سينما ساتوشي كون.. أنمي للكبار فقط!

"ندمي الأكبر الآن هو فيلمي "آلة الأحلام"(*) (dream machine)، لست قلقا حول الفيلم فحسب، بل حول طاقم العمل الذي شاركني عملي على هذا الفيلم، هناك احتمال كبير أن ما أبدعناه بدمنا وعرقنا ودموعنا لن يراه أحد. أنا لا أنتظر الموت بدون أن أفعل شيئا، حتى هذه اللحظة يفكر عقلي الواهن في طرق تجعل العمل يعيش حتى بعد أن أرحل. لكن الأفكار بدت ضحلة. عندما أخبرت السيد ماريواما (**) عن قلقي بشأن الفيلم، اكتفى بالرد: "سوف نجد حلا، لا تقلق".

  

ما أشعر بالأسف عليه أن رؤاي الغريبة التي لم ترَ النور بعد، وقدرتي على الرسم بأدق التفاصیل سیتم فقدانھا للأبد، لكنّ ذلك لا یساعد في شيء الآن. أنا أشعر من أعماق قلبي بالامتنان لأنّ السید ماریواما أعطاني الفرصة لأُظھِر للعالم بعضا من ھذه الأشیاء. شكرا لك كثيرا، ساتوشي كون كان سعیدا كمخرج أنمي. بقلب مليء بالامتنان لكل ما هو جيد في هذا العالم، أضع قلمي. اعذروني الآن، عليّ أن أذهب". (1)

  

هذه مقاطع من الرسالة الأخيرة التي ودّع بها فنان المانجا (القصص المصورة) ومبدع الأنمي ساتوشي كون العالم، نشرها بنفسه على مدونته الإلكترونية الخاصة قبيل رحيله. في تلك المسافة القصيرة بين الحياة والموت تتساقط الأقنعة، ويلتقي كل إنسان بوجهه الحقيقي، وما يخبرنا به الوجه الحقيقي لساتوشي كون هو هذا الشغف والتفاني تجاه فن الأنمي، حتى في تلك الخطوات الأخيرة التي تفصله عن أرض الموتى لا يزال يفكر في فيلمه غير المنتهي.

    

ساتوشي كون (رويترز)

     

منذ أن اكتشف ساتوشي عالم المانجا والأنمي في بداية مراهقته، وتحت تأثير مشاهداته لمسلسلات رسومية مثل "كونان، صبي المستقبل" (Future Boy Conan)، "سفينة الفضاء ياماتو" (Space Battleship Yamato)، أو الأعمال المبكرة لمعلم الأنمي الأشهر هاياو ميازاكي مثل "هايدي فتاة الألب" (Heidi, Girl of the Alps)، صار العمل في صناعة الأنمي هاجسه الوحيد. هذا الهوس الخاص به منعكس في كل فيلم من أفلامه، فهناك دوما شخصية يستحوذ عليها هوس ما، في فيلمه الأول "الكمال الأزرق" (perfect blue)، لدينا شخصية المتعقِّب المهووس بشخصية مطربة البوب "ميما"، وفي فيلمه التالي "ممثلة الألفية" (millennium actress) لدينا الممثلة "تشيوكو" المهووسة بحبها لرسام غامض التقته في زمن الحرب وظلّت تبحث عنه في كل مكان، وهناك المخرج جينيا المهووس الذي يُعِدُّ فيلما وثائقيا عنها هو المهووس بالممثلة نفسها وبأفلامها.

    

  

هذا الصدى الذاتي في سينما كون يجعلنا نتساءل: هل كان على نحو ما يشعر بموته المبكر؟ فهناك أيضا في كل فيلم من أفلامه شخصيات تركض هربا من شيء ما أو سعيا وراء هدف أو حلم، ما دفع الناقد "Andrew osmand" للقول إنه يجد في تشيوكو بطلة فيلم كون "ممثلة الألفية" التي تركض طيلة الفيلم سعيا وراء حب غامض مجازا عن سينما كون، تماما مثلما رأى في الفتاة التي تطير في أفلام ميازاكي مجازا عن سينماه.

  

كون مخيلة إبداعية مثيرة للإعجاب والتأمل، وبالرغم من عمره الإبداعي القصير كمخرج أنمي، فإنه ترك إرثا مُلهِما يتجاوز حتى حدود الأنمي إلى السينما الحية (live- action cinema)، لنجد تأثير عوالمه الأصيلة وتكنيكه المدهش مُلهِما لمخرجين بقيمة دارين أرونوفسكي وكريستوفر نولان. هنا، سنلاحق عبر أفلامه الأربعة أسئلة كون المُلِحَّة وثيماته المتكررة وملامح أسلوبيته الخاصة.

  

سؤال الحقيقة في سينما ساتوشي كون

في كثير من محاورات كون، حين كان يُسأل عن منابع إلهامه، كان نادرا ما يتحدث عن مخرجي الأنمي، بينما كان أغلب إلهامه يأتي من مخرجي السينما الحية، إذ كان يتحدث بكثير من الإجلال عن أكيرا كوروساوا، وكان دائما ما يُشير إلى تيري جيليام، والمتأمل لأعمالهما (كون، جيليام) سيجد الكثير مما يربط المخرجين معا، كلاهما لا يُشكِّل الواقع المحض، أو الفانتازيا الخالصة، أي غواية بالنسبة له، بل تظل بصمته المميزة كامنة في قدرته الاستثنائية على المزج بين ما هو واقعي وفانتازي داخل فضائه الفيلمي، خالقا عالما سينمائيا شديد الخصوصية.

      

شخصية المتعقِّب المهووس بشخصية مطربة البوب "ميما" في "الكمال الأزرق" (مواقع التواصل)

    

يرغب كون عبر مزجه الإبداعي بين ما هو واقعي وفانتازي، بين ما هو حقيقي ومُتخيَّل عبر سرد شديد التركيب والتعقيد، إلى خلق حالة من التشويش والصدمة تجعل المشاهد يتشكَّك فيما هو ثابت لديه في رؤيته لذاته وللعالم. أول ما يُشكِّك فيه كون في أفلامه هو فكرة الحقيقة الموضوعية، فنحن أسرى إدراكنا الذاتي للحقيقة. يمكن لمن هو خارج التجربة/المنظور الذاتي أن يُدرك بسهولة الحدود الفاصلة بين ما هو حقيقي ومُتخيَّل، بينما الذات نفسها التي تخوض غمار التجربة لا يمكنها ذلك أبدا، تماما كالحالم الذي لا يعرف أنه يحلم إلا حين يستيقظ.

    

في فيلمه الأول "الكمال الأزرق" (perfect blue)، تتخلّى ميما عن كونها نجمة غنائية من أجل بدء مهنتها كممثلة، وتحت الضغوط النفسية التي تُعانيها إثر هذا القرار وقلقها من قدرتها على تحقيق ذاتها في هذا المجال الجديد، تبدأ قبضتها على واقعها الداخلي والخارجي تتزعزع، حتى تبدأ في التساؤل عما هو حقيقي بشأن ذاتها أو ما يحدث لها.

    

   

يبرع كون في خلق جو الإثارة النفسية وحالة الانهيار التدريجي لحالتها العقلية، وحالة البارانويا/الشك المتنامي لديها ولدى الجمهور بشأن حقيقة ما يحدث اعتمادا على منظور ذاتي في السرد، فالجمهور يعيش ما يحدث من منظور ميما. يخلق كون ساردا غير موثوق فيه، تعود ميما مثلا إلى منزلها لتجد الأسماك في حوض الزينة ميتة، ثم نكتشف في المشهد التالي أن الأسماك لا تزال حية.

  

يلجأ كون إلى سرد شديد التعقيد والتركيب من أجل خلق مشاهد إيجابي يصنع حكايته الخاصة، إذ يتداخل عبر الفيلم ثلاثة مستويات من السرد (ما يحدث في حياة ميما الخاصة، كوابيسها، المسلسل الدرامي الذي تُمثِّل فيه)، ومن أجل مزيد من الغموض والتشويش، لا يستخدم كون أبدا لقطات تأسيسية في مشاهده، بل نحن دائما في قلب حدث ما، مستعينا ببراعته الملهمة في استخدام المونتاج التوافقي (match cut) الذي يحافظ على هارمونية الحركة وسلاسة الانتقالات ويختصر الزمن، لكننا كلما تقدمنا نحو النهاية، حيث تفقد ميما إدراكها للواقع والزمن، يدخل السرد في دوائر كابوسية، نشاهد كما ميما ما يحدث وكأنه حقيقي، ثم نشاهدها تستيقظ من نومها مرارا وتكرارا، تتسارع حركة الكاميرا، يزداد المونتاج سرعة، يلجأ كون أيضا إلى المونتاج القافز (jump cut) من أجل خلق مزيد من التشويش لدى المشاهد كانعكاس للحالة النفسية التي تمر بها ميما الآن. تسأل ميما مديرة أعمالها: "لماذا لا أراك مؤخرا؟"، فتخبرها أنها التقتها أمس، وترد ميما: "أكان هذا واقعا؟"، ثم تضغط بكلتا يديها على فنجانها فينكسر وتنجرح كلتا يديها، تتأمل الدم السائل في هذه اللحظة: "أهذا دم حقيقي!".

       

ميما تتأمل الدم السائل في هذه اللحظة: "أهذا دم حقيقي!" (مواقع التواصل)

  

في فيلمه التالي "ممثلة الألفية"، يأتي سؤال الحقيقة أيضا جوهريا داخل الحكاية، حيث نشاهد مخرج أفلام وثائقية يُصوِّر فيلما عن ممثلة سينمائية اختفت عن الأضواء في ذروة مجدها نهاية الستينيات، يلتقيها قرب نهاية حياتها لتسرد له ولنا ما حدث خلال ماضيها وصولا للحظة الراهنة. يُلقي كون بالمخرج والمصور حرفيا داخل ذكرياتها المستعادة، لكن المُثير في فيلم كون هو طبيعة هذه الذكريات، فالممثلة تشيوكو تمزج ذكريات حياتها الواقعية بمشاهد وحبكات أفلامها، فإذا كانت الذكريات انعكاسا مُشوَّشا لما حدث بالفعل، فذكريات تشيوكو المؤفلمة انعكاس لهذا الانعكاس. نظرا لمقدار هذا الخيال المبذول في استعادة هذه الذكريات، يصير التساؤل عن حقيقة هذه الذكريات بديهيا. هذه الذكريات مختلقة في جزء كبير منها، الماضي أيضا لا يوجد منفصلا عن إدراكنا الذاتي له، وعن الخيال الممارس في استعادته كذكريات.

  

في "بابريكا" (paprika)، فيلمه الرابع والأخير، نحن أمام فيلم له منطق الحلم، يحكي حكاية عن الأحلام. تتداخل الأحلام في كابوس واحد يجمع جميع شخصيات الفيلم، ثم يبدأ الحلم يتداخل مع الواقع، هنا أيضا سؤال الحقيقة يطرح نفسه مثلما تُردِّد الشخصيات في سؤالها عن حقيقة ما تعيشه في اللحظة الراهنة. هناك جهاز حديث اخترعه د. توكيتا يُمكِّن الأشخاص من اختراق أحلام الآخرين، وهو مصنوع لأغراض علاجية من أجل تعميق معرفة الطبيب النفسي بمرضاه، حيث يتمكّن من الغوص في عالم أحلامهم. يتم سرقة بعض هذه الأجهزة واستخدامها لأغراض أخرى، حيث يحاول شخص ما السيطرة على أحلام الآخرين. يستولي الحلم على البشر حتى في حالات اليقظة خالقا فضاء مفتوحا يمتزج فيه الواقع بالحلم.

     

    

"عذرا، مَن تكون أنت؟".. سؤال الهوية في سينما ساتوشي كون

ترغب بطلة ساتوشي كون ميما في فيلمه الأول "الكمال الأزرق" (perfect blue) في أن تتخلّص من قيود الصورة التي فرضها الجمهور عليها كمغنية بوب، من الهالة الملائكية والطفولية المُختَلقة لها، فتُقرِّر ترك الغناء في الفرقة التي أطلقت شهرتها (شام) ساعية لتبدأ مسيرة مهنية جديدة كممثلة. بعد أن تتخذ هذا القرار، تتلقّى اتصالا هاتفيا من والدتها تستفسر منها عن قرارها، وتخبرها أنها لا تزال تتذكر قولها إن أمنيتها الوحيدة أن تكون مغنية، فتخبرها ميما: "لقد بدأت أختنق تحت صورتي كنجمة بوب".

  

في مشهد تالٍ، تتحدث مديرة أعمالها رومي أنها قطعت كل هذا الطريق إلى طوكيو من أجل الغناء. هل ترغب ميما إذن في أن تكون ممثلة أم أن هذا السعي نحو التمثيل هو مجرد قناع لرغبتها العميقة في أن تكون ذاتها بعيدا عن الصورة المفروضة عليها كنجمة بوب؟ يتجاوز هذا السطر الحواري "عذرا، مَن تكون أنت؟"، الذي تُردِّده ميما مرارا كجزء من المسلسل الدرامي الذي تُشارك فيه بدور صغير، من مجرد حوار عابر للشخصية التي تؤديها إلى سؤال العمل الرئيسي، سؤال ميما إلى نفسها: "مَن أكون؟" في غمرة الصراع الدائر داخلها بين الصورة الخارجية الزائفة الذات ورغباتها الحقيقية.

  

منذ البداية، وعبر الصورة، يؤطر ساتوشي كون هذا الازدواج عبر أسر ميما وانعكاسها في إطار واحد، على زجاج عربة المترو مثلا، ومع تطور الصراع داخلها يبدأ الانعكاس في الانفصال عنها ويصير مُهدِّدا لذاتها الحقيقية. على عكس المعتاد في أفلام الإثارة النفسية تصير النسخة الثانية من الذات/القرين ليست تجسيدا للجانب المظلم من الذات، بل لصورة مفروضة من الخارج، قناع الذات، أو النسخة الزائفة منها، أو بتعبير كارل يونج "البرسونا" (الوجه الظاهري للذات الذي تواجه به المجتمع أو يفرضه عليها)، لدينا ذات في العلن/ذات زئفة وذات خفية برغبات مكبوتة وأحلام مقيدة، وكلما اتسعت المسافة بين الاثنين ازداد الصراع الداخلي عنفا.

  

هذا الانقسام/الازدواج موجود لدى الجميع، لكنه موجود بشكل أكثر حدة وعنفا لدى المشاهير. يصير القناع/الصورة الزائفة للذات كيانا منفصلا ومهددا للذات الحقيقية، يدّعي هذا التجسيد لصورة ميما كنجمة بوب بأنه ميما الحقيقية، وأن الجمهور لن يرغب في معرفتها بعد أن أصبحت امرأة سيئة السمعة (في إشارة إلى طبيعة دورها في المسلسل الدرامي الذي تُمثِّل فيه)، تقول لها من الآن فصاعدا سأكون أنا في الضوء، وستكونين في الظل. إنه نوع من الكانيبالية النفسية إذا جاز التعبير، حيث تتغذى المصادفة على الكائن الحي الذي يسكنها، ويلتهم القناع/الهوية الزائفة للذات الأصل/الهوية الحقيقية الذي يعتليه.

     

فيلم بابريكا (مواقع التواصل)

  

في فيلمه "بابريكا" (paprika) نحن منذ البداية أمام ازدواج شخصية د. شيبا، فهي منقسمة من البداية إلى صورتين لذاتها، صورتها في الواقع كفتاة صارمة ومتحفظة وجادة وعابسة دائما، وبين صورتها في الحلم كفتاة حرة ومنطلقة وعاطفية. هنا كون أقرب للمنطق الفرويدي في تناوله لأزمة الهوية، ففي الحلم تستيقظ الرغبات المكبوتة، وتكون الشخصية على طبيعتها. أزمة شيبا في الصورة التي تفرضها على نفسها في الواقع والتي تختلف كثيرا عن طبيعة شخصيتها. إنه الصراع بين ما تريده الشخصية حقا وبين ما تعتقد أنها ينبغي أن تكونه. تتجسّد أزمة الهوية هنا في رفض شيبا الاعتراف بحقيقة رغباتها، أو بجانبها العاطفي تحت قناع الوقار العلمي والأكاديمي. هذا الصراع ينتهي في النهاية حين تعانق هذا الجزء الذي طالما كبتته ونفته إلى أرض الأحلام.

    

إرهاب التكنولوجيا وفلسفة الواقع الفائق

كان "كون" منذ فيلمه الأول مدركا لخطورة التكنولوجيا، للجانب المظلم منها، هذه الاستباحة الكاملة لخصوصية الإنسان. تكتشف ميما وجود غرفة على الفضاء الإلكتروني تكتب باسمها أدق تفاصيل حياتها الخاصة، هناك كادر متكرر في فيلم كون حيث توجد الكاميرا خارج نافذة ميما وكأنها تتلصص عليها، مُعزِّزا هذا الإحساس باختراق فضائها الخاص.

  

نشاهد البرسونا الخاصة بها كنجمة بوب متجسّدة على شاشة الحاسوب الخاص بها، ثم يخرج هذا التجسيد من الشاشة ليصير له وجود فعلي مُهدِّد لميما، نشاهده داخل الحاسوب، ربما كتأكيد على ارتباطه بثقافة الإنترنت. يعي كون مبكرا هذا الخطر الذي تُشكِّله هذه الثقافة. ما يطرحه ساتوشي كون هنا كيف يتأقلم الإنسان في زمن انفجار الإعلام والإنترنت مع وجود عدة صور للذات داخل الشاشة وخارجها، وتأثير ذلك على هويته. يأسر كون في سينماه وجودنا المتشظي في زمن سطوة التكنولوجيا والأثر العميق لها على ذاتنا وتصوُّرنا عنها. في فيلم "بابريكا" تقول بابريكا للمحقق داخل أحد أحلامه: "ألا تعتقد أن الأحلام والإنترنت متشابهان؟ ففي كليهما يجد اللا وعي متنفسه". هذا التحرر من قيود الوعي في هذا الفضاء الإلكتروني شديد الغواية يجعلك تنساق وراء تصورات زائفة عن ذاتك وعن العالم.

     

فيلم بابريكا (مواقع التواصل)

  

يتحدث الفيلسوف الفرنسي جان بودريارد في سبيل انتقاده لهذه الثقافة عما أسماه الواقع الفائق (2)، في الأزمنة الكلاسيكية كانت الصورة محاكاة لواقع ما، بينما في الأزمنة الحديثة يغيب الواقع تماما، يتوارى خلف عالم من الصور، صور تتناسل من صور أخرى، لم تعد في ذاتها محاكاة لأي أصل واقعي. نحن أمام واقع افتراضي يلتهم الفضاء الواقعي تماما مثلما تدّعي صورة ميما الخارجة من حاسوبها أنها ميمي الحقيقية. صراع ميما بهذا المنظور ليس صراعا بين ذات زائفة وأخرى أصيلة، بل بين صورتين زائفتين للذات وبلا أصل واقعي، فرغم رغبة ميما في التخلُّص من صورتها كنجمة بوب، فإن صورتها كممثلة لا تُعبِّر عنها أيضا، فهي مفروضة عليها من الخارج بواسطة نص مكتوب وإخراج يُراعي التطلع الذكوري لمفاتن الجسد الأنثوي.

  

هنا، وفي فيلم "ممثلة الألفية"، حيث ينحل الماضي إلى صور ذكريات مؤفلمة، نحن أمام صور تلتهم الواقع. وفي فيلمه "بابريكا" نشاهد في تتابعات الأحلام صورا لبشر لهم رؤوس هواتف نقالة أو حواسب إلكترونية. أفلام ساتوشي كون مثلما تُمجِّد الأحلام فإنها تُحذِّر من أن تطغى هذه الأحلام مهما كانت عذوبتها وجمالها وغوايتها، فهي أيضا أفخاخ ملونة عليك ألّا تدعها تلتهم واقعك.

   

القوة المحررة للحب في سينما ساتوشي كون

يحتل الحب في سينما كون مكانا مهما داخل السرد وبالنسبة لشخصياته كقوة دافعة ومحررة لهم. في فيلمه "ممثلة الألفية" ما يُحرِّك السرد للأمام وما يخلق رحلة بطلته هو سعيها اللاهث وراء حب غامض، لرجل لم تلتقه سوى مرة واحدة، تظل في أثر شبحه طيلة رحلتها، هذا الحب الذي لم تعثر عليه قط في الواقع والذي ربما يبدو مجرد خيال، أو ذكرى مختلقة، حقيقي تماما في أثره الذي تركه على حياتها، لم يتحقق نعم، لكنه ألهمها هذه الرحلة المدهشة. في فيلم "بابريكا"، ما يجعل شخصية شيبا تتخلّص من تحفُّظها وتُحرِّر جانبها العاطفي المكبوت هو حبها لتوكيتا هذا العالم/الطفل.

    

لكن القوى المحررة للحب لا تتجسّد بشكل أسمى في سينما كون مما هي عليه في فيلمه "Tokyo Godfathers"، حيث يعثر ثلاثة من مُشرَّدي طوكيو ليلة عيد الميلاد على طفلة رضيعة بين أكوام القمامة. يُشكِّل الثلاثة المشرَّدون على نحو ما عائلة واحدة، بعد أن ترك كلٌّ منهم عائلته الخاصة لسبب ما يجعله يشعر في أعماقه بنوع من الخزي ودفق من مشاعر الذنب. حين يعثر ثلاثتهم على الطفلة فإنهم يعثرون معها على ما يمكن أن يقودهم إلى عائلتها، وخلال رحلة البحث عن عائلة طفلة ليلة الكريسماس يواجه كلٌّ منهم ماضيه من جديد، لتقودهم هذه الرحلة التي تُحرِّكها من البداية محبتهم لهذه الطفلة المجهولة إلى التحرر من عبء ماضيهم وتمنحهم فرصة للبدء من جديد.

    

  

إذا كانت أعمال معلمي الأنمي الكبار أمثال هاياو ميازاكي، إيساو تاكاهاتا، ومامورو أوشي، تُبدِّد الوهم السائد بأن أفلام الرسوم المتحركة مصنوعة للأطفال فقط، كونهم يثبتون صلاحية هذه الأفلام للكبار أيضا عبر الأفكار والثيمات التي تخترق أعمالهم، فإن سينما ساتوشي كون بسردها شديد التعقيد وثيماته الفلسفية وصراعات أبطاله النفسية يجعل من تلقّي هذه الأعمال بالنسبة للأطفال عملا شاقا ومرهقا، سينما كون هي إلى حدٍّ بعيد أنمي للكبار فقط. كان "كون" في فيلمه الأخير يتطلَّع أن يكون عملا مُوجَّها للأطفال أيضا، لكن عمله هذا لم يرَ النور حتى هذه اللحظة.

————————————————————

هوامش:

(*) آلة الأحلام هو فيلم ساتوشي كون الأخير غير المكتمل.

(**) هو مؤسس أستوديو "ماد هاوس" والذي صدرت أفلام كون الأربعة من خلاله.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة