أطفال "أورفيوس" في السينما: ألف وجه لمأساة واحدة

يتزوج أورفيوس حورية الغابة الفاتنة يوريدس، لكنها سرعان ما تموت بلدغة أفعى. لم يحتمل أورفيوس فقد حبيبته فيقرر أن ينطلق إثرها في رحلة إلى عالم الموتى طمعا في إعادتها من جديد لعالم الأحياء. بحسب الأسطورة، كان أورفيوس المنحدر من أصل إلهي شاعرا ومغنيا، وكان يعزف على قيثارته فتتوقف الأنهار عن جريانها، وتتحلّق وحوش الأرض من حوله كي تستمع إليه. حمل قيثارته وهبط إلى العالم السفلي، وهناك ترق قلوب آلهة الموت لهذا الإنسان الحزين، وتحت تأثير عزفه يسمح سيد مملكة الموتى أن يأخذ معه حبيبته يوريدس شرط ألا يلتفت نحوها بينما يصعدان معا خارجين من الجحيم، لكن أورفيوس لم يقاوم غواية النظر إلى محبوبته فتلاشت على الفور واستعادها الموت إلى الأبد.

 

عاش بقية حياته فريسة لليأس، هجر النساء، وذات مرة بعد أن صد غواية مجموعة من نساء باخوس، قمن بتمزيق جسده بأيديهن وإلقاء رأسه في النهر. تقول الأسطورة إن رأسه المقطوع والطافي على النهر ظل يُردِّد أغنيته الحزينة. اغتنت الأسطورة بمرور الزمن بالعديد من التخريجات والتأويلات جعلت منها مصدرا دائما لإلهام الشعراء والفنانين، من قصيدة "أورفيوس" للألماني ريلكه، لوحات جوستاف مورو وجان بابتيست كورو، ومسرحية تنيسي ويليامز "هبوط أورفيوس"، إلى رحاب مملكة السينما.

 

منذ بداية السينما وعبر تاريخها كانت السينما وسيطا مثاليا لاستلهام الأساطير، السينما التي يصفها المخرج الفرنسي جان كوكتو بأنها نوم نحلم فيه، وما الحلم والأسطورة إلا تنويعان على لحن واحد. كيف انتقلت أسطورة أورفيوس إلى السينما؟ بعض المخرجين استعان بجسد الأسطورة كاملا، الحكاية نفسها مكتفيا ببعض التحريفات التي تُتيح له أن يصنع من الأسطورة مجازه الخاص، مانحا إياها المعنى الذي يريده، وهذا ما نجده في "أورفيوس" "جان كوكتو"، و"أورفيوس الأسود" للمخرج الفرنسي "مارسيل كامو".

لقطة من فيلم أورفيوس الأسود للمخرج مارسيل كامو

 

في افتتاحية تحفته أورفيوس يكتب المخرج الفرنسي جان كوكتو: "أين تدور أحداث قصتنا ومتى؟ حين يقدر للأسطورة أن تتجاوز الزمان والمكان، عليك أن تفسرها كما تشاء".

 

في أفلام أخرى سنجد أنها اكتفت بالثيمات الأساسية للأسطورة كالفقد أو الحب المستحيل مثل فيلم كريستوفر نولان "استهلال" (Inception)، وفيلم سيلين سياما "بورتريه لامرأة تحترق" (Portrait of a Lady on Fire). وهناك فئة ثالثة نجد أن حبكتها تحتوي على ما يوازي هبوط أورفيوس إلى مملكة الموتى، يهبط البطل في هذه الأفلام إلى عالم مجهول من أجل أن يُنقذ امرأة ما من الموت الذي يحاصرها، وهذا ما نجده في تحفتَيْ هيتشكوك ورومان بولانسكي "دوار" (Vertigo) و"الحي الصيني" (Chinatown).

 

قبل أن نأخذكم في رحلة سينمائية مع تجليات أسطورة أورفيوس على الشاشة الكبيرة، علينا أن نتساءل أولا لماذا نعود دوما إلى الأساطير، أليس ثمة حكايات جديدة تُغنينا عن أساطير الأولين؟

 

الأساطير حكايات ذات طبيعة شعرية، بالإضافة إلى امتلاكها أبعادا فلسفية ونفسية، هذه الطبيعة الخاصة للأساطير تمنحها زخما حكائيا هائلا. تتصف الأساطير أيضا بنوع من الصفاء الغامض، تجعلنا نرى أنفسنا والعالم على نحو أوضح، فالميثولوجيا لا تُنكر شيئا لكنها أيضا مراوغة لا تمنحك الحقيقة كلها ولا تفك شفرتها بالكامل.

 

ما نفهمه من الأساطير أيضا أن رحلة الإنسان في العالم لم تتغير كثيرا، إنها الحكايات نفسها نعيشها مرارا وتكرارا. يكتب جوزيف كامبل في كتابه الأيقوني "البطل بألف وجه" مندهشا من قدرة الأسطورة على لمس وإلهام مراكز الإبداع العميقة لدينا، هذه القدرة تكمن حتى في أبسط هذه الحكايات التي تختزن الحكمة تماما مثلما تجد طعم المحيط كامنا في قطرة منه. يرى فرويد ويونج وأتباعهم أن منطق الأسطورة، أبطالها وأفعالها، لا يزال موجودا فينا وفي العالم من حولنا الآن.

 

تحت الطبقة اللطيفة الأنيقة نسبيا والتي نسميها الوعي توجد كهوف مجهولة لم تُكتشف بعد، تتضمن بداخلها مفاتيح الطريق لرحلة مخيفة وفاتنة في الآن نفسه لاكتشاف الذات، رحلة ستُدمِّر العالم المألوف بالنسبة لك، ستُدمِّرك، لكنك بعدها ستُعيد بناء نفسك والعالم على نحو أنقى وأكثر اكتمالا مما عرفته من قبل. هذا هو الوعد المرعب والفاتن الذي يأتينا مع زوار الليل الغامضين من مملكة الأساطير التي نحملها بداخلنا.(1)

 

 

(1)

(ماريان تقف أمام لوحتها عن التفاتة أورفيوس نحو يوريديس)

في فيلم "سيلين سياما" المعنون "بورتريه لامرأة تحترق" والذي يُعَدُّ تنويعا على اللحن السحري لأسطورة أورفيوس. الفيلم هو حكاية حب بين امرأتين في القرن الثامن عشر، وهي حكاية حب تبدو من البداية محكومة بالفقد.

تُكلَّف ماريان برسم بورتريه زفاف لألويز لكنهما تقعان في الحب معا. حول مائدة تجمعهما مع الخادمة تقرأ ألويز حكاية أورفيوس ويوريديس، وبينما تندهش الخادمة من التفاتة أورفيوس التي أفقدته حبيبته إلى الأبد تُفسِّر ماريان ما فعله أورفيوس بأنه خيار الشاعر لا خيار المحب، إنه يُفضِّلها كذكرى ملهمة أكثر من وجودها الحقيقي.

تصمت ألويز قليلا ثم تقول ربما كان خيارها أيضا، تقصد يوريديس، ربما هي مَن سألته أن يلتفت نحوها في إرهاصة لخاتمة حكايتها. بينما تُسارع ماريان في ترك البيت الذي شهد حكاية حبها مع ألويز وقبل أن تخرج مباشرة تطلب منها ألويز أن تلتفت لها في ثياب عرسها في محاكاة واضحة للأسطورة.

 

(2)

خلال الشعر والمسرح والسينما لم يكن كوكتو يكتب إلا عن نفسه. في الفترة التي كان فيها كوكتو يعمل على فيلمه "أورفيوس" (Orpheus) كتب إلى أحد أصدقائه: "هذا الفيلم هو أنا". لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يشتبك خلالها كوكتو مع أسطورة أورفيوس، ففي عام 1926 كتب مسرحية من فصل واحد مستلهما الأسطورة. يصنع هنا كوكتو فيلما شديد الذاتية، حمله بهواجسه، خاصة هوسه بالموت. يُرجِع الكثير من نقاد كوكتو هذا الهوس الظاهر في أغلب أعماله إلى حقيقة انتحار والده حين كان في سن العاشرة.

 

أورفيوس في فيلم كوكتو هو شاعر ذائع الصيت، مسيرته قد تجاوزت ذروتها، يشعر بالخواء والكآبة وأنه قريب من الموت، هنا يُحرِّف كوكتو الأسطورة قليلا، إذ يلتقي أورفيوس بموته مشخصا في صورة أميرة غامضة ترتدي الأسود تنتقل بين عالمنا وعالم الموتى عبر المرايا. تفتنه هذه المرأة التي هي موته، ويهيم بها حبا، هي الأخرى تبادله المشاعر نفسها، إذ تدلف غرفته عبر المرايا لتراقبه وهو نائم.

 

يقول كوكتو: "كلما اقتربنا من السر، كان من الأفضل أن نكون واقعيين" (2). هنا يعالج الأسطورة وعالمها الغريب بأقصى واقعية ممكنة، دقة الديكور والملابس، فالمنطقة البرزخية التي يسكنها الموتى هي خرائب متبقية من معسكر حربي من فترة الحرب العالمية الثانية. على صعيد الشخصيات لا يقف عند حدود الرمز، بل يخلق شخصيات من لحم ودم، لها هواجسها ومخاوفها ورغباتها التي تسيّرها.

 

يذهب أورفيوس في رحلة مع أميرته الغامضة، في سيارتها، يبث الراديو الخاص بها مقاطع شعرية يقع أورفيوس على الفور تحت سحرها. تتركه وحيدا في الصحراء مع سيارتها وسائقها. ينشغل أورفيوس عن زوجته بالرسائل الشعرية التي يتلقاها من راديو هذه السيارة وبتلك المرأة الغامضة.

 

حين تموت يوريدس ويذهب أورفيوس خلفها إلى عالم الموت يبدو منشغلا بالمرأة الغامضة عن زوجته. يصنع كوكتو على نحو ما مثلث الدراما الشهير الذي يشمل الرجل والزوجة والعشيقة، إلا أن العشيقة هنا في فيلم كوكتو هي موت أورفيوس. كان كوكتو يُردِّد دائما أن الشاعر لا يموت لأن صدى أغنيته يظل يتردد في الشوارع والأزقة. حين يموت أورفيوس قرب نهاية الفيلم تُعيده عشيقته إلى الحياة من جديد مخالفة قانون عالمها، تُضحِّي بنفسها وتسلم نفسها لعقاب الآلهة من أجل أن تمنح الشاعر الخلود.

 

تأتي حكاية الحب هنا في المقام الثاني في ظل شاعر مهووس بذاته وصورتها وخلوده الخاص. فيلم كوكتو مثلما هو حكاية حب هو أيضا فيلم جريمة وغموض، لدينا هنا كل عناصره؛ جريمة قتل، اختفاء جثة، بالإضافة إلى الغموض الذي يُحيط بالأميرة وراكبي الدراجات البخارية الذين يظهرون خلال الفيلم رُسلا للموت. هذا هو أكثر الأفلام التي صُنعت عن أسطورة أورفيوس فنية وابتكارية، وتحفة كوكتو التي تركت أثرها على مخرجين آخرين الذين انشغلوا من بعده بهذه المنطقة الغامضة بين الحياة والموت أو بين الجسد والروح. ربما تأثر به برجمان في تشخيصه للموت في فيلمه "الختم السابع" أو في المنطقة الغامضة في تحفة تاركوفسكي "ستالكر" (Stalker).

 

(1)

The Fugitive Kind (الفيلم بالأبيض والأسود، وغالب المشاهد تحدث ليلا، والإضاءة كما هو واضح في اللقطة خافتة، حيث تبدو شخصيات الفيلم دوما محاطة بالظلام)

 

في فيلم (The Fugitive Kind) المقتبس عن مسرحية تنيسي وليامز المعنونة "هبوط أورفيوس"، يصنع المخرج الأميركي سيدني لوميت عبر نص ويليامز معالجة أبوكاليبسية لأسطورة أورفيوس، عن مدينة يستولي عليها الموت شيئا فشيئا بينما يغيب الضوء عنها إلى الأبد، هذه المدينة هي نسختهما عن الجحيم. دراما تنيسي وليامز دائما شخصية جدا، ففي أحد حواراته يقول وليامز: "تحت كلمات هذه المسرحية يمكنكم أن تروا حطام قلبي الممزق". لدينا هنا كعادة ويليامز شخصيات مغتربة ومعذبة فاتها الحلم الأميركي، حلم العائلة والثورة.

 

يمكننا أن نلاحظ تماثلات حكاية ويليامز مع أسطورة أورفيوس، لدينا فال/مارلون براندو وليدي تورنس/آنا مانياني هما نسختا ويليامز من أورفيوس ويوريديس، حكاية حب أخرى محكومة بالموت. فال هنا مغنٍّ جذاب مثل أورفيوس ينتقل من نيو أورليانز إلى هذه المدينة الصغيرة من الجنوب الأميركي. الجنوب الأميركي في دراما وليامز يصلح مجازا عن الجحيم، فهو قرين بالعنف والتعصب تجاه كل ما هو غريب أو مختلف. في جحيم وليامز كائنات بريئة تحاول أن تجد لنفسها موضع قدم في عالم عدائي تماما.

 

حركة الدراما في نص وليامز تحاكي حركتها في الأسطورة، فهنا محاولة إنقاذ امرأة تنجح في البداية ثم تفشل في النهاية. حين يصل فال إلى هذا المكان الموحش تكون ليدي في عداد الموتى، إنها محطمة تماما وبلا أمل. يمنحها وجوده الأمل من جديد، يوقظ حلمها القديم. ينتج عن علاقتهما طفل، هناك حياة جديدة تُخلق إذن في داخلها وذلك قبل أن تُبدِّد النهاية المأساوية كل ذلك. حركة الدراما هذه إذن تحاكي هبوط أورفيوس لمملكة الموتى واستعادته يوريديس ثم فقدانها النهائي من جديد.

 

(2)

عن مسرحية ويليامز أيضا يصنع المخرج المصري عاطف الطيب عبر إعداد سينمائي للمسرحية سالفة الذكر من كتابة رفيق الصبان وعبد الرحيم منصور نسخته الخاص من أورفيوس وهو فيلم "الزمار". حسن/أورفيوس (بأداء نور الشريف) هنا شاعر وزمار، روح بريئة تماما وصادقة، لكنه مطارد من السلطة، أورفيوس هنا ثوري يحاول أن يبث عبر أفكاره وأشعاره الوعي في نفوس البسطاء الذين يصاحبهم في رحلته المفروضة عليه.

 

تأتي مريم/محسنة توفيق محل ليدي في النسخة الأميركية، امرأة مدفونة وهي على قيد الحياة، حياتها كالجحيم لكن محاولة حسن مد يد العون لها تُعجِّل بموتها وموته. يُسخِّر الطيب هنا الحكاية من أجل مواصلة نقده السياسي والاجتماعي لزمن ما بعد الانفتاح. يُعوِّل الفقراء كثيرا على مشروع تحلية المياه الذي يُنفَّذ في قرية العرابة التي يلجأ إليها حسن هربا وطلبا للرزق، ومن خلال هذا المشروع يكشف الفيلم فساد السلطة المتواطئة مع الأغنياء الطامعين في كل شيء. يأتي موت حسن مجازا عن موت البراءة، يسقط مضرجا بدمه وإلى جانبه المزمار، وهي تقريبا نهاية فيلم "البريء" نفسها، حيث يسقط أحمد سبع الليل مضرجا بدمه وإلى جانبه الناي.

 

في العام الذي صدر فيه فيلم مارسيل كامو "أورفيوس الأسود" (Black Orpheus)، وعلى الرغم من وجود أفلام صارت كلاسيكيات الآن مثل فيلم فرانسوا تروفو (The 400 Blows) وفيلم آلان رينيه (Hiroshima mon amour) فإن فيلم كامو هو الذي اكتسح جوائز هذا العام بداية من السعفة الذهبية في مهرجان "كان" 1959، وصولا لموسم الجوائز الأميركي حيث فاز بجائزتَيْ الجولدن جلوب وأوسكار أفضل فيلم بلغة أجنبية.

 

يأخذ المخرج الفرنسي مارسيل كامو الأسطورة اليونانية ويذهب بها إلى البرازيل ليصنع فيلمه هناك بممثلين غير محترفين. تدور أحداث الفيلم في عشوائيات ريو دي جانيرو خلال يومين، يوم الاستعداد للكرنفال حيث يتجمع مئات البشر في أزياء كرنفالية للرقص والغناء. يلتقي أورفيوس ويوريديس خلال اليوم الأول ويقعان في الحب على الفور، هناك امرأة أخرى مضطربة تحب أورفيوس وترغب في الزواج منه، لكن أورفيوس يُفضّل يوريديس التي أتت لتُقيم في بيت إحدى قريباتها بعد أن هربت من قريتها خوفا من رجل يتتبع خطواتها، رجل هو الموت.

روح البهجة الحاضرة عبر الرقص والغناء المستمرين أغلب زمن الفيلم، ألوان الفيلم وشريط صوته البديع، حيث موسيقى البوسا نوفا (*) التي كان الفيلم سبب انتشارها في العالم، كل ذلك يُخفِّف من وطأة المأساة. يتبع الموت يوريديس متنكرا في قناع وفي زيٍّ كارنفالي مرسوم عليه هيكل عظمي، يطاردها بعيدا عن الكرنفال، يتبعهما أورفيوس، وفي محاولة منه لتخليص حبيبيته من براثن الموت يقتلها دون قصد.

 

الفيلم رغم مأساوية حكاية الحب ينتهي بنغمة متفائلة. كان هناك طفلان يؤمنان بأن عزف أورفيوس بعد الفجر هو الذي يجعل الشمس تشرق، بعد موته يتسلّلان بعد الفجر وعلى جيتار أورفيوس يبدأ أحدهما في العزف والغناء لتشرق الشمس من جديد ثم تأتي طفلة لترقص على غنائه.

الكثير من النقاد البرازيليين انتقدوا رؤية كامو باعتبارها نظرة سياحية للمكان وأنها تتجاهل السياق السياسي والاجتماعي، لكن كامو لم يقل أبدا إنه يريد أن يُقدِّم رؤية لواقع البرازيل في ذلك الوقت، فالحكاية يمكنها أن تحدث في أي مكان، لكن فيلم كامو عن قوة الأسطورة وقدرتها على الاستمرار واحتياج الناس إليها، إنه فيلم عن الروح الكرنفالية للمكان والبشر، هذا الفرح العارم الذي يتلبس الأجساد رغم خشونة الواقع وقسوته. في ذروة الفيلم تسقط جثتا أورفيوس ويوريديس متدحرجتين من أعلى التل لتتعانقا في داخل نبتة خضراء كبيرة تطل على البحر.

 

هنا يختفي الهيكل الحكائي للأسطورة، يبقى فقط استعارة الهبوط إلى الجحيم وهذا الملمح التراجيدي للبطل الذي يحوم حول رأسه كقدر مشؤوم حين يقتل البطل مَن يحب مرتين. يتخذ بولانسكي عبر سيناريو روبرت تاون من هبوط أورفيوس إلى الجحيم من أجل أن يُحرِّر محبوبته المحاصرة هناك مجازا لمأساة بطله، أورفيوس هنا هو المحقق جايك جيتس/جاك نيكلسون، محقق خاص يُكلَّف من زوجة أحد الموظفين الكبار لتقصي أمر خيانة زوجها، تتطور الأمور ليجد نفسه متورطا في مساعدة امرأة تعيش جحيمها الخاص، ومن أجل إنقاذها من هذا الجحيم عليه أن يواجه شرا عاتيا. خلق بولانسكي وتاون من لوس أنجلوس نهاية الثلاثينيات نسخة شديدة القتامة لمدينة يجتاحها الجفاف والعنف وفساد السلطة، فساد في كل مكان، جحيم يهبط إليه بطل فيلمهما.

 

كان جيتس في بداية حياته يعمل ضابطا في "الحي الصيني"، وكان هناك امرأة أراد أن يحميها وأن يضمن ألا يلحق بها الأذى، وقد انتهى به الحال وهو السبب في نهايتها المأساوية. ثم ها هو القدر يدفعه من جديد نحو الطريق نفسه، فحين أراد أن يُنقذ إيفلين/فاي داناواي قادها إلى حتفها.

 

تحفة هيتشكوك "دوار" (Vertigo)

في تحفة هيتشكوك "دوار" (Vertigo) لدينا هذا البُعد الذي يتناص مع أسطورة أورفيوس، يتعرض سكوتي/جيمس ستيوارت للخداع من قِبل أحد أصدقائه الذي يُكلِّفه بمراقبة زوجته مادلين/كيم نوفاك، مستغلا حالته المرضية كي يجعل منه متواطئا في جريمة قتل زوجته. يصير سكوتي مهووسا بمادلين الميتة، وحين يلتقي بجودي فإنه يُقرِّر أن يستعيد مادلين من الموت، إذ يسعى إلى تحويل جودي إليها فقط لتموت من جديد في نهاية الفيلم ويفقدها إلى الأبد. هؤلاء هم سلالة أورفيوس اليوناني، على وجوههم شارة المأساة، يستولدهم اليأس وتخلقهم الفجيعة.

________________________________________

هامش:

(*) بوسا نوفا هي نمط من الموسيقى الشعبية البرازيلية التي ظهرت في نهاية عام 1950 وبداية عام 1960 في مدينة ريو دي جانيرو. في البداية كانت عبارة عن وسيلة جديدة لغناء السامبا. وبعد عدة سنوات، أصبحت البوسا نوفا واحدة من أفضل وأشهر الموسيقى البرازيلية المعروفة في العالم، ومن أهم عازفيها وملحنيها: جواو جيلبرتو، فينيسيوس دي مورايس أنطونيو كارلوس جوبيم.

المصادر

  1. البطل بألف وجه لجوزيف كامبل.
  2. جان كوكتو على شاشة السينما لرينيه جيلسون.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة