فيلم "The Exorcist".. سينما الرعب بعدسة الواقع

في عام 1949، كان الأميركي من أصول لبنانية "ويليام بيتر بلاتي" قد سمع أثناء دراسته في جامعة جورج تاون عن صبي من عائلة لوثرية في مكان ما بالجوار يُعاني من حالة استحواذ شيطاني أُنقِذ منها عبر طقوس طرد أرواح، وكانت غرابة الحكاية كفيلة بوصولها سريعا إلى العناوين الرئيسية للصحف. فكّر بلاتي آنذاك بالكتابة عن هذه الواقعة، وهو ما لم يحدث حينها، لكن الفكرة ظلّت تتردّد في رأسه مثل هاجس لعين لعقدين من الزمن.

 

نحن الآن نهاية الستينيات، وفي هذا الوقت وجد بلاتي الذي لم يكن قد كتب آنذاك سوى نصوص لأفلام كوميدية أفلاما مثل "طلقة في الظلام" (A shot in the dark)، و"ماذا فعلت في الحرب يا أبي؟" (?What did you do in the war, daddy) نفسه عاطلا عن العمل، فلم تعد الأعمال الكوميدية التي كان يكتبها تجد أي حماس من قِبَل الجمهور، ومن ثم المنتجين. كان كل شيء يتغير في أميركا وصولا إلى السينما، قرَّر أن يُجرِّب الكتابة عبر وسيط آخر مُستلهما الواقعة القديمة التي لم تكفَّ عن الإلحاح عليه منذ سماعه بها. حققت روايته "طارد الأرواح" (The Exorcist) التي نُشِرت عام 1971 نجاحا ضخما، وظلّت على رأس قائمة الأكثر مبيعا لمدة 55 أسبوعا.

هذا النجاح الاستثنائي أغوى أستوديوهات "وارنر برذرز" (Warner Bros.) لتقديم اقتباس سينمائي لرواية ويليام بلاتي، الذي منحهم موافقته على أن يكتب هو سيناريو الفيلم، وأن يكون مشاركا في إنتاجه. رُشِّح مخرجون مثل ستانلي كوبريك، ومايك نيكولز، وآرثر بن، لكن بلاتي أراد ويليام فريدكن منذ البداية، لم يكن فريدكن قد قدَّم بوصفه مخرجا سوى أفلام وثائقية، مع بداية متواضعة في السينما الروائية، كان قد أنهى تحفته "الرابط الفرنسي" (The French connection) لكنها لم تُعرض بعد. صارع بلاتي من أجله مع استمرار رفضه من قِبَل الأستوديو، حتى بعد أن اعتذر المخرجون المرشحون تباعا لأسباب مختلفة. تغير الأمر تماما بعد عرض "الرابط الفرنسي" (The French connection) والنجاح النقدي والجماهيري الذي حقّقه، أخبر المنتجون بلاتي: "نحن نريده أكثر منك الآن".

 

ما جرى خلال كواليس صناعة الفيلم لا يقل إثارة عن الفيلم نفسه، إذ كانت طبيعة الحكاية وتواتر الحوادث التي جرت يُعزِّزان الإيحاء بأن الفيلم نفسه قد صار عُرضة لاستحواذ شيطاني، أو أن هناك شيئا شريرا يقف في طريق إتمام هذا الفيلم. قبل بدء التصوير مباشرة، تعرَّض الابن الأصغر للممثل جيسون ميللر لحادث ونُقِل إلى المستشفى في حالة حرجة، وفي اليوم التالي مباشرة لبدء تصوير مشاهد الممثل السويدي ماكس فون سيدو تلقّى خبر وفاة غير متوقعة لشقيقه، ثم يأتي موت الممثل "جاك ماكجوران" بعد أسبوعين من إتمام تصوير مشاهده بعد إصابته بالإنفلونزا، هو الذي يؤدي في الفيلم دور مخرج غريب الأطوار تقتله الفتاة المستحوذ عليها.

 

لم تكن تلك نهاية الحكاية، فالكثير من العاملين بالفيلم جرت لهم وقائع مشابهة، بالإضافة إلى حرائق صغيرة مجهولة السبب كانت تشب في موقع التصوير. لكن الهستيريا التي رافقت عرض الفيلم والإقبال الجماهيري الهائل عليه يخبرنا بأن الأمر يتجاوز العاملين في الفيلم، كانت السبعينيات حقبة تعطي ذهنيا المصداقية لمثل هذا الإيمان بالشياطين والساحرات والمسوخ. بعد عرض الفيلم، خرج المُبشِّر الأميركي "بيللي جراهام" الذي كانت مواعظه تُبثُّ عبر الراديو والتلفاز يتهم فيلم فريدكن بأنه كان السبب وراء حوادث حقيقية لاستحواذ شيطاني! وأن كل قطعة من شريط هذا الفيلم مُدانة بالشر.

يظل فيلم الرعب أكثر من أي نوع فيلمي آخر نتاج زمنه، حيث قدرته على عكس مخاوف زمنه على نحو واضح، وقد كان عقد السبعينيات مليئا بالمخاوف. يصف الشاعر الأيرلندي جوني بايرن السبعينيات بأنها "اليقظة التي أعقبت حلم الهيبيز". كانت السبعينيات يقظة محكومة بالقلق والبارانويا والمخاوف غير المنطقية، كانت فاصلا بين مثالية الستينيات المتطرفة وتقليدية الثمانينيات المتطرفة. مضت الستينيات بأحلامها الكبيرة وتفاؤلها الساذج، مضت كحلم خاطف. كان الواقع كعادته يسير في اتجاه معاكس للحلم، حيث أهوال فيتنام، وفضيحة ووترجيت، وسلسلة من الاغتيالات السياسية؛ كينيدي، ومارتن لوثر كينغ، ومالكوم إكس.

 

كان انتصار الشر شارة السبعينيات، ولسبب ما، ربما هربا من مواجهة الذات، كان على الجميع أن يُصدِّق أن هذا الشر غير إنساني، وأن الشيطان حقيقي. لم يكن من قبيل المصادفة إذن أن روايات الرعب الثلاثة الأكثر مبيعا وتأثيرا التي ظهرت في المسافة الزمنية القصيرة بين نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات كانت عن الشر وعن الشيطان. ظهرت "طفل روزماري" (Rosemary’s Baby) للروائية إيرا ليفين عام 1967، ظهرت رواية توماس تريون "الآخرون" (The other) عام 1971، وهو العام نفسه الذي ظهرت فيه "طارد الأرواح" (The Exorcist) لويليام بلاتي التي كانت قد باعت أكثر من أربعة ملايين نسخة قبل عرض الفيلم المقتبس عنها.

في هذا السياق تصير حكاية بلاتي عن الطفلة البريئة ريجان التي يتلبّسها الشيطان هي حكاية السبعينيات، حيث لم يعد شيء بريئا. جوهر حكايته هو الأمل في أن انتصار الشر ليس نهائيا، حيث طرد الأرواح هو طقس شفائي يحاول استعادة البراءة الضائعة وانتزاع روح الإيمان من جديد من براثن الشك الذي استولى على الجسد والروح.

 

يُصوِّر فيلم "طفل روزماري" (Rosemary’s Baby)، الذي أخرجه رومان بولانسكي عن رواية أيرا ليفين الذي سبق "طارد الأرواح" (The Exorcist) في الظهور بأعوام، عالما بلا إله وقد استولى عليه الشر تماما، فمع مشهد النهاية الأيقوني حيث تُهدهد الأم المهد الذي يرقد فيه رضيعها/طفل الشيطان، نحن أمام عالم يستسلم أمام الشر الصاعد إلى عرش العالم. هنا بلاتي بإيمانه الكاثوليكي وخلال نصه (الروائي والسينمائي) الذي يصفه بأنه "رسولي" (apostolic) يُبشِّر بإيمان قادر على تجاوز الشر والشكوك المُنبثِقة من وجود الشر في عالم خلقه الرب.

 

يُؤسِّس الفيلم مع تتابعه الافتتاحي الذي تدور أحداثه في العراق لثيمته الرئيسية، يعثر الأب ميرين/ماكس فون سيدو، كاهن وعالم آثار، في موقع أثري على رأس لتمثال يُجسِّد أحد آلهة الشر القديمة، الأب ميرين أيضا من الكهنة القليلين الذين مارسوا طقوس طرد الأرواح الشريرة، وعثوره الآن على هذا الرأس يعني أنه مُقدِم على مواجهة جديدة مع الشيطان.

 

ينتهى هذا التتابع بما يُجسِّد ثيمة الفيلم الرئيسية؛ الخير في مواجهة الشر. يقف الأب ميرين على تبّة في مواجهة تبة أخرى ينتصب عليها تمثال ضخم لأحد آلهة الشر، يتصارع كلب أبيض مع كلب أسود، وفي خلفية المشهد تغرب الشمس ربما دليلا على أزلية هذا الصراع الذي نوشك على شهود جولة جديدة من جولاته، هذا الصراع الذي تُجسِّده صور فريدكن عبر اشتباك الضوء والظلام.

ينتقل فريدكن بنا بين مشهدية ساطعة الضوء في التتابع الافتتاحي إلى مشهدية رمادية ومُتجهِّمة في حي جورج تاون حيث تدور الحكاية. لا يقفز السرد إلى استنتاجات سابقة بالنسبة لما يحدث للفتاة ريجان/ليندا بلير، بل يترك كل شيء يتكشّف ببطء أمامنا وأمام شخصياته. إنه أشبه بقصة تحرٍّ عن الأحداث الغامضة والغريبة التي تحدث أمامنا، لكن السرد يظل يُشكِّك في السبب وراءها تباعا. يبدأ بصوت غامض لخربشات خافتة وإيقاعية تظنه الأم كريس/إلين بورستين مجرد فئران في العلية، ثم سرير الفتاة الذي يتحرك بها، وصولا إلى تبدل كامل للفتاة جسدا وروحا. تسير الأم غير المؤمنة وراء العلم، ثم تعود يائسة خلف طقوس طرد الأرواح.

 

في خط موازٍ لدينا الأب داميان كاراس/جايسون ميلر، قس ومستشار نفسي لغيره من الكهنة. نتيجة شكوكه المتعلقة بالإيمان يشعر كاراس أنه غير كفء لوظيفة تتعاطى مع شكوك الآخرين وبحثهم عن معنى. واحدة من مزايا هذا النص أنه لا أحد يُفلت من الشك أو اليأس، إنه زمن مظلم يلف الجميع. في المشهد الذي يعترف فيه الأب كاراس لكاهن صديق: "أعتقد أنني فقدت إيماني يا توم"، نشاهد أطراف الصورة غارقة في الظلام، وحين تُضيف ملابس الكهنة السوداء يبدو هامش الضوء ضئيلا جدا في الصورة مثلما في العالم الذي يعيشونه. هذا نجده مُجسَّدا أيضا في غرفة ريجان وإضاءتها الأقرب إلى الظلام مع مسحة من الزرقة تُضيف إلى الصورة مزيدا من الكآبة والبرودة بما يليق بغرفة يقيم بها الشيطان.

 

هذا الصراع بين الضوء والظلام يصل إلى ذروته التعبيرية في اللقطة الأيقونية التي استلهمها فريدكن من لوحة رينيه مارجريت المعنونة "إمبراطورية الضوء" (the empire of lights) التي تُصوِّر وصول الأب ميرين إلى منزل الفتاة ريجان بعد استدعائه لأجل طقوس طرد الأرواح. صورة ظلية للأب ميرين، ضباب وضوء شحيح في مقابل ظلام كثيف يستولي على المشهد.

يقارب الأب كاراس حالة الطفلة ريجان بالشك ذاته الذي يعيشه، شك لم يحسمه ربما حتى النهاية. لم تكن نهاية الفيلم مُرْضية أبدا بالنسبة لبلاتي، أراد نهاية واضحة ينتصر فيها الخير، لم يرغب في أن يظن البعض أن الشيطان انتصر في النهاية. هذه النهاية تظل واحدة من أهم مزايا فيلم فريدكن، فعادة في أفلام الرعب التقليدية يكون الصراع النهائي محسوما لصالح الخير، لكن فيلم فريدكن يستبقي أكبر مفاجآته حتى النهاية، فطقس طرد الأرواح الذي ننتظره منذ بداية الفيلم يفشل في النهاية، يموت الأب ميرين، لا نعرف في الحقيقة ماذا حدث له، فموته يحدث خارج الشاشة، فغالبا جسده المريض استسلم قبل أن تستسلم روحه في صراعه مع الشيطان.

 

حين يشاهد كاراس جسد الأب الذي تعلوه ضحكات الشيطان هنا يتخلى تماما عن سيماء الكاهن والطبيب ويدخل في صراع جسدي مع الشيطان، يصرخ فيه أن يترك الفتاة ويأتي إليه، وهو ما يحدث في النهاية. بعدها يقفز كاراس من النافذة ليسقط ميتا، بينما تستعيد الفتاة من جديد جسدها وروحها. إنه فعل فردي خارج على طقوس طرد الأرواح الكاثوليكية، وكاراس هنا أقرب إلى تجسُّد آخر لفكرة المسيح، شخص يُضحّي بحياته من أجل الآخرين ومن أجل حقيقية الإيمان. رؤية رغم طابعها الإيماني الواضح فإنها تحتوي على الكثير من الشكوك واليأس. "طارد الأرواح" يُعبِّر عن رعب عميق نابع من الشكوك التي تُولِّدها المعاناة والشر في عالم الرب، رعب يفل الروح الإنسانية، إنه مثلما حكاية الفتاة التي يستحوذ عليها الشيطان هي حكاية الأب كاراس الذي يفقد إيمانه ثم يستعيده من جديد بتقديم نفسه قربانا من أجل خلاص الفتاة.

 

"من المهم تفادي المحادثات مع الشيطان، إنه كذاب، يكذب ليشوّشنا، لكنه يخلط الكذب بالحقيقة ليُهاجمنا. إنه يهاجمنا نفسيا يا دميان وبقوة، لذلك لا تستمع، تذكَّر ذلك، لا تستمع!".

(الأب ميرين من الفيلم)

لم يكن فرويد يرى في الشياطين سوى رغباتنا المستهجنة والمؤذية النابعة من دوافعنا الغريزية التي يتم إنكارها وكبتها عميقا(1). في دراسته لحالة رسام نمساوي من القرن السابع عشر يُدعى كريستوفر هايزمان كان يخبر الجميع بأنه استدعى الشيطان إلى جسده وروحه ليكون ابنا له، بعد أن عقد مع الشيطان عهدين أحدهما بالدم والآخر بالحبر، وأقام له الكهنة آنذاك جلستَيْ طرد للأرواح، وسُجِّلت وقائعها في سجلات خاصة، درسها فرويد لاحقا إلى جانب لوحاته وما أُتيح من سيرته، يرد فرويد ما حدث لأسباب نفسية، فكل ما حدث جرى بعد وفاة الأب، كل ما طرأ عليه من أعراض هي محاولة للهرب من اكتئاب ما بعد وفاة والده، واختيار الشيطان لهذه الأبوة البديلة هو انعكاس لتضارب مشاعره تجاه الأب المتوفى بين الحب والكراهية.(2)

ماذا كان يحدث في حياة ريجان ماكنيل قبل أن يستحوذ عليها الشيطان؟ الحدث الأهم هو انفصال والديها وغياب الأب تماما من الصورة، الأب الذي تُحبِّه بشدة. المُثير في الأمر أنها لا تُبدي أي انفعالات مناسبة لهذا الفقد، يكتب بلاتي في روايته: "ريجان تحب والدها بعمق، لكنها لم تُظهِر أدنى ردة فعل تجاه طلاق والديها. ربما تكون الفتاة قد بكت في غرفتها وحدها، لكن طالما خافت كريس أن ابنتها تقمع في داخلها كل الغضب والحزن، وأنه في يوم ما قد ينهار السد وتنفجر مشاعرها بشكل غير مألوف أو مؤذٍ".

 

يحدث هذا المشهد أيضا مبكرا في الفيلم قبل أن تبدأ أعراضها في التفاقم. تُنصت ريجان مختبئة إلى والدتها الغاضبة التي تحاول الاتصال بوالدها دون جدوى وهي تخبر مساعدتها: "لا أُصدِّق أنه لم يتصل حتى بابنته في عيد ميلادها"، تنسحب الفتاة في إحباط وحيدة إلى غرفتها بعد عجز الأم في الوصول إلى والدها.

 

يمكن قراءة هذا الاستحواذ الشيطاني من ناحية سيكولوجية -حسب فرويد- بأنه انفجار غضبها المكبوت ضد الأب، خاصة أنها تُوجِّهه غالبا تجاه رموز أبوية، مثل المخرج صديق والدتها الذي كانت تتخيل أنه من المحتمل أن يصير أبا بديلا، وكذلك الكاهنين اللذين يواجهانها في طقوس طرد الأرواح. هذا العنف هو تجسيد تناقض مشاعرها تجاه الأب الذي تحبه وتكرهه في الوقت نفسه لتخليه عنها، غضبها المُوجَّه تجاه الأم يُشكِّل نوعا من اللوم الباطني على أنها السبب ربما لانفصال والدها عن العائلة. يمكن أيضا رؤية أفعالها التي تكتسب طابعا جنسيا وعنيفا بوصفها تجسيدا لاندفاعات اللا وعي الذي صار الآن بغياب الأنا الأعلى/الأب وقانونه حرا، حيث غريزتا الجنس والعدوان في أوج نشاطهما.

 

في أحد المشاهد المبكرة في الفيلم تسأل الأم ريجان عما فعلته بيومها، تخبرها أنها رأت فارسا على حصان، ثم تُعبِّر عن إعجابها البالغ بالحصان، ثم تتمنى من الأم أن تحصل على حصان مشابه، وهو ما ترفضه الأم أو تُسوِّفه. الحصان بخياله الإيروسي ورمزيته الذكورية يمكن أن يُلقي أيضا الضوء على فكرة الانعكاس المُشوَّه للغريزة الجنسية المتنامية لفتاة على حافة البلوغ.

 

يمكن قراءة ما حدث أيضا بزاوية نفسية من ناحية الأب كاراس، فبالإضافة إلى شكوكه الدينية المعذبة يُعاني من إحساس غامر بالذنب تجاه والدته التي تركها وحيدة لتموت دون أن يعثر عليها إلا بعد يومين. الشيطان الذي يستحوذ على الفتاة يضغط بقوة على جرحه، يُحدِّثه بصوت والدته ويتجسّد له في صورتها: "لماذا فعلت هذا بي؟". من هنا يمكن رؤية قفزه من النافذة/انتحاره باعتباره محاولة للتخلُّص من ثقل إحساسه بالذنب تجاه والدته الذي طارده في صحوه ومنامه، وحكاية الفتاة التي يستحوذ عليها الشيطان تمنحه مبررا لإنهاء حياته.

 

"إنه ليس فيلما عن دراكولا ولا عن كائنات غريبة قادمة من الفضاء، إنه عن شخصيات حقيقية تسكن بيتا حقيقيا في شارع حقيقي في مدينة حقيقية. في هذا البيت وفي الطابق الثالث توجد فتاة صغيرة يستحوذ عليها الشيطان".

(المخرج الأميركي ويليام فريدكن) (3)

يُصرِّح فريدكن في كل حواراته بأنه لم يتعامل مع سيناريو ويليام بلاتي ضمن تقاليد فيلم الرعب. وهذا حقيقي، ففريدكن يُقارِب النص مقاربة وثائقية، مُستعينا ببداياته في مجال الأفلام الوثائقية، وربما هذا ما يجعله مرعبا إلى هذا الحد. يلجأ فريدكن إلى التصوير في أماكن طبيعية وإضاءة طبيعية إلى حدٍّ بعيد، باستثناء بعض المشاهد التي تتخذ الإضاءة فيها منحى تعبيريا، ويختار أيضا ممثلين غير مألوفين بالنسبة للجمهور ضد رغبة الأستوديو في اختيار نجوم مثل براندو، وآن بانكروفت، وأوجين فوندا. اختار الكاتب والممثل المسرحي جيسون مايلر بعد أن رآه في عرض مسرحي لفيلمه ولم يكن قد عمل في السينما من قبل.

 

كان فريدكن مهووسا بالحصول على انفعالات حقيقية من ممثليه، لدرجة أنه كان يُطلق الرصاص في هواء موقع التصوير من أجل الحصول على انفعالات فزع حقيقية من ممثليه. يتخلّص فريدكن في فيلمه من غالب كليشيهات فيلم الرعب، فكل اختياراته التقنية تسير في اتجاه الحصول على ما هو حقيقي وأصيل، وكل المشاهد التي تكسر قانون الطبيعة نُفِّذت بشكل ميكانيكي داخل أماكن التصوير، وكأن عليه أن يتأكد أولا من إمكانية حدوثها.

 

يستخدم في فيلمه بشكل أساسي لقطات عمق المجال (depth of field) حيث التفاصيل واضحة في مستويات الصورة كافة، كي يمنح الانطباع بأنه لا يُخفي أي شيء، إنها قصة حقيقية رغم غرابتها تحدث أمامنا الآن في ضوء الحقيقة البارد، وهو لا يشيح بكاميراه عما هو عنيف أو مخيف. هذه المقاربة الوثائقية منحت الفيلم إحساسا غير عادي بالواقعية، واقعية لم تعهدها سينما الرعب من قبل.

___________________________________________________

المصادر

  1. The Gothic Body before and after Freud
  2. المصدر السابق.
  3. The Fear of God-The Making of The Exorcist- documentary

حول هذه القصة

يهاجم كوفمان دائما النظرة غير الواقعية والمضللة لرومانسيات هوليوود، هذه الرومانسيات المصممة بدقة والمحمية بشكل تقليدي من البداية للنهاية في سرد خطي لا يشبه تعقيدات المشاعر التي نختبرها في الواقع.

تشبث آن بالخيال وغرقها في الفانتازيا هما وسيلتها للنجاة من صدمات الطفولة، آلية دفاعية ضد هجمات ذاكرة طفل مصدوم حيث تجد في خيالاتها تعويضا عن المحبة والرعاية المفقودة في واقعها.

أصاب الفيلم وترا حساسا في طرحه بهذا الوقت، إذ أتى متوافقا مع ذروة معركة الانتخابات الأميركية، وتقاطع مع فيلم “الإخوة الخمسة” وبمقصد مشترك، وهو فضح فساد منظومة العدالة التي تقوم عليها المنظمة السياسية.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة