أفلام نهاية العالم.. كيف استطاع الفن التنبؤ بالأحداث الكارثية؟

في سبتمبر/أيلول من عام 1913، وعلى متن قطار متجه نحو مدينة "شونهاوزن" كان عالم النفس "كارل يونج" على موعد مع هذه الرؤية القيامية، إذ اختبر أثناء صحوه مشهد أوروبا وهي تتعرض للتدمير بفيضان كارثي. تكرّرت الرؤيا ذاتها بعد أسبوعين، وخلالها كان هناك صوت يتساءل عن مستقبل العالم القريب، وأجابه يونج: "لا أعرف، لكني رأيت دما، أنهارا من الدم".

 

في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، رأى يونج بحرا من الدم يغطي أراضي أوروبا الشمالية، صورة قدم عملاقة تطأ مدينة ما، جرائم قتل وحشية، بنايات مدمرة ومواكب للموتى. تحت ضغط هذه الرؤى بدأ يونج يشعر أنه على وشك أن يفقد عقله، فكّر أنه ربما كان على حافة أن يُصاب بالذهان. بعد عدة أشهر من هذه الرؤى التي عاينها يونج، تندلع الحرب العالمية الأولى، ورغم كارثة الحرب التي اندلعت فإن يونج -على نحو ما- كان سعيدا، فهو على الأقل ليس مهددا بالجنون كما كان يظن، ثم بدأ يونج يتساءل عن طبيعة هذه الرؤى التي باغتته، لم يتوقف بالطبع لدى فكرة النبوءات، اعتقد أن ما رآه كان انعكاسا للا وعي الجمعي الذي كان يستشعر على نحو عميق الكارثة المقبلة، كان نوعا من الاستبصار لحدث جمعي أو لما سمّاه يونج "الحلم الكبير".(1)

 

في هذا الزمن الذي سبق هذه الكارثة انتشرت رؤى نهاية العالم في الفنون والآداب الأوروبية كلها، كان هناك نوع من الاستشراف لكارثة كونية قادمة. على سبيل المثال لا الحصر، رسم الألماني "لودفيج مدنر" ما بين عامي 1912-1914 سلسلة من اللوحات عُرفت بالمناظر الطبيعية الرؤيوية والتي تصف مدنا مدمرة وجثثا وفوضى.

رسم الألماني "لودفيج مدنر" عن نهاية العالم

لا شيء مثل الفن قادر على تجسيد ما سمّاه يونج بالحلم الكبير، ومن بين الفنون جميعها تظهر السينما كوسيط مثالي لتجسيد الخيال الأبوكاليبسي، إذ إن هناك افتتانا واضحا بين السينما وهذا النوع من السرديات. قدرة السينما على التجسيد المادي الدقيق لمثل هذه الكوارث والذي يدفع نحو نوع من المعايشة لا يتحقق مع أي وسيط آخر، مع ميل السينما منذ بدايتها وتوجهها نحو تجسيد الكوارث على الشاشة كالحروب، جعل منها ربما الوسيط الأكثر أبوكاليبسية، خاصة مع الأخذ في الاعتبار طبيعة السينما نفسها والظروف المثالية لتلقيها، فكل مرة تضاء شاشة السينما، يولد عالم جديد، ومع كلمة النهاية يموت هذا العالم ولو إلى حين.

 

في فيلم جيف نيكولز "احتمِ" (Take Shelter) يقف بطله كيرتز/مايكل شانون الموقف نفسه الذي عانى منه يونج قبيل الحرب العالمية الأولى، فهو مطارد برؤى هلاوس وأحلام متكررة تبدأ دائما بعاصفة عاتية، يهطل إثرها مطر ثقيل وقاتم، ثم يجن جنون الناس والكائنات ويبدو كل شيء عدائيا تجاهه، كلبه الأليف، حتى زوجته وصديقه الوحيد.

 

ولأن والدة كيرتز أصابها "الفصام" في الوقت نفسه تقريبا الذي بدأت فيه الهلاوس والكوابيس تراوده، فإن أول ما فكر فيه الجميع وأولهم كيرتز نفسه أنه على وشك أن يفقد عقله مثل أمه. لكن إلى جانب هذه الشكوك التي تنتابه كان هناك حدس قوي لديه بأن أحلامه ستتحقق، وأن هناك عاصفة قادمة ستقتلع كل شيء في طريقها، لذلك يبدأ في بناء ملجأ من الأعاصير في باحة منزله وسط استهجان الجميع، وكأنه نوح جديد يستعد لطوفان قادم لا يراه غيره.

 

طيلة زمن الفيلم لا أحد كان يُصدِّقه، حتى يأتي المشهد الأخير المفتوح على تأويلات عدة، حين تشاهد الزوجة والطفلة العاصفة التي حكى كيرتز عنها قادمة في اتجاههم. في حوار مع مايكل شانون عن الفيلم يقول: "هناك دائما عاصفة في الأفق، تقريبا طيلة حياتي السابقة وأنا أصارع هذا السؤال داخلي، كيف نعيش في عالم كعالمنا دون أن نُجن، كيف من الممكن أن نواصل حياتنا وأن نستمتع بما هو جيد فيها، أن نبقى مع أحبتنا ونحن نعرف أن كل هذا من الممكن أن يزول هكذا في غمضة عين. هناك دائما عاصفة قادمة، وكل شخص لديه تصوُّره الخاص عن هذه العاصفة، هذه العاصفة هي مجاز عن كل ما يحطم حياتك تماما".(2)

 

هذه العاصفة التي يتحدث عنها شانون قد تكون شيئا شخصيا تماما أو وربما أبوكاليبسا قادما قادرا على الذهاب بنا وبالعالم كله نحو النهاية. شانون هنا ومن دون أن يدري يتوصل إلى استنتاجات "فرانك كيرمود" في كتابه "الإحساس بالنهاية" (The Sense of an Ending)، يتحدث كيرمود عن أننا نعيش في زمن وثقافة الأبوكاليبس، ربما أكثر من أي زمن آخر مضى، فهناك دائما نهاية تقترب وهاوية تحدق فينا. صار العالم تربة خصبة للأبوكاليبس، يستطيع أن يمد جذوره في أرض السياسة، الاقتصاد، البيئة وتغيراتها العنيفة، فيروسات أكثر غموضا وشراسة تتحور عن أخرى أَلِفناها طويلا، ثمة نهاية ممكنة قد تهب علينا من أي مكان.

"فرانك كيرمود" في كتابه "الإحساس بالنهاية" (The Sense of an Ending)

 

بعد تتبُّع الأصل اللغوي لكلمة أبوكاليبس، نجدها مشتقة من الكلمة اليونانية "أبوكاليبسوس" والتي تعني الكشف أو إزالة الحجاب، ولهذه أُطلقت على سفر الرؤيا في الكتاب المقدس والذي يكشف عن أحداث النهاية، ومن ثم صار لفظ الأبوكاليبس مقترنا بالقيامة ونهاية العالم. يُمثِّل فيلم الأبوكاليبس (apocalyptic movie) نوعا فيلميا شديد الجماهيرية، يندرج تحته كل فيلم يُصوِّر تهديدا حقيقيا لوجود الإنسان والكائنات على الأرض أو بقاء العالم نفسه. وفي هذا الصدد لدينا أيضا ما يسمى بأفلام "ما بعد الأبوكاليبس" (post apocalyptic movie) وهي أفلام تصف الحياة في العالم بعد تحقق هذا التهديد. بالطبع هناك أحداث تاريخية ينشط بعدها إنتاج هذا النوع الفيلمي، الحرب العالمية الأولى، استخدام القنابل الذرية في الحرب العالمية الثانية في هيروشيما وناجازاكي، الحرب الباردة، فترات انتشار الأوبئة الفتاكة.

 

وجدت الدراسات الفيلمية التي أُجريت على هذا النوع الفيلمي ضمن السينما الأميركية أنه خلال النصف الأول من القرن العشرين، حتى عام 1950، كان عدد هذه الأفلام محدودا، منذ الخمسينيات وحتى الآن هناك زيادة مطّردة في عدد الأفلام التي تنتمي لهذا النوع. فبين عامي 1980-1999 كان عدد أفلام الأبوكاليبس 59 فيلما، وبين 2000-2013 بلغ عددها 90 فيلما. (3)

 

هذه الدراسات تُثبت في الأغلب أن العالم صار أكثر هوسا بفكرة النهاية. هذا التزايد المستمر في صنع أفلام الأبوكاليبس مع جماهيريتها الكبيرة يطرح سؤالا أساسيا؛ لماذا يُقبل الجمهور على مشاهدة أفلام ذات موضوعات كهذه، موضوعات في الظاهر قد لا تُثير داخلنا سوى الرعب أو تُصيبنا بالكآبة؟ هذا الإقبال الكبير على هذه السيناريوهات الكابوسية التي تدور غالبا حول ما يُهدِّد بقاء الإنسان ووجود العالم تجعلنا نظن أن هذا النوع الفيلمي يؤدي وظيفة نفسية إيجابية للمتفرج تدفعه للعودة لمشاهدتها من جديد وربما لصناعتها أيضا.

 

يكتب الفيلسوف "والتر بنيامين": "إن ما يفتن القارئ في رواية ما هو أمل أن يُدفئ حياته الباردة والمرتعدة بالقراءة عن موت ما". لكن ما الذي يُدفئ الروح في موت ما؟ تكمن إجابة سؤال "بنيامين" في أن هذا الموت لا يحدث لنا. يشاهد جمهور سينما الأبوكاليبس العالم وهو يقف على حافة النهاية، يموت الكثير وينجو البعض، لكن كل هذا يحدث بعيدا عنه، يبقى في أمان بعيدا عما يدور على الشاشة، حتى لو شعر أحيانا أنه في قلب هذا الأبوكاليبس، فإنه في النهاية قادر على النجاة، على الإفلات من هذا الكابوس.

 

حين يتوقف الإنسان عند لحظة معينة من التاريخ، فإنه يشعر بالضآلة، فخلفه زمن لا نهائي وأمامه يمتد الزمن إلى اللا نهاية، وفي وسط هذه الفوضى الزمنية تبدو حياته بلا معنى ووجوده عبثا، لكن تحديد نقطة النهاية ينظم هذه الفوضى ويمنح لوجوده معنى، إذ يضع حياته داخل إطار محدد من الزمن، إنها نقطة نظام حتى ولو كان ما بعدها الفوضى والخراب. بالنسبة لصُنّاع هذه الأفلام فهذا النوع الفيلمي قادر على توثيق مخاوفنا، صراعاتنا وأيديولوجياتنا في الفترة الزمنية التي صُنِع فيها فيلم ما، إنه نوع من التأريخ أو التوثيق الفني، فحين نستعرض تاريخ هذا النوع الفيلمي نكون قادرين على تتبع كوابيس الإنسان في زمن هذه الأفلام.

 

ثيمة الأبوكاليبس لم تكن حكرا على هوليوود أو تيار السينما السائدة، فكثير من مخرجي سينما الفن جذبتهم ثيمة النهاية للتعبير عن رؤيتهم للعالم. مع سينما الفن صار الأبوكاليبس لدى مخرجين مثل كوراساوا، تاركوفسكي، هانيكه، فون ترير، وبيلا تار، ذا صبغة ذاتية وفلسفية. كان الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا يكتب عن موت أصدقائه كمَن يكتب عن نهاية العالم، فمجموعة النصوص التي كتبها في رثاء أصدقائه رولان بارت، بلانشو، وفوكو ودولوز كان عنوانها: "إنها فريدة في كل مرة، إنها نهاية العالم". كان دريدا يُدرك أن موت فرد واحد ليس أقل حزنا من فناء العالم، فهو حين يموت يأخذ معه عالمه، الذي هو كل العالم.

لقطة من تحفة كوراساوا "ران" (RAN)

في الفترة التي انشغل فيها كوراساوا بصنع تحفته الأبوكاليبسية "ران" (RAN)، كان قد نجا من محاولة انتحار فاشلة، وكان أصدقاؤه الذين شاركوه حياته ومسيرته السينمائية يودّعون الحياة واحدا بعد الآخر. توفيت زوجته أيضا أثناء صنع الفيلم. صنع كوراساوا فيلمه الملحمي وهو في منتصف عقده السابع، وفي مخيلته رؤية لعالم تلتهمه انفجارات نووية. كان العالم الذي عرفه مُمعنا في الزوال، بدا له أن موته قريب فقرّر صناعة فيلم أبوكاليبسي يكون أيضا بمنزلة مرثية لعالمه الشخصي وأصدقائه الراحلين.

 

الفيلم الذي يمتد لثلاث ساعات هو اقتباس حر إلى حدٍّ بعيد من مسرحية شكسبير "الملك لير". كان خلاصة رؤيته الذاتية للعالم في هذا العمر، قدّم لنا عالما ينحدر نحو الجحيم، دون قدرة من أحد على إيقافه، لا الإنسان ولا حتى الآلهة. كولاج مرعب من الفوضى والعنف والقسوة يغلب عليه اللونان الأحمر والأصفر. يُنهي كوراساوا فيلمه بإنسان أعمى يقف على حافة هاوية سحيقة بعد أن سبقته إلى السقوط صورة الإله بوذا.

 

 

لقطة من فيلم "Verdens Undergang"

يُعَدُّ فيلم "Verdens Undergang" أول فيلم سينمائي عن نهاية العالم، وهو دنماركي صامت من إخراج "أوجست بلوم" ومن إنتاج عام 1916، أي في خضم الحرب العالمية الأولى والتي كانت في ذاتها أبوكاليبسا حقيقيا يعيشه الإنسان للمرة الأولى. حقّق الفيلم نجاحا كبيرا، فحين عُرِض الفيلم لأول مرة كان لا يزال في ذاكرة جمهوره القريبة الذكرى المرعبة للمذنب هالي والذعر الذي أثاره في نفوس الجميع كأبوكاليبس محتمل. حين مرّ المذنب هالي عام 1910 كان يحمل معه شبح النهاية. مر المذنب بسلام، لكنه ألهم صُنّاع الفيلم حكايته التي تدور حول فلكي يرصد اقتراب مذنب من الفضاء الجوي للأرض منذرا بالنهاية على خلفية انتقاد واضح للطمع الرأسمالي الصاعد وأصداء واضحة لصراع طبقي محتمل.

 

نجح الفيلم رغم ضعف وبدائية الإمكانات في تجسيد الأبوكاليبس على نحو صادق ومقنع جدا. نشاهد تتابعات طويلة من صور الدمار والفوضى وذعر الجماهير وطوفان يغرق الأرض، زخات الشرر الناري الآتية من السماء وسحب الدخان المسموم التي تملأ الكادرات. يتغذى الفيلم بالطبع على مخاوف زمنه، وإن كان ينتهي بنغمة متفائلة عن إمكانية عالم جديد ينهض على أنقاض القديم.

 

(الدكتور سترينجلاف أو: كيف تعلمت التخلص من القلق وأن أعشق القنبلة)

"أيها السادة، ليس بالإمكان الشجار هنا، إنها غرفة الحرب"

هذه واحدة من الدعابات التي يمتلئ بها فيلم "ستانلي كوبريك" والتي تكشف عن جوهر الكوميديا لديه، ألا وهو التناقض، وهو ما يحكم فيلمه كوميدي الطابع عن أكثر الأفكار كارثية. كان لدى كوبريك هوس بفكرة الحرب النووية، إذ كانت فكرة الإبادة النووية المحتملة للعالم تملؤه بالقلق وتُعزِّز من نظرته الكئيبة والمتشائمة للعالم، لدرجة أنه فكّر أحيانا في ترك نيويورك آنذاك باعتبارها هدفا محتملا لهجوم نووي وفكّر جديا في الانتقال إلى أستراليا والتي كانت في رأيه بعيدة عن الأهداف النووية المحتملة، ربما للتخلص من قلقه قرّر أن يصنع فيلما عن هاجسه الكابوسي.

 

كانت الحرب النووية هي كابوس العالم منذ هيروشيما وناجازاكي، إنها الأبوكاليبس الأكثر احتمالية منذ نهاية الأربعينيات والذي أخذ يزداد حتى وصل إلى ذروته خلال الحرب الباردة بين أميركا وروسيا. وقع اختيار كوبريك على رواية "الإنذار الأحمر" للكاتب "بيتر جورج" كأساس لفيلمه، وأثناء عمله على الرواية بدأ كوبريك يميل بقوة تجاه تحويل الرواية إلى كوميديا هجائية أو نوع من الفكاهة السوداء، ومع اعتراض الجميع على ذلك باعتبار أن الحرب النووية ليست أمرا ملائما للكوميديا، بات كوبريك أكثر اقتناعا بأنها الطريقة المثلى لمقاربة موضوع كهذا. فقد رأى أنه لا يوجد ما هو أكثر مدعاة للسخرية من فكرة إبادة الجنس البشري بسبب خلاف سياسي بين قوتين متعارضتين.

 

كان كوبريك يُفكِّر أيضا أنه لإتمام هذه المهمة كان بحاجة إلى كاتب كوميدي من طراز خاص، ووقع اختياره على "تيري ساوذرن"، وهو فوضوي مشاغب، ومعروف عنه إدمانه للكحول، لكنه قادر على إيجاد الفكاهة في أكثر المواقف قتامة. يستخدم كوبريك الجنس هنا كموتيف مهم جدا على مستوى الصورة والحوار، إنه يستخدمه في السخرية من القادة العسكريين، كوبريك على عداء دائم للنزعة العسكرية في كل أفلامه.

 

فالجنرال "ريبر" يُعلن الحرب النووية على روسيا لأنه عاجز جنسيا، وبدلا من الاقتناع بأن عمره أو أي سبب آخر وراء هذا العجز فهو يُصدِّق في نظرية المؤامرة التي تقول إن الروس يُسمِّمون الماء بالفلورايد وهو سبب عجزه الجنسي. الإحباط الجنسي هو سبب مباشر وراء هذه الكارثة الكونية، فقرب النهاية نجد الحاضرين في غرفة الحرب يتقبّلون نهاية العالم بقليل من الانزعاج، إذ يَعِدهم د. سترانجلاف بعشر نساء لكل رجل في مخابئ زمن ما بعد الأبوكاليبس من أجل استعادة الحياة من جديد على الأرض.

 

يواصل كوبريك سخريته عبر رصد التناقض بين لافتة ضخمة كُتِب عليها "السلام هو مهنتنا" والتي يجري أمامها قتال شرس بين كتيبتين من الجيش الأميركي، وهي العبارة نفسها المطبوعة على ملصق خلف مكتب الجنرال ريبر الذي أعطى الأمر بالهجوم النووي ضد روسيا. ربما تظل أكثر صور فيلم كوبريك إثارة للسخرية المُرّة مشهد الطيار وهو يمتطي الصاروخ النووي نحو هدفه النهائي كما لو كان راعي بقر يمتطي جوادا غير مروّض، وتتابعات النهاية التي تُصوِّر الانفجارات النووية على خلفية أغنية ذات ثيمة رومانسية وهي أغنية "سوف نلتقي ثانية" للمغنية "فيرا لين".

 

 

(لقطة من افتتاحية الجزء الثاني، يراها دائما المخرج تجسيدا لفرسان سفر الرؤيا الأربعة الواردة في سفر الرؤيا والتي تعني أننا في خاتمة الأيام)

"ثلاثة بلايين بشري لقوا حتفهم في الـ 29 من أغسطس/آب لعام 1997، والناجون من الحرب النووية دعوها يوم الحساب، عاشوا فقط ليواجهوا كابوسا من نوع جديد هو الحرب ضد الآلات".

نسمع هذا التعليق الصوتي من خارج الكادر على خلفية الأبوكاليبس الجديد، مشهد الخراب مغمورا بالظلام وبأزرق بارد بينما نشاهد قدما معدنية لإنسان آلي تسحق كومة من الجماجم. هكذا يفتتح جيمس كاميرون فيلمه "المبيد 2: يوم الحساب" (Terminator 2: Judgment Day) الذي يأتي كجزء ثانٍ لفيلمه الأول الذي عُرِض في عام 1984، وهو مثال ممتاز لأفلام الأجزاء الثانية التي ربما تتجاوز قيمتها الجزء الأول.

 

واحدة من أهم مزايا فيلم كاميرون والذي يُعَدُّ بلا شك كلاسيكية من كلاسيكيات أفلام الحركة والخيال العلمي هي تأريخه لهذا الانتقال من كابوس الحرب النووية إلى كابوس التكنولوجيا والآلات التي تنقلب على خالقها، إذ تشاهد هنا أبوكاليبسا مزدوجا، أبوكاليبسا نوويا يقضي على معظم الحياة على سطح الأرض ثم حرب الآلات التي تحاول القضاء على ما تبقى منها، هذا الربط والانتقال من كابوس الحرب النووية الذي صار أقل إلحاحا فيما بعد الحرب الباردة إلى كابوس التكنولوجيا الخارجة عن السيطرة لمحة ذكية في سيناريو كاميرون.

 

كتب كاميرون فيلميه أول الأمر كفيلم واحد، كانت الحكاية مثل هلوسة بالنسبة له كما يليق بفيلم عن الأبوكاليبس، لكن الميزانية الضئيلة المقررة للفيلم وعدم وجود التقنيات التي تُمكِّنه من تحقيق فيلمه على أكمل وجه جعلته يُغيِّر خططه. الفيلم كعادة كاميرون يسبق زمنه في ناحية المؤثرات البصرية التي تمنح الفيلم وأحداثه المستقبلية مصداقية قصوى، لكن العنصر الأهم والأكثر تميُّزا هو الحكاية التي يحكيها ببراعة شديدة وعنايته برسم الشخصيات وتطوُّرها.

يذكر روبرت مكي في كتابه "القصة" فيلم كاميرون كمثال شديد التميز على ما سمّاه مكي التصعيد الرمزي والقادر على تحويل فيلم جيد إلى فيلم عظيم. ما يقصده مكي بالتصعيد الرمزي هو أن فيلما ما يبدأ بأحداث ومواقع وشخصيات تُمثِّل نفسها فقط. لكن مع تقدُّم القصة يتحول الخاص إلى عام، وتصبح الأماكن والشخصيات والأحداث متجاوزة لمعناها الخاص مكتسبة بُعدا مجازيا، شريطة أن تكون هذه الرمزية غير محسوسة.

 

يبدأ فيلم كاميرون الأول ببشر عاديين داخل مناظر اعتيادية، حيث يروي لنا قصة "سارة كونور"، نادلة في مطعم للمأكولات السريعة، حتى تظهر شخصيتا "المدمر" و"ريس" القادمتان من المستقبل وتبدآن في مطاردتها في شوارع لوس أنجلوس، أحدهما يحاول قتلها والآخر إنقاذها، تتحوّل لوس أنجلوس إلى متاهة، ويصير المدمر هو الميناتور (*)، وعلى سارة بطلة متاهة كاميرون أن تقتل الميناتور كي تنجو وتلد المخلّص الذي سيقود البشر في حربهم القادمة ضد الآلات. ترتقي سارة هنا من نادلة إلى إلهة (4).

 

يمكننا أيضا أن نرى في حكاية كاميرون أصداء لحكاية المسيح ومريم العذراء. تحفة كاميرون هي حكاية تحذيرية عن مستقبل مظلم ينتظرنا مع اعتمادنا المتزايد على التكنولوجيا وانفلات سيطرتنا على الذكاء الاصطناعي في ظل النزعة التدميرية المتأصلة في الإنسان. ينتهي الفيلم بنغمة متفائلة، إذ ربما كنا قادرين على الإفلات من مثل هذا المصير طالما أن المستقبل لم يُكتب بعد.

 

"بشكل أساسي، أنا خائف من كل شيء باستثناء صناعة الأفلام"

(المخرج الدنماركي "لارس فون ترير")

مع "ميلانكوليا" لفون ترير يصير الأبوكاليبس شديد الذاتية، ففي أكثر من حوار يُشير فون ترير إلى أنه فيلم عن اكتئابه. في الفترة التي سبقت كتابة "ميلانكوليا"، كان فون ترير يُعالَج من إحدى نوبات اكتئابه المتكررة. أخبره المعالج أن مَن يعانون من الاكتئاب هم الأكثر هدوءا في مواجهة المواقف المتطرفة في الحياة، لأنهم يعيشون تحت وعي دائم بأن كل شيء قد انتهى بالنسبة لهم، لا شيء يخسرونه، ولذلك فهم أكثر استعدادا للنهاية الحقيقية.

 

ومن هنا قرّر فون ترير أن يصنع فيلما يرصد السلوك الإنساني في مواجهة نهاية العالم عبر جاستين/كريستين دانست الابنة الناشز لمجتمعها البرجوازي والتي تعاني من اكتئاب مزمن وأختها كلير/شارلوت جينسبرج الأكثر امتثالا لهذا المجتمع وتواؤما معه. جاستين تواجه النهاية في هدوء، بينما كلير لا يفلتها الذعر حتى النهاية. فيلم فون ترير مثلما هو فيلم عن الأبوكاليبس هو تشريح سينمائي دقيق للاكتئاب.

 

المدهش في فيلم فون ترير هو أن خياراته الشكلية تُناقض مضمونه، فافتتاحية الفيلم التي تستمر لمدة 8 دقائق مقسّمة إلى 16 لقطة بالتصوير البطيء، وعلى الرغم من مضمونها الكئيب فإنها أقرب إلى تابلوهات فائقة الجمال. تُشفِّر الافتتاحية فيلم فون ترير، إذ نتعرّف خلالها على جاستين، وجهها الغارق في الكآبة لكن دون جزع بينما تتساقط حولها طيور ميتة من السماء. كوكب ميلانكوليا يقترب من الأرض ويصطدم بها في نهاية الافتتاحية، نشاهد ذعر كلير وهي تحاول أن تهرب بصحبة ابنها من وجه القيامة بينما تغوص أقدامها في الأرض.

هذه الافتتاحية تخدم بالفعل فلسفة الفيلم، فقبل حتى أن يبدأ الفيلم يكون العالم قد انتهى بالفعل، وحين تواجه جاستين النهاية تكون قد واجهتها من قبل. يصير الأبوكاليبس هنا معادلا لرغبة المكتئب في الموت، إذ يحوِّلها فون ترير هنا إلى حنين رومانتيكي ورغبة إيروسية.

 

فافتتاحية الفيلم التي تُصوِّر نهاية العالم تأتي على خلفية المقدمة الموسيقية لأوبرا "تريستان وايزولده" من تأليف ريتشارد فاجنر والتي تُوصف من قِبل نُقادها بأنها صرخة من ثلاثة فصول نابعة من ثمالة الحب. هناك مشهد آخر نستطيع أن نعتبره مجازا لفيلم فون ترير، فمع أنباء اقتراب كوكب ميلانكوليا من الأرض، نشاهد جاستين تتقدم نحو الغابة، تنزع ثيابها وترقد عارية تحت الضوء الأزرق البارد لكوكب ميلانكوليا الذي يقترب بينما تتطلع له بتوق إيروتيكي. بينما يفشل زواجها في النصف الأول من الفيلم، تتطلع جاستين نحو ميلانكوليا كزوج منتظر. فون ترير يصنع عملا رومانسيا عن نهاية العالم، ربما هو أجمل أبوكاليبس رأته السينما.

 

يُنهي فون ترير فيلمه بقِران ميلانكوليا بالأرض، ربما هو الفيلم الوحيد الذي تصير فيه نهاية العالم هي نهاية الفيلم. هناك تقريبا 10 ثوانٍ من الصمت مع شاشة سوداء قبل نزول تترات النهاية.(5) يرى "سلافوي جيجيك" على غير العادة في "ميلانكوليا" فيلما متفائلا، فهذه السكينة التي تواجه بها جاستين نهاية العالم، وتقبُّلها لحقيقة الموت دون فزع يراه شيئا إيجابيا.(6) يكاد رأي جيجيك يكون متوافقا مع مقولة دريدا: "هل يمكن أن نتعلّم كيف نحيا؟ أنا لم أتعلم أبدا كيف أحيا، إذ إن تعلُّم الحياة يعني تعلُّم الموت، أن تأخذه في الحسبان وأن تتقبل حقيقته، فكلنا ناجون مع إيقاف التنفيذ".

هامش

  • (*) وحش مينوتور (Minotaur) في الأساطير الإغريقية وحش له رأس ثور وجسم رجل. تقول الأساطير إنه وُلد نتيجة اتصال جنسي بين ثور وبسيفي، زوجة الملك مينوس، ملك كريت. وقد حبس مينوس وحش المينوتور داخل المتاهة، وهي مبنى من ممرات معقدة ومحيرة يستحيل على أي أحد الفرار منها. وكان مينوس يقدم كل سنة سبعة فتيان أثينيين وسبع عذارى أثينيات قرابين للمينوتور. وتمكّن ثيسيوس الأثيني من قتل المينوتور في النهاية، والفرار من المتاهة باتباع خيط أعطته له أريادنه ابنة مينوس.

المصادر

  1. الكتاب الأحمر لكارل جوستاف يونج.
  2. Michael Shannon Talks ‘Take Shelter' & Anticipating the Storm.
  3. Journal of Religion & Film.
  4. القصة لروبرت مكي.
  5. Peter Szendy, Will Bishop, Samuel Weber – Apocalypse-Cinema_ 2012 and Other Ends of the World (2015, Fordham University Press).
  6. The Optimism of Melancholia | Slavoj Žižek | Big Think.

حول هذه القصة

لم تكن رواية "High-rise" هي الوحيدة التي تضمّنت تنبؤات بالارد. فالرجل الذي يُوصَف بأنه عملاق الجغرافيا الأدبية، تنبّأ في أعماله الأخرى بأمور صار من المذهل أنها تحقّقت، فهل نرى واقعنا الآن في الفيلم؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة