة للبروفيسور هو ورق، ولكنه يعرف كيف يصنع هذا الورق، ثم يمنحه بسخاء، يُعطي الفريق، ويجعل السماء تُمطر الملايين فوق رؤوس الكادحين. قد يتمكّن رجل بيتا من جلب المال، ولكنه غالبا ما يتبع غيره، وغالبا ما يأسره المال فيبخل به على مَن حوله، وقد يكون كريما ولكنه واهن السعي، ولكن ألفا ميل مثل البروفيسور هو الذي يجمع بين الفضيلتين.

 

 

"حتى لو أنك متِ وتجسّدتِ في جسد آخر 7 مرات فستظلّين عاجزة عن فهم طبيعة حبنا".

(راكيل للمحققة أليثيا)

إذا كان "الرجل الألفا" يحصل على الأفضل في كل شيء، وعلى رأسها الحب، فإن القوة والنفوذ والحركات الاستعراضية الشمبانزية الطراز لم تعد تكفي على الإطلاق في هذا العالم ثقيل الظل. يبدو أن الحب يموت في عصرنا رغم وفرة المنعشات، وارتفاع متوسط العمر، وفورية التواصل بسبب الملل، الأجيال الحيّة على كوكب الأرض الآن ملولة للغاية، يهبط التكرار على أشد حرائق العشق اشتعالا فيُخمدها، لذا فإن سلّمنا بوجود "الرجل ألفا" فعليه أن يكون ذا روح مرحة بشكل استثنائي، وقادرا على توليد الدهشة، يُمكن تطبيق هذه المواصفات على البروفيسور، فهو وإن كان منطويا حاسما قريب الدمعة، ولكن سجل مكالماته مع راكيل يكشف عن قدرته الفائقة على صنع الألفة والدهشة في آنٍ واحد، وهذا المزيج تحديدا هو الذي يلبي مطالب الحب المتناقضة.

"قابلته بعد عام من هربهم في بالاوان في الفلبين. ترك لي أُحجية مع إحداثيات، قد لا يبدو عليه ذلك ولكنه رومانسي جدا".

(راكيل للقاضي متحدثة عن البروفيسور)

البروفيسور أيضا هو رجل الألاعيب، يُصمم الألعوبة بإتقان ومتعة، إلى الحد الذي يستغرق هو أيضا باللعب فيها، إنها إحدى مزايا العبقري الانطوائي في ساحة "الألفا" حيث تتجدد البهجة من داخله، ويستطيع دوما تحويل السياق الباهت إلى شيء يُغري بالحياة، كما حوّل المستودع القديم الذي تفوح منه رائحة الميثامفيتامين إلى مسرح مثالي لليلة حميمية، وقدّم لحبيبته مكان الهرب واللقاء عبر لغز لطيف، ولكنه لا يتلاعب ولا يكذب عن عمد، بل يلعب بصدق، فلم يكن إيقاع المفتشة في حبه جزءا من خطته، وإنما كانت الثغرة التي تسلّلت إليها وأضعفتها باستمرار.

 

الذكاء والشجاعة والبراعة ليست وحدها ما جعلت البروفيسور النموذج الأصدق لرجل ألفا حقيقي، فهذه العوامل رغم أهميتها لا تكشف عن مزايا الروح، فإلى جانب التفوق العقلي، والمهارات الجسدية، يتمتع البروفيسور بتفوق روحي وشعوري أخرجه من التسطيح المعتاد لشخصية المجرم الطيب أو الشرير الظريف. قرأ البروفيسور مئات الكتب، هكذا كان يُمضي وقته مُقيدا في سرير المرض، وهو يتحدث العديد من اللغات، وإلى جانب ثقافته الفائقة فإنه يتذوق الفن، يصنع الأوريجامي لتهدئة قلقه.

 

ويحب الكاريوكي، وعلى مشغل الأسطوانات الخاص به دارت أنواع موسيقية عديدة تحمل رمزيات ملائمة لمزاجه ولسير الخطة، مثل نشيد الفرح في سيمفونية بيتهوفن التاسعة بعد لحظة فوز، أو آفي ماريا (ترنيمة العذراء) لشوبارت قبل تفاوض مع راكيل، وعزف مقطوعة "الفنان" (The Entertainer) لسكوت جوبلن عندما أراد استعراض مهارته على البيانو أمام حبيبته، وربط الحزن بالمقاومة والغناء كما في مشهدي غناء الأخين "بيلا تشاو" و"جوانتاناميرا". ولعل هذا هو السبب الأهم الذي يجدر بجماعات المانوسفير أن تنتبه له وهي تُحفِّز ذكور الإنسان على التنافس وتروج لمواصفات ألفا، ففي النهاية ما يفرق الإنسان عن الحيوان هو الفن.

 

التعاطف من أهم سمات ذكر الألفا، الذي يصفه دي فال بأنه "الأكثر تعاطفا، حيث يعتبر المواسي الأكبر في الجماعة". وعلى الرغم من تفوق الإناث -بشكل عام- في التعاطف، فإن ذكر ألفا في الشمبانزي يفوقهن تعاطفا، فهو إذن نموذج مغاير تماما لما يُشاع من قسوة القلب واللا مبالاة. يتمتع البروفيسور سيرجيو ماركينا بمستوى عالٍ من الذكاء العاطفي، وقدرة كبيرة على تقديم العزاء وإبداء التعاطف، وتقبُّل المواساة أيضا.

"لقد كنت ملاكي الحارس، حان دوري لأكون ملاكك".

(طوكيو للبروفيسور)

يتعاطف الرجل ألفا مع نفسه أولا، يتصالح مع مشاعره، يعترف بها ويُحرِّرها، ولا يختفي خلف قناع حديدي زائف، يتقبّل تعاطف الآخرين، ويُمكن له أن يبكي وأن يحزن لفقده الخاص، سيساعده هذا على النهوض من جديد وتحمُّل مسؤولياته، تماما كما فعل البروفيسور مع أحزان فقده لأخيه وحبيبته.

 

يرتبط التعاطف بالقدرة على تفهُّم موقف الآخرين، كما يرتبط في شِقّه الأصعب بالقدرة على الاعتذار، وهذا ما فعله البروفيسور دوما سواء مع راكيل أو مع فريقه، حزن بشكل حقيقي لأحزانهم، وساهم، وتألم معهم. وعلى نقيض الألفا المصطنع فإن البروفيسور رجل رقيق القلب، قريب الدمعة، لا يخجل من التعاطف، ولكنه يبقى حاسما.

 

 

"في ذلك النهار حين كدت أذبح… ظهر ملاكي الحارس".

(طوكيو تتحدث عن البروفيسور)

إنها الصفة التي لا يمكن الاختلاف بشأنها في أي "ألفا" ذكرا كان أم أنثى، في مملكة الحيوان أو الإنسان، لا يصل للقيادة إلا مَن يتحمل المسؤولية، ويثق الآخرون به كشخص جدير بالاعتماد عليه. قد يضطر البروفيسور إلى ترك فريقه للارتجال والتصرف وفقا للأوضاع أمامهم، بدون توجيه ولا تواصل منه لفترات وجيزة واستثنائية، ولكن أثر تحمُّله للمسؤولية في هذه الظروف القهرية يظهر في حُسن إعداده لهم من البداية، من تعليم للمهارات الضرورية، وتوفير متطلبات العيش والصمود، فموافقته على خوض عملية شديدة الخطورة لا تعني أنه يستهين بأرواحهم، سيحاول الإنقاذ بكل قوة، ولأنه يتعلم من أخطائه وتقصيره، فإنه في عملية السطو الثانية كان قد علّم فريقه عمليا كيفية علاج الإصابات الناتجة عن الطلق الناري، وزوّدهم باللوازم الطبية لإجراء العمليات الجراحية، وجهّز لتواصلهم مع طبيب في أي وقت.

 

استمر البروفيسور في تقديم الدعم لفريقه حتى بعد انتهاء المهمة، ولم ينصرف إلى حال سبيله يستمتع بالملايين، وإنما أبقى خطا للتواصل معهم. لم يقف مكتوف اليدين بعد اعتقال "طوكيو"، ولا "ريو" من بعدها، استطاع تحريره من سجن سري وإن اضطره ذلك إلى الدخول في مغامرة لا يُفضِّلها، وفي خطة لا تُقنعه بالكامل، ليس هذا فحسب، بل سيُساعده على اجتياز اضطراب الصدمة برد اعتباره أمام العالم وكشف الحقائق حول تعذيبه وفضح المتسببين في ذلك.

 

عرض على راكيل المساعدة منذ البداية بصدق، أراد أن يدعمها بدافع حقيقي من شعوره بالمسؤولية، واجه خطأه معها ولم يُنكره، جمع شملها بوالدتها وابنتها لاحقا، سيستمر في دعمها متفهما خطورة موقفها بعد القبض عليها في الموسم الرابع، وسيُحرِّرها في النهاية، لأنه كعادته لا يعتمد فقط على شجاعة وفداء فريقه، حيث يُدرك الضعف البشري، لذا فإنه يُقدِّم التواصل الفوري والدعم الحقيقي لا الشعاراتي. وعلى المستوى الخاص، فإنه رجل العائلة، لا ينعتق من الصلات مهما تغيّرت ظروفه، ولا يتخلى عن مسؤوليته المعنوية التي تُمليها عليه مبادئه.

"لقد أعددت عملية سطو دار السك الملكية تكريما لذكرى أبي، وأعددت عملية السطو هذه تكريما لذكرى أخي، لست من النوع الذي يتخلى عن الروابط".

(البروفيسور لنيروبي ردا على إعفائها له من الالتزام الأبوي)

"يعتقد الناس أن أشياء عديدة مثيرة، مثل: الرقص والعضلات والشعر الأشقر واللهجة الفرنسية، هل تعلم ما هو جذاب بالنسبة لي؟ إنه الذكاء".

(طوكيو تتحدث إلى البروفيسور)

لا يُعَدُّ الانجذاب الجنسي للذكاء أو ما يُعرف بـ "sapiosexuality" تحديدا للهوية الجنسية بقدر ما هو تعبير يُساعد الأشخاص على اكتشاف تفضيلاتهم. في عالم الحيوان يستعرض الشمبانزي قدراته الجسدية أمام الإناث، ولطالما استعرض ذكور الإنسان القدرات الجسدية لنيل الإعجاب، ولكن مع وصول البشرية إلى الجيل (Z) ومرورها بمراحل تطور عديدة، يبدو أنها وصلت إلى الحد الذي يجعل الذكر ألفا أكثر إثارة بالقرطاس والقلم عن مستوى إثارته بالسيف والرمح، ويدعم هذا تأكيد العديد من الأبحاث أن العقل هو العضو الجنسي الأكبر في الإنسان.

 

وفقا لنظرية الاستثمار الأبوي/الجيني فإن عملية التكاثر مكلفة للإناث أكثر من الذكور، بدءا من محدودية البويضات، إلى طول فترة الحمل والرعاية، والتي تمتد في أنثى الإنسان إلى نحو ثلاث سنوات من الرعاية المكثفة، لذا فإنها تنتقي شريكها بعناية أكبر، وقد وجدت العديد من الدراسات [6] أن المرأة في فترة ذروة الخصوبة تُفضِّل الرجال الأكثر ذكورية وهيمنة اجتماعية (الرجال الألفا)، ولكن المؤشرات الجينية الجيدة وفقا للتجارب الحديثة تتضمن الذكاء ضمن الفئة الأولى فيما يُسمى بـ "سمات الذكورة"، جنبا إلى جنب مع اللياقة البدنية، والجاذبية الجنسية، والمظهر الجيد.

 

وهذا بالتحديد ما دفع شابة قوية مثل "نيروبي" أن تطلب من البروفيسور أن يتبرع لها بـ "جيناته" والتي اعتبرتها الاستثمار الأبوي الأفضل في حلمها بتكوين عائلة.

 "أراك في الصف، وأفكر.. يا له من رجل عبقري، إنه محترم جدا، حساس جدا، ووسيم جدا، ولديه مبادئ".

(نيروبي للبروفيسور)

وكما يُقال: "اغوِ عقلي، وستحصل على جسدي، وستجد روحي، وسأكون ملكك إلى الأبد".

 

 

"تمحورت حياة البروفيسور حول مفهوم مركزي واحد: المقاومة".

(طوكيو عن البروفيسور)

 

"سنكون المقاومة العالقة بالداخل كما كانت المقاومة في بوريرتا دي سول، وتلقى المقاومة دوما دعم الشعب".

(البروفيسور لفريقه في فترة التدريب)

منطوٍ أو منفتح، خجول أو جريء، فإن الألفا هو مَن يصنع التاريخ، يُغيِّر دفته، ويكتبه بحبر جديد لا يُمحى، ولا تعود الأمور أبدا كما كانت قبل أن تلمسها أصابعه، ينطبق هذا على الألفا في السياسة، وفي الثقافة، وفي ريادة الأعمال، وفي الحب. أمضى البروفيسور نصف حياته يُخطط لحدث واحد، لم يكن مؤهلا بطبيعته للتحديات البسيطة، والإنجازات المحدودة، ولكن عندما اكتملت خطته قلب الأمور تماما.

 

تخطّى الأربعين بدون حب، ولكنه عندما أحب خرق قوانينه المقدسة، وضرب الحب أعماقه. قد تراه من زاوية بعيدة كمجرم ذكي، وصاحب جريمة سطو هائلة، ولكن إذا اقتربت أكثر فسترى الأمور مختلفة، وربما تحار كحيرة القناة الثامنة الإسبانية: "ماذا يريد الخاطفون؟ هل يريدون المال أم الاحتجاج ضد النظام المالي؟".

 

في النهاية هو صاحب مبادئ، لديه ألف خط أحمر دون القتل في عالم يتعامل مع أرواح البشر بلغة الأرقام، وكما استطاع إقناع ملايين الناس بأنه رمز للمقاومة فقد استطاع إقناع راكيل بأنه من الأخيار وليس لصا بقدر البنك المركزي الأوروبي.

 

ختاما، ليس علينا أن نخضع لتصنيفات لا تزيدنا إلا رهقا، ولا نُعرّض هوياتنا لمعايير لا تقنعنا، وإسقاط نموذج ألفا الحيواني على عالم الإنسان كان به الكثير من القفزات والمجازات، وقد ظهر عدم دقة المقاربات حول المصطلح مما أدّى إلى إزاحته كليا مع الذئاب مثلا، فمصطلح "ألفا وولف" الذي تَشكَّل عام 1968 مع كتاب "الذئب: البيئة والسلوك للأنواع المهددة بالانقراض" لإل. ديفيد ميتش ثبت فيما بعد عدم صحته، فالذئاب تتشكّل في وحدات عائلية، حيث يكون ذكر ألفا هو الأب، وأنثى ألفا هي الأم، ويتبعهما البقية ليس بسبب التنافس على الهيمنة، وإنما لأنهما الأب والأم، وربما يكون لدى الجنس البشري فرص أوسع من الذئاب لإزاحة المصطلح التنافسي والعيش بقدر أكبر من السلام والتقبُّل[7].

____________________________________________—-

المصادر

  1. ألفارو مورتي، لقاء نيتفليكس SWN 2018.
  2. مقال Jesse Singal "كيف أصبحت أميركا مفتونة بالفكرة الكاريكاتورية عن ذكور ألفا؟".
  3. بحث Debbie Ging "ألفاز وبيتاز وإنسيلز: تنظير ذكورية المانوسيفير".
  4. كلمة فرانس دي فال على منصة "تيد" العلم المدهش لذكور ألفا
  5. مقال harsh chau "9 فروق بين الباد بوي وألفا ميل"
  6. مقال Vinita Mehta "ما تريده النساء في الرجال"
  7. مقال KARA LILLY "أسطورة ذئب ألفا".

حول هذه القصة

لم تكن رواية "High-rise" هي الوحيدة التي تضمّنت تنبؤات بالارد. فالرجل الذي يُوصَف بأنه عملاق الجغرافيا الأدبية، تنبّأ في أعماله الأخرى بأمور صار من المذهل أنها تحقّقت، فهل نرى واقعنا الآن في الفيلم؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة