مسلسل "طيف إسطنبول".. كيف تتحرر من ماضٍ مليء بالألم؟

تجتاز "مريم" دربا موحشا يكتنفه الضباب، تحت سماء مكفهرة ملبدة بالغيوم، تحثُّ الخُطى صوب ما يشبه غمامة رمادية مباشرة، يُخيِّم الضباب على جنبات حياتها وحيوات العديد ممّن تلتقيهم بطرق مختلفة ويُفسِد صفوهم ويُضلِّل بصيرتهم. مع هذا لا تتوقف "مريم" عن المسير، فالجسر الذي تَعبُره يتوحَّد مع المعنى الذي تُمثِّله هي، فـ "مريم" هي الجسر الرابط بين شخصيات عدة أَلِفوا الوحدة في مجتمع المدينة الذي يُصوِّره مسلسل "طيف إسطنبول"، وقد تولّت شبكة "نتفليكس" إنتاج المسلسل وتكفّل بإخراجه "بيركون أويا". في إسطنبول التي يُصوِّرها "أويا" كل شخص تعيس بطريقته الخاصة، غارق في القلق والتناقضات والتحيزات والمعضلات وقصر النظر، كلٌّ يكافح مع مشكلاته وظلماته، وهذا هو ما يربطهم ويجعلهم بشرا.

 

يضع "بيركون أويا" في مسلسله بعضا من رحيق السينما الإيرانية الفريد، ويبدو من أنصار الواقعية الجديدة، حدّ أن البعض ألمح إلى إمكانية تأثُّره بالمخرج الإيراني "أصغر فرهادي". وخلافا لما هو دارج ومتعارف عليه في الدراما التركية المعروفة بطول مدة حلقاتها، فالمسلسل ثماني حلقات فقط، ومدة كلٍّ منها نحو أربعين دقيقة، وهو منحى بدأ مخرجون أتراك في أخذه مؤخرا، فهل نشهد نقلة في الدراما التركية؟

يترصّد "بيركون أويا" المشاعر حين يكتب سيناريوهات الأفلام والمسلسلات، ففي مسلسل "الانتقام" يجعل منها دافعا يُحرِّك بطلة الحكاية، وفي تجربته الإخراجية الثانية في مسلسل "طيف إسطنبول" نلمح أصداء تجربته الإخراجية الأولى من فيلم "Happy New Year London". في الفيلم مطربة مغمورة تصل إلى لندن في الليلة التي تسبق حفلتها الموسيقية وقبل أيام قليلة من حلول العام الجديد، تحفل تلك الليلة بالألم المنسجم مع مشاعر أخرى، يحضر فيها معجب مضطرب وزوج محبط يُقرِّر إنهاء ألمه والانفصال عنها. أفعال كل هؤلاء ستصل إلى حدٍّ تُجبرهم فيه على التواصل أولا مع أنفسهم، ثم مع بعضهم بعضا.

 

في مسلسل "طيف إسطنبول" تأخذ تلك المشاعر منحى أكثر تعرُّجا، فيُعرِّفنا العمل على "مريم" (أويكو كاراييل)، الشخصية الرئيسية، وهي امرأة محجبة تكسب قوت يومها من تنظيف البيوت، أُغمي عليها للتو في المنزل الذي ذهبت إليه لتنظيفه. تعود القصة بعد ذلك إلى عام مضى، عندما حوَّلها الطبيب الذي رأته بسبب نوبات الإغماء إلى طبيبة نفسية تُدعى "بيري"، ليبدأ المسلسل بمقابلة بين "مريم" و"بيري" المنحدرتين من طبقتين اجتماعيتين وخلفية ثقافية مختلفة. يتأكد "أويا" من أن المشاهد لا يُفوِّت معنى اسم "مريم"، فنجد الأخيرة تشرح لـ "بيري" (دفني كايالار) أن "مريم، هو اسم والدة النبي عيسى". عند ذلك نُدرِك موقع مريم من الحكاية كلها، فهي الشخصية السمحة المتموضعة في قلب الأحداث والمُنزَّهة عن ارتكاب أي خطأ.

 

تعيش "مريم" مع شقيقها "ياسين" (فاتح أرتمان)، وزوجته "روحية" (فوندا إريجيت)، وطفليهما "عصمة" و"إسماعيل". تُعاني "روحية" منذ عامين من اكتئاب شديد، وقبل الظهور الأول لها نرى انعكاس أغصان حالكة السواد على النافذة، وكأن الأغصان تُلقي بظلالها حول مَن في البيت وتصف حالتهم. نرى بعدها "روحية" تقف بنظرة خاوية تُدخِّن ثم تغيب، تاركة انعكاس أغصان الشجر المتساقطة أوراقها وغرابا ليُدلِّل على الكآبة التي تُحيط بها. لا يبدو أطفالها بحال أفضل، إذ يلوذ صغيرها "إسماعيل" بالصمت وكذلك في الغالب ابنتها. تحاول "روحية" الانتحار، لكن الأطباء في المستشفى يتمكّنون من إنقاذها. تكشف الحلقات اللاحقة أنها ضحية اغتصاب، وقد اعترفت بهذه الحقيقة لـ "ياسين" قبل زواجهما، لكنه مضى قُدما في ارتباطهما قائلا: "كل ما يهم أن قلبك طاهر".

في وقت مبكر، تُصلي "روحية" في اتجاه مخالف للقبلة، تُبصرها "مريم" فتحكي ذلك للشيخ، ويُمثِّل الأخير مرجعية لها ولأخيها. يُسقِط الشيخ فعلة روحية على مثال يظل يُردِّده، هناك تمثيلان للزهور، التوليب المشحونة من بلاد بعيدة مثالية، لكنها لا تملك لونا أو رائحة ولا تستطيع نزع إحدى ورقاتها بسهولة، أما الورود المحلية فتفوح منها رائحة زكية لكن لها أشواك، وتنكسر وتذبل وتتحلل. تقبُّل ذلك سيُعلِّمنا كيف نحيا مثل هذه الزهرة المتواضعة. على النقيض، التوليب هو تمثيل لمَن ينخدع ويظن أن الحياة جنة، وذلك مآله إلى الجحيم! في نظر الشيخ فإن "روحية" مخدوعة بساقها التي لا تنكسر وظنها أن قطرة المطر حقيقية. يبتدئ ذلك المشهد وينتهي من زاوية ضيقة تدل على منظور قاصر يؤطره "بيركون أويا" داخل إطار.

 

آن ذلك ينسدل الليل ونُبصر الشجرة المظلمة التي تُخيِّم على حياة "روحية" بثمارها، قبل أن نراها مع طفليها فيما تفصلهم مساحات من الصمت. يُفسِّر الشيخ اكتئاب "روحية" على أنه جحود. في الحقيقة سبب تأطير "أويا" لمشهد الشيخ هو أن الأخير لم يبذل جهده في التبيُّن والتفهُّم والتمهُّل، ومضى في الحكم على المرأة بيقين.

بالحديث عن "روحية"، لا يتركنا "أليكس كورب" تائهين هكذا، "كورب" هو عالم أعصاب في جامعة كاليفورنيا، ومؤلف كتاب "The Upward Spiral: Using Neuroscience"، ويرى أنه في الاستخدام العادي تكون كلمتا "اكتئاب" و"حزن" مترادفتين في الغالب، ولكن طبيًّا هناك اختلاف جوهري بينهما؛ فالاكتئاب ليس مجرد حزن. في الواقع، لا يشعر المصاب بالاكتئاب بالضرورة بالحزن طوال الوقت. عندما تكون مكتئبا غالبا ما تشعر بالخدر، مثل الفراغ الذي تستشعره "روحية" عوضا عن العاطفة، تشعر باليأس والجمود، فالأشياء التي كانت تستمتع بها لم تعد ممتعة بعد الآن، وإن كانت الأشياء ممتعة فإنها لا تمتلك الطاقة للقيام بها. كل شيء يبدو صعبا حقا ولا يمكن شرح علّة شعورك، لا شيء يستحق أن تبذل جهدا، وقد تواجه مشكلات في النوم أو تغرق في النوم لفترات طويلة، ويصير التركيز أمرا عسيرا، والقلق شعورا لا يغيب (1).

 

عندما لا تكون مكتئبا من الصعب أن تفهم الاكتئاب. في كثير من الأحيان عندما يشعر الناس بالاكتئاب، لا يستطيعون تذكُّر الشعور بالسعادة حقا. في الوحدة المظلمة التي تعيشها روحية في غرفة النوم، ربما كانت تتذكَّر ومضات الفرح، لكن سحابة مُظلمة تأتي وتُغلِّف كل شيء.

 

يبدأ النطاق المكاني في تضمين الأشخاص من مختلف الطبقات الاجتماعية في المدينة، فيصبح أناس جزءا من حكايات بعضهم؛ "مريم"، و"بيري"، وصديقة "بيري" النفسية "جولبين" (تولين أوزن)، شقيق مريم "ياسين" (فاتح أرتمان)، الذي يعمل حارس أمن في ملهى ليلي، وزوجته "روحية"، "سنان" (أليكان يوسيسوي) وهو صديق جولبين، الشيخ وامرأته وابنته. تتسع الحكاية من منزل قروي على أطراف إسطنبول إلى منزل عائلة كردية من الطبقة الوسطى، ومن منزل "سنان" الفاخر إلى منزل عائلة "بيري" المطل على مضيق البوسفور، وتُغطَّى الفجوة بين هذه المساحات المختلفة من خلال هذه المجموعة الواسعة من الشخصيات وسلسلة العلاقات المتشابكة مع بعضها بعضا.

 

 

"للحزن مئة انعكاس".

(ويليام شكسبير، ريتشارد الثالث)

تتردّد "بيري" على طبيبة نفسية أخرى تُدعى "جولبين"، وتتحدّث مطولا عن "مريم" وما تعتقده عنها، وبدورها تفعل "جولبين" مع صديقها "سنان" حينما تحكي له عن "بيري". تتحدث الشخصيات غالبا عن بعضهم بعضا بدلا من الحديث مع بعضهم بعضا، وفي الأغلب حينما يحاولون التعبير عن أنفسهم والتواصل مع بعضهم بعضا يخيب ذلك المسعى. يعود ذلك إلى أنهم مشحونون بالغضب، ويطلون على ذواتهم من نافذة علوية يصدرون فيها أحكاما على الآخرين، ومخاوفهم تخنق أمانيهم، وفي داخلهم إعاقات تمنعهم من المُضي قُدما في سلام، ماضٍ يحجب شعاع الضوء من صفحات الحاضر، وشعور بالوحدة يدفع إلى ارتكاب أخطاء ولوم الآخرين. لذا فإن الثرثرة هي وسيلتهم للتحايل على ماضيهم والبعد عن مصدر ألمهم.

 

معضلة "بيري" تكمن في غطاء رأس "مريم"، في الأفكار التي زرعتها والدتها فيها منذ الصغر، بما تحمله من بُغض للحجاب. تجعلها "مريم" تواجه ازدواجيتها، فتجد "بيري" منفذا لها في حديثها مع "جولبين"، وتفكيرها المستمر في ضرورة الكف عن علاج "مريم". يسيطر ذلك على عقلها، تماما كما تفكر "روحية" بسخط في الرجل الذي اعتدى عليها في الماضي. تخذل "جولبين" "بيري" وتُقرِّر التوقف عن علاجها، كما يفعل "ياسين" مع "روحية"، إذ يعود أدراجه بعد سفر طويل إلى قريتها بعدما أبدت رغبتها في الذهاب إلى هناك. في اللحظة التي يتوقف الآخرون فيها عن مد يد العون يجد الأبطال أنفسهم في العراء وجها لوجه مع عُقدهم التي تُنغِّص عليهم حياتهم.

تشبه لحظات الانهيار الترنُّح على جرف هارٍ، فلا تستدر الدموع ومحاولات شرح النفس للآخرين والتماس السلوان أي تعاطف، ليلبس الحزن انعكاسات عديدة. لكن "الوحدة أحيانا تشفينا من الجروح، وليست كل الندوب قبيحة"، كما ارتأت "أوليفيا لانغ" في كتابها "المدينة الوحيدة: مغامرات في فن البقاء وحيدا". ويُعبِّر الروائي الأميركي من أصل بولندي "بول أوستر" عن صدام الإنسان مع العالم الذي يجد الأبطال فيه أنفسهم مندفعين إليه، في روايته السيرية "حكاية الشتاء" قائلا: "تظن أنك في مأمن من هذه الأحداث، وأنها لن تنالك، وأنك الشخص الوحيد في هذا العالم الذي هو بمنأى عنها. لكن لا بد أن يحين وقت خيبة الظن، فتراها تصيبك كالآخرين تماما".

 

يُحوِّل الفنان التركي "فيردي أوزبيغن" تلك المشاعر العصية على النسيان إلى أغانٍ، يفرد لها "بيركون أويا" مساحة في تتمة كل حلقة من المسلسل، "أوزبيغن" الذي سعى في حياته للبحث عن الإخلاص والمحبة، عن الرفقة والتفاهم (2)، ينقل بموسيقاه كل ما يغيب عن هؤلاء الأشخاص في زحام المدينة.

 

متى ينقشع الضباب من المسافات الممتدة على مدى البصر؟ حينما يمتنع الأبطال عن دحرجة صخرة الماضي في الطريق المؤدي إلى المستقبل. تأخذ "روحية" "إسماعيل" وتغادر في صمت إلى قريتها، وهناك تكتشف أن الرجل الذي اعتدى عليها سابقا لم يمت كما أقنعها زوجها، يتقابلان في النهاية، ويُعرِب عن ندمه وتوقه للموت، عن الوصمة التي تركتها تلك الفعلة في نفسه، ولا ينساها له أحد في القرية، يمدها بسلاح ويطلب منها إنهاء حياته، وتقابل "روحية" تضرعاته لها بقتله بكبرياء، وتمضي قُدما وقد استردت رغبتها في الإقبال على الحياة. بالمثل تضع "بيري" تحيُّزها ضد "مريم" جانبا شيئا فشئيا، حتى لا يعود لعُقدتها وجود.

"ولم تعد أحزاني متفرقة، فقد تجسَّدت وأصبحت تحمل اسما، لذلك أصبح بإمكاني مقارعتها بسهولة".

(نيكوس كازانتزاكي)

تُصرِّح لـ "مريم" بأننا جميعا لدينا مشاعر مكبوتة ولا نستطيع مشاركتها مع مَن نحب، وقد لا نُصرِّح بها حتى لأنفسنا، قد تؤدي تلك المشاعر المكبوتة إلى مشكلات صحية. كما يجد الماء شقا في صخرة ستجد هذه المشاعر الشقوق الموجودة في حياتنا. ففي فترات معينة من حياتنا نشعر أننا عالِقون عاطفيا، قد لا نعلم كيف نُعبِّر عن تلك المشاعر، فنحن جميعا نكبت المشاعر لأسباب مختلفة في فترات معينة من حياتنا، وكأن كل مشاعرنا مختنقة في قفص ولا تستطيع منه فكاكا، فينشأ توتر كبير بداخلنا وليس فقط مع علاقاتنا بالآخرين. هذه المشاعر ضرورية، وعلينا أن نسمح لأنفسنا بأن نعيش كل مشاعرنا وعواطفنا، فالعواطف هي الجسور التي تُمكِّنك أنت وأنا ونحن جميعا من أن نكتشف هويتنا الحقيقية وأن نفهم ما نريده.

إغماء "مريم" كلما رأت أو حضرت شيئا يتعلق بحفلات الزفاف مرتبط بالعبء النفسي والمشاعر المكبوتة التي وجدت سبيلها للتعبير عن نفسها بهذه الوسيلة، وكما استشفّت "بيري" في النهاية، يلزم تأمل ما وراء الصورة لاستكشاف ما يكمن وراء الخلفية الاجتماعية والاقتصادية للفرد، فالجميع مبتلى بالتحيُّز والخوف. لكن في اللحظة التي تحكم فيها على الشخص الآخر، تتوقَّف عن التعلُّم، وفي اللحظة التي تفهم فيها بعمق وتتعاطف مع الشخص الآخر، ستدرك مدى تعقيد وتناقضات وجمال الحالة الإنسانية. تُردِّد "مريم" ذلك منذ البداية في هيئة استعارة تقول فيما معناها: بدلا من سكب الماء المغلي على القهوة فورا وحرقها، عليك أن تتحلّى بالصبر وتصبها بتروٍّ.

 

يتبدَّد الظلام ويجد الأبطال خلاصهم، يدفعهم التقبُّل إلى الانفتاح على آلامهم، لا يعودون لإخفاء ندوبهم وإنما يتصالحون معها، ويتحسَّسونها بشيء من الشجن، يتحايلون على الفقد بالتذكُّر، وعلى الدموع بالضحكات. تقع "مريم" مغشيا عليها في النهاية، لكن هذه المرة من وقع مفاجأة تقبض عليها بيدها، ألا وهي خاتم زفاف، قبل أن تُفيق من جديد.

—————————————————————————–

المصادر

  1. The Mysterious Fog
  2. Ferdi Özbeğen kimdir? İşte Ferdi Özbeğen’in şarkıları ve hayatına ilişkin bilgiler

حول هذه القصة

أصاب الفيلم وترا حساسا في طرحه بهذا الوقت، إذ أتى متوافقا مع ذروة معركة الانتخابات الأميركية، وتقاطع مع فيلم “الإخوة الخمسة” وبمقصد مشترك، وهو فضح فساد منظومة العدالة التي تقوم عليها المنظمة السياسية.

10/11/2020

يتخلص المخرج ويليام فريدكن في فيلمه من غالب كليشيهات أفلام الرعب، فكل اختياراته التقنية تسير باتجاه الحصول على ما هو حقيقي، مما منح الفيلم إحساسا غير عادي، بواقعية لم تعهدها سينما الرعب من قبل.

19/11/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة