فيلم "High rise".. كيف تمسخنا الرأسمالية؟

ذات ليلة من ليالي عام 2014، لمح "بن ويتلي" نسخته من رواية "High-rise" للروائي الإنجليزي "جيمس بالارد" بين ركام الكتب في مكتبته، أخرجها مستعيدا ذكرى انبهاره بمحتواها الصاخب إبّان مراهقته قبل 25 سنة. غير أنه هذه المرة عكف ليلته على التهامها بانبهار طازج جديد، وهو يلهث خلف تنبؤات بالارد بالمستقبل القريب الذي بات واقعنا الآن. في الليلة ذاتها هاتف ويتلي وكيل أعماله قائلا: "سأصنع فيلما عن رواية "High-rise". لنباشر العمل". هكذا قدّم ويتلي الفيلم الخامس في مسيرته الإخراجية اللافتة، ليُطلقه في مارس/آذار 2015.

 

لم تكن هذه الرواية هي الوحيدة التي تضمّنت تنبؤات جيمس بالارد. فالرجل الذي يُوصَف بأنه عملاق الجغرافيا الأدبية(1)، تنبّأ في أعماله الأخرى بأمور صار من المذهل أنها تحقّقت، مثل بناء جدار برلين ورئاسة رونالد ريجان ووفاة الأميرة ديانا وغيرها من أحداث العنف التي أثّرت على العالم في السنوات الماضية. ولم يكن هذا هو السبب الوحيد كي يُدرج قاموس "collins" الإنجليزي صفة "Ballardian" للدلالة على عوالم جيمس بالارد الديستوبية المتفرّدة، وإنما أيضا كونه رائدا ضمن أبرز مؤرّخي ورسامي خرائط المجتمع الرأسمالي/الاستهلاكي وحدوده التشريحية، وكلها مزايا لم يفوّتها بن ويتلي في نسخته السينمائية.

رأسمالية دانتي

"أنتوني: أنت مطرود.

سيمونز: لستُ أعمل لديك. أنا أعمل لدى البناية".

اليوم الذي جلس فيه الدكتور "روبرت لانج" أشعث أغبر ملطخا بالدماء، ليشوي فخذ الكلب المرافق له الذي قتله توا، لم يكن هو اليوم الأول له في البناية. اليوم الأول كان قبل ثلاثة أشهر، وكان متأنقا في حلة رمادية في شقته الرمادية التي اشتراها بعقد مميّز، ومن خلفه سماء رمادية. في البداية بدا كل شيء محكَما، هناك تعليمات لأدقّ التفاصيل.

 

البناية عملاقة، تضم 40 طابقا، متدرّجة في مستوى قاطنيها، من ذوي الطبقة المتوسطة في الأدوار الأولى، مرورا بأدوار منفصلة لصالة الرياضة والاسكواش والمتجر، وصولا إلى أثرياء الطبقة المخملية في الأدوار الأخيرة، وفي الطابق 40 الذي يبدو قطعة من الريف الإنجليزي يسكن المعماري "أنتوني رويال" مؤسس البناية التي تُجسّد الرأسمالية مع الهندسة المعمارية ما بعد الحداثية، باعتداد قاتم لم يتأثر بأطروحات فلاسفة النقد الاجتماعي تيودور أدورنو، وفالتر بنيامين، وهربرت ماركوزه، في نقدهم للهندسة المعمارية الحديثة ومعاداتها للإنسانية، وعدم مناسبتها للسكن البشري، ومن بعدهم الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو الذي ركّز على جانب السياسات الحيوية لهذه الأنماط المعمارية الشمولية في كتابه "المراقبة والمعاقبة".

 

في الفيلم الذي أعدّته للسينما إيمي جامب، يُبدع بن ويتلي في إظهار طابع الاعتداد والاكتفاء الذاتي للبناية، التي تُلبّي جميع نزوات سكانها مهما كلّفت، فلا تجعلهم بحاجة إلى مغادرتها، مشكّلة نتوءا طوباويا منقطعا عن الحياة خارجها ومستعليا عليها.

تدريجيا، ومع تراكم تفاصيل الطبقية والاستباحة في حقّ مَن هم أدنى اجتماعيا، والاكتظاظ السكاني، والمجتمع الاستهلاكي المتشبٍع بوسائل الإعلام، تبدو تصميمات البناية وبيئتها غير مناسبة لسُكنى البشر. ذلك أن التفاعلات المتأصّلة داخل الاقتصاد الرأسمالي تُنتج أضرارا جسيمة حيث تُولّد درجات من عدم المساواة مدمّرة للتماسك الاجتماعي، وتُدمّر الحرف التقليدية [لا يوجد عمّال صيانة أو خدمات فعّالين في البناية ككل]، وتُسمّم البيئة، وتترك الناس في حالة من الدفاع عن النفس، وتُسبّب حالة من القلق الدائم والإحساس بالخطر لدى الأفراد والمجموعات(2).

 

حين يلتقي لانج بالمعماري رويال أول مرة، يُطلعه رويال على التصميم الهندسي لمشروعه العملاق الطّموح، يُعلّق لانج على خطوطه المتداخلة في جمال فوضوي: "يبدو كرسم مشوّه من اللا وعي يُشخِّص نوبة نفسية"، ليُبدي رويال إعجابه بالتوصيف ويؤكد: "المشروع يحتاج إلى الكثير كي يكتمل". ولأن الرأسمالية نظام متناقض في العمق، عُرضة للاضطرابات والأزمات، التي تصل أحيانا إلى درجة من الحِدّة تجعل النظام ككل يبدو وكأنه في حالة من الضعف وعُرضة للتحدي، وأن الاختبارات تُشكّل خطرا عليه وإن كانت عابرة، فإن الرأسمالية كعادتها تُجيد التغذّي على أزماتها، حتى وإن كانت نابعة من داخلها.

لم يكن الأمر إلا أن تكرّر انقطاع الكهرباء عن أول 14 طابقا عدة ساعات، حتى بدأ المبني الطوباوي رحلةَ تحوّله إلى جحيم شاهق من العنف والعربدة. في البدء تذمّر سكّان الطوابق المتضرّرة، وأجاب مندوب البناية عن شكواهم من انقطاع الماء والكهرباء مراوغا بأنّ تحميلهم الزائد هو سبب انقطاع الكهرباء. مع مرور الأيام، تتفاقم الأمور، ويبدو وكأن مجتمع البناية الاستهلاكي حين لم يجد ما يستهلكه بدأ يستهلك نفسه بنفسه. وكأننا في معالجة مرئية عصرية لجحيم دانتي، تنتقل بنا الكاميرا كثيرا طوال الفيلم، عبر الممرات الصاخبة، والشقق المفتوحة للاحتفال، والسلالم المزدحمة بالنفايات، حتى أنابيب تصريف القمامة وأنابيب التهوية تأخذ فيها جولة.

 

هل يسكت السادة في الأعالي؟ وكيف يُطيقون والبناية تحتاج إلى يد مسيطرة تضبط هذه الفوضى؟ صاحب البناية يعوّل على حرية قاطني البناية، لا ينوي أن يتدخّل بين الناس، وينتظر أن يجد حلا لمشكلة الكهرباء. يقرّرون أن يردّوا بحفلة تُري ساكني الأدوار السفلية أنهم أفضل منهم؛ فـ"التنافس الصحيح هو أساس ازدهار الاقتصاد الحديث؛ ولكنك محقّ لا بدّ أن ننتصر". وتبدأ سلسلة جديدة من الانتهاكات.

بالسلاسة ذاتها يستمر شريط الأحداث، مغلّفا بموسيقى كلينت مانسيل المدهشة، لتنتقل عدوى الفوضى إلى كل شبر في المكان، مَن بالأسفل يصعدون للأدوار العليا، وأصحاب الأدوار العليا يعيثون في الأدوار السفلى. حالة انحدار بربرية سلِسة منغمسة في نظام البناية وبيئتها، ومدفوعة بها؛ السّخط والعنف حاضران -دون بيانات مضادة أو مشاعر ثورية- كردّ فعل بشري طبيعي على الرأسمالية. ليست رأسمالية سكّان الأدوار العليا، وإنما الرأسمالية الكامنة في نظام البناية وبيئتها، للدرجة التي دفعت سيمونز -مساعد رويال- إلى مواجهته بأن ولاءه الحقيقي ليس لذاته ولا لرويال، وإنما "للبناية".

 

نصل إلى نهاية المعترك، وقد مات أغلب سكّان البناية، وتولّت مجموعة من النساء العمل على تهيئتها من جديد. "لقد انتصرت الرأسمالية، ولكن غنائمها لم تصل إلى الجميع"، كما تقول نورينا هيرتس في "السيطرة الصامتة"(3).

 

سنعود من جديد، وبالسلاسة نفسها، إلى لانج لنشاهده وهو يشوي فخذ الكلب الذي قتله بعد أن رافقه في لحظات صعبة، وسيُقدّم قطعة مطهية منه إلى صديقته شارلوت. ستحضر الدهشة: لماذا يبدو كل شيء مألوفا لنا الآن؟!

مع الرأسمالية الجميع موصومون

"جين: كيف هي الحياة في البناية العالية؟

لانج: تقودك إلى نوبات من الهوس والنرجسية وانقطاع الكهرباء".

كان دافع لانج الرئيسي لسُكنى البناية هو الاستثمار في المستقبل، أن يختار شيئا ليترك عليه بَصمته. في البداية يبدو هذا مغريا وساحرا، حيث الكحول متاح، والتجارب الواعدة المثيرة حاضرة، ثم وببطء تنحرف الأمور إلى مسار خاطئ، حيث تنغمس الشخصيات من حوله في شهواتها خلف أقنعة تُجرّدها من قيمها المتحضّرة.

 

حتى لانج نفسه يفعل هذا، حين يساير رغبته في التلاعب بتلميذه المتعجرف في كلية الفسيولوجيا، مونرو ابن المعماري رويال، ويوحي له أنه مصاب بالفصام، ما يترتّب عليه أن ينتحر مونرو قافزا من البناية على مرأى الكثيرين. وبمرور بعض الوقت في صخب الأحداث، يبدو أن عقل لانج يتساقط منه تحت وطأة الإجهاد والقلق والشعور بالذنب، بينما يقاوم البناية وما تُمثّله، محاولا السيطرة على ما يمكنه السيطرة عليه.

 

لأجل هذا، قاتل عن علبة الطلاء في المتجر باستحقاق واضح، كي يتمكّن أخيرا من طلاء الحائط كما أراد دائما، لنرى وجهه ملطخا ببقع الطلاء في هيئة تشبه بقع البهاق على جانب وجه مونرو، في تعبير بليغ عن الخلاص من عقدة الذنب بسبب مونرو، واستعادته السيطرة على جزء من ذاته وحياته. كانت لحظة تحرر حقيقية، لذا احتفل بعدها بمضاجعة صادقة مع هيلين.

بعدها، سيقبل لانج أن يشارك رويال في وجبة من لحم حصانه الوحيد الذي قتلوه لأجل الحفل (طهته وقدّمته له شارلوت)، لنصل معه في نهاية المطاف إلى حالة تصالَح فيها مع البناية، بل وصار يخاطبها، متجاوزا بنجاح ما يُعرَف بمعضلة الآباء الجدد (حين يعانون من الصداع وقلّة النوم، ويكون الخيار إما بإبطال الأعراض عبر تناول مسكّن والتأقلم مع الوضع، وإما بالتخلّص من الطفل سبب الأزمة) عبر التأقلم مع البناية دون القضاء عليها. هنا ندرك أن قتل لانج للكلب وطهيه له (قدّم منه وجبة لشارلوت ردا للجميل) يبدو منسجما مع منطق السرد في الفيلم -ومن قبله الرواية-، الذي تضمّن بنية معيارية جديدة تجعلنا مطالبين بتفهّم أفعاله الغريبة، وتعديل تصوّراتنا وإدراكنا للوضع الجديد. بعبارة أخرى: تجعلنا مطالبين بتفهّم الرأسمالية، وأنّ ما يفعله ليس جنونا أو كارثة، وإنما هي نعمة الرأسمالية التي جعلت لانج يشرد في سَكينة، غيرَ معنيّ بشيء يترك عليه بَصمته، ولا بـ"إقامة عالم جديد من رماد عالَم قديم"، كما في الشعارات العمّالية المناهضة للرأسمالية.

 

وعلى مستوى آخر، نرى أنتوني رويال، المهندس المعماري مؤسس البناية، وهو يتصرّف بطريقة تُوضّح اتساقه مع ذاته بالأساس، مع تفهّمه لطبيعة الآخرين ورغباتهم. ففي الوقت الذي يذكر خليلته السابقة برقم شقتها كأنها نزيلة زنزانة في سجن (وهي لفتة رائعة تُوضّح روح البناية وبيئتها عبر عقل مؤسسها)، فهو يُقدِّر جدا ويراعي نخبة الأثرياء الذين يعتبرون البناية ملاذا أخيرا، يُقدِّم لهم كل شيء، ويُوفِّر لهم احتياجاتهم كافة، وقد رتّبوا أمورهم على هذا النحو لدرجة أن البناية باتت عالمهم الخاص، ولم يعد لديهم مكان آخر يذهبون إليه.

كل هذا وهو لا يحب مسايرة واقع التسلسل الاجتماعي الصارم داخل البناية، لأشخاص قد يكذبون لأجل الحصول على 10 دقائق إضافية في جلسة المساج، وآخرين يخشون أن يُذكّرهم أحد بأن الأمور قد تسوء. أمور كهذه تجعل منطقه يبدو لأول وهلة مريضا ومتناقضا، لكنها في النهاية وصمة الرأسمالية الغائرة.

 

الأكثر منه اتساقا مع ذاته هو "ريتشارد وايلدر"، صانع الوثائقيات الذي صنع وثائقيا عن السجون، ويعمل منذ سنوات على وثائقي جديد عن غياب العدالة. بعد أن يمضي قليلا في أحداث الفيلم، يُقرّر أن ينتزع عدالته بطريقته الخاصة، وهو ما يصل به إلى إحساس عميق بالذات يتجلّى في حواره مع لانج أثناء تقييمه النفسي الذي خلص منه لانج إلى اعتباره "أعقل شخص في هذه البناية"، وذلك بعد أن قتل وايلدر كلبا في حمام السباحة، وفور أن علم بعلاقة شارلوت القديمة مع رويال، اغتصبها بعد أن ظلّت تتمنّع عليه مطوّلا، وباتَ شخصية مؤرّقة لنخبة الأثرياء، فقط لأنه ليس من الفئة المسموح لها بالاغتصاب داخل البناية، ثم في النهاية يقتل رويال، قبل أن تُجهز عليه مجموعة النساء طعنا بالسكاكين في تشفٍّ وخلاص.

 

بينما زوجته هيلين، فقد صرّح صنّاع العمل في لقاءاتهم الصحفية(4)، أنهم يعتبرونها الشخصية المركزية في الفيلم بخلاف الرواية، فبينما نراها كمشاهدين وهي تخون زوجها وتُضاجع لانج، ثم تقبل بعملها بالسُّخرة في مغسلة البناية، يراها ويتلي باعتبارها "الوحيدة التي تبدو أكثر طبيعية، وتعمل داخل البناية بالطريقة الأكثر كفاءة، ويمكنها التحرك عبر الطبقات العليا بسهولة"، وفي الوقت الذي ينحدر فيه الجميع تتسامى هي وتصبح أكثر ثقة وسعادة. وهو ما ينقلنا إلى المحور التالي.

مِن ويتلي إلى بالارد: مع الحُبّ

"روبرت: هل شيّدت كل هذا؟

أنتوني: حلمتُ، وتخيّلت. أنا بالكاد أطوي أكمام قميصي. المشروع يحتاج الكثير كي يكتمل".

عندما دفع بن ويتلي بالرواية المكتوبة عام 1975م إلى إيمي جامب لتشاركه في كتابة السيناريو عنها في 2014، كان يعلم أن هذا الفيلم سيجري تشبيهه بأفلام من نوعية "Dredd, The raid, Snowpiercer"، وكان ردّه الجاهز: "إنّ هذه الأفلام تنتمي بالأساس إلى عوالم جي بالارد". وكأن ويتلي كان يهدف إلى ردّ الاعتبار لبالارد بتنفيذ واحد من أهم أعماله الديستوبية المتعثرة إنتاجيا منذ السبعينيات.

 

جمع ويتلي فريق تمثيل يضمّ أسماء ذات ثقل، من بينها: توم هيدلستون، وجيريمي آيرونز، ولوك إيفانز، وإليزابيث موس، وسيينا ميلر، وكيلي هاوس. وعندما عرض على كلينت مانسيل المعروف بانتقائيته الشديدة في أعماله، وافق مانسيل على الفور، وصرّح لاحقا: "معظم الأفلام تافهة؛ لذا أكون انتقائيا دائما بشأن المشاريع التي أقبلها، إلا أن "High-Rise" كان أحد المشاريع التي أردتها حقا"(5).

ولأن بالارد في هذه الرواية كان منشغلا بالأساس بالاستعمار الرأسمالي الكامل للمجتمع الاستهلاكي، مستقصيا الامتداد المكاني لهذا الاستعمار عبر المباني والطرق ومراكز التسوّق ومواقف السيارات، مع جرده المتكرّر لصورة حمامات السباحة والمباني المهجورة والأسماك النافقة واللوحات الإعلانية ومواقف السيارات متعددة الطوابق، فقد مثّلت كل هذه الصور تحديا دافعا لويتلي، لينقلها إلى الشاشة مُخرجا الفيلم في تشكيلات وتتابعات بصرية شديدة الثراء مكثفة المضمون، يكتشف المتفرج طبقات جديدة منها مع تكرار المشاهدة.

 

بالنسبة لويتلي، كانت الرواية لا تزال تحتفظ بطزاجتها، بل وبالارد نفسه ما زال طازجا ملائما مختلفا، ودليل ذلك، كما يذكر ويتلي في لقاءاته الصحفية، أن بالارد "رأى أن الأغنياء في المستقبل سيكون لديهم نزوع للابتعاد عن كل مَن عداهم. وهذا مثير للاهتمام أن ترى كاتبا كتب في السبعينيات وهو يتطلع إلى مستقبلنا". فضلا عن تنبؤه بأشياء كثيرة صارت من عالمنا الآن، كوسائل التواصل الاجتماعي، وهوسنا بالتكنولوجيا، فكأنه جعل "High-rise" بمنزلة بيان (مانفيستو) متجسّد لتوقّعاته.

 

في الرواية، يتحدّث البطل عن عدم قدرته على مغادرة البناية عند لحظة معينة، مخافة أن تفوته المستجدات فيها، هذا يماثل الخوف من فوات مستجدات مواقع التواصل الاجتماعي. أيضا الكاميرا التي تصحب الناس لتصوير كل ما يجري في هوس غريب، هذا يشبه ما بات منتشرا الآن من "هوس تسجيل وبثّ كل شيء"، وإعادة مشاهدته كما لو أننا -حرفيا- لن نعتبره قد وقع فعلا إلا إذا كنا صوّرناه. لهذا يؤكد ويتلي كما في المؤتمر الصحفي المرفق: "كل الأفلام التي صنعتها كانت نوعا من رد الفعل على تجربة العيش في المرحلة التي تعرفونها الآن".

 

لقد كان جي بالارد أكثر من مجرّد متنبّئ متشائم بالانهيار الحضاري الذي لا يرحم، فقد وظّف في هذه الرواية جرأته وفضوله في دفع شخصياته إلى أقصى الحافة، ثم لم يخبرك بما يجعلك تتعاطف مع أيٍّ من الشخصيات. وبحسب مارسين تريزويسكي في ورقته "The Psychogeographical Dystopia of J.G. Ballard’s High Rise"، فقط يصف بالارد ما يجري، ويركّز على المكان والمناظر الطبيعية والهندسة المعمارية. ولأول وهلة ستبدو لك هذه الأماكن عادية ومألوفة ومسالمة، غير أنّ هذه الأُلفة تخبئ داخلها أشدّ العناصر خبثا(6).

 

لذا اجتهد ويتلي في الوفاء بحقّ الإبداع، وظلّ فترة يبحث عن موقع تصوير مناسب، حتى عثر على بناء مهجور منذ السبعينيات ما زال على حالته من حينها، فبدأ العمل على الفور، واختار شكلا للبناية مشابها جدا للبنايات في إعلانات السبعينيات. وهو إن كان لم يُصدّر في الفيلم ما صدّره بالارد في الرواية من اعتبار البناية ذاتها كائنا حيّا واعيا حقودا، فإنه حافظ على تصوير حالة التمازج بين الرأسمالية والهندسة المعمارية، وكذلك على العناصر التنبؤية التي قدّمتها الرواية. وهو ما يأخذنا إلى السؤال: إذا كانت الرواية قدّمت لنا نبوءات تحقّقت في واقعنا الحالي، فما الذي قد يُقدّمه لنا الفيلم؟

الجائحة Vs البناية

البناية لن تنهار، يمكنك اختبارها بالأزمات بعض الوقت، وسيصبّ الأمر في النهاية في صالح البناية. وكذلك الرأسمالية لن تموت، يمكننا اختبارها عبر الأزمات التي قد تكون الرأسمالية نفسها سببا فيها، وفي النهاية يصبّ الأمر في صالحها.

جائحة كورونا الراهنة تُمثّل اختبارا فريدا وفائقا للرأسمالية، وقد رأينا بعض نتائجه التي تكاد تتطابق مع مشاهد داخل المتجر في الفيلم. الناس باختلاف طبقاتهم وهم يتسابقون ويتخطّفون البضائع والمستلزمات، ويتصارعون عليها، وبصحبتهم مَن يصوّر ويوثّق الصراعات والجري واللهاث. رأينا مشاهد ولقطات متطابقة جرت في فروع متجر "وولمارت" بأميركا على إثر إعلان حجم خطر فيروس كورونا (كوفيد-19). على مستوى الدول، تكرّرت أمور شبيهة، وعلى النسق نفسه، دول رأسمالية تُصادر شحنات طبية متجهة إلى دول مجاورة، ودول تُقرصن وتُزايد للحصول على منتجات طبية مخصّصة بالفعل لغيرها. هذه أمور أخبرنا الفيلم عنها قبل وقوعها.

 

أيضا، قبل نهاية الفيلم نرى الطفل توبي (الابن السِّفاح لشارلوت من المهندس المعماري مؤسس البناية) يشق طريقه صاعدا في ثبات على سلّم طوارئ بارتفاع المبنى. وفي النهاية نراه متأنقا كالطفل المدير، متشبعا بإحساس أنه آخر مَن تبقّى، يجلس في أعلى نقطة ويستقبل بثا إذاعيا لأحد خطابات مارجريت تاتشر -رئيسة الوزراء البريطانية وإحدى عرّابات النيوليبرالية-، تقول فيه: "منظومة الشركات الحرّة ضرورية ولكنها ليست كافية. هناك منظومة اقتصادية وحيدة في العالم: الرأسمالية. الفرق يكمن فيما إذا كان رأس المال في أيدي الدولة، أم في أيد خارجة عن سيطرة الدولة. أينما وُجِدَت رأسمالية الدولة، لن تكون هناك حرية سياسية". المشهد الذي يُبشّر بأن الشركات ستصبح الوريث المستقبلي للدولة وسُلطاتها، باعتبارها الابن السِّفاح، في نبوءة متحقّقة، حتى من قبل أن تفرضها تاتشر في بداية الثمانينيات تحت شعار "لا بديل"، وصولا إلى حاضرنا الذي وصفته نورينا هيرتس في كتابها "السيطرة الصامتة" بقولها: "إنه عالم يركع فيه ممثلونا المنتخبون أمام رجال المال والأعمال، ولا يتورعون عن الرقص لهم". لذا، لم يكن مستغرَبا استغلال الشركات لظروف أزمة جائحة كورونا للضغط على الحكومات باتجاه عمليات إنقاذ حكومية غير مسبوقة تتضمّن قروضا وضمانات قروض وإعفاءات ضريبية، أو للسعي وراء مشاريع وعقود حكومية إضافية مربحة أكثر، وكان طبيعيا أن تسارع أغلب الحكومات إلى الاستجابة لهذه الضغوط والمطالبات.

أخيرا، وبعيدا عن الصخب الذي اندلع في أرجاء البناية، تُشكِّل مجموعة من النساء من أنفسهنّ تكتلَ قوى بديلا سيحلّ في النهاية محلّ رموز البناية الفاعلين فيها (المعماري، ونخبة الأثرياء، ووايلدر). من السهل أن يُفهَم هذا باعتباره إرهاصا بصعود النسوية، أو تجسيدا لسيطرة أنثوية قاسية دامية، غير أن تفسيرا أقوى منه ويتماشى مع السياق أكثر يأتينا من إستراتيجية "النخر في الرأسمالية" التي طرحها إريك أولين رايت في ورقته "كيف تكون مناهضا للرأسمالية هذه الأيام؟". تعمل هذه الإستراتيجية عبر استثمار الفراغات والتصدُّعات في النظام الرأسمالي المعقّد، والسيطرة على هذه المساحات وشَغلها في صمت، والعمل على توسعتها حتى تصل إلى مدى يقلّص هيمنة الرأسمالية ويجعل الهيمنة للإستراتيجية المرصودة. وهو ما يتطابق مع سلوك مجموعة النساء التي هيمنت على البناية ونماذجها التصميمية، وحلّت محلّ مجموعة من المتجبّرين الفاعلين في نظام البناية. الأمر الذي يدعو إلى استثمار هذه الفرصة النادرة وتتبّع الشروخ والفراغات التي أحدثتها الارتباكات المتتالية لجائحة كورونا في بنية النظم الرأسمالية وآلياتها والفاعلين فيها، ومحاولة توطين إستراتيجية نخر مماثلة، أو تطويرها إلى إستراتيجية الترويض المذكورة في الورقة نفسها.

________________________________________________________

المصادر:

  1.  Up Rising: Rehabilitating J.G. Ballard’s High-Rise with R.D. Laing and Lauren Berlant
  2. كيف تكون مناهضا للرأسمالية هذه الأيام؟، إريك أولين رايت، ت: محمد صلاح علي.
  3.  السيطرة الصامتة: الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية، نورينا هيرتس، ت: صبحي حطاب، عالم المعرفة 336.
  4.  HIGH RISE Press Conference | TIFF 2015.
  5. Interview: Clint Mansell on High-Rise.
  6.  – Modern Wastelands: The Psychogeographical Dystopia of J.G. Ballard’s “High-Rise, Marcin Tereszewski.”

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة