مصيدة "الكيتش".. أو كيف تُعيد تدوير الحقيقة في كليشيه مبتذل؟

"أيًّا كان الكيتش الذي اخترته لنفسك، فقد دخلت رأسا دائرة ملؤها الشر، بل الجنون. حينئذ تفقد التسامح، لا تعود مستعدا لقبول أي تناقض مع الكيتش".

 

(أروى صالح)

كلمة "كيتش" (kitsch) دخلت قاموس اللغة الألمانية في منتصف القرن التاسع عشر، اشتُقَّت من كلمة ألمانية هي "Kitschen" التي تعني "جمع القمامة من الشارع"، أو من كلمة أخرى وهي "Verkitschen" وتعني "جعل الشيء رخيصا"، قاموس أوكسفورد عرّف هذه الكلمة بأنها "تقديم شيء لا قيمة له" (1).

 

جوهر الكيتش هو الحالة التي يُعاد فيها إنتاج شيء جميل وأصيل لكن بصورة أكثر رداءة تنزع منه كل جوهره، لذا انطلقت تلك الكلمة الصغيرة لتغزو في القرن العشرين ميادين الأدب والاجتماع والفلسفة والسياسة، فلم يحتكرها مجال بعينه لأنها تُعبِّر بشكل فريد ومُختصر عن حالة من الزيف أو الابتذال يُمكن أن تُصيب أي شيء وتنزع عنه فرادته، الظل المزيف لشيء جميل تحلَّل وفقد رونقه وصار مبتذلا.

 

قدّم الروائي التشيكي "ميلان كونديرا" مصطلح الكيتش في روايته "كائن لا تحتمل خفته" بوصفه حاجة إنسانية مؤسفة، فليس الكيتش مُجرد وصف لعمل فني فاقد للأصالة ومبتذل، بل هناك الإنسان الكيتش، وهو الحاجة إلى أن ينظر المرء إلى نفسه في مرآة الكذب التي تُجمِّل لكي يتعرّف إلى نفسه برضا يُثير العاطفة، بذلك يصير الكيتش احتياجا خفيا للإنسان ومُسكِّنا عن الحقيقة التي لا تُجمِّلنا ولا تُرضينا (2).

الروائي التشيكي "ميلان كونديرا"الروائي التشيكي "ميلان كونديرا"

كذلك قدّمت اليسارية الراحلة "أروى صالح" مصطلح الكيتش في عملها البديع "المبتسرون" بوصفه معبرا حزينا عن أحلام جيل اليسار المُجهض في سبعينيات القرن الماضي بالمساواة المطلقة والمسيرة الكبرى نحو عالم بلا طبقات، تقول أروى إن حلم المساواة ذاك لفرط مثاليته تحوَّل من كفاح واقعي إلى كيتش، إلى قناع ارتداه كل مناضل وتعالى به على الواقع الصعب بدلا من أن يشتبك معه، لذا هو قناع يُخفي وراءه الموت، لأن جيلها صار يلتحف بفكرة مثالية تُغنيه عن النزول للأرض ومحاولة توصيلها أو خلقها أو تهيئة الظروف لها.

المبتسرون

وبحلول النهاية صار أفراد جيلها مومياوات تسكن برجا عاجيا لا صلة لهم بالناس أو بالمجتمع الذي يحاربون لأجله، فتحوَّلت قضية العمر لجيل بأكمله من سبب للعيش، من شيء شديد الأصالة، إلى كيتش رديء، وكل مَن حاول تحريك الماء الراكد ونقد أسطورة الحلم اليساري الجميل صار مغضوبا عليه، لأن الكيتش يكره المتسائلين وينفي بلا هوادة أو تسامح كل محاولة لإيقاظ المرء منه، فهو غريزة التجمل ولو بالكذب لدى كونديرا، وبرج عاجي مريح خارج واقع معقد لدى أروى صالح.

 

عنوان ميدان

الأزمة في الكيتش أنه يشبه الحقيقة ويرتدي ثوبها ويستعير مصطلحاتها، لكن بقليل من التعمق تجده لا يملك من الحقيقة شيئا، هو فقط ظلّها المبتذل، المبالغة السخيفة في الأدب هي كيتش، وتحويل حدث عفوي إلى "تريند" متعمد هو كيتش، والموضة ذاتها هي كيتش، لأنها ليست اختيارا أصيلا للمرء إنما مجاراة منه لتيار بدأ من مكان ما، ورسم جيفارا الثائر الاشتراكي، الذي صنعه مُحب يوما للتعبير عن حالة أصيلة تألّقت لزمن ثم خبت، استُورِد من جديد على هيئة ملصقات دعائية في المقاهي وعلى ظهر الحافلات والدراجات البُخارية، حتى صار ملصقا يُباع على القمصان من شركات رأسمالية للربح بينما لا يعرف مَن يرتديه مَن هذا الوسيم الذي يشبه المسيح؟ الذي حارب ذاك الكيتش طوال حياته حتى صارت صورته "كيتشا" حزينا، تلك طريقة كلاسيكية لتحويل أيقونة أصيلة إلى شيء أكثر رداءة، جيفارا صار منتجا رأسماليا للبيع، تلك فكرة مبسطة عن كيفية عمل الكيتش في تحويل شيء أو فكرة لتصير في النهاية عكس الغرض المرجو منها، لتصير وسيلة للتظاهر لا أكثر.

che guevara shirt

يرى الفيلسوف الألماني "تورستن بودتز" أن الكيتش لا ينتج بشكل عفوي إنما تقوم عليه الرأسمالية وكل أيدولوجية أو تيار غالب في أي مجتمع. يقوم التيار الغالب ببث الكيتش المُبسط له بدلا من تعقيدات الحقيقة والواقع في الأدب والفن والخطاب اليومي المَعيش. "بعض الناس يستخدمون الكيتش أو المسخ من باب السخرية، وهناك نوع من الكيتش السياسي الذي يستخدمه الساسة للتلاعب بمشاعر الجماهير، إذ تبحث الأنظمة الاستبدادية عن توصيل موضوعاتها ببراعة، وعلى سبيل المثال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وكذلك المنظمات الإرهابية المتطرفة مثل داعش"(3).

 

يجعلنا الكيتش في النهاية مُتظاهرين بالشيء لا مُمارسين له، نبدو كمَن يقرأ أدب، نبدو كمَن يشتبك بثقافة، نبدو مشاهدين فاعلين، نبدو لكن في النهاية لا يوجد شيء حقيقي نفعله. يسخر "تورستن بودز" من الكيتش بقوله: "كوّن بنفسك جملة تبدو ذات معنى ولكنها خالية تماما من أي معنى، وجملة مثل "افعلها" وأنت لا تعرف ماذا تفعل بالضبط هي نوع من بلاغة الليبرالية الجديدة والرأسمالية".

 

عنوان ميدان

"جيل كامل يضخ الوقود في المحطات، يخدم على الطاولات، الإعلانات استعبدتنا، نعمل في وظائف نكرهها، لشراء أشياء لا نحتاج إليها، لا يملك جيلنا حربا كبرى أو كسادا عظيما، حربنا حرب روحية، وكسادنا الكبير هو حياتنا، نحن ناقمون جدا جدا".

 

(Fight Club 1999)

في فيلم "نادي القتال" (Fight Club) المقتبس من رائعة "تشاك بولانيك" بالاسم ذاته، نجد البطل موظفا في شركة تأمين يتعامل مع شركات كبرى تتهاون في تصاميم السيارات التي تُنتجها لتعظيم أرباحها على حساب السلامة، يملك البطل وظيفة مستقرة تكفل له السفر وشقة مؤسسة بالكامل من أيكيا، أخلص في تصميمها لكل الإعلانات الدعائية عن طاولة القهوة والأريكة التي تجلب لمنزلك السعادة، لكنه ليس سعيدا.

 

تبدو حياة البطل "كيتشا" عملاقا، فهو يعمل في وظيفة عنوانها التأمين على الحياة وحقيقتها هي تصميم مخرج آمن للشركات من عواقب رداءة تصاميمها التي تقتل الآلاف كل عام، وبقدر ما يبيع البطل الهراء يصير ضحية له، عندما يشتري بإخلاص كل دليل الأثاث المريح ويتابع بطاعة التلفاز لكنه لا يحصد وعود السعادة التي تخبرك تلك الأشياء أنك ستنالها فور ملكيتها، لذا يتوق البطل لعيش تجربة حقيقية، يقترب فيها من الحدود القصوى للعيش، ربما عندها يشعر بشيء يكسر حالة الخواء والأرق التي يحيا فيها رقما في معادلة باردة أو مُستهلكا يبتسم في إعلان رديء لا ينتهي.

نادي القتال

"كيف تعرف أي شيء عن نفسك دون قتال؟ لا أريد أن أموت خاليا من الندوب".

 

(Fight Club 1999)

يبحث البطل عن شيء حقيقي يشعر به وسط جماعات الدعم لأمراض السرطان والسل، هناك يبكي وسط رجال يعيشون مأساة حقيقية، الموت حاضر في عوالمهم، والفقد مُطل على المشهد الخاص بهم، رجال بينهم وبين سؤال الموت والحقيقة إنشات بسيطة. تتطور التجربة لتصير أكثر حسية بابتكاره نادي القتال مع صديقه الخيالي تايلر دردن، فبقدر ما كان البطل ضحية مخلصة للكيتش، كان لا بد له من إنتاج شخصية أخرى تصير الثائر المثالي عليه، يضع تايلر دردن، الشخصية الخيالية الثائرة على كيتش الحياة للبطل، قوانين نادي القتال.

"لا يدور نادي القتال حول الربح والخسارة

لا شيء يُحَلَّ بالقتال، لكن لا شيء يهم بعده كذلك

الجميع يشعر بالخلاص وهذا هو المهم".

لا تدور تجربة الألم في فيلم "نادي القتال" حول الرغبة في الفوز أو إلحاق الهزيمة بطرف ما، إنما حول رجال لم يعودوا رجالا، رجال مخدرين طوال حياتهم، حياتهم مستعارة من التاسعة للخامسة في شركات لا تعبأ بهم، وعقولهم مُعدَّة للتلفاز في المساء بعد وجبة سريعة تتوسد أريكة مريحة أخبرهم الإعلان أنها ستجلب لهم السعادة بعد يوم شاق، على أريكة أيكيا يستريحون، يفتحون عقولهم لبرامج عن مشاهير لا يعرفونهم وأبطال خارقين لن يصيروا يوما على صورتهم، ينام المرء منهم بعد يوم كامل شاعرا أن وقته القليل من العالم أعاره لجهات لا تعبأ به، وأن الكل عاد سعيدا لمكانه رابحا بينما هو مستلقٍ بلا حراك كمَن اغتُصِب خفية دون أن يشعر.

 

لذا في القتال لا يشعر هؤلاء الرجال بالألم، بل بالنشوة، لأنهم خرجوا من خدرهم إلى الشعور بشيء من الأساس حتى لو كان مؤلما، لأن شيئا ما اخترق ثخانة أرواحهم ولو كان هذا الشيء لكمة أو نزفا، في هذا المكان لن يُخدِّر أحد أرواحهم ويسرق وقتهم، هنا الصحوة واليقظة ولو بالألم، لذا في مشاهد الفيلم تزداد الحميمية والصداقة بين المتصارعين لا العداوة، ويصير النادي هو ملاذهم الآمن من برودة عالمهم ولا مبالاته.

Fight Club

بعد احتراق شقة البطل بكل منتجات أيكيا، وبعد أن فرَّ من وظيفته اليومية بتعويض كامل ناله بالخديعة التي تعلّمها بامتنان كبير إلى شركته التي خدعت المستهلكين لعقود، يشعر البطل بمزيد من الانعتاق، وعلى صوت هواجسه التي ترتدي هوية صديقه الخيالي تايلر دردن يكون البطل ثورة كاملة على الكيتش قوامها جيش كامل من الساخطين من نمط العيش الذي لا يعبأ بهم، تصل الثورة ذروتها بالرغبة في تفجير مقرات شركات الائتمان لتزول ديون العاملين التي تُجبرهم على العمل في وظائف لا يحبونها لشراء أشياء لا يحتاجون إليها توقعهم في دائرة جُهنمية من الاستدانة والشراء والسداد والاستدانة إلى الأبد.

 

تعجّ مشاهد الفيلم بالألم الجسدي الذي يُعبِّر عن العنف الكامن ورغبة توّاقة من إنسان مهدور للاستيقاظ، فيحرق تايلر دردن يد البطل بالحمض ويُجبره على معايشة الألم فيما يصفها بأنها أعظم تجربة يمكن للمرء أن يحظى بها، وذاك جوهر الفيلم، إذا كنت قادرا على تحمُّل ألم الحقيقة في الجسد والنفس والروح فلن تبحث عن المسكنات، وهذا يدمر جاذبية الكيتش، نجد البطل يذهب لعمله كل يوم بندوب القتال وبدم بين أسنانه، دون غريزة تجمُّل واحدة، دون ربطة عنق، وهذا يدمر جاذبية الكيتش التي تعتمد على رغبة البشر بالتجمُّل ولو بالكذب.

في مشهد بديع يُصوِّب تايلر دردن المسدس إلى رأس عابر لا يعرفه، ويسأله سؤالا واحدا: "ماذا أردت أن تكون؟"، يخبره الرجل أنه أراد أن يكون بيطريا يعالج الحيوانات، يخبره تايلر أنه يملك بطاقة هويته ويعرف مسكنه، كل ما عليه أن يطارد حلمه وحسب ويتذكر أنه كان ليموت الليلة، هذا سوف يجعل كل ليلة هي هدية جديدة له، عند الاقتراب من الموت يفقد الكيتش سطوته وتبقى الحقيقة وحسب.

 

عنوان ميدان

"الشيء هو مجرد شيء، وليس ما يقال عنه".

في تحفة أليخاندرو إيناريتو "الرجل الطائر" (Birdman) يختار أن يورد تلك العبارة في بطاقة يضعها البطل أمام مرآته وهو يتجمّل لدور جديد على المسرح، يُقدِّم لنا إيناريتو البطل "ريجان"، وهو ممثل عجوز وبطل قديم لسلسلة أفلام عن بطل خارق طائر خبا نجمه ويريد أن يستعيده، وعكس ما يُخبره به الجميع أن الطريقة المثالية للعودة للأضواء هي جزء رابع من ملحمة "الرجل الطائر"، يريد ريجان أن يعود بمسرحية من مسرحيات برودواي عن الحب لكاتب قديم لا يعرفه كثير من جمهور ريجان من الشباب ومحبي أفلام الأبطال الخارقين.

Birdman a thing is a thing

مثل بطل "نادي القتال" نجد شخصية البطل تتشظّى بين صوته الأصيل وبين صوت آخر هو بطله الطائر أو شخصيته التي مَثَّل بها سابقا التي تحضر للسياق بوصفها صوت هواجس ريجان الذي يجعله من آنٍ لآخر يتخيّل نفسه بطلا طائرا حبيس جسد رجل عجوز، يُمثِّل ريجان رغبة أخيرة من ممثل موهوب أن يقدم شيئا ذا قيمة بينما صوت الرجل الطائر في عقله هو صوت الكيتش الذي يخبره أنه لا بد لنا أن نطير خارج ورطتنا تلك لجزء جديد من فيلم تافه لا أكثر. عليه أن يُعطي الجمهور ما يُريده، سيارات مقلوبة، حرائق، أكشن، لعبة فيديو وأزياء تُباع بالملايين من صدى الفيلم.

Birdman

لا تستهين الأعمال السينمائية بقوة الكيتش وقدرته على أن يحضر بقناع مُستعار شديد القرب من الحقيقة، فلا يصير الكيتش حضورا آخر معاديا للبطل وموازيا له، بل هو صوت كامن داخل عقل البطل ذاته، مجدول في ضفيرة الوجدان ذاته، لذا امتلك البطل في "نادي القتال" شخصية خيالية في طيات عقله ضد الكيتش ومُحرِّضة ضده ولو بالفوضى، بينما امتلك ريجان في طيات عقله كذلك شخصية خيالية مع الكيتش ومُحرِّضة عليه بوصفه سبيلا آمنا للعودة للأضواء باعتبارها خيرا من حقيقة مؤلمة مُفعمة بمخاطر لا تُحصى.

 

يدرك ريجان أنه في زيِّه الخارق يُمثِّل شيئا زائفا في حقيقته مهما قيل عنه، بطلا خارقا ضمن دزينة تُقدِّمها هوليوود لمشاهدين كسالى لتقاتل عنهم، تستدر مشاعرهم عبر مبالغات ومؤثرات بصرية دون سبر أغوار المفاهيم الأصيلة للوجود الإنساني كالحب والحقيقة والفقد، تلك أشياء لا توجد في منتج هوليوودي سهل للاستهلاك اليومي في سهرة لا يعلق منها شيء في ذهنك الليلة التالية سوى صداع ما بعد الثمالة.

 

يتحدّث ريجان لصحفي عن مسرحيته الجديدة وعن توجُّهه الجديد أنه يشبه إيكاروس، بينما لا يعبأ الصحفيون إلا بسؤاله هل حقا يحقن وجهه بمني الخنازير ليبدو أصغر سِنًّا؟ هل يقوم بتجهيز جزء جديد من "الرجل الطائر"؟

 

إيكاروس هو أسطورة يونانية عن ديدالوس وابنه إيكاروس الذين كان عقابهم من ملك كريت مينوس هو أن يظلوا عالقين في متاهة، آمنين وأحياء لكنهم عالقين دون معنى، يتمرد الاب وابنه على الأمان الزائف صانعين أجنحة من الشمع كي يطيرا بها خارج المتاهة، وكما يليق بـ "أسطورة إغريقية" تحضر المأساة في النهاية عندما يقترب إيكاروس من الشمس رغم تحذيرات أبيه ويُفتتن بها فتذوب أجنحته ويهوي.

 

 

يصير سؤال الأسطورة: هل كان ديدالوس وولده أحسن حالا لو ظلّا في المتاهة عالقين لكن أحياء؟ هل علمهم الغزير الذي أورد لعقولهم فكرة الأجنحة كان نقمة بينما كانت الفضيلة اللازمة لذلك المأزق هي الجهل؟ في كل الأساطير اليونانية المعرفة تذهب بالمرء إلى هلاكه، كل مَن عرفوا تمردوا، بروميثيوس وسيزيف وأطلس وإيكاروس، كل مَن تمردوا ردّتهم الآلهة لمحدوديتهم بعقاب ملحمي، تبدو الأساطير كلها مجازا عن الرغبة في تحقق أصيل خارج الحدود المرسومة لك، وفق منطق الأساطير يصير الجهل فضيلة غير متوقعة بينما المعرفة فضول مذموم وبصيرة لا يعود المرء بعدها كما كان. لذا كان سؤال ريجان: هل جهله بإمكانياته وتقديمه فيلما خارقا جديدا كان ليكون فضيلته أم مطاردته لجمال مخبوء في نفسه ينكره الجميع عليه؟ تخبره ابنته أنه يلهث وراء شهرة جديدة، وتخبره ناقدة أنه مهرج في ثوب طائر يحجز وقتا ثمينا لمسرح عريق لتقديم ترّهات لا أكثر.

 

في دراما إيناريتو الساخرة تبدو كل شخوصه محطمة فاقدة الثقة بنفسها، ريجان أب سيئ وزوج سيئ، بينما ابنته فوضى مراهقة دمرتها المخدرات، وحتى ممثلوه عصابيون بامتياز، لذا كانت دراما الفيلم في كواليس ضيقة وإيقاع لاهث دون استقرار للعين، لا يحضر الاستقرار والتماسك إلا في مشاهد التمثيل على المسرح، يخبرنا إيناريتو السبب على لسان أحد أبطاله "مايك شاينر" أن الممثل لا يكون نفسه إلا على المسرح، يصير كل ما يمكن أن يكونه على المسرح بينما في الحقيقة نجده عجوزا يتردد في مغازلة فتاة تصغره بأعوام.

 

كل شخوص إيناريتو حياتهم هي كيتش مثالي، الممثل حسب تعريفه لا يملك تقديرا لذاته، هو ملعون بلعنة أن ذاته مُهداة باستمرار للعالم وعليه أن يستعيدها بالتصفيق والاستحسان أو تظل ضائعة مثل روح هائمة خارج جسده، لذا السبيل الوحيد للخروج من متاهة الكيتش هي بتقديم جمال يستردّون به أرواحهم كل مرة. لذا من زاوية مرعبة تجد كل شخوص الفيلم أجسادا لاهثة في ممرات ضيقة باحثة عن أرواح تائهة منها، لا تجدها إلا في لحظة التمثيل التي هي للمفارقة لحظة ادّعاء المرء أنه شيء آخر.

 

يسير ريجان عكس التيار ويمنح المشاهدين جمالا حقيقيا، يسير متحديا جاذبية الكيتش التي تكمن في كونه سهلا، بطل خارق يمزق أعداءه ويقلب السيارات ويُحقِّق الانتصار عنك بينما أنت تتابعه بيد سمينة يسيل منها زبد الفشار في السينما، ذاك تحقق سهل يمنح إجابات وحسب دون سؤال واحد يمكن أن يثيره بداخلك، منتج مثالي لجيل يجرب الحياة من خلال شاشات الهواتف دون عيش خبرة حقيقية.

 

في النهاية تُشوّش الحدود بين الواقع والخيال، بين صوت الأصالة في عقل ريجان وصوت الكيتش الذي يمثله البطل الطائر، في النهاية يطلق ريجان النار على نفسه كما ينص مشهد ختام المسرحية لكن بمسدس حقيقي، هل كانت رغبة في الفناء في فنه؟ للوصول للحقيقة الكاملة من خلال مشهد تمثيلي؟ رغبة خفية في إخراس صوت الكيتش في رأسه للأبد (وهو ما فعله بطل "نادي القتال" للتخلص من صوت دردن في رأسه بإطلاق النار على نفسه)؟

 

في تحية جميلة لكل ما هو حقيقي يمنحنا إيناريتو نهاية فانتازيا عندما يفتح ريجان نافذة المشفى ويختفي، تتعلق أبصارنا بابنته وهي تبحث عنه بالأسفل، هل قفز؟ هل هلك؟ ثم تنظر للأعلى بعين لامعة وابتسامة تتشكّل ببطء، نظرة فخر ممزوج بأسى، تشبه نظرة ديدالوس نحو إيكاروس ولده وهو يعانق الشمس بينما أجنحة الشمع تذوب ببطء، جمال لا يتحقق إلا بفناء المرء فيه مُخاطرا، كيتش لا يموت إلا بملامسة الحقيقة في حدودها القصوى.

Birdman

 

عنوان ميدان

"أما العيش في الحقيقة وعدم الكذب على أنفسنا وعلى الآخرين فأمر غير ممكن، إلا إذا عشنا بعيدا عن الناس. فما إن يكون هناك شاهد على أعمالنا حتى نتأقلم طوعا أو كرها مع العيون التي تراقبنا، فلا يعود أي شيء مما نقوم به حقيقيا. أن نحظى بجمهور، وأن نفكر في جمهور، فهذا يعني أن نعيش في الكذب".

 

(كائن لا تحتمل خفته، ميلان كونديرا)

في حلقة بديعة من حلقات المسلسل البريطاني القائم على الديستوبيا "مرآة سوداء" (Black Mirror) تخبرنا عن عالم مستقبلي مخيف فيه كل البشر يملكون آلية تقييم الواحد منهم للآخر بأرقام تشبه تقييمات المشاهدين للأفلام على المواقع الشهيرة، حياة الإنسان وقدرته على الشراء والارتباط والعيش كلها رهينة تقييم الآخرين له.

 

تُقدِّم الحلقة جوهرا كيتشيا مثاليا في استعارة شيء أصيل وإعادة تدويره بشكل رديء، القاعدة الذهبية تقول لا تفعل لأحد أي شيء لا تريد أن يحدث لك، تخبرنا "كارين أرمسترونج" باحثة الأديان أن تلك القاعدة هي جوهر وملخص كل الأديان كافة، القاعدة ذاتها يوردها المسيح بصيغة أخرى بقوله: "فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضا بِهِمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ".

black mirror

تُستعار تلك الفكرة الأصيلة من سياق المحبة لتصير تنازل الفرد عن حقيقته وفرادته مُجبرا في سبيل أن يراه الآخرون جميلا ولو بالتصنُّع أو الزيف، فتجد كل الشخوص ذوي التقييمات الرديئة بالحلقة أكثر حقيقية وأصالة من ذوي التقييمات العالية الذين خبروا طُرق موادعة الآخرين بزيف لينالوا الدرجة الكاملة، لا يريد أصحاب التقييم المنخفض المداهنة أو التصنُّع أو التملُّق أو النفاق بوصفه سبيلا لنيل تقييمات عالية من الآخرين، يبدو مجتمع الحلقة شديد النظافة والمثالية بادعاء كامل، لا أحد يجرؤ على السباب أو السؤال، ليس لأن السباب غير أخلاقي في ذاته وإنما خشية أن يمنحنا أحد تقييما سيئا لو سببنا أو امتعضنا.

 

يبدأ المنحدر من تصرفات عفوية للبطلة في رحلتها لحفل زفاف صديقة قديمة من ذوي التقييمات العالية، خلال الرحلة تنال البطلة تقييما سيئا بعد آخر، وتصل إلى عتبات الحفل بتقييم رديء ترفض معه صديقتها أن تمنحها حق الحضور والحديث بحفلتها، في النهاية تنهار البطلة انهيارا مريعا في مظهر بديع في أصالته، ونلمح منها أول استجابة إنسانية غير آلية أو مدروسة وتودع السجن.

 

وبقدر ما يبدو السجن باردا وضيقا بقدر ما يبدو المكان الأكثر براحا وحقيقة من كل كادرات الحلقة الزاهية، هناك تُجرِّب البطلة حريتها في صيغة صراخ وسباب تثور به بلا خوف أن يقيمها أحد بشكل خاطئ. تنتهي الحلقة بابتسامة راحة وانعتاق، فالحقيقة جميلة والكيتش موت، ولو كانت الحقيقة رداؤها سباب والكيتش رداؤه لطف مزيف.

Nosedive

 

عنوان ميدان

""العيش في الحقيقة"، إنها عبارة استعملها كافكا في يومياته أو في إحدى رسائله. لم يعد فرانز يتذكر أين بالضبط، ولكن هذه العبارة تسحره. فما معنى أن نعيش في الحقيقة؟".

 

(ميلان كونديرا، كائن لا تحتمل خفته)

في كل الأعمال السابقة يتمرّد الأبطال بطرق مختلفة على كيتش كامل وجدوا أنفسهم عالقين فيه كما علق ديدالوس وولده في متاهة عيش، أراد تايلر دردن الثورة الأناركية على العالم كله بجيش من الساخطين لتدمير الكيتش، أراد ريجان تومسون نفي الكيتش بإيجاد جمال حقيقي يخبر الناس أن هناك ما هو أكثر أصالة مما يتعاطونه من ثقافة وفن، بينما وجدت البطلة في حلقة "المنحدر" الصدق في السجن، المكان الوحيد الذي نالت فيه حرية أن تكون نفسها دون تقييم.

 

في الأعمال كلها كان ثمن العيش في الحقيقة هو وصول الأبطال للحظة مقاربة إيكاروس جمال الشمس ووضوحها الحقيقي بأجنحة شمع مسكينة بالية، كانت النهاية مؤلمة وقاسية بقدر حضور الحقيقة لبنيان هش فتذروه ذروا، لحظة تنوير قاسية ومهلكة لكنها منحت الأبطال خلاصهم كما خلص إيكاروس من متاهته وسجنه.

 

الخلاص من الكيتش أو حالة مزيفة ثقافيا أو سياسيا أو اجتماعيا شديد الألم، لأن جاذبية الكيتش في سهولته، في كونه تدثُّر سهل بالحقيقة والجمال، يمكنك أن تقرأ مقاطع قصيرة من سرد هيمنغواي أو جيفارا أو موباسان أو ديستويفسكي وتقول إنك تتعاطى الأدب، يمكنك أن تسافر إلى مدينة ساحلية مثل دهب وتقول إنك تتعاطى تجربة وجودية في العزلة، يمكنك أن تتحدث عن لا شيء وتنال تصفيقا.

Vladimir Tretchikoff, The Chinese Girl , mona lisa kitsch. فلاديمير تريتشيكوف، الفتاة الصينية، الموناليزا كيتش.

لذا تخبرنا أروى صالح أن الكيتش له متعصبوه، وأنه يُفقِد المرء التسامح، لأنها سهولة تجد مَن يدافع عنها إزاء حقيقة لا صبر عليها، حقيقة قد تحرق صاحبها. لذا يخبر ريجان ناقدة في مشهد بديع كيف أن الناقد هو فنان فاشل لا أكثر، فكلمة مثل فجة، هامشية، هي تسميات أو ملصقات توضع ببرود على أعمال إبداعية أفنى فيها أناسٌ من أرواحهم شيئا، الفنان يخاطر ويموت في سبيل تقديم روحه عملا جميلا، وذلك تعريف مثالي للفارق بين الكيتش والحقيقة، بين مكابدة الشيء والحديث عنه، فكما أخبرنا إيناريتو "الشيء هو الشيء وليس ما يُقال عنه".

 

عنوان ميدان

"يكون الإنسان الذي يتساءل هو العدو الحقيقي للكيتش، حين تتعامل مع الكيتش بوصفه كذبة جميلة لا يعود كيتشا، إذ يفقد مقدرته السلطوية، يُصبح مؤثرا ككل ضعف بشري وحسب".

 

(أروى صالح، المبتسرون)

التساؤل الدائم هو العدو الحقيقي للكيتش، كل الأعمال السابقة بدأت بسؤال، فالبطل في "نادي القتال" كان يملك كل وعود الرأسمالية، منزلا آمنا ودوام عمل بامتيازات سفر وممتلكات قيمة تَعِد بالسعادة وشبابا لا يبلى، لكنه كان يؤرقه سؤال: هل ذلك كل شيء؟ كذلك امتلك ريجان تومسون مجدا هوليووديا يمكن العيش عليه للأبد مع إمكانية تجديده، لكنه كان يؤرقه سؤال: هل ذلك كل شيء؟

 

يخبرنا "إريك فروم" أن العدمية والتطرف في جوهره هو احتجاج مسكين على حياة غير مَعيشة بشكل جيد (4). لا تُقدِّم الإجابة نفسها في هلاك الفنان في سبيل فنه كما فعل ريجان، أو الثورة الفوضوية على كل شيء التي تحرق أصحابها قبل الجميع كما فعل دردن، أو حتى المكوث في السجن بعيدا عن العالم كما نالت لاسي مصيرها، لكن المقاومة المثالية لفكرة الكيتش في الفن والأدب والحياة والاجتماع هي بالسؤال أولا وبتقديم جمال يفضح كذبة الكيتش آخرا.

 

يملك الكيتش قوة جاذبيته، لكنه يعاني كذلك التواطؤ الخفي من الجميع على احتقاره ويقينهم أنهم يحيون كذبة مريحة لا أكثر، يقين خفي تحت طبقات التظاهر، لذا لم يجد دردن صعوبة في جمع أتباع ساخطين أو أعضاء مميزين في نادي القتال، حيث كلنا نعاني من حياة لا نريدها، وكل ما أراده الجميع هو شخص يُصرِّح علنا بذلك لينضم له كل المُرهقين من الكيتش، الجائعين لجمال حقيقي.

————————————————————————————-

المصادر

  1. نظرية الكيتش.
  2. ميــلان كونديــرا: الإنســان والكيتــش.
  3. تورستن بودتز يعرِّف مصطلح «الكيتش» بمعرض القاهرة للكتاب.
  4. الدين والتحليل النفسي، إريك فروم.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

لا يخلو مسلسل “ما وراء الطبيعة” من النواقص، ولكنه تجربة شديدة الأهمية ليس فقط لكونها تجربة جديدة ومختلفة عن النهج الإنتاجي المُتَّبع في السوق المصرية.. التفاصيل بهذا التقرير.

Published On 23/11/2020

يعلمنا مسلسل “طيف إسطنبول” أن علينا أن نسمح لأنفسنا بأن نعيش كل مشاعرنا وعواطفنا، فالعواطف هي الجسور التي تُمكِّنك أنت وأنا ونحن جميعا من أن نكتشف هويتنا الحقيقية.. فكيف تتحرر من ماضٍ مليء بالألم؟

Published On 2/12/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة