مسلسل "ما وراء الطبيعة".. هل يخلق الاستسهال حبكات مرتبكة؟

"مرحبا..

الدكتور "رفعت إسماعيل" أستاذ أمراض الدم المتقاعد وهاوي الأشباح يتحدث إليكم..

أنا الشيخ الوحيد المتهالك الذي يقضي أيامه الأخيرة مسترجعا ما كان في شبابه من أحداث، والذي قضى ليلته جوار مومياء "دراكيولا" وصارع "العساس" في الصحراء، وطاردته لعنة الفرعون "أخيروم"".

(من مقدمة أسطورة البيت) (1)

في ليالٍ بعيدة، التفَّ أكثرنا حول كهل نحيف كالقلم الرصاص، أصلع كحوض لأسماك الزينة، معتل الصحة كمستعمرة درن كاملة، ويُدخِّن كبرلين حين دخلها الحلفاء. جلسنا ننصت إلى حكايات ومغامرات خاضها على مدار حياته، نرقب تفاصيلها التي تتجسّد أمامنا في سحابة دخان أفلتت من سيجارته، وفي كل مرة يوشك فيها على قص رواية له يُعيد التعريف بنفسه كما سبق وفعل قبل قليل في "أسطورة البيت"، إذ ربما يكون في الحلقة وجه جديد. هكذا قضينا قديما أمسيات لا تُحصى، نقلِّب صفحات سلسلة "ما وراء الطبيعة"، ومنا مَن دسّها خفية في الكتب التي يَستذكرها، وتوطدت علاقتنا بـ "رفعت إسماعيل" ليصبح رفيقا لنا نجوب معه عوالمه، حتى انصرمت السنوات، واشتدت الأعواد، وباعدت الأيام بيننا وبينه. لكن ما كان لنا أبدا أن ننسى صديقنا العجوز، الذي اقتربنا منه وأحببناه بشخصه الساخر، والبلايا التي لا تكف عن طرق بابه، وتشاؤمه الدائم وعلمه الغزير وقلبه الدافئ.

لم يكن "رفعت إسماعيل" إلا طيفا في مقدورك أن تلمس فيه روح الكاتب والدكتور "أحمد خالد توفيق" الذي كتب تلك السلسلة من ضمن أعماله. ودّ "أحمد خالد توفيق" لو تحولت السلسلة إلى عمل مرئي، وقد أخذ عديدون على عاتقهم تلك المهمة، لكن مساعيهم قوبلت بالتعثُّر، فظلَّ حلما غير مكتمل في معيّة الكاتب عندما كان على قيد الحياة. وقد كان المخرج "عمرو سلامة" ممّن عقدوا العزم منذ وقت طويل على خوض تلك المحاولة، فمنذ أربعة عشر عاما راسل "أحمد خالد توفيق" وهو لا يزال في مقتبل عمره عن ذلك، فلاقت الفكرة استحسانا لدى الكاتب. حينها، نظم "عمرو سلامة" سيناريو وعرضه على "أحمد خالد توفيق" الذي أعرب عن عدم ممانعته له، مُلقيا بملاحظة مضمونها أن السيناريو بعيد عن روح السلسلة، لكن لا بأس؛ فالسينما وسيط مختلف عن وسيط الأدب، أكثر انفتاحا، وغير منقادة لسلطة القواعد المفروضة على الكلمات. سيموت الكاتب، وتمضي السنون، ويتبدّل السيناريو، ويُخرِج المخرج العنيد بالتعاون مع المخرج "ماجد الأنصاري" مسلسلا مأخوذا عن السلسلة، ليصبح أول إنتاج لشبكة "نتفليكس" في مصر. لكن ملاحظة "أحمد خالد توفيق" الثاقبة التي أطلقها قديما قد لا تزال تنطبق على السيناريو الحالي الذي خلق مسلسل "ما وراء الطبيعة".

 

لم يحكم الروايات الأصلية للسلسلة سياق زمني ثابت، لذا لكي يبني "عمرو سلامة" المسلسل قام باختلاق سياقه الزمني الخاص، فوقع اختياره على حقبة الستينيات، ومن ثم انتقى روايات من السلسلة ووصل بينها واقتبس منها بشكل حرفي أو مقتطع، فجعل البيت (بيت الخضراوي) المستمد من أسطورة تحمل الاسم ذاته هيكلَ المسلسل، ومركزَ الأحداث، ومبتدأها وخاتمتها، يليها أسطورة "لعنة الفرعون"، ليأتي بعدها العساس من أسطورة "حارس الكهف" الممزوجة مع أسطورة "حكايات التاروت"، وتحل بعدها أسطورة "النداهة"، ثم أسطورة "الجاثوم"، قبل العودة إلى البيت مرة أخرى. فهل وُفِّق "عمرو سلامة" في صنع حبكة مُتقنة؟

ينطلق المسلسل من حقيقة أن "رفعت إسماعيل" (أحمد أمين) قد أتمَّ الأربعين، وعند هذه النقطة يقابل "ماجي" (رزان جمال)، زميلته الاسكتلندية التي درس معها في اسكتلندا منذ سنوات طويلة ووقع في حبها، التي أتت لزيارة مصر، فيدعوها لتناول الغداء عند شقيقته وتقبل. "ماجي" حتى الآن غريبة جزئيا عن عالم رفعت في المسلسل، لذا من خلال إقحامها معه في أغلب المشاهد تتبلور لنا رؤية "عمرو سلامة"، فوجودها لا بد أن يُحيي قصة الحب الصامتة التي تجمعها بـ "رفعت" التي أسبغت على روايات من السلسلة صبغة رومانسية، وقد تكون "ماجي" وسيطا بين المشاهد و"رفعت"، فحين يُقدِّم لها أفراد عائلته في الحلقة الأولى فإنه يُقدِّمهم لنا أيضا، مثل: "رضا" شقيقه الأكبر (رشدي الشامي)، و"رئيفة" (سماء إبراهيم) شقيقته وزوجها "طلعت" (باتع خليل)، وخطيبته "هويدا" (آية سماحة). لكن المزية التي نملكها بوصفنا مُشاهدين هي أن رفعت يخصّنا طوال الوقت بخواطره، في حين تجاهد الشخصيات الأخرى لاستدراجه في الحديث عنها، لذا فقد يكون الغرض الرئيسي من وجود "ماجي" طوال المسلسل هو إثارة شجن مَن قرؤوا السلسلة.

 

يلصق "رفعت" بنفسه صفة النحس منذ الظهور الأول له، وهو ما تحاول أحداث المسلسل إثباته بالفعل، ويُصرِّح في مذكراته الخاصة أنه لا يؤمن بما يُسمى "ما وراء الطبيعة"، يتبع ذلك عودة "شيراز" (ريم عبد القادر) حب الطفولة الأول، وهي ليست سوى شبح، ليُعلن ذلك عن صراع بين الخرافة والعلم على شفا أن يخوضه رفعت.

 

يؤكد مشهد ذو دلالة رمزية من الحلقة الثانية ذلك الصراع، وفيه يجد "رفعت" نفسه مدفوعا من قِبَل شقيقته لاصطحاب هويدا إلى السينما، فيشاهدان فيلم "قنديل أم هاشم" الذي أخرجه "كمال عطية" وكان من بطولة "شكري سرحان"، الفيلم الذي كان رواية في الأساس لـ "يحيى حقي" يقوم جوهره على رفض بطله "إسماعيل" (شكري سرحان) للخرافة وتعصُّبه للعلم (2). يرتحل "إسماعيل" من السيدة زينب في مصر إلى ألمانيا ليستكمل دراسته، ويتعرف على فتاة ألمانية، يمر الزمن ويعود إلى مصر ويقوم بخطبة فتاة من أقاربه. بين "إسماعيل" في الفيلم و"رفعت إسماعيل" في المسلسل اسم مشترك، يُبطنه درب يسيران فيه على منوال واحد، محاولين الصمود في معركة بين قوة الأسطورة والعلم.

 

في تلك المرحلة، وقبل ذهابهما إلى السينما، يكون "رفعت إسماعيل" منخرطا في مغامرته مع لعنة الفرعون، ويكون قد استُدعي من قِبَل جهات رسمية قبيل لقائهما بقليل لمحاولة تشريح مومياء، وانطلقت من المومياء آفات وجدت إحداها طريقها إلى علبة سجائر رفعت. لاحقا، في السينما، تنتزع هويدا تلك العلبة من رفعت الذي لا يكف عن التدخين وتحتفظ بها لمنعه عن مواصلة تدخينه، وبعد أن يوصلها إلى المنزل، ولأن لعنة الفرعون قد سكنت علبة السجائر، تنزل بها اللعنة عوضا عن رفعت، وقبل أن تسقط فاقدة الوعي تلمح شبح "شيراز". أثناء ذلك، في شقة رفعت، يكون هناك مَن يحاول إقناعه بأمر تلك اللعنة، التي ستقضي على العالم، ذلك الشاب ليس سوى "رمزي".

 

القارئ قد يتذكّر "رمزي حبيب" عالم المصريات من الرواية، لكننا بوصفنا مشاهدين فقط نجدنا نتساءل عن شخصه، إذ لا يُقدَّم. نقف في تلك الحلقة من المسلسل على تساؤل: لماذا جرى انتقاء رفعت من الأساس من ضمن العلماء المختارين لتلك المهمة ولم يكن قد ذاع صيته بعد؟ تجيبنا الرواية الأصلية أن رفعت كان قد مَرَّ ببعض التجارب الميتافيزيقية بالفعل، فأسطورة لعنة الفرعون التي تعتمد عليها أحداث هذه الحلقة هي العدد التاسع من السلسلة. إذن أين الخلاص من اللعنة التي استشرت وستمحو العالم؟ تأتي إجابة المسلسل بأن يستولي "رفعت" على المومياء الواجب تشريحها ويأخذها إلى معبد آخر لتجتمع فيه مع حبها الأبدي، والطريق إلى ذلك مُمهَّد، وفي اليوم التالي ستتحدّث الصحف عن إنقاذه للعالم.

ما يُفتقَد هو الكيفية والسببية لبعض أحداث المسلسل، ويؤثر القفز السريع بين اللقطات سلبيا على الترابط المنطقي للأحداث. قد تكون رغبة صُنّاع المسلسل في إرضاء جمهور الروايات الذين يُشكِّلون قاعدة جماهيرية واسعة قد حدت بهم إلى شيء من التشتت، فاقتباس قطع نصية من الأعمال الأصلية أشبه بأن تقتطع نبتة دون النظر إلى منابتها وامتداد جذوعها. بعبارة أخرى؛ قد يكون السياق الذي تأخذه وتبني عليه غير مكتمل، وبعدم إتيانك بسياق آخر في متانة السابق فإن ذلك قد يُهدِّد إنتاجك الإبداعي. في سياق ذلك، في لقاء لـ "عمرو سلامة"، عرّف الإبداع أنه تركيبات جديدة لعوامل قديمة، وتتمة ذلك التعريف هما الجرأة والخيال، ركيزتا الإبداع، وقد أقدم صُنّاع المسلسل على خلق رؤيتهم لكنهم آثروا البقاء بين الخطوط الآمنة، ولم يمنحوا الخيال دورا يلعبه، ليشرع ذلك باب الاستسهال.

 

تُبرهن المؤثرات البصرية على ذلك الاستسهال، فحين لا تستعيد "هويدا" وعيها في المشفى وتبقى على هذه الحال لفترة، يشد "رفعت" الرحال إلى ليبيا للبحث عن زهرة نادرة قد تكون الترياق لـ "هويدا"، وتصحبه "ماجي" و"لوي" زميل الدراسة القديم. الزهرة في الكهف، والكهف يحرسه وحش أسطوري، وتنهار التوقعات المبنية عن هيئة الوحش فور إبصاره، فهو أقرب ما يكون إلى غوريلا، وهو الاقتباس الحرفي للرواية الأصلية، الذي ينم عن الاستسهال الفكري المطلق، أن تأخذ أول ما يصادفك.

"إنك تتخيله غوريلا ضخمة، أو ذئبا عملاقا، أو شيئا يشبه "العملاق الأخضر" الذي لم نكن نعرفه وقتها.. في الواقع، لا، أنت مخطئ.. لم يكن "العساس" يشبه أيًّا من الوحوش التي تحترم نفسها".(3)

(من أسطورة حارس الكهف)

في غضون تلك الأحداث، يُلقي "رفعت" بتعليق داخلي ساخر على لوي الذي رغم كل ما مروا به ما زال يحافظ على هندامه وأناقته ولا يبدو مثلهما، وفي قول "رفعت" إشارة ذات مغزى لا ندركها إلا في الحلقة الأخيرة، وهو أن "لوي" هو "لوسيفر"، وهو ليس سوى الشيطان (4). التأثيرات البصرية الأخرى من النداهة وحتى الجاثوم لم تكن أفضل حالا، بدا الأخير على وجه الأخص شبيها بأفلام الرعب، تلك التي قد يكون قد تأثّر بها "عمرو سلامة". ففي فترة إعداده للمسلسل، انكبَّ على مشاهدة كمٍّ من أفلام الرعب (5) مثل: "طارد الأرواح الشريرة" (The Exorcist)، و"القرية" (The Village)، والفيلم الكوري "قصة شقيقتين" (Tale of Two Sisters).

 

وفي حلقة النداهة، يُحكِم أهل "رفعت" وثاقه هو و"رضا" في غرفة واحدة لكي لا يُلبّيان نداء النداهة. تصيبهما الهلاوس، وكما هو واضح يصير عقلهما مغيبا، إلى أن يتبادلا حديثا مباغتا وعتابا يُعرب عن عقل صافٍ. لا يُعبِّر المشهد عن الاستسهال فحسب، بل يمضي ليُشكِّل فجوة في الحبكة ويزيد عنصر الإرباك فيها، وفي تلك الحلقة يلقى "رضا" حتفه وهو يُنقذ حياة "رفعت".

 

بموت "رضا" الذي يلحقه "طلعت" يتفاقم الإحساس بالذنب عند "رفعت"، وتتثاقل خطاه، وينحني ظهره من فرط ما يحمله من ألم. يلجأ إلى والدته المريضة، ينحني إليها ويجهش بالبكاء، ويُبرِّر انقطاعه عن عيادتها بشعوره أنها في عالم آخر. ذلك المشهد من الحلقة الخامسة يُمثِّل ذروة صراعه، وبداية التهيؤ للوقوف على عتبات عوالم أخرى، وهو ما سينتهي به المسلسل. ما نراه من زاوية والدته المرتفعة هو شعور التخبُّط والانكسار.

 

يُسقِط "رفعت" مخاوفه وعجزه وسخطه وشعوره الدائم بالذنب، الممتد منذ الطفولة، على شبح "شيراز" الذي يؤرِّقه وعلى بيت الخضراوي. الأحلام قد تكون وسيلته للتنصُّل من مواجهة البيت مباشرة، هي جولة داخل عقله قد تُكلِّفه الكثير. على الجانب الآخر، يعجّ البيت بأشباح أخرى تتصل بعاطفته، كحبه الأول الذي يسكن فيه، وتفضح تلك الأشباح إخفاقاته وضلالاته.

 

"ماذا سيقولون عني حين أموت؟ د. رفعت إسماعيل راهب العلم الذي لم يتزوج من أجل دراسة أمراض الدم، له أسفار عديدة وصداقات كثيرة في الوسط العلمي، وله تأملات خاصة في "الميتافيزيقا".. هذا هو كل شيء.. ولكن أين حقيقتي؟ أين معاناتي العاطفية؟ مشاكلي مع التدخين؟ مخاوفي وإحباطاتي؟ لحظات نصري ولحظات هزيمتي؟ كل هذا لن يعرفه أحد سوى مَن دنا مني إلى مسافة سنتيمترات وسمع سعالي ليلا، وأصغى لصوت اصطكاك أسناني بردا، وخاض معي مغامرة اختيار ربطة عنق قبل أن أقابل خطيبتي".

(ما وراء الطبيعة، أحمد خالد توفيق)

هل "رفعت إسماعيل" الذي قدَّمه المسلسل هو "رفعت" ذاته الذي نعرفه من الروايات؟ "رفعت" في المسلسل شخص مرتاع، لا يُحسِن التصرُّف من وجهة نظر الآخرين ولا يُجيد عمل شيء، أتفه الأمور كأعقدها من حيث قدرتها على أن تُشعره بالتهديد، تعوزه الشجاعة، ويحطّ الآخرون من شأنه، ويُنعت بالجبن. تهكُّمه على الآخرين ليس سخرية مستساغة وإنما سخرية أقرب إلى الاستهزاء، لا يُعرَّف على أكمل وجه، إذ صُوِّرت ثقافته وعلمه بضحالة، وتبدو فطنته وحسه الساخر مفتقرين إلى الكمال. بعبارة أخرى؛ إنه رفعت آخر نجهله، يُذكِّرنا مظهره فقط بشخص نحبه.

 

في الروايات الأصلية مارس "رفعت" دوره بوصفه هادما للأساطير، وقد أثبت بطلان كثير منها، على غرار النداهة والبيت ومصاص الدماء، ولم يكن مُحمَّلا بالذنب إلى ذلك الحد، وليس من شيمه التخلي عن والدته بحجة مرضها، لكنه قد يكون متشائما، وهادئا، ومُتحفِّظا، ويميل للوحدة. فهل يوجد احتمال أن ارتباطنا العاطفي بالشخصية قد حصر منظورنا لنعلم خبايا وسريرة "رفعت" في الروايات، بينما ما يراه الآخرون هو بالفعل انعكاسه الخارجي؟ ولماذا أغدقنا على "رفعت إسماعيل" كل تلك المحبة؟

 

"رفعت" هو نقيض البطل، وهو على شاكلة أغلب أبطال "أحمد خالد توفيق"، يبتعد عن المثالية، عجوز، نحيف، يدخن بشراهة ولا يكف عن السعال. يُشبهنا في عاديته، في حيرته وتناقضاته، وربما في جانبه العاطفي. تشعر أن بإمكانك رؤيته ببذلته الكحلية التي تجعله فاتنا بين العابرين وفي زحام الطرقات، في أحد أفراد عائلتك أو في المرآة، اليوم أو بعد سنوات، وأنه ما من حاجة إلى أن تكون مثاليا حتى يقع في حبك العالم، قد تكون فريدا بعاديتك، هكذا يأسرك بروحه وقُربه منك تماما مثل مُختلِقه "أحمد خالد توفيق".

 

يتجلّى في المسلسل مثلث حب، نراه واضحا في أغلب المشاهد التي تجمع "رفعت" و"ماجي" و"هويدا". "ماجي" هي الحب الراسخ في وجدان "رفعت"، هي الفرصة التي لا يجسر "رفعت" على الاقتراب منها، لماذا؟ لأنها تحتاج إلى مبادرة، و"رفعت" ليس إيجابيا على الدوام، وكل ما فيها يوحي بوجوب أن يخرج "رفعت" من مساحاته الآمنه ليكون معها، من شعرها المستعار الذي كان صيحة في السبعينيات والمائل إلى الحُمرة إلى الألوان التي ترتديها، اللون الأحمر وتدرُّجاته المُعبِّر عن مشاعر الحب والشغف والطاقة. بينما تبدو "هويدا" كما لو كانت تأخذ صفه، وأنها في مساحته الآمنة، يُعبِّر عن ذلك تصفيفة شعرها المستعار، والألوان الهادئة التي تتَّشح بها، وهنا تحديدا اللون الأسود الذي يقترب كثيرا من ألوان بذلة رفعت.

 

بين "ماجي" و"هويدا" يتقدَّم "رفعت" خطوة إلى الأمام، وكأنه راغب في تخطيهما وجعلهما جزءا من الماضي. إنه ببساطة لا يختار إحداهما، يتخلى عن "هويدا" رغم حبه لها، لكنه يعجز عن إنكار حبه لـ "ماجي". بظهور "شيراز" يتسع المثلث الذي يجمعهم ويصبح مربعا، حينها يحدث توازن في العلاقات. تعرف "هويدا" حقيقة شعورها وتنسحب، تحذو شيراز حذوها بعد أن تُنقذ حياته، فلا يعود في الصورة سوى "ماجي" و"رفعت" وقصيدة لرفعت يحادثها فيها عن حبهما الباقي حتى تحترق النجوم.

"- للأبد؟
* ماذا؟
ـ ستظل تحبني للأبد؟
* حتى تحترق النجوم..
وحتى تفنى العوالم..
حتى تتصادم الكواكب، وتذبل الشموس..
وحتى ينطفئ القمر، وتجف البِحار والأنهار..
حتى أشيخ فتتآكل ذكرياتي..
حتى يعجز لساني عن لفظ اسمك..
حتى ينبض قلبي للمرة الأخيرة..
فقط عند ذلك ربما أتوقف
ربما..".

_____________________________________________________________________________

المصادر

  1. أسطورة البيت
  2. فيلم جامد + CINEMATOLOGY : مناقشة تفاصيل التفاصيل لمسلسل ما وراء الطبيعة
  3. أسطورة حارس الكهف
  4. فيلم جامد + CINEMATOLOGY : مناقشة تفاصيل التفاصيل لمسلسل ما وراء الطبيعة
  5. مراجعة مسلسل "ما وراء الطبيعة" بدون حرق + لقاءات مع فريق العمل | FilmGamed

حول هذه القصة

تشبث آن بالخيال وغرقها في الفانتازيا هما وسيلتها للنجاة من صدمات الطفولة، آلية دفاعية ضد هجمات ذاكرة طفل مصدوم حيث تجد في خيالاتها تعويضا عن المحبة والرعاية المفقودة في واقعها.

أصاب الفيلم وترا حساسا في طرحه بهذا الوقت، إذ أتى متوافقا مع ذروة معركة الانتخابات الأميركية، وتقاطع مع فيلم “الإخوة الخمسة” وبمقصد مشترك، وهو فضح فساد منظومة العدالة التي تقوم عليها المنظمة السياسية.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة