فيلم "It’s a Wonderful Life".. هل يشكل وجودنا فارقا؟

ميدان – فيلم "It’s a Wonderful Life".. هل يشكل وجودنا فارقا؟

تنقضي سنوات الحرب العالمية الثانية، وتُخلِّف في كل مَن خاضها وعايشها مرارة لا تُمحى، وأسئلة وجودية لا إجابات لها. يُبدع فرانك كابرا في صنع توليفة من صميم تلكم المشاعر والتساؤلات بحبكة ومعالجة من طراز خاص، مناقشا قضية الوجود الإنساني المحير في فيلمه الخاص "إنها حقا حياة رائعة"، المستوحى من قصة قصيرة لـ "فيليب فان دورين ستيرن" بعنوان "الهدية الأعظم"، والتي كتبها ونشرها على بطاقة معايدة بعد اجتماع الناشرين على رفضها بداية.

    

افتتاحية الفيلم تعرض حياة جورج بايلي (جيمس ستيورات) منذ الطفولة وحتى الشباب متوقفا عند لحظة يائسة تمتلئ بالشعور الذي ينتاب المرء حين يفقد التحكم في حياته، فيتمنى ويسعى إلى إنهائها، لكن الابتهالات لمساعدة جورج بايلي تفيض إلى الإله، ليبتعث الرب ملاكا منقذا يعقد العزم على أن يحول بين جورج بايلي (جيمس ستيورات) وبين الموت، محققا له أمنية ظلَّ يرددها بيأس؛ وهي ألا يكون قد وُلِد من الأساس، يصطحبه الملاك في رحلة إلى واقع بديل، مصورا الحياة خالية منه، هناك حيث لا أثر له فيها، لكن الفيلم في ثلثيه يُصوِّر حياة البطل وهو لا يزال قائما فيها، ليقودنا كابرا إلى التبصر في سؤال أرّق الفلاسفة لعقود: هل يُشكِّل وجودنا فارقا؟

    

"الوجود بحد ذاته أمر جلل"

(ريلكة)

  

    

في حكاية "جورج بايلي" نرى طفلا يُلقي بنفسه في البحيرة لنجدة أخيه من الغرق، فيُكلِّفه ذلك خسارة إحدى أذنيه، وهو في ذلك لا يتوانى أيضا عن مدّ يد المساعدة للآخرين وإرخاء قبضته عن أحلامه والتخلي عنها اضطرارا إثر المسؤوليات والخيبات المحتومة. كابرا هنا بصدد قصّ حكاية تحمل أبعادا متعددة، راصدا مشاعر تجتاح الإنسان إثر إدراكه التباين بين واقعه وأمانيه.

 

من عدسة المخرج

"أعتقد أن هذا الفيلم كان أفضل أعمالي، إنه فيلمي الأثير بلا منازع، لأنه لخّص كل ما كنت أحاول قوله في أفلامي السابقة"

(فرانك كابرا)

   

ما يرمي إليه كابرا هنا هو إظهار محورية كل إنسان، أن حياة واحدة تُؤثِّر على عشرات الحيوات من حولها، وغيابها يُخلِّف فراغا غائرا، وذلك توكيدا للمبدأ الأخلاقي القديم الذي يقول: "إن تكدّست حياة الإنسان بالقيم العليا مثل الخير تصبح الذات سعيدة، ونتيجة لذلك تصبح الحياة التي نعيشها جيّدة" [1]. إن ما نُقدِّمه هو انعكاس الخير الذي يعود لذواتنا عبر الخير الذي نُقدِّمه للآخرين، فما يُصوِّره كابرا هو الحياة بإحباطاتها البائنة، وجمالها الخفي، صراع الإنسان بين ما هو كائن وما يرغب في أن يكون. هذا التصور يمنحنا نظرة واقعية عن الوجود.

   

  

يتضمن فيلم كابرا حياة جورج بايلي، والصعوبات التي تعترض طريقه بشكل متوالٍ، والضغوطات التي تُلزمه بحياة محدودة تُثير نقمة نفسه التي تاقت لحياة على امتداد البصر، ففي الليلة التي يُقرِّر فيها الانتحار، يكون ذلك نتيجة لسلسلة من الأحداث، أساسها اليأس الذي استولى عليه بعد أن أضاع عمه الذي يعمل معه مبلغا ضخما من المال، وإدراكه بالتالي أن السجن سيكون مصيره الذي سيؤول إليه، وبعد أن ينقطع أمله في إيجاد منفذ لتلك المحنة، يُقرِّر الانتحار، ومن ثم يدركه الملاك ذو الدرجة الثانية الذي يسعى إلى الحصول على جناحين ويحتاج إلى مساعدة جورج بايلي للحصول على مبتغاه، فيأخذه إلى واقع مغاير لم يُولَد فيه.

  

في ذلك الواقع البديل، يجول جورج بايلي في أنحاء بلدته. في البداية، يرى قبر أخيه، فقد مات لأنه لم يكن هناك لينقذه، يرى البلدة وقد أُحيلت إلى ديستوبيا. الصيدلي الذي عمل عنده منذ صغره ولم يُوصِل دواءه المسموم وتستّر على خطئه بات شريدا في الطرقات بعد أن أمضى عشرين عاما في السجن، لأنه لم يجد مَن يثنيه عن فعلته، زوجته لم تتزوج، أولاده لم يُولَدوا، والفقر في بلدته مدقع لأنه لم يوجد ليتصدّى لفساد بوتر، ويخلف أباه في مؤسسة القروض التي من شأنها إحداث تغيير. في تلك الحياة الموازية لا يظهر جورج بايلي إلا وحيدا، أو تحدوه الوجوه الغائمة، ربما لأنه هنا يقبع في عالم لا ينتمي إليه، ربما لأن ماري زوجته لم تتعرف عليه، ويظهر مهجورا دوما لأنه تخلّى عن دعوته الحقيقية: مساعدة الآخرين [3]. كما أضفت الإضاءة الخافتة المغمورة بالظلال مزاجا عامّا كئيبا ومُنذِرا بالشر. ذلك التراكب للصور والحركة البطيئة والتصوير المبهم يُكثِّف من حِدّة التجربة النفسية التي يعايشها البطل.

    

يشبّ بايلي على أحلام لا سقف لها تتجاوز واقع البلدة الضيق إلى العالم، وحينما يوشك على تحقيق مبتغاه، يصطدم بواقع وفاة والده، وحتمية الاختيار بين خلافة مكان والده في إدارة مؤسسة القروض أو أن يُغلقها ويرتحل هو مطاردا أمانيه، يباغته شعور باصطدام الواقع إزاء طموحه، هنا نرى حتمية تصادم الفرد مع المجتمع، وهي فكرة لم توجد بصيغتها الحالية، أي الفردانية، حتى بدايات القرن العشرين في ظل نمو المدن والمجتمعات الصناعية.

   

  

فقد كتب عالم الاجتماع الألماني "أولريش بيك" منذ زمن طويل أن الفردانية لطالما شكَّلت الحيز الأصغر من كل وجود متخيل، فكان يُنظر للسلوك الفردي على أنه شاذ وأرعن خلال العصور السابقة، لذا عُدَّت القصص التي تحكي عن المآثر العظيمة والرحلات البطولية -كالتي صوّرها جوزيف كامبل في كتابه الساحر "البطل بألف وجه"- مُوجَّهة لقلة من المنفتحين فكريا. يظهر ذلك جليا أيضا في البناء الروائي للقصص المتمحورة حول رحلات أبطالها، كالذي اعتمدته "ج. ك. رولنغ" في سلسلة هاري بوتر بالإضافة إلى "جورج لوكاس" مبتكر حرب النجوم، حيث الأبطال مقدَّر لهم أن يكونوا أكثر من كونهم شخوصا عادية [5].

  

بينما كان التركيز في الأعمال السابقة على البطل الذي يُشكِّل مركز القصة وكل الشخصيات الأخرى هي جزء من حكايته، فإن جوزيف كامبل رصد تغييرا مهوولا في السردية في عصرنا الحالي، حيث يخفت الضوء المسلط على الفرد المحوري في السردية المتعارف عليها، ويصبح الأفراد من حوله -الذين عُدُّوا أقل جدارة منه في رحلة البطل- أبطالا رئيسين في حكاياتهم [4].

  

يتصل ذلك بما عبَّر عنه "أولريش بيك" أنه ما من رغبة تداعب الإنسان بإلحاح أكثر من الرغبة في عيش حياة خاصة. المثال الحي لذلك هو "هاري" شقيق "بايلي" العائد من الحرب، حيث يتمتع "هاري" بمواصفات البطل التقليدي، كما يبدو متحكما في سردية حكايته على عكس شقيقه "بايلي" [4]، بيد أنه لا يبدو كجزء منصهر في حكاية أخيه، وإنما كشخصية مستقلة تقابلت في حكاية شخص آخر. تنطبق هذه الفكرة مع كل شخوص الفيلم، يلتقطها "كابرا" حين يضع كل الممثلين المحيطين في إطار واحد، ففي زفاف "جورج" إلى ماري هاتش (دونا ريد)، يتم احتواء عدد من الممثلين مع البطلين في كادر واحد، لنكتشف على الفور العلاقات التي تجمعهم؛ ليس فقط مع بعضهم بعضا ولكن مع جورج وماري.

  

     

    

فبعد الحرب العالمية الثانية، تبنّت الليبرالية الحديثة الفردانية، ليتطوّر المفهوم للدلالة على شخص مستقل معبأ بالثقة، لكن الليبرالية الحديثة تفترض على الدوام أن الفردانيين وحدهم مَن بإمكانهم توجيه حيواتهم، مندفعين من قدراتهم النابعة بما يُطلق عليه "التنظيم الذاتي"؛ ذلك التركيز المتزايد على الفرد يُسبِّب صراعا نخوضه مع تجارب حياتنا اليومية، حيث الفرد محدود بشكل مُحكم بالظروف الخارجية والواقع، ومُقيد بالمسؤولية التي يحملها إزاء الآخرين من عائلته وغيرهم، يظهر ذلك جليا في الصراع الذاتي الذي يخوضه "جورج بايلي" على مدار الفيلم [4].

   

هنا تتجسّد سلبيات الليبرالية الحديثة؛ فكل إخفاق هو فشل شخصي، كل حلم غير منجز يُخلِّف فراغا مؤلما، حتى اقتران "جورج بايلي" بالفتاة التي يهواها لم يَحُدّه عن النظر إلى نفسه كإنسان فاشل لأنه لم يحقق أحلامه [6]. على النقيض تماما، "بوتر" هو الشخص الشرير في الحكاية، طموحه لا حدّ له، يطمع دائما لتحقيق المزيد، لا يترك مساحة للحوار أو للتواصل، بالنسبة إليه التعاطف ضعف، وشخصية "جورج بايلي" تميل إلى السذاجة، كما أنها مثيرة للحنق والشفقة في ذاتها. يتابع الفيلم السخرية مما تدعو إليه الليبرالية الحديثة من الحريات الفردية والفرصة التي من المفترض أن تُتاح للجميع، لكن الواقع أن كلا الأمرين لا يتوفر إلا لـ "بوتر" الذي يتحكّم في الاقتصاد بشكل عام وفي المجتمع بشكل خاص.

   

على النقيض، كل تضحية نبيلة يُقدِم عليها جورج بايلي يقابلها عقاب صارم، فمثلا عندما ينقذ أخاه من غرق محتَّم يفقد سمعه في إحدى أذنيه، وحينما يرفض إيصال الدواء المسموم يصفعه رب عمله الصيدلي، ووقتما يحلّ محل أبيه في المؤسسة يفقد فرصته للذهاب إلى الجامعة، وحينما يتزوج ويهرع لمساعدة الناس ويمدهم بالمال الذي ادّخره، فإنه يفوت رحلة شهر عسله [7]. وبدلا من أن تُقرِّبه تلك التضحيات من أهل البلدة يُصوِّره كابرا كشخص انعزالي يبتعد عنه أفراد المجتمع، ممعنا النظر في القطار الذي يعلم "جورج" أنه لن يكون على متنه أبدا، ليسير بأسى صوب الحشود مبتسما كعادته حتى يذوب داخل المشهد.

   

          

    

على مستوى الإخراج، يعتبر المشهدان الثاني والثالث بمنزلة مقدمة تُجهِّز للخوض في الفيلم. في المشهد الثاني يُصلّي العديد من الشخصيات من أجل جورج كي يخرج من محنته. يمكننا تمييز أصوات أصدقائه ووالدته وزوجته "ماري" وأولاده. تتحرك الكاميرا ببطء عبر المدينة المغطاة بالثلوج. يمكننا سماع الصلوات ولكن لا تظهر وجوه. ومن هنا نلتقط أول مسارات الحكاية والتي قسّمها كابرا إلى مشاهد منفصلة بدءا من فلاش باك انتقالا من الواقع الأصلي إلى الواقع البديل.

   

اعتمد كابرا في العديد من المشاهد على التقريب بمنهجية "الكلوس آب"، أو اللقطة القريبة، لالتقاط مشاعر لم يُعبِّر عنها من خلال الكلمات، والتعبير عن رغبة ذكية بإخفاء قضايا ومشاعر عميقة، مما يغني عن الحوار، ففي ذروة الأحداث المتصاعدة لأزمة تعصف به إثر إغلاق المصارف، مما يُهدِّده بفقدان عملائه وإغلاق مؤسسته، وبينما يهب جميع مَن في البلدة من كل صوب مطالبين بأموالهم بعد زفافه مباشرة وهو في طريقه للسفر لقضاء شهر العسل، يتخلى عن سفره وأمواله هو وزوجته لهم، يظهر فور معرفته بالوضع إثر توقفه لاستطلاع الأمر، وقبل تضحيته بتلك الطريقة، بوجه يتضارب فيه كمٌّ من المشاعر الحادة لا تفصح عنه سوى اللقطة متناهية القرب، أما حركة البطل تجاه الكاميرا في الإطار الثابت فتعطي إيحاء لاستجابة البطل لحركة الكاميرا ولصوت بداخله، وتتمثّل المشاعر المكثفة بدخيلة البطل في مشهد بصري أمامنا.

      

  

فيما بعد، بعد أن يفقد عمه المبلغ المالي، وبينما يحاول جورج بايلي إيجاد مخرج من ضائقته المالية ويلوذ إلى عدوه بوتر ملتمسا العون الذي لن يجده، تُظهِره زوايا الكاميرا في موضع أدنى من بوتر بشكل مخالف للعادة، يعطي ذلك بوتر موضع القوة، مما يجعل جورج بايلي نتيجة لحاجته إليه خاضعا لسلطته. على نقيض المشاهد السابقة التي تُجمع على تحدي جورج بايلي لبوتر، فتلتقط زوايا الكاميرا تلك القوة، مُصوِّرة بايلي بمنزلة أعلى منه.

      

وصولا إلى المشهد الأخير والذي هو واحد من أفضل المشاهد السينمائية؛ حيث استخدم فيه "كابرا" تقنية الزاوية الواسعة للتصوير كي يلتقط مشاعر "جورج" وإحساسه بكل شيء حوله، شعوره عندما علم أنه لا يزال حيا، مدى سعادته عند معرفته أن الدم ينزف على أحد جوانب فمه، هرولته في كل أنحاء البلدة موزعا تهنئة عيد الميلاد على جميع مَن يقابله حتى مستر "بوتر" شخصيا [5].

   

  

على المستوى الاقتصادي، فإن "بوتر" يُمثِّل جوهر الفكر الماركسي الذي يتحدث أن المنظومة الرأسمالية تقوم على الربح، والربح ليس سوى ضرب من ضروب الاستغلال؛ لذا يُصوِّر كابرا "بوتر" كرأسمالي يحاول فرض سياسته وسطوته المنبثقة من نفوذه المالي بشكل تام، لولا وجود عقبة وهي مؤسسة القروض التي يديرها "جورج بايلي"، يُصوِّر كابرا في فيلمه نظامين ماليين متفاوتين؛ أحدهما يديره جورج بايلي (بمؤسسة تُقرِض الأشخاص الذين يحتاجون إليه، وإن كلّفه ذلك ضغوطات مالية)، ومصرف "بوتر" الأكثر ربحية الذي يُقرِض بأسعار فائدة عالية ويوفر الائتمان فقط للأشخاص الذين لديهم المال بالفعل، مثيرا فكرة مضمونها ضرورة الوعي أيضا بالأحكام الأخلاقية المتأصلة حول الطريقة التي يجب أن يعمل بها البنك. هنا يظل تساؤل "بوتر" لبايلي قائما: "هل تقوم بإدارة شركة أم مؤسسة خيرية؟" [8].

   

إذا أمكن أن نتصوّر مسارا آخر للفيلم: ماذا لو تمنى "جورج بايلي" عدم وجوده؟ وماذا لو كان ذهابه إلى الواقع الموازي قد أتى بنتائج عكسية حين يصبح وجوده أو عدمه سواء؟ [9]. تقودنا الإجابة إلى ما تُثيره التجربة بذاتها من معانٍ، ففي ففيلم "ترنيمة عيد الميلاد" الذي أخرجه "روبرت زيميكس"، والمأخوذ من رواية "تشارلز ديكنز" القصيرة التي تحمل الاسم ذاته، تتشابه كلتا القصتين من ناحية الشخصية الرئيسية في الظروف اليائسة. يختبر "ديكنز" بطله البخيل برؤى قدّمها لثلاثة ملائكة مختلفين، تظهر حياته في الماضي والحاضر والمستقبل المحتمل إذا لم يغير موقفه وطريقة حياته. يعيش "جورج بايلي" من ناحية الفارق الذي لمسه في الآخرين، بين البخيل المتجهم المنعزل، ورجل الأسرة الكريم والصديق جورج.

  

تشترك كلتا الشخصيتين في مصير مماثل وهما في يأس في ليلة عيد الميلاد، وينتهي كلا الفيلمين بسعادة مع حصول كلٍّ من الشخصيات الرئيسية على هدية الحياة. في المشهد النهائي يعود "جورج بايلي" متخما بمعانٍ قبض عليها في رحلته، كل ما أثار سخطه سابقا بات يُثير ابتهاجه، وهو يركض في أنحاء البلدة مهنئا الجميع بعيد الميلاد صارخا بفرح [2]. لتنتهي الرحلة بالبطل الأول بالرغبة في خلق أثر وأن يحيا، وبإدراك البطل الآخر فيما أحدثه من تغيير.

  

 

  

في النهاية تعرض إجابة السؤال الغاية التي يطمح إليها كابرا، وهي تمرير رسائل خفية تومض في ليل الواقع الحالك، إذ تتصل مشاعر جورج بايلي وأفكاره بنا، كما يُبدِّد كابرا الكليشيه المثالي عن أن المال والجمال وتحقيق الغايات هي مسببات وحيدة للسعادة والنجاح، وعن حتمية انتصار الخير في النهاية، مُصوِّرا حقيقة أن الأوغاد غالبا ما يُفلتون بأفعالهم، وفي أياديهم تكمن السلطة والقوة [2].

  

كما يُحطِّم "كابرا" في الفيلم الأسطورة القائمة على أننا وحدنا أسياد مصائرنا، وأننا لا ننتمي إلا إلى أنفسنا، كيف يمكن للبعض أن يتسبّبوا في تعاستنا، بينما لآخرين أن يداووا ويُضفوا بهجة لحياتنا، أننا قد نجد معنى في التضحية ومدّ يد العون للآخرين، وأن نبحث عن جورج بايلي في حياتنا، الشخص الذي يكون موجودا في الشدائد، ونُقدِّره، وألّا نستسلم إلا لكل شعور يمسّ قلوبنا، وأن نبحث عن السعادة في التفاصيل وكل ما هو اعتيادي وممل، أن النجاح ليس بعيدا عن نمط الحياة العادي، أن المغامرات يمكن أن توجد في أي مكان، وأنه لا يعرف الفشل مَن لديه أصدقاء! [10]

  

وتكمن القوة العظمى في نظر كابرا في إثارة المعنى السامي للحظات العادية وتحويل انتباه "جورج بايلي" إلى ما لديه، لا ما يفتقده، لافتا أن الحكمة تقتضي التكيُّف مع الحياة والاستمتاع بما تحمله أبسط الأشياء من تحول غير متوقع، وكما عبّر "كابرا": "أردت أن أضع في أذهانكم أن الشر ليس متوحدا مع العالم، نعم، تحضرنا الكوابيس، لكن لدينا أيضا أحلام، هناك الوضاعة وهناك أيضا تعاطف في داخل كلٍّ منا، لهذا أنا هنا، أحاول القول لك إن هناك خيرا لا يخبو في هذا العالم، وهذا مدهش".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة