"ما وراء الطبيعة".. حجر في ماء الصناعة الراكد؟

في الموسم الرمضاني لعام 2020 عُرِض مسلسل "رجالة البيت" من بطولة أحمد فهمي، وأكرم حسني، وبيومي فؤاد، وقوبل المسلسل بانتقادات واسعة واستياء شديد من الجمهور على منصات التواصل الاجتماعي، ما دفع أبطال العمل إلى الاعتذار بشكل رسمي عن المستوى المتدني الذي خرج به المسلسل، بما في ذلك بطل العمل أحمد فهمي الذي اعتاد التفاعل مع تعليقات الجمهور بشكل عنيف للغاية من خلال حساباته الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، لكنه خرج هذه المرة معتذرا: "أنا حزين أن المسلسل لم يحظَ على إعجابكم، ولكن أعدكم بفيلم قوي"(1).

 

تُعتبر هذه الواقعة فريدة من نوعها في عالم صناعة السينما والتلفزيون المصري، فلم يحدث أن اعتذر صُنّاع عمل فني للمشاهد المصري عن المستوى غير اللائق الذي خرج عليه عملهم. ورغم هذه المبادرة التي تبدو فردية، فقد قامت الفضائيات المصرية بإعادة عرض المسلسل نفسه بعد انتهاء موسم رمضان، كما لو كان مسؤولو التسويق بهذه الفضائيات قد أحاطوا بما لم نحط به علما، أو أنهم قرّروا تجاهل رأي الجمهور الساخط في واقعة شديدة الندرة، على أساس أن هذا المستوى الهابط لا يختلف كثيرا عن غيره من الأعمال الكثيرة المعروضة على شاشاتهم.

 

في الخامس من (نوفمبر/تشرين الثاني) الجاري، بدأ عرض مسلسل "ما وراء الطبيعة"، أول الأعمال المصرية على شبكة "نتفليكس" العالمية، وهو العمل الذي طال انتظاره من جمهور غفير من محبي الكاتب الراحل أحمد خالد توفيق صاحب سلسلة الروايات الأصلية المقتبس عنها المسلسل، فضلا عن قاعدة واسعة من الجماهير (ليست بالضرورة من قراء أحمد خالد توفيق) كانت في انتظار أول عمل مصري على منصة الترفيه الأشهر في العالم. لم يكن "ما وراء الطبيعة" أول عمل عربي تُنتجه الشبكة العملاقة، فقد سبقه مسلسلان أردنيان، الأول مسلسل "جن"، وهو من نوع الرعب كذلك، والثاني مسلسل اجتماعي شبابي هو "مدرسة الروابي للفتيات"، كما سبقتها إلى المحتوى العربي منصة "فيو" (VIU) الآسيوية التي قامت بإنتاج 4 مسلسلات مصرية هي: "الزوجة 18″، و"أنا شيري دوت كوم"، و"زودياك"، و"حدوتة مرة"، غير أن "ما وراء الطبيعة" اكتسب زخما خاصا اعتمادا على إستراتيجية تسويق ضخمة وذكية.

لم تمضِ إلا ساعات قليلة بعد طرح الموسم الأول من المسلسل عبر شبكة "نتفليكس" حتى ازدحمت المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي بالتعليقات والمراجعات النقدية؛ البعض يبالغ في احتفائه، والبعض الآخر يتربص بكل كبيرة وصغيرة، حتى إن أحدهم كتب منشورا ينتقد فيه أنابيب الصرف الصحي التي تُخالف السياق الزمني والتاريخي للمسلسل. وبعيدا عن المُغالين من الفريقين، يمكننا القول إن المسلسل خرج بصورة متزنة في أغلب عناصره، بالطبع لم يخلُ من المشكلات والثغرات الفنية، ولكن يظل عملا متماسكا بقدر كبير مقارنة بمستوى الدراما المصرية في الأعوام القليلة الماضية، التي أصابها الترهل والعوار في جميع عناصرها الفنية والتقنية رغم الكم الكبير من الموارد التي تُحشَد تحت تصرُّف هذه الأعمال.

 

على مستوى المعالجة الدرامية، جمع المسلسل بين عدد من الروايات المختلفة داخل السلسلة في إطار درامي واحد متصل ومتماسك من البداية إلى النهاية. قد يكون هناك استعجال في تقديم الشخصيات، لا سيما الشخصية الرئيسية دكتور رفعت إسماعيل اعتمادا على المعرفة السابقة التي تجمع قطاعا كبيرا من الجمهور بهذه الشخصية عبر الأصل الأدبي، ولكن مثل هذا النقص لا يمكننا التوقف كثيرا أمامه، إذ إن المسلسل لم يخلُ من الأحداث الدافعة للدراما والالتواءات المشوّقة لمواصلة المتابعة.

 

على مستوى الكتابة جاءت الحلقات متفاوتة في المستوى الفني، واتفق الغالبية من الجمهور والنقاد على أن حلقة "العساس" كانت هي الأضعف في الموسم القصير (6 حلقات)، فبالإضافة إلى التشتت الشديد في مسار الحلقة الذي تسبّبت فيه أزمات المونتاج الواضحة التي كانت أكثر مظاهرها وضوحا اختلال السياق الزمني للحلقة، فبمجرد دخول الأبطال إلى الكهف وخروجهم منه بعد دقائق قليلة يتبدل الليل والنهار بشكل غير مفهوم وبلا أي ارتباط بحبكة الحلقة، جاءت الحلقة شديدة الفقر فيما يخص المؤثرات البصرية وأعمال الجرافيك، وهو العنصر الذي حضر بشكل سلبي في أغلب حلقات الموسم ومَثَّلَ علامة استفهام كبيرة، وكانت أعمال المؤثرات البصرية قد أُسندت إلى شركة "أروما"، وهي شركة إماراتية لها مكتب وحيد خارج دولة الإمارات العربية المتحدة وهو مكتب القاهرة الذي قام بأعمال المؤثرات البصرية للمسلسل.

كان اختيار الممثل الكوميدي الشهير أحمد أمين ليلعب دور البطولة في المسلسل إحدى أقوى الركائز التي اعتمدت عليها إستراتيجية التسويق للمسلسل، فالممثل الذي يتمتع برصيد كبير من القبول والمحبة لدى الجمهور أشعلت صوره الأولى بمكياج وملابس الشخصية حماس الجمهور وترقبه للمسلسل. وبعد عرض المسلسل تفاوتت ردود الفعل بين المُغالاة الشديدة في تقدير أدائه، والإحباط من النتيجة النهائية التي لم توافق التوقعات. ومرة أخرى، إذا ما تجاوزنا المبالغات فسنجد أن أحمد أمين قدّم أداء متذبذبا، خاصة في الحلقات الأولى التي يمكننا أن نلحظ فيها اعتماده على أسلوبه الخاص في الكلام الذي أَلِفَه الجمهور في أعماله الكوميدية، خاصة في الحلقة الأولى التي يحاول فيها رفعت إلقاء بعض النكات عن رابطة العنق، أو الطعام، التي جاءت بصوت وأداء أحمد أمين وليس الشخصية نفسها.

 

ورغم ذلك، فقد عمد كُتّاب المسلسل إلى استثمار الرصيد الكبير الذي تملكه الشخصية الرئيسية عند جمهور السلسلة الأصلية، فنجد أنها أكثر الشخصيات ارتباطا بالأصل الأدبي، وهو ما يظهر بوضوح في الاعتماد على الاقتباسات الحوارية المباشرة سواء في الحوار الداخلي للشخصية أو في حوارها العادي، بل إن بعض تلك الاقتباسات جاءت بالعربية الفصحي لتكون مطابقة للأصل الأدبي الذي يحفظه الجمهور عن ظهر قلب، وهو ما بلغ ذروته مع الجملة الشهيرة: "حتى تحترق النجوم وتفنى العوالم".

 

كتب الموسيقى التصويرية للمسلسل المؤلف الموسيقي الشاب خالد الكمار، الذي بدأ أول أعماله من خلال المسلسل التلفزيوني "قابيل"، أحد أبرز الأعمال الدرامية في الموسم الرمضاني لعام 2019، وأعقبه بعدد من الأعمال من بينها مسلسل "ليه لأ" من بطولة أمينة خليل، وفيلم "صاحب المقام" من بطولة آسر ياسين. جاءت الموسيقى التصويرية لمسلسل "ما وراء الطبيعة" مميزة وبسيطة للغاية، بما يتجاوز الشكل التقليدي للموسيقى التصويرية للأعمال التي تندرج تحت نوع الرعب، التي يغلب عليها الابتذال والاعتماد على النوتات الصاخبة في محاولة لإضفاء المزيد من التشويق على تجربة المشاهدة، دون الالتفات إلى أن خبرة المشاهد قد تجاوزت هذا الأسلوب التقليدي بعد سنوات طويلة من المشاهدة والأعمال المحلية والأجنبية. أما أبرز وأهم ملامح الموسيقى فيتمثّل في استخدام العنصر البشري في صورة همهمات أنثوية، وهو ما لعب دورا مهما في إضفاء مزيج من الرعب والتعاطف مع شخصية شيراز التي يتحول استقبال المشاهد لها ما بين بداية الموسم ونهايته من مشاعر الرهبة إلى التعاطف.

 

إذا ما تأملنا حال صناعة الدراما المصرية على مدار العقد الأخير، وحاولنا رصد الأعمال الجيدة، فسنجد أنها شديدة الندرة، فقد نتذكّر أعمالا مثل "هذا المساء"، و"بدون ذكر أسماء"، و"تحت السيطرة" من إخراج تامر محسن، أو "موجة حارة"، و"أفراح القبة" من إخراج محمد ياسين، أو "الحساب يجمع" من إخراج هاني خليفة، وربما نتذكر عناوين أخرى لكنها بالتأكيد لن تتجاوز عشرة أعمال على مدار السنوات العشر الماضية التي شهدت زخما كبيرا في الإنتاج التلفزيوني يتجاوز الأربعين عملا سنويا.

 

على مدار العقد الأخير سنجد أن هاني خليفة الأكثر إنتاجا بين هذه الأسماء برصيد خمسة أعمال تلفزيونية، يليه محمد ياسين برصيد أربعة أعمال، وتامر محسن بثلاثة أعمال فقط. قد يتحجّج البعض بقصر ذات اليد وقلة الموارد الإنتاجية، ولكن هذا المبرر لا يتسق مع هذا الكم الكبير من الأعمال المنتجة سنويا التي يُرصَد لها أضخم الميزانيات ولا ينتج عنها سوى المزيد من الأعمال الرديئة والتقليدية على أقصى تقدير، في حين ينتظر الموهوبون من صُنّاع الدراما سنوات طويلة قبل أن تتوفر لهم الإمكانيات اللازمة لصناعة عمل واحد يُحقِّق بالفعل النجاح المرجو ولكنه لا يضمن الاستمرارية. لكن مَثَّلَ دخول فاعلين دوليين وقنوات عرض جديدة تمثَّلت في شبكات البث العالمية مثل "نتفليكس" و"فيو" تحوُّلا محمودا على مستوى حركة صناعة السينما والتلفزيون في مصر، ومن هنا تحديدا تأتي أهمية مسلسل "ما وراء الطبيعة".

 

في حين أن نهج الإنتاج المصري يعتمد على فلسفة الأمر الواقع، وفرض الأعمال الرديئة على الجمهور على اعتبار أنه لم يكن في الإمكان أفضل مما كان، تعتمد الشبكات العالمية على أبحاث ودراسات معمقة لذائقة الجمهور وميوله المتغيرة، وتركز بالأساس على الشرائح العمرية الأصغر والأكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا التي توفرها المنصات الحديثة. سنجد مثلا أن شركة "نتفليكس" تعتمد على فِرَق من المتخصصين في تسويق المحتوى الترفيهي، وتطبيق التحليلات المتعمقة لتوجهات الجمهور وميوله إزاء الموضوعات والأنواع والأفكار المختلفة، عبر كمٍّ كبير من البيانات التي تُرصَد بشكل دوري لقياس توجهات الجمهور وتفضيلاته وأولوياته إزاء المنتج الترفيهي (2).

وبالعودة إلى مسلسل "ما وراء الطبيعة" سنجد أن انتماء المسلسل إلى نوع الرعب يرتبط بشكل كبير بالإستراتيجية التي تنتهجها تلك الشبكات لقراءة تفضيلات الجمهور، فرغم الفقر الشديد الذي يشهده المنتج المحلي لهذا النوع والمرتبط بإخفاقات متتالية في أفلام مثل "122"، و"الحارث"، وأخيرا "خيط دم" الذي قوبل باستياء شديد من الجمهور لتدني مستواه الفني والتقني، يمكننا أن نلحظ ببساطة إقبال الجمهور المصري على هذا النوع من الأعمال الفنية في المنتج الأجنبي. في تقرير سابق على موقع "ميدان"(3)، قمنا برصد شامل للأعمال المعروضة كافة في قاعات السينما المصرية لعام 2019، وظهر من خلاله أن "فيلم الرعب" هو أكثر الأنواع شيوعا من بين المعروض من الأفلام الأجنبية على مدار العام، إذ بلغ 42 فيلما من مختلف الجنسيات، حقّقت إجمالي إيرادات تجاوز 81 مليون جنيه مصري، أي ما يوازي 17% من إجمالي إيرادات الأفلام الأجنبية في شباك التذاكر المصري لهذا العام.

 

سنجد أيضا أن أحد الأعمال المصرية التي قدّمتها شبكة "فيو" هو مسلسل "زودياك" الذي ينتمي أيضا لنوع الرعب، ومقتبس عن رواية للكاتب نفسه أحمد خالد توفيق، وهو المسلسل الذي حقّق نجاحا جماهيريا معتبرا كذلك. إذا ما تأملنا هذين العملين، فسنجد أن الأمر يتجاوز الأبحاث التسويقية المباشرة والبسيطة لتفضيلات الجمهور إلى الاهتمام بالمنتج الفني الذي يُقدِّم معالجات من الثقافة المحلية وليس مجرد نسخ ممسوخة من الثقافة الأجنبية كما شاهدنا في فيلم "خط دم" الذي يُقدِّم معالجة ساذجة لشخصية دراكولا.

 

كما أسلفنا، فإن مسلسل "ما وراء الطبيعة" لا يخلو من النواقص، ولكنه تجربة شديدة الأهمية ليس فقط لكونها تجربة جديدة ومختلفة عن النهج الإنتاجي المُتَّبع في السوق المصرية بما تُقدِّمه من عمل متماسك إلى حدٍّ كبير مقارنة بالأعمال الساذجة والرديئة التي تُطالعنا بها القنوات الفضائية كل عام، ولكن أيضا لأنها تؤكد محورية المشاهد كونه أحد عناصر المعادلة، وإن كان بمبدأ تجاري بحت، وهو ما يغيب تماما عن فلسفة الإنتاج المصرية التي لا تتورّع عن تقديم الرث والرديء، ولا تخجل حتى من إعادة عرضه بعد أن خرج صُنّاعه معتذرين عن فشلهم الذي لمسه القاصي والداني. إن قنوات الإنتاج الجديدة المُمثَّلة في الشبكات العالمية مثل "نتفليكس" و"فيو" تطرح وضعا جديدا بالكلية، وتفرض منافسة قوية مع قنوات الإنتاج التقليدية والشبكات المحلية المماثلة مثل "شاهد" و"واتشيت" بما يكفل حدًّا أدنى من الجودة الفنية، ويوفر مساحات جديدة للموهوبين والمبدعين ما كانوا ببالغيها عبر القنوات التقليدية. ولكل هذا فإن مسلسل "ما وراء الطبيعة" من شأنه أن يخلخل معضلة الإنتاج المصرية، ويحرك المياه التي طال ركودها ولم يعد بالإمكان تحمُّل رائحتها الآسنة.


المصادر

  1. أبطال «رجالة البيت» تحملوا مسئولية انتقادات مسلسلهم بشجاعة.
  2. RESEARCH AREAS Analytics Driving insights from data.
  3. الأجنبي يكسب.. أعلى الأفلام 2019 التي شاهدها المصريون في السينما.

حول هذه القصة

يتخلص المخرج ويليام فريدكن في فيلمه من غالب كليشيهات أفلام الرعب، فكل اختياراته التقنية تسير باتجاه الحصول على ما هو حقيقي، مما منح الفيلم إحساسا غير عادي، بواقعية لم تعهدها سينما الرعب من قبل.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة