فيلم "Contagion".. هل تنبأت السينما بسيناريو كورونا الأسوأ؟

"في مكان ما بهذا العالم، التقى الخنزير الخطأ بالخفاش الخطأ"، تقول الدكتورة إيرين ميرز لصديقها الدكتور إيليس تشيفرز من مراكز مكافحة الأمراض واتقائها، حينما كانا يتحدثان عن فيروس جديد يُشبه نزلات البرد خرج من جنوب شرق آسيا وانتشر في كل العالم متسببا في عشرات الملايين من الوفيات، مصدر الفيروس كان حيوانيا، حيث انتقل من خفّاش إلى خنزير، وتحوَّر جينيًّا ما جعله قادرا على إصابة البشر، وخلال سلسلة من الإصابات الأولى عبر طرق العدوى البسيطة كاللمس أو العطس أو السعال، بدأت رحلة الموت.
  
عدوى
المشهد من الفيلم الشهير(1) "عدوى" (Contagion)، والصادر في العام 2011 لكنه لاقى رواجا منقطع النظير في يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط من العام الحالي تزامنا مع ارتفاع موجة الإصابة بفيروس كورونا الجديد، ما جعله يدخل قائمة الأفلام الأكثر مبيعا(2) في "آي تيونز"، ويمكن لك عبر بحث بسيط في منصة "غوغل ترندز" أن تلاحظ تعاظما واضحا في عدد مرات البحث عن الفيلم خلال تلك الفترة، أما هواة استخدام الطرق غير الشرعية للحصول على الأفلام في صورة ملفات "تورنت" فلا بد أنهم قد لاحظوا أن عدد مرات تحميل الفيلم قد ارتفع بشكل مُطَّرِد.
  
مدى التشابه بين الفيلم والحالة الخاصة بالفيروس الجديد أثار جدلا واسعا على مستوى عالمي وجعله الأكثر رواجا بين الأفلام الأخرى التي تتحدَّث عن عدوى ما تنتشر بشكل متسارع على كوكب الأرض، والتي ارتفعت أعداد مشاهداتها أيضا. منشأ "كورونا الجديد" كان أيضا من جنوب شرق آسيا، تحديدا منطقة ووهان الصينية، وبشكل أكثر تحديدا نتحدث عن سوق الحيوانات في المدينة، وهناك إشارات بحثية إلى أن الفيروس الجديد قد يكون ذا علاقة بالخفافيش.
     

  
في الحقيقة، إن فيلم "عدوى" كان أقرب أعضاء هذه النوعية من الأفلام إلى الواقع، وكان فريق عمل فيلم "عدوى" قد استعان بالفعل(3)، بداية من 2008، ببعض الباحثين من نطاقات الصحة العامة من أجل بناء قصة يمكن أن تلتقي خلالها أطراف الحماسة والإثارة مع أطراف الدقة العلمية، دون الخوض في تعقيدات تجعله أقرب ما يكون لفيلم وثائقي، نجح الفيلم في ذلك بدرجة كبيرة، بل ويمكن القول إن ما يصفه الفيلم هو سيناريو كارثي ممكن بدرجة ما، لكن تلك ليست -للأسف- طبيعة هذا النوع من الأفلام على أية حال.
   
لفهم تلك الفكرة يمكن أن نبدأ من ثمانينيات القرن الفائت، تحديدا مع ظهور مسلسل(4) "غرفة طوارئ" (E.R)، وهي سلسلة طبية درامية طويلة، من تأليف الروائي مايكل كريتون، تدور أحداثها في غرفة الطوارئ الخاصة بمشفى المقاطعة العام في شيكاغو، لاقت نجاحا كبيرا ما دفع شركات الإنتاج السينمائي للتركيز على عالم الأطباء وأمراضهم، في تلك النقطة ظهر نطاق الأوبئة كفرصة ذهبية لصناعة أفلام تشويقية مثيرة لانتباه الجمهور.
   
السينما والعلم
لكن السينما، كعادتها، لا تتآلف بشكل جيد مع العلم، وطالما اهتم صُنَّاعها بفصل ذواتهم ومنتجاتهم عن العلوم مدَّعين أن الأمر يتعلق بالقدرة على الإبداع، ومن تلك الناحية فإنه ليس عليهم أخذ المعلومات بحذافيرها، وبما أن الهدف كان دائما صنع المزيد من الإثارة، جاءت أشهر الأفلام في هذا النطاق لتنطلق من فكرتين رئيسيتين، الأولى هي الحرب أو الإرهاب البيولوجي، والثانية هي العلماء المجانين أو على الأقل أولئك الذين أخطؤوا في المعمل فتسرَّب شيء ما.
   

فيلم "اثنا عشر قردا" (12 monkeys) (مواقع التواصل)
  
لنتأمل مثلا فيلم "اثنا عشر قردا" (12 Monkeys) من إخراج تيري جيليان، والصادر في العام 1995، ويحكي عن محاولة "جيمس كول"، وهو مجرم مسجون يلعب دوره بروس ويلز، لإنقاذ العالم من مجموعة إرهابية تُسمى "جيش القرود الاثني عشر"، نشرت فيروسا غير معروف تسبَّب في خمسة مليارات حالة، واضطر بقية البشر إلى العيش تحت الأرض، تكلَّف الفيلم نحو 30 مليون دولار، بينما كانت أرباحه 170 مليون دولار تقريبا. 
   
يمكن كذلك أن نلاحظ النمط(5) نفسه من أسباب إرهابية أو حربية بيولوجية في أشهر أفلام تلك الفترة مثل "دلتا فورس" (Delta Force) (1986) و"اندلاع مميت" (Deadly Outbreak) (1995) و"الفريق دريم" (D.R.E.A.M. Team) (1999) ويمكن تتويج هذه الفئة من الأفلام بالجزء الثاني من "مهمة مستحيلة" (Mission Impossible) والذي صدر في العام 2000 وخلاله يحاول توم كروز إنقاذ العالم -كالعادة- من فيروس مُصنَّع جينيًّا يُسمى "كايميرا" يمكن أن ينتشر بسرعة هائلة، في أثناء ذلك يدخل صديقنا في صراع مع عصابة إرهابية تحت قيادة عميل سابق.
  
من جهة أخرى فإن مجموعة ثانية من الأفلام ركَّزت بشكل رئيسي على فكرة خروج الوباء القاتل من معامل الأبحاث، العسكرية بشكل خاص، في أثناء نوع من التلاعب الجيني من أجل استخدامها كسلاح ما أو فقط لغرض العبث العلمي، تتصدر تلك القائمة مجموعة "الشر المقيم" (Resident Evil)، وهي أيضا لعبة إلكترونية واسعة الشهرة، أفلام أخرى تحمل الفكرة نفسها عن عدوى لم يتمكَّن العلماء من احتوائها فتسبَّبت في قتل أعداد هائلة من البشر، مثل "فيروس" (Virus) في الثمانينيات، و"الموقف" (The Stand) في التسعينيات، وبُني الأخير على أطول روايات ستيفن كينغ والتي تتحدَّث عن حادثة إطلاق سلالة من الإنفلونزا المعدلة تقتل 99% من البشر.
    

  
أضف إلى ذلك أن هناك صورة تُصدِّر(6) الجهات الرسمية، في الكثير من الأفلام السابقة، وغيرها مثل "اندلاع" (Outbreak) في العام 1995 أو "عمى" (Blindness) الصادر في 2008، كأحد الأعداء لا الأصدقاء، بمعنى أن الإجراءات الاحترازية والتطهيرية، والتي تبدأ بنزول الجيش إلى الشوارع وعزل المصابين في أماكن غير آدمية وإطلاق النار المباشر في حالة أي خروج عن القواعد، والتعامل مع المصابين كأنهم ليسوا بشرا، تظهر في الأفلام بدرجة شديدة القسوة تدفع الناس لفقدان الثقة في تصريحات الحكومات في أجواء كتلك، إن حدثت فعلا. 
  
حجر صحي
تؤثر هذه النوعية من الأفلام في إدراك الجماهير للواقع، دون حتّى أن يدركوا ذلك، ببساطة لأن تكرار التعرض للفكرة نفسها في وسائط الإعلام المختلفة يؤسس لصحتها في عقل المتفرج مهما بدت تافهة، بل وفي بعض الأحيان تصبح حقائق علمية. يحدث ذلك في ظل غياب إجباري للتوعية العلمية بقضايا كتلك، وهو إجباري بسبب صعوبة توصيل المعارف العلمية المعقدة بطبيعتها مقارنة بالصورة السينمائية منها، ويظهر ذلك بوضوح في حالات الطوارئ، كتلك التي يواجهها العالم كله الآن، هل لاحظت ذلك؟
   
منذ اللحظة الأولى لظهور كورونا الجديد اشتعلت أجواء التواصل الاجتماعي، العربية والعالمية على حدٍّ سواء، بأحاديث عن تعتيم شديد من قِبل الجهات المعنية، سواء الصين أو بعض المنظمات مثل منظمة الصحة العالمية أو مراكز مكافحة الأمراض واتقائها، بالإضافة إلى شائعات(7) أخرى تتعلَّق بكون هذا الفيروس هو أحد الأسلحة الصينية البيولوجية التي يتم تطويرها في المعامل المخابراتية، أو أن الولايات المتحدة لها دور فيما يحدث كعقاب للصين في الحرب الباردة بينهما، طبعا لا يمنع ذلك أن تكون هناك أية نسبة من الحقيقة في هذه الادعاءات، لكن المشكلة هي أن رواج هذا النوع من الأخبار، حينما تكون غير مبنية على أية حقائق، يتسبَّب في الضرر الرئيسي والأكثر أهمية للأوبئة، إنه ليس الحمّى أو حتّى الوفاة، بل الهلع.
   
   
تساعد الأفلام، بشكل أو بآخر، على ذلك، خاصة حينما تُظهِر حالات العدوى على أنها سريعة للغاية، يمكن أن تلاحظ ذلك بوضوح في أفلام واسعة الشهرة مثل "بعد ثمانية وعشرين يوما" (28 Days Later)، و"الحرب العالمية (ز)" (World War Z)، و"حجر" (Quarantine)، أو معظم أفلام الزومبي التي تتحدث عن فيروس يحول البشر في لحظات، في الواقع فإن "عدوى" نفسه، على اقترابه من الصواب، قد أخطأ(8) في فهم تلك الفكرة، حيث إن المعروف علميا هو أن العدوى بالفيروسات -على سبيل المثال- تأخذ بعض الوقت لتنتشر من فرد لآخر، في حالة كورونا الجديد -على سبيل المثال- يحتاج الأمر إلى 6 أو 7 أيام لينقل شخص العدوى لغيره.
   
من جهة أخرى كان الفيلم أيضا قد قدَّم بعض الاصطلاحات العلمية القادمة من عالم الأوبئة بطريقة غير واضحة، على سبيل المثال، إذا شاهدت الفيلم ستلاحظ تردد اصطلاح "الدلالة آر" (r-nought) صاحب الرمز الأشهر "R0″، والذي يُشير إلى عدد الأشخاص الممكن إصابتهم بالمرض بسبب شخص واحد مصاب خلال مدة حضانة المرض، تُقدِّم الأفلام هذا الرقم كشيء ثابت مخيف جدا، فإذا كان هذا العدد 5 مثلا فلا بد أن كل شخص سيصيب 5 ثم يصيب كلٌّ منهم 5 آخرين، وهكذا حتى نهاية العالم.
  
لكن تلك الدلالة(9)، في الواقع، هي رقم مرن يعتمد على معايير كثيرة، فقد يكون المرض مرتفع القدرة على الانتقال إلى الآخرين، مثل الحصبة مثلا والتي تحمل قيمة تساوي 12، لكننا نمتلك أدوات لمقاومة الانتشار سواء بعزل المريض أو برفع مقاومة جسمه أو لأي سبب آخر، في المقابل من ذلك فإن الإنفلونزا الإسبانية 10 التي قتلت 20 مليون شخص مطلع القرن الفائت كانت ذات قيمة تبدأ من 2.4 وتصل إلى 7.5 فرد لكل مصاب، لكن ذلك كان فقط في بداية الإصابة، لأن القيمة الخاصة بـ "الدلالة آر" تختلف مع الزمن وعدد السكان ووسائل التعامل وعدد واسع جدا من المعايير التي تجعل من تحديث الرقم ضرورة أساسية بأهمية الحصول عليه أصلا. بالنسبة للكورونا الجديد يعتقد العلماء من كلية لندن الملكية أنه رقم ما بين 1.5 و3.5، وهدفهم الآن هو تقليله لرقم أقل من 1 لأن ذلك يعني أنه سيتوقف عن الانتشار بعد فترة.
    

    
كورونا ونهاية العالم
يدفع ذلك بالناس لتصوُّر أن كل شيء يمكن أن يكون مُعديا، بما في ذلك -على سبيل المثال- طرد قادم من الصين، بينما ذلك غير محتمل. في الحقيقة، تؤثر تلك الصورة المبالغة في الكثير من المشكلات الاقتصادية -والسياسية بالتبعية- للدول التي تخرج منها الإصابات الأولى، وذلك بالطبع واضح بالنسبة للصين، بل ويمكن في بلدك أن تلاحظ ارتفاعا في أسعار بعض المنتجات الصينية الأساسية بسبب توقف استيرادها، رغم أن المنتج نفسه لا يحمل الفيروس.
  
بالتالي، فإن أفلام السينما الخاصة بهذا النطاق تُصدِّر صورة نمطية للمواطن تقول: "هناك شيء ما، غير مرئي، ينتقل بين الناس بسرعة جنونية، الحكومات تُعتِّم على الأمر، لقد كانت تفعل ذلك دائما، لقد قتلت أمراض كتلك الملايين في الماضي"، وعلى الرغم من أن ذلك قد لا يكون ذا أثر واضح في حالات عادية فإنه قد يبدو ذا تأثير قوي وموجّه للأحداث في حالات الطوارئ، وقد أشار فيلم "عدوى" بالفعل إلى ذلك حينما صدَّر إحدى الشخصيات المهمة جدا، إنه الصحفي "آلان كرومويد"، لعب دوره الممثل "جود لو".
   
يستغل آلان حالة الهلع التي أصابت الناس بسبب الفيروس، خاصة مع قناعتهم بأن الحكومة لا يُعتمد عليها، فهي تعمل ضد مصالحهم، ليقول إنه يمتلك العلاج للفيروس الجديد بينما تُقدِّم الحكومة مصلا ضارا بهم، وعلى صفحته عبر وسائل التواصل الاجتماعي يوجد أكثر من 20 مليون شخص ينتظرون تعليماته ويتفقون على صحة ما يقول دون تساؤل. في الواقع، إنها أفضل وأهم إشارة سينمائية لما قد يحدث في عالم ما بعد انتشار الوباء، يفقد الجميع الثقة وتظهر نظرية المؤامرة في كل حديث منزلي طبيعي. 
   
  
ويمكن في تلك النقطة أن نتأمل دراسة(11) صادرة مؤخرا من المؤسسة الوطنية البريطانية للصحة العامة تقول إن انتشار الشائعات والأخبار الكاذبة في أثناء حالات الطوارئ الوبائية قد يُستغل أو يُوجَّه لأغراض سياسية أو اقتصادية، وهذه النوعية من التضليل المعلوماتي -في كل الأحوال- ضارة بالمواطن أكثر من الوباء نفسه، حيث يلجأ الناس لسلوكيات تقف على النقيض تماما من مصالحهم، وتجد تلك الحالة من التضليل المُتعمَّد أو غير المُتعمَّد فرصا أكبر للانتشار كلما فقد الناس الثقة في الحكومات أو مُقدِّمي الرعاية الصحية.
  
بحسب المؤشرات الحالية (12) لكورونا الجديد، فإن أعداد المصابين به وصلت إلى نحو 70 ألف حالة مع عدد حالات وفاة تخطى 1800 حالة، يُشير ذلك إلى أن نسب الوفيات بسبب الفيروس منخفضة جدا مقارنة بـ "سارس" و"ميرس" على سبيل المثال، لكن في الوقت نفسه فإن قدرته على الانتشار -كما هو واضح- مرتفعة، لذلك فإن منظمة الصحة العالمية لا تزال مستمرة في إعلان حالة الطوارئ الدولية لحين انخفاض معدلات الإصابة بحيث يدخل المرض في طور التراجع، في أثناء ذلك كله هناك الكثير من الاحتمالات المرعبة، لكنها -على أية حال- لا تقترب مما يظهر في الأفلام، أما ما يمكن أن يتسبَّب في نهاية العالم حقا فهو ليس كورونا الجديد، بل الهلع.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة