فيلم "The Remains of the Day".. حين تتجمد الحياة فلا يعود لليوم بقية

في طريق يُفضي إلى قصر مهيب مليء بالأشخاص حيث يًقام مزاد لبيع ما تبقى منه، ينبثق صوت مدبرة المنزل التي عملت هناك لسنوات من رسالة موجهة إلى رئيس الخدم "مستر ستيفنس"، ليطل علينا أنتوني هوبكنز وهو يُشرع إحدى النوافذ، متجولا وحيدا تحيطه أطياف الراحلين التي لا تلبث أن تتلاشى، كشأن مدبرة المنزل آنسة كينتون/إيما تومسون التي يشاهدها من نافذة المطبخ مقبلة وتضمحل صورتها حتى تختفي. 

    

يباشر مستر ستيفنس تقديم الإفطار لرب عمله الجديد السيد لويس/كريستوفر ريف، ثم يسأله الذهاب في جولة للبحث عن مساعدين إضافيين من الخدم. يوافق لويس بحماس، وتبدأ رحلة ستيفنس للقاء الآنسة كينتون التي أبدت في خطابها رغبة في العودة إلى العمل معه. وكلما ابتعد ستيفنس في جولته عن القصر الذي أمضى فيه ردحا من عمره، اقترب من فهم حياته وتوغل في نفسه حتى تنكشف البواعث الحقيقية الشخصية وراء جولته، لتدور ذاكرة ستيفنس كشريط سينمائي في فلاش باك يستعرض الماضي وتتداعى الذكريات.

  

هكذا يفتتح المخرج جيمس أيفوري فيلمه الحائز على الأوسكار المستوحى من رواية "بقايا اليوم" للكاتب الياباني "كازو إيشيجورو"، ويدور الفيلم في معظمه في قصر دارلنجتون هول الذي كان مقرا ملكيا في السابق، إذ طبع اهتمام جيمس أيفوري بالفن المعماري على روح أفلامه، فكان مأخوذا بقصور الهند في أعماله الأولى، إلى القصور الريفية الإنجليزية الكبرى التي جعلها موقعا للتصوير في فيلم "بقايا اليوم". شغف أيفوري بالمكان وليد من رغبته في خلق بنية واقعية متكاملة [1]. 

       

أنتوني هوبكنز يقوم بدور رئيس الخدم (مواقع التواصل)

      

منذ اللحظة الأولى نعرف أن الفيلم يتمحور حول حياة رئيس الخدم الإنجليزي الذي أفنى شبابه وكهولته في خدمة اللورد (المالك القديم للقصر)، بانيا قناعات هشة للتماهي مع واقعه. يصور أيفوري كيف يُشكِّل العمل والنظام الصارم أحيانا حاجزا آمنا بيننا وبين مواجهة حقائق الحياة ومشاعرنا، كما يحكي عن الفرص الضائعة والخوف الذي يتحكم في الإنسان ويقف حائلا بينه وبين الحب والاستقلالية والحرية، وعن مشاعر الكبرياء والوحدة والخواء والنظر بندم لحكاية المرء التي عايشها من بعيد.

    

الافتتاح بمونولوج ذاتي

تعتمد الرواية على المونولوج الذاتي، صوت ستيفنس الداخلي وأفكاره التي تنساب على الورق. نخلص إلى حقيقة أنه لا يستطيع أن يقول أو يفكر في أي شيء يشعر به حقا، إذ يعتنق دائما وجهة النظر المهنية التي اعتمدها طوال حياته. يقتبس الفيلم من الرواية بشكل حرفي إلى حدٍّ كبير، إلا أن تمثيل أنتوني هوبكنز هو ما بعث في ستيفنس الحياة.

  

منذ البداية تُقدَّم شخصية ستيفنس كرئيس خدم متفانٍ في العمل ومنغمس فيه حتى أذنيه طواعية. نعي بعدها أنه ما من شيء يفوق العمل أهمية في حياته. يؤرقه ذلك التساؤل عن ماهية الكرامة، ويجزم أنها شيء يمكن أن يسعى المرء جاهدا لاكتسابها من خلال عمله بأن يكون قادرا على الحفاظ على مهنيته بغض النظر عن الظروف. يصطدم ظنه بمفاهيم آخرين مغايرة للكرامة تخل بعالمه الهش في النهاية [2]. وتعود ذاكرة ستيفنس بداية إلى لحظة فارقة قبل الحرب العالمية الثانية، وهي المرة الأولى التي رأى فيها آنسة كينتون، ومن منطلق رؤيتها تُستهل الحكاية. يستذكر وصولها العفوي إلى القصر، واجتماعه بها قبل سؤال اللورد توظيفها هي ووالده المسن في طاقم الخدم، والذي قوبل بالإجابة. 

    

إيما تومسون في دور أنسة كينتون (مواقع التواصل)

    

بين عالمين

يتنقل ستيفنس بين عالمين مختلفين، نلحظ خلالها تغيّر شخصيته في كل مرة بما يتوافق مع كليهما، ففي عالم "الطابق العلوي" الذي يخدم فيه اللورد والسيد فراداي من بعده وجميع ضيوفهم، يجب أن يحافظ على طبيعة صارمة ويقظة في جميع الأوقات. حينها يرى ستيفنز نفسه كاملا، بتجرده من رغباته ومشاعره وهويته، من أجل القيام بعمله بأقصى قدر من الاحتراف. 

  

وعلى النقيض في عالم "الطابق السفلي"، فإن ستيفنز ليس خاضعا، وإنما يتولى زمام الأمور، ويتعامل مع موظفيه من موقع المسؤولية. يتعارض هذان العالمان لأنهما يتطلبان مفاهيم مختلفة للهوية. في الطابق السفلي، يكون محصورا وسط مشاعره التي أثارتها الأحداث، بينما يضطر إلى الاختباء وراء الأقنعة في الطابق العلوي. السؤال هو ما إذا كان بإمكان ستيفنس التوفيق بين هذين العالمين، وهو ما لم يستطع في النهاية تحقيقه [3].

   

أن تقايض الحب بالعمل

لأن ستيفنس يظهر منهمكا في العمل على الدوام، فإن محاولات الآنسة كينتون لاقتحام عالمه تقابل بالصد. تأتي المحاولة الأولى حينما تقتطف بضع وردات لإهدائها إليه، تضعها في غرفته، معلّقة أن ذلك من شأنه أن يعطيها رونقا، وتقترح أن تواظب على تجميل غرفته بها، لكن ستيفنس يقابل عرضها برفض مهذب؛ لاعتباره أن غرفته هي مقر عمله ولا يرغب فيها بأي مشتتات، مديرا بعدها دفة الحديث إلى العمل. نلتقط من ذلك المشهد الذي لا يتعدى دقائق معدودة إسقاطا للغرفة على دواخل ستيفنس التي تحاول كينتون النفاذ إليها.

    

  

يخبره اللورد عام 1923 أن حدثا فارقا على مشارف الحدوث؛ وهو مؤتمر نظمه لإقناع مجموعة من السياسيين الدوليين بتخفيف العقوبات الاقتصادية القاسية على ألمانيا بعد الحرب، بدافع من قناعة تحكمها العاطفة، فحواها أنه يريد أن يجعل العالم مكانا أفضل، مُنوها إلى مسؤولية ستيفنز في الحفاظ على العشاء والمشروبات وغيرها من وسائل الراحة في حالة سلاسة. يعتبر ستيفنس نفسه جزءا من كيان عظيم، ويصب اهتمامه على الحدث [4]. 

    

تعتل صحة أبيه في ذلك اليوم وتتدهور، لكن ذلك لا يثني ستيفنس عن أداء مهامه. وبينما تلح كينتون على ستيفنس بضرورة المرور على والده الذي يطلب رؤيته، يذهب لدقائق، ورغم وعي ستيفنس ووالده باحتمالية أن تكون تلك المحادثة الأخيرة بينهما، فإن كلماتهما تفتقر إلى الحميمية.  يتحدثان قليلا عن تجهيزات المؤتمر، ويطلعه والده عن أمر طالما جهد في إخفائه؛ وهو أنه أحب والدته مرة، وتوقف عن حبها بعد أن علم بخيانتها له. يتلقى ستيفنس الحقيقة بحزن صامت ويقف وسط محيط من العتمة مادا يده إلى والده، ناشدا أن يشد عليها وينتشله من ظلمته الحالكة التي تتبعه كالظلال. ربما في إسقاط على ضلالة. لكن أباه يخذله، بجموده، ويحثه على العودة إلى العمل. 

  

يعود ستيفنس لممارسة عمله، وبعدها بفترة وجيزة تحمل إليه كينتون خبر رحيل والده، لا يُعلِّق ستيفنس إلا بكلمة "فهمت". تستعلم منه إن كان سيرافقها لإغلاق عيني والده الذي فارق الحياة وتوديعه، فيجيبها أنه مشغول الآن، ليعقب بعدها أنه ليس بارد العاطفة، لكن والده كان ليرغب في أن يستمر في العمل، وينصرف مستأنفا الليلة بذهن شارد وعينين دامعتين.

 

يرتب أيفوري أحداث فيلمه بسرد خطي يُظهر خلاله كبح ستيفنس المستمر لمشاعره، إلى جانب انسحاقه الدائم أمام سيده. هكذا لا يبقى ستيفنس شخصا ذا كيان مستقلا، وإنما كتاب للورد، أفعاله ومشاعره منوطة بسيّده وتتأهب لمجاراته. فاحتفاء اللورد بخادمتين يهوديتين ألمانيتين حديثتي التعيين جعلهما محل إعجاب ستيفنس. وتقلب قناعات اللورد وانعقاد عزمه على تسريحمها لديانتهما دون ذكر السبب؛ يحمله إلى توكيل ستيفنس بالمهمة، والذي يمتثل مؤمنا بقرارات سيده دون اجتهاد لفهم مقاصدها. يباغته سؤال اللورد عنهما بعد مرور أكثر من عام، يلحق سؤاله بإشارة أن طردهما كان خطأ، إذ ذاك يصرح ستيفنس لكينتون بأنه لم يكن راضيا عن فصلهما آنذاك. 

    

  

وصف المخرج جيمس أيفوري بطله في أحد اللقاءات التليفزيونية: "مثله مثل الكاهن الذي يضع حياته على مذبح، يخدم ربه دون قيد أو شرط، وفي هذه الحالة، فإن ربه يكون اللورد". ففي حياة ستيفنس لا توجد بقايا لليوم، وقته وفكره موجهان إلى خدمة سيده الأرستقراطي الإنجليزي، في الصواب والخطأ [5]. تمر الأعوام، ويكشف اللورد لستيفنس ساعة احتضاره أنه ارتكب العديد من الأخطاء. كان غرا وتلاعب به الألمان كحجر في شطرنج، ليهوي حينها شيء داخل نفس ستيفنس كان قد جاهد طويلا في تشييده، ويُتهم اللورد بعد وفاته بالخيانة.

    

الحياة كجسر من الأوهام

يتلاقى "بقايا اليوم" مع فيلم "عن شميدت" لألكسندر باين الذي يعرض شخصية شميدت/جاك نيكلسون الذي أمضى سنوات طويلة في خدمة الشركة التي يعمل بها بإخلاص، يصل أخيرا إلى سن التقاعد ويحتفل به زملاؤه في حفلة صغيرة أُقيمت لوداعه. في اليوم التالي يذهب لإلقاء التحية على بديله الذي شغل مكانه، فيجد جميع ملفاته ملقاة في صناديق المهملات. يفكر شميدت أنه طوال السنوات الماضية كان في غفلة عن الحياة، وهو أمر مشابه لما يعانيه بطلنا هنا، في بقايا اليوم. كلا البطلين بدّد عمره في شاغل إنجاز العمل، دون التمعن فيما يمكن أن يحققه كلٌّ منهما لنفسه خلال ذلك. كان الولاء المطلق لجهة العمل ونكران الذات سمة طغت على شخصياتهما بمرور الزمن.

    

  

يُشدّد أيفوري على تلك الفكرة، بالإضافة إلى ثيمة أساسية؛ وهي القناعات التي تُبنى على أساس واهٍ، عامدا إلى الحط من الرموز التي عاش بها كلٌّ من اللورد وستيفنس، والتي لم تعد مطلقة، وإنما مصادر خداع ذات مدمرة حولت ستيفنز إلى مفارقة مأساوية جعلته يتنكر في حاضره من خدمة اللورد، بعد أن كان ذلك مصدر فخره الوحيد [6]. يتجلى اعتقاد مفاده أن معنى أن يكون صاحب العمل لا أخلاقيا يعني أن ستيفنس لا أخلاقي أيضا. إن قبول خطايا اللورد التي عاش حياته جاهلا عنها يجعله الآن في نظر الجميع متواطئا، بعد أن اعتقد طوال حياته أنه لم يكن لديه خيار في أي مسألة، كما أوضح في النهاية: "لم يكن اللورد رجلا سيئا […] في النهاية لقد اختار مسارا معينا في الحياة، والذي ثبت أنه مضلل، ويمكنه الاعتراف بذلك على الأقل. أما بالنسبة لي، فأنا لا أستطيع حتى أن أدعي ذلك. كما ترون، لقد وثقت به فقط" [7].

    

هنا يُثير إيشيجورو في روايته تساؤلات يُمرّرها أيفوري خفية، عن علاقتنا الحقيقية بالسلطة، وعن ماهية الكرامة. وكما عبّر إيشيجورو في أحد لقاءاته فإن شخصية ستيفنس ورهانه حياته وهويته لشخص آخر، موقفه الأخلاقي والسياسي يُمثِّل الأغلبية منا [8]. ويقودنا إلى التفكير في مسؤولية ستيفنس الأخلاقية، هو وكل مَن شاركه منا يوما موقفه. يجادل الفيلسوف ستراوسن بأن الإنسان يكون متورطا أخلاقيا فقط إن كان حرا تماما. ويرد هوبز وهيوم بأن الواقع يفرض علينا أحيانا قيودا يومية على سلوكنا (على سبيل المثال، العوائق المادية التي تجعل من المستحيل علينا التصرف كما نشاء). ونخلص إلى أن الإنسان لا يتحمل مسؤولية أخلاقية إن كان تورطه عن إكراه أو ضغط أو اضطرار، لكن اختيار الشخص أن يتغافل بمحض إرادته يجعل منه نصف مذنب، بحسب هيوم. 

   

كما أن خداع الإنسان لذاته معتقد التقطه نيتشه قديما وخاض فيه:

"مع كل ما يسمح به المرء بالظهور (من مشاعر وانفعالات) يحدث أن يلوح تساؤل: ما المغزى من الكتمان والتخفي وراء أقنعة؟ وما الذي نخفيه في طويتنا؟ وإلى أي مدى قد يخدع الإنسان نفسه؟

(فريدريك نيتشه، الفجر)

  

فبما أن البشر لا يتصفون بالكمال، فإن ارتكاب أخطاء لا حصر لها، والإخفاق في العديد من المساعي، يثيران الرغبة في التفكير أن الكل صالح بطريقته الخاصة، وأن الطريق الذي يسلكه الإنسان لا بد وأنه مسار نبيل، وهو ما يُشار إليه أحيانا في علم النفس بالتقنيع الداخلي. لكن خداع الذات يتخذ شكلا آخر يسمى الإخفاء الخارجي، حيث ننكر فيه جوانب أو أحداث العالم الخارجي التي تُشكِّل تهديدا لصورتنا الذاتية [9]، وهذا ما حدا بستيفنس بالإيمان بمفهوم الكرامة الذي تصوره.

    

   

يقودنا كل هذا إلى خلق ما يمكن تسميته "بالكذبة النبيلة"، وهي القصة الخيالية التي يخبرها المرء لنفسه للحفاظ على صورة ذاتية إيجابية في مواجهة عيوبه العديدة. فيصبح مثلا ستيفنس أقرب إلى فرد يسير فوق فجوة عميقة يعلوها جسر ضعيف البناء. كما عبّر ليو تولستوي في روايته "آنا كارنينا": "الجسر هو الوهم، قد يسير المرء عليه لسنوات عديدة، لكن تظل احتمالية انجزاعه ومواجهة فجوة الحياة قائمة، وتتمدد لتنجلي بعد سنوات من خداع النفس" [9].

   

كما يحدث أن تتقابل شخصية ستيفنس مع بطل رواية "موت إيفان إيليتش"، إحدى روائع ليو تولستوي، فالشخصية الرئيسية في هذا العمل هو قاضٍ روسي حقق نجاحا كبيرا في الصعود إلى قمة المجتمع الروسي. ومع ذلك، أثناء الاستمتاع بثمار تعبه، يصاب بمرض عضال ويتأمل بعمق في معنى الحياة ليطارده شعور مُلِح بأن حياته قد ضاعت.

  

"يبدو الأمر كما لو كنت أنحدر بينما كنت أتخيل أنني أصعد. ففيما كنت أرتقي في نظر الرأي العام، كانت الحياة تضيع مني. والآن بعد كل شيء لم يبقَ سوى الموت".

(ليو تولستوي، وفاة إيفان إيليتش)

  

عن حب لم يكتمل

لا تتشابه قصة الحب في فيلم أيفوري مع غيرها من أفلام هوليود، فالبطل يظهر دائما على بُعد من الآخرين، محافظا على دائرة أمان أحاط نفسه بها تفصله عمّن حوله، متمسكا بالكُلفة والرسمية. تنطوي المسافات التي يُبقيها وتغلب على مشاهده في الفيلم على خوف من الحب والانجراف في المشاعر التي قد تُجرِّده من صلابته وقد تجرحه، كما تُهدِّد قناعته في أن يظل رئيس خدم عظيما، لذا فإنه لا ينفك يغلف هشاشته النفسية بقناع صلب.

     

  

وعلى غرار ستيفنس، لا يولي أيفوري اهتماما كبيرا لقصة الحب، فهي لا تتبلور إلا في ثلاثة مشاهد على الأكثر. تتبدّى رابطة الحب غير المعلن في مشهد ذي إضاءة خافتة، حينما تقطع كينتون على ستيفنس خلوته في حجرته ذات ليلة، فتجده يطالع كتابا، تسأله عما يقرأ، فيتهرّب من الإجابة ويُخفي الكتاب بحركة سريعة تجعلها ترتاب في أنه يتصفح كتابا إباحيا، تُصِرّ على المعرفة، ليتراجع ستيفنس مؤكدا لها أنها تتعدى على وقته الخاص، تُغامر كينتون بالاقتراب منه وسحق المسافات، ليحصر ستيفنس نفسه في زاوية الغرفة مديرا ظهره للحائط، تقترب الكاميرا بدنو كينتون وقبضها على الكتاب، لتكتشف أنه ليس سوى قصة حب قديمة. يخجل ستيفنس منها مبررا أنه يقرأها فقط لتنمية ثقافته، وفي ذروة المشهد وقد ذابت كل المسافات بينهما وعينا ستيفنس توحيان بتضارب مشاعره، ينطق محطما كل التوقعات، قاهرا عاطفته برجاء ألا تزعجه في لحظات انفراده بنفسه. تتراجع الكاميرا تعبيرا عن الخيبة محاكية فعل كينتون، لتصور ستيفنس بعدها هلعا آخذا وضعية دفاع ضد مشاعره محصورا في الزاوية وحيدا.

  

لا يتراجع ستيفنس عن موقفه، حتى عندما يتملك اليأس كينتون وتخرج مع آخر، يقف ستيفنس يرقبها من النافذه بسكون. وعندما تخبره عن عرض الزواج الذي تفكر به ورحيلها المحتمل يتمنى لها السعادة، ويستأذن في العودة إلى العمل، تسأله: "بعد مرور كل تلك السنوات من العمل معا ألا ترغب في أن تقول لي شيئا آخر؟"، فيكرر تهانيه الحارة وينصرف، لتردد كلمات غاضبة يستقبلها بهدوئه الحزين وينصرف إلى عمله. فيما بعد تعتذر له كينتون لكنها تصطدم برده الجاف والجارح بعدم امتلاكه وقتا للحديث في التفاهات، ليهبط بعدها إلى القبو ملتمسا زجاجة من النبيذ وتنكسر منه القنينة، في إسقاط على قلب كينتون التي احتلت دموعها الكادر في المشهد التالي بعد أن ذهب ستيفنس إليها شارحا لها بآلية انكسار الزجاجة ملصقا التهمة الصغيرة للخادمة الجديدة قبل أن يرحل. 

   

   

المساء.. بقايا اليوم

في النهاية، بعد أن تنقطع ذكريات ستيفنس تماما ويصل إلى وجهته ليقابل كينتون بعد مرور عشرين عاما ويزيد، يتحدثان وتخبره أن زواجها كان بدافع إغضابه، لكنها آلت بعد سنوات من عدم السعادة إلى حب زوجها، وينتهيان إلى الجلوس في محطة بانتظار الحافلة، تُعلِّق على احتفاء الناس بإضاءة أنوار المحطة كل يوم أن المساء هو الجزء المفضل من اليوم عند الجميع، متسائلة عن وقته الأثير في اليوم، لينظر إلى الكاميرا مطولا، وفي عينيه نرى أنه وعى أن حياته كانت سلسلة من الفرص الضائعة، معترفا للمرة الأولى في قرارة ذاته بانكسار قلبه.

 

يوصيها أن تقضي مع زوجها وقتا طيبا، وبعد وصول الحافلة وركوب كينتون، يفلت يدها ولا يتمالكان نفسيهما فيجهشان بالبكاء وسط هطول الأمطار وابتعادها. يبكي ستيفنس بحسرة وينقطع المشهد سريعا ليعود إلى القصر وقد غدا كهلا وانقضت السنون، يحاول هو والسيد لويس الإمساك بطائر نفذ إلى القصر، ليقبض ستيفنس على الطائر ويطلقه موصدا بعدها النافذة، لينتهي الفيلم بحركة معاكسة لبدايته.

  

في الختام، فإن فيلم "بقايا اليوم" لجيمس أيفوري يلتقط بواقعية شعور الندم لأبطال هائمين بين خيبات الأمل، في حكاية مؤثرة عن القمع العاطفي الذي يعتمده رجل ذو كبرياء [9] قايض مشاعره بقناعته وطموحه المهني، متتبّعا الاضطرابات العاطفية التي كانت الظلال والزوايا في السر شاهدا عليها، في حكاية حزينة كالحياة. 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يورد الفيلم نشأه الكاتب “كريستي براون” وصباه وصولا لنضجه وشبابه، مستندا لواقع إصابته بشلل دماغي، وإعاقته عن الحركة كليا باستثناء قدمه اليسرى، راصدا مشاعر العزلة والغضب، الوحدة والحب، الرفض والأمل.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة