الكوميديا كوصفة نجاة في مواجهة المأساة

"الكوميديا = المأساة + الوقت"، صاغ المُخرج والكوميديان الأميركي "وودي آلن" تلك الجملة على لسان أحد شخوصه في فيلم "crimes and misdemeanors" ليُقدِّم به تعريفا جذابا لفكرة الكوميديا، الكوميديا في الأصل تُعالج مُفارقة قد ترقى أحيانا لتكون حادثا مأساويا، لكن لا بد أن يمر عليه زمن كافٍ لصنع مسافة بين الدعابة وبين الحدث، مسافة ينجح معها الكوميديان في تأمل المفارقة دون أن يصيبه شيء من هم وزخم الحدث الذي تتناوله، مسافة ينجح معها الجمهور في استساغة الدعابة وتقبُّلها دون أن تُستثار لديهم مشاعر الرفض.

 

كما يُعبِّر الغربيون "it is too early"، التي تعني أنه من المبكر جدا صنع دعابة بشأن ذاك الحدث أو غيره، إذ لم يمر وقت كافٍ بعد لتتكوّن قشرة قوية حول الجرح تحيطه وتجعله ثخينا للملامسة وللهواء ولأي مقاربة، مثلا اغتيال لينكولن حدث قد تجد فيه بعض الكوميديا اليوم، لكنك لا يمكن أن تسرد دعابتك صبيحة موته أو في جنازته.

يؤكد المعنى ذاته الفيلسوف الفرنسي "هنري برجسون" في كتابه الرائع "الضحك" الذي نشره عام 1900، في تحليل فلسفي ثقيل وبديع قلما تجد مثله لظاهرة الضحك باعتبارها تخص المخلوق الإنساني وحده، فيقول: "جرّبوا للحظة الاهتمام بكل ما يقال وكل ما يجري، وتصرفوا بالخيال مع أولئك الذين يعملون، أعطوا لودكم أوسع مداه، وكما لو كانت هناك عصا سحرية، سوف ترون الأشياء الأكثر خفة تتخذ وزنا ويغلف التلوين القاسي كل الأشياء. ابتعدوا بأنفسكم، شاهدوا الحياة بوصفكم متفرجين غير مبالين.. الكثير من المآسي تتحوّل إلى كوميديا، يكفي أن نسد آذاننا بوجه صوت الموسيقى في صالون فيه حفلة راقصة حتى يبدو الراقصون سخفاء في الحال".

 

أحد أهم شروط الضحك لدى برغسون هو تناول الحدث موضوع الدعابة بقدر من اللا مبالاة، عندها الكثير من المآسي تتحول إلى كوميديا، كم من الأعمال البشرية يمكن أن تقف بوجه مثل هذه التجربة؟ ألا نرى أن كثيرا منها ينتقل فجأة من الجد إلى الهزل إن نحن عزلنا تلك الأعمال عن موسيقى الإحساس الذي يقترن بها؟

هنري برجسون

إذن السؤال: هل يمكن تناول مأساة بشكل كوميدي؟ الإجابة نعم، فقط عليك الالتزام بإرشادات فلسفية مثل مرور الوقت الكافي على الجرح الذي صنعته المأساة حسب وودي آلن، واكتساب اللا مبالاة اللازمة لتعطيل موسيقى الإحساس الجارف، وامتلاك المهارة الكافية للاقتراب من أطلال المأساة بحثا عن مفارقة تاه وصالها في زخم مشاعر التراجيديا التي امتلكت الحدث في زمنه.

وودي آلن

 

"ولا غرابة في أن يُعرَّف الإنسان بالضحك كما يُعرَّف بالمنطق والتمييز، لأن المنطق هو الذي يجعلنا نضحك، وكل عمل مضحك فهو في حقيقته منطق ناقص أو قضية يختل فيها القياس والترتيب".

(عباس محمود العقاد)

في مقال جميل للعقاد حول فلسفة الضحك لبرجسون يشرح اللُب الذي تولد منه الكوميديا عامة، فهو القياس الذي يبدو منطقيا جدا لكنه يُخفي علة، ويضرب مثلا لتبسيط الأمر بالثنائي لوريل وهاردي في أحد أعمالهما عندما فرّا من السجن واحتفلا بالسُّكر والتنزُّه حتى شاهدهما الحراس، ففرّا منهم برعب وعادا لباب السجن ينشدان الخلاص من الحراس الذين يطاردونهما، هناك قياس منطقي بلا شك لكنه مختل في إيجاد الخلاص في السجن ذاته الذي فرّا منه.(1)

تحدث الكوميديا عندما يتصرّف الإنسان مثل الآلة دون تمييز لمنطق الحدث الذي هو فيه، ومن هنا تولد الدعابة التي تُضحِكنا.

 

مكث الحزب النازي على عرش السُّلطة في ألمانيا منذ عام 1933 حتى عام 1945، خلال اثني عشر عاما وحسب، عاش العالم في رعب كامل وحرب عالمية وإبادة جماعية وتسليح مجنون وقنابل نووية، كل ذلك في دراما خلقها رجل واحد وطارده العالم بالجنون ذاته لإيقافه، كان هذا الرجل أدولف هتلر. يحمل هتلر كل السمات التي تجعله كوميديا ناجحا، فهو انفعالي، ومؤدٍّ بامتياز، يكفي وضعه أمام ميكروفون حتى يرتج جسده بأكمله في نشوة رهيبة، ولا يمكن عندها أن ترفع عينك عنه لأي تفصيلة أخرى في المشهد، لا يملك هتلر جسدا قتاليا مثل نظيره بنيتو موسوليني الذي كان يخطب في الريف عاري الجذع لاستعراض جسده الذي يُمثِّل نقاء سلالة الرومان.

 

جسد هتلر الصغير وهو يقود ملايين وافرة الصحة، وجنودا شُقر الشعر، ومفتولي الجسد، وفارعي الطول، مشهد وحده دون كلمة واحدة قادر على إثارة الضحك لفرط المفارقة، حتى شارب هتلر الذي ربّاه في العشرينيات من القرن الماضي كان موضة رائجة وقتها التمسها هتلر ليقترب في مظهره من رجل الشارع العادي، وليبتعد عن مشابهة القادة الألمان السابقين الذين تميزوا بشارب ضخم مفتول، وللمفارقة كان أفضل مَن يُجسِّد تلك الموضة وقتها هو تشارلي تشابلن النجم الكوميدي ذائع الصيت الذي سيُمثِّل دور هتلر في عام 1940، الشارب الذي اختاره هتلر سيكون الوسيلة الأسهل لكي يُقاربه شابلن في الشكل. إزاء كل تلك السمات الباهرة تولد المفارقة أو القياس المنطقي الخاطئ حسب شروط العقاد وبرجسون، عندما يتولّى مهرج حكم العالم، ويتصرف بكوميديا في مصائر الملايين من البشر، تلك المفارقة منجم سخي للكوميديا، لكنها كذلك كانت منجما سخيا لواحدة من أبشع مآسي القرن الماضي؛ الهولوكوست.

يُقصَد بلفظ "الهولوكوست" الإبادة الجماعية في معسكرات الاعتقال التي تعرّض لها ما يقارب ستة ملايين يهودي حاربتهم الدعاية النازية منذ صعودهم للسلطة باعتبارهم عِرقا ملوثا تسبّبت رأسمالية الأغنياء فيه في خسارة ألمانيا الحرب العالمية الأولى. بعد ضم بولندا، اضطر النازيون لضم مليون يهودي بولندي معها، وهو ما سار بفجاجة عكس خطة تطهير مساحة العيش الألمانية، فكّر النازيون في ترحيلهم لمستعمرة (مدغشقر)، لكن الخطة كانت تمر جغرافيًّا بالبحرية الإنجليزية القوية فعدلوا عنها.

 

خلال بداية المشكلة كان يُقتَل الآلاف بالطريقة التقليدية، أن يحفر الضحايا خنادقهم ويُقتلوا بالرصاص، مات أكثر من ثلاثين ألفا بتلك الطريقة، حتى تناول النازيون الأمر بمنطق تجريدي صناعي بارد يشبه تعامل المرء اليومي مع مشكلة حشرات في منزله، فابتُكِرت أول غرفة غاز في بيليك ببولندا مارس/آذار 1942 وقتلت ثمانين ألفا في 3 أشهر، فبدت حلا مثاليا ورخيص الثمن وسريع الكفاءة.(2)

 

القياس الآلي البارد واختلاله في معاملة مشكلة إنسانية ظالمة بطريقة آلية شديدة المنطقية، التي سماها المفكر عبد الوهاب المسيري "عقلانية الإجراءات ولا عقلانية الغايات"، هو منبع المفارقة الباردة التي ميّزت النازيين بوصفهم أشخاصا شديدي الكفاءة والنبوغ والانضباط على النحو الإجرائي، وشديدي الغباء والجنون على النحو الغائي الأخلاقي.

سجناء في معتقل بوخينفالد

بعد نهاية الكابوس النازي سنّت العديد من الدول تشريعات لحماية السامية، وأبرزها قوانين الذاكرة الفرنسية التي تهدف إلى حماية تذكُّر أحداث مأساوية بعينها لكيلا تتكرر، مثل قانون جيسو 1990 الذي يُجرِّم إنكار الهولوكوست ويعاقب فاعله بالحبس والغرامة، وهو قانون مثير للجدل لكونه يقيد في بعض جوانبه حرية التعبير، لكنه كاشف لهول المأساة من ناحية والرغبة في استدامتها بالذاكرة لكي يبقى جرحها نازفا فلا تتكرر من ناحية أخرى.(3)

 

كثير من الأعمال السينمائية تناولت الهولوكوست مثل "محاكمة نورمبرج" و"قائمة تشاندلر"، وحازت تلك الأعمال الأوسكار لكونها تقارب المأساة بما يحافظ على الذاكرة والجرح النازف مع احترام مُعاناة الضحايا وتجسيدها كما كانت. لذا بدت محاولة تناول حادث تراجيدي كذلك من زاوية كوميدية أمرا شديد الصعوبة لأنه يخالف شروط برجسون وآلن وغيرهم، فالحدث مستعاد باستمرار بحماية القانون والذاكرة مهما مر عليه من وقت، كذلك يصعب الاقتراب منه بلا مبالاة اشترطها برجسون لكي تولد منه دعابة، مما شكّل تحديا فريدا لأي صانع سينما لإيجاد الكوميديا في مأساة كتلك.

 

"لا تمنحوا أنفسكم لهؤلاء المهووسين، لهؤلاء أصحاب الآلة ذوي العقول المُميكنة والقلوب المُميكنة، أنتم لستم ماكينات، أنتم لستم قطيعا، أنتم آدميون، تملكون حب الإنسانية في قلوبكم، لا تجعلوا للكُرْه المذموم مكانا، فقط اكرهوا عدم المحبة، فقط عدم المحبة وكل ما هو غير آدمي".

(The great dictator 1940)

بدأ شابلن في تصوير فيلم "الديكتاتور العظيم" (great dictator) عام 1939، بعد أيام من غزو هتلر لبولندا، لم تكن فكرة تجسيد هتلر أو النازيين بجديدة، لكنها كانت مخيفة، إذ خاف صانعو السينما اليهود في الولايات المتحدة أن تؤدي مغامرة كتلك إلى مزيد من التنكيل بيهود أوروبا، بينما كان البعض متعاطفا مع مصالحه تجاه الألمان مثل لويس ماير مؤسس "MGM" الذي انصاع للفيتو الألماني تجاه المحتوى المعارض للنازية مقابل أن تفتح أسواق ألمانيا أبوابها لمُنتجاته.(4)

 

في خضم ذلك تصدّى تشابلن لمغامرة تجسيد ديكتاتور أوروبا الصاعد أدولف هتلر، فكتب وأنتج ومَثَّل الفيلم. رغم كونه أول فيلم ناطق له فإن ثقل الفيلم كاملا كان لا يزال يعتمد على كوميديا الموقف وما يجري بعمق الصورة، بل يكاد يكون أغلب حديث تشارلي تشابلن في شخصية هينكل، النسخة الكوميدية من هتلر، هو رطانة كاريكاتورية شبيهة بالألمانية، في تسفيه مقصود من أهم سمة لهتلر وهي كاريزما الخطاب الساحرة الخاصة به.

يُمرِّر تشابلن رسائله بمهارة يُجيدها من تاريخ سينمائي طويل للصعلوك الإنجليزي الذي يسخر بخفة من الأغنياء والآلة وكل ما يخافه الناس في حياتهم اليومية، يُعرِّفنا على الجانب الخفي لنفسية هتلر، فنجده طفلا مُتعلقا بالسلطة، في أحلام يقظته يلعب ببالون عليه الكرة الأرضية، يهدهده بمؤخرته، وعندما يخبره أحد رجاله أن العالم سيكون ملكه لا يتمالك نفسه من النشوة ويحتضن الستار صاعدا.

 

لا يبدو هتلر مُخيفا قدر ما يبدو طفلا مُنتشيا في ثياب ضابط، لا تتوقف ضحكاتك لتفاهاته، وفي الخلفية يتصاعد القلق الخفي الذي ينتابك عندما يمسك طفل بمسدس الكبار، لا تدري أي مصيبة قد تنتج عن ذلك؟ تسفيه تشابلن لشخصية هتلر لم يُلغِ صلاحيات هينكل اللا محدودة، الذي بأمر عابر منه تتأثر حياة كل أبطال الجيتو وكل شخوص الفيلم صعودا وهبوطا، يتنبأ تشابلن ببراعة بالمأساة، أمامنا طفل مجنون على رأس آلة عسكرية وبيده زر إطلاق الجنون المدمر للعالم.

 

يخبرنا الناقد السينمائي "آنجان باسو" كيف تتشابك بسخرية قدرية حياة تشابلن وهتلر، فكلاهما مواليد إبريل/نيسان 1889 يفصلهما أربعة أيام فقط، وكلاهما بزغ من حياة فقر وتجاهل وصعد بكاريزما جنونية على أكتاف الجمهور، ولكليهما الشارب المضحك ذاته، ولا تُخفي المصادر ولع هتلر الخفي بسينما تشابلن، في حياة أخرى ربما كانا ليصيرا رفيقَيْ طفولة أو دراسة أو حتى صديقين عجوزين يتندر الناس على التشابه بينهما، يخبرنا ابن تشابلن كيف لم تفت أباه تلك المفارقة، كل تفكير تشارلي في هتلر صحبته القشعريرة، إذ هو المُهرِّج وهتلر المجنون، لكن يبدو الفارق بينهما رغم كل ذلك ضئيلا!(5)

 

أبرز تشابلن هذا الهاجس في فيلمه عندما يختلط الأمر بمصادفات هزلية ويصير هينكل في النهاية حبيسا ويصير الحلاق الطيب في السلطة، عندها يتخلى تشابلن عن حرفية التمثيل والإيهام، تتوارى شخصية الحلاق الطيب ويواجهنا تشابلن بالحديث المباشر للكاميرا منسلخا من التشخيص التمثيلي ويورد خطبته الشهيرة، في دقائق تتراجع فيها أهمية الصورة لصالح الصوت، ويتوقف الزمن حرفيا كأن العالم يلتقط أنفاسه من الجنون ليستمع لصوت عاقل، التقط الموسيقار العبقري "هانز زيمر" هذا المعنى وألّف مقطوعة بعنوان "الزمن" خصيصا لهذا المشهد.

 

نقل أصدقاء عن تشابلن ندمه عندما استبانت فظائع النظام النازي والهولوكوست على فيلمه، الذي لم يكن ليوجد لو علم تشابلن كل ما فعله هتلر بعد 1940، لكنه يظل إحدى علامات السينما العالمية، ويظل نبوءة مخيفة، ويثير خوفك أكثر أن الديكتاتور المجنون شاهدها ولم يضحك، بل نفّذ حرفيا نبوءة المُهرِّج، وحرفيا كذلك انفجر البالون في يده ومعه العالم.

 

"الكوميديا لا تنكر البؤس، لكنها تمتلك علاقة مختلفة تماما معه، سيضحك المرء على مآسي الوجود ومفارقاتها بدلا من منحها الفرصة لتحطيمه".

(آلان دي بوتون)

قدّم روبرتو بينيني سنة 1997 تحفته الإيطالية "الحياة جميلة" (life is beautiful) عن الشاب خفيف الظل غويدو الذي يأتي لوظيفة بسيطة بوصفه نادلا في مطعم عمه بمدينة توسكاني، وخلال النصف الأول من الحكاية ينقلنا في تنويعة خفيفة الظل عن ثيمة الأميرة والفقير، حيث يطارد الجميلة "دورا"، وفي النهاية في مشهد رومانسي هزلي يقتحم الحفل بحصانه ويختطف الجميلة من الحفل ويحيا معها سعيدا وينجب منها ولده.

 

بقدر خفة الجزء الأول من الفيلم يحضر الجزء الثاني ثقيلا عندما يُساق غويدو وولده إلى معسكرات الإبادة وتلحق بهما زوجته مُغامِرة بحياتها، وبعدما يُساق كل أطفال المعسكر مع العجائز لغرف الغاز يخوض غويدو مغامرة على حواف الموت لإخفاء طفله عن عيون الحراس وإقناعه طوال الوقت أنهما في لعبة مُصمَّمة خصيصا لعيد ميلاده، ولو فاز فيها فسينال دبابة حقيقية.

لم تخلُ قصة غويدو السعيدة في النصف الأول من الفيلم من إرهاصات شر قادم، حيث أوسع المُتعصّبون عمه ضربا أكثر من مرة، وتحرشوا به وكتبوا على حصانه عبارات عنصرية عن يهوديته، بينما في مطاردة غويدو الكوميدية لمحبوبته دورا يتنكر في زي مفتش مدرسي ليجد محاضرة جاهزة لأطفال أبرياء عن عظمة العِرق الآري وحقارة الأجناس الأخرى، لا يرتجف غويدو أمام الكراهية ولا ينكرها، إنما فقط يمر خلالها بخفة مُحوِّلا الحقائق العظمى للجموع حوله إلى مهزلة عابثة، فتتحول محاضرة أيدولوجية عنصرية إلى صخب مدرسي خارج عن السيطرة يخلع فيه غويدو ملابسه ليُري الأطفال جمال زر سرته وشحمة أذنه، يضحك الأطفال معه وتنهار سطوة المشهد وزخمه الأيديولوجي.

 

بينما في بداية دخوله للمعتقل يصدمه شكل المعتقلين، عظام تكتسي لحما في سُرر غير آدمية، كانوا بوقفتهم المتهالكة اليائسة صورة صارخة من مستقبل غويدو وولده، بعد أيام فقط في المعتقل سيؤول مصيرهم لتلك الصورة البشعة، يدخل النازيون ويطلبون رجلا يتحدث الألمانية لنقل الأوامر للمساجين، فيرفع غويدو يده بعفوية دون أن يدري ما يقوله، يقف غويدو جوار الرجل ويحول أوامره الصارخة المخيفة إلى تعليمات هزلية بشأن لعبة ولده، يبتسم المعتقلون خلسة وقد انكسرت لوهلة وطأة وجودهم في الجحيم، لم يواجه غويدو جلاده، فقط وقف بجانبه وكان ترجمانا هزليا لتعليمات دموية.

 

لم يكن غويدو بطلا، ولم يقف مرة بفروسية في وجه أعدائه، بل تراه بعيدا عن أعين ولده يحمل أثقاله ببطء ويشكو وييأس، لكنه يشبه برسيوس الإغريقي الذي نذر نفسه للقضاء على الوحش ميدوسا، ميدوسا وحش فريد من نوعه، ما إن تنظر لعينيها حتى تصير حجرا، كان شرط قتلها ألا تنظر لها أبدا، وتلك صعوبة الأسطورة، كيف تقتل شيئا دون النظر له؟(6)

 

يمر غويدو في قلب المأساة لكنه لا ينظر في وجهها أبدا، فتنشل روحه ويستسلم ولكن يحيط نفسه وطفله بروحه لينجو، وكلما استسلم طفله وأخبره سرا أنه لم يعد هناك أطفال مثله بالمعسكر، يخبره كذلك أنه من رماد الأطفال يصنعون الصابون والأزرار، يضحك غويدو منه ويجذبه بعيدا عن النظر لميدوسا أو مأساة وضعه للعبتهما الخيالية، يخبره أن زر سترته هذا هو بارتلوميو زميل المبيت، وزر سترته ذاك هو صديقهم اليهودي، فهل يعقل ذلك؟ كوميديا بيغنيني لا تُنكر المأساة ولا تنتصر عليها، فقط تمر عبرها بخشوع برسيوس لكيلا يتحول إلى حجر في وجه جحيم قادر على ابتلاعه لو عامله بعقلانية.

 

في لقطة بديعة يحمل غويدو طفله النائم على ظهره ويسير في الضباب عائدا إلى عنبر المعتقلين ليجد كومة من الجثث، جبلا مشوه المعالم من جثث عارية، يتجمد للحظات، يتباطأ زمن اللقطة، لحظات بدا فيها غويدو لأول مرة عاجزا خائفا، لحظات نظر فيها إلى ميدوسا، إلى المأساة وجها لوجه، لكنه سرعان ما يستعيد توازنه ويمر. يموت غويدو في النهاية بعد أن عبّد طريق نجاة لولده، وفي تحية للمشاهد لا نرى موت البطل، بل يمر سريعا كحدث عابر، كأننا نشاهد الأمر من وجدان الطفل المُختبئ، الذي يخرج في النهاية من مخبئه ليجد دبابة حقيقية للحلفاء بعد هزيمة النازيين وهربهم تاركين المعتقل خلفهم.

 

"دع كل شيء يحدث، الجمال والرعب، فقط امضِ قُدما، لا شعور يدوم".

(ريلكه)

يُقدِّم لنا المخرج والسيناريست "وايكا واتيتي" في فيلمه "الأرنب جوجو" (jojo rabbit) الطفل جوجو ذا الأعوام العشرة، المُشبع بالدعاية النازية إلى حدٍّ صار معه هتلر هو صديقه الخيالي، بينما أمه تُخبئ في العلية فتاة يهودية وتعمل سرا لدى المُقاومة. بقدر ما يبدو هتلر وليد المخيلة الطفولية هزليًّا، فلا ينكر الكاتب بذكاء خفي كونه قريبا من النسخة الحقيقية لأدولف هتلر، هتلر مقنع جدا لطفل في العاشرة، يتركك الكاتب مع مساحة تعجُّب صامتة؛ كيف لآراء هتلر أن تُقنع مَن هو فوق العاشرة؟

 

بعكس ما فعله غويدو لينجو بطفله، تحاول الأم إنقاذ مخيلة طفلها من الاحتلال النازي لروحه بالنظر في أعين المأساة لا قتالها على استحياء مثل برسيوس، يمران معا في الشوارع ليجدا مشنوقين عُلِّقت على جثثهم عبارات "خائن"، يُشيح الطفل بنظره جانبا بينما تُعيده أمه للنظر بقسوة يسألها: ماذا فعلوا؟ تُخبره باقتضاب أنهم فقط فعلوا ما بوسعهم.

 

يسأل الابن أمه: هل العالم بالخارج مخيف؟

ترد الأم: جدا، لذا علينا الخروج!

 

لا تنخرط أم جوجو في حوار عقلاني معه، إنما تقذفه للواقع لتقوم الحقيقة وحدها بتطهير روح طفلها الصغير من ترهات النازية، بينما يقع الطفل الصغير في حُب اللاجئة اليهودية التي لا يجدها بقرون مخيفة، ولا تُنبئ بشرتها الجميلة أنها نتاج تزاوج رجل منحرف بسمكة كما تحكي الأساطير النازية عن كيفية نشوء الجنس اليهودي.

 

يتعلم جوجو الطفل إنسانيته بطريقة قاسية، لا تدور حكاية المُخرج هنا عن معسكرات الاعتقال والإبادة المادية بقدر ما تدور عن احتلال النازي لأرواح وعقول بريئة وتسميمها، تبدو الحرب مستعرة في النفس الجوانية الغضة لطفل عمره عشرة أعوام احتل هتلر مخيلته، وبقدر ما كانت بشاعة احتلال الديكتاتور للبلدات والقرى نجد احتلاله وجدان طفل صغير وتحويله إلى عنصري مستقبلي أمرا أكثر بشاعة، لذا يجعلنا وايتيتي نرحّب بقسوة الحقيقة لينجو الطفل بروحه من مُصادقة الفوهرر.

 

ملصق أميركي يصور هتلر بطريقة ساخرة

جسّدت الكوميديا بطرق مختلفة مقارباتها في التعامل مع المأساة، تارة بإشارة مهرج صارخة لوجود مهرج زميل له لكنه لا يرتدي ملابس المهرج المبهرجة، ولا يُضحِك العامة بتعهداته الهزلية التي تنتهي بسقوطه العاثر على المسرح، إنما مهرج يرتدي زيا عسكريا ويحمل أزرار تفجير العالم حرفيا، وتارة أخرى كانت الكوميديا السترة الواقية التي يمر المرء مُرتديا إياها خلال غياهب الجحيم دون أن ينظر فتنهار روحه، وتارة كانت الكوميديا تحريضا ساخرا على النظر للحقيقة في وجهها دون رتوش، فكثيرا ما تُنقذ الوجدان صدمة.

 

بقدر بشاعة المأساة بقدر ما تبدو الكوميديا أداة ذكية وفريدة من نوعها للتعامل معها، وبقدر بشاعة الهولوكوست ومعاناة اليهود تحت نير الحكم النازي وبقدر القداسة التي تعامل بها صناع سينما مع الموضوع ذاته، نجح ثلاثة في تمرير المأساة بخفة ومعالجتها بعدسة الكوميديا التي توقظ الفكر ولا تسفه الحدث وتُهين ضحاياه.

—————————————————————————————————————————-

المصادر

  1. عباس محمود العقاد – فلسفة الضحك
  2. Hitler’s Circle of Evil
  3. loi n° 90-615 du 13 juillet 1990 (dite ‘loi Gayssot’), Journal Officiel de la République française (Official Journal of the French Republic), n° 162, 14 July 1990, 8333.
  4. Charlie Chaplin Made Hitler Cry
  5. We Should Be Grateful Charlie Chaplin Made ‘The Great Dictator’ When He Did
  6. Medusa Greek mythology
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة